حسين سرمك حسن : ضياء الخالدي في “قتلة” : الفن العظيم ينتعش حتى في الجحيم (3/ الأخيرة)

hussein sarmak# عثرات وهنات :

سؤال الجدوى والوظيفة :  
في بعض المواقف ، يقدّم الكاتب معلومات مهمّة ومصوغة بلغة جميلة رائقة ، لكنك حين تنتهي من قراءتها ، تعود لتتساءل عن “الجدوى” منها ، وعن دورها ووظيفتها في هذه المحطة السردية من الحكاية أو تلك ؟ يتكرّر هذا الأمر كثيرا . فحين يتحدث عن حي السيدية يكون الحديث مناسبا لأنه يسكن في هذا الحي ، ومتابعة تحولات الحياة العنيفة فيه جزء مهم من حكايته . وهذا ينطبق على حي التراث الذي كان يسكن فيه وجاء هاربا من انحطاطه الاجتماعي . وتأتي الإشارة إلى حي الأطباء معقولة لأنه الحي المرفّه المتحضّر الذي كان يحلم بالعيش فيه . ولكن أن تنتقل إلى وصف حي الجهاد لأنه يحاذي حي الأطباء الذي كنت تحلم بالعيش فيه .. وسيارة الكوستر التي انفجرت فيه والجثث المحترقة .. إلخ .. ثم الحديث المطوّل نسبيا عن “جبار الأبتر” المعاق في الحرب ، وكيف انبترت قدمه اليمنى في المعركة .. وحاله وهو يستجدي الأن .. وإلى آخره من معلومات سوف يتركها الكاتب ولا يعود إليها ، فإن هذا السلوك سوف يفتح علينا بابا سرديا لا ينتهي لأنه بلا وظيفة وبلا جدوى . فحي الجهاد يحاذي الحي الفلاني وإلى يمين حي الأطباء حي آخر . فهل نصفها كلها ؟ ونصِف الشخصيات الإشكالية فيها ؟ سننتقل من حي إلى آخر لنجد أنفسنا أخيرا في البصرة !
إذا كان الكاتب يذكر كل شيء يراه أو يمر بذاكرته أو تحيله إليه سلاسل الأماكن والحوادث فمعنى ذلك أننا سنكون أمام كتب في التاريخ أو الجغرافية أو الأنثروبولوجيا “الأناسة” ، وليس أمام حكاية . أي معلومة تُذكر يجب أن تكون ذات جدوى ودور ، وهذه تنبع من صلتها بالشخصية الرئيسية أو الحدث المركزي . وعندما تكون للشخصية تداعياتها فإنها يمكن أن تنفلت إلى حدود بعيدة ، والكاتب هو الذي يلجم تداعياتها ويجعلها منضبطة بحدود الجدوى السردية . وبخلافه ستحصل استطالات وذيول تُثقل جسد الرواية وتوصلها إلى الترهّل .

# إستطالات :
diaa alkhalidiعندما تُخبر شكرية ، حمدان ، بأن الشيخ مؤيد لم يقتل أباه، وإن من قتله شخص طيّب ، وتتسرب شكوك الإنفضاح المخيفة إلى نفس عماد ، يفكر بفضيحة انكشافه أمام أهل المنطقة وكونه إرهابيا ، ويبدأ بالتألم لضياع ليالي الصيف فوق السطوح وأغاني يوسف عمر ، ويعرج على طفولته في ملاعب الغولف في حدائق المنصور وهو يحمل حقائب المضارب للأجانب .. والشرقيون لا يدفعون مثل الأوربيين .. إلخ (ص 45 و46) .
ومن الواضح أنها استطالة لا صلة لها ، لعل سببها تماهي الكاتب مع بطله وتلبسه همومه حدّ استدرار الشفقة من القارىء . والأمر نفسه يُقال عن شرح طبيعة حي الحمراء الذي تسكنه “سلمى” ووجود “تكية” فيه .. والتكية فيها دراويش ..والدراويش أقاموا حفلا للطعن بأسياخ الحديد حضرها “عزت الدوري” متمايلا يمينا وشمالا .. إلخ . وكلّها استطالات لا صلة لها بالمسار السردي الراهن ، وتؤدي إلى برودة حركة السرد اللاهثة الرائعة التي صمّمها الكاتب .
وقد يؤدي ضغط الخزين الكبير للمعلومات إلى انسرابها بصورة تراكمية بفعل احتشادها مستنفرة في ذهن الكاتب . فقد تحدث عماد عن الطبيعة المتناقضة لعلاقته بالسياسة ، وكيف أنه يحبّها لكنه لا يريد المغامرة في معتركها . إنه لا يمكن أن يضطلع بإسعاد الناس في السياسة إذا كانت ستسبب له أذى جسدياً . ولهذا فهو يحلّق في سير وحكايات الساسة كنوري السعيد وهتلر وستالين وتشرشل وغيرهم . وإذا به ينتقل بصورة مفاجئة ليقدّم لنا هذه المعلومة :
(ذهب هاني الفكيكي أواخر الخمسينات إلى دمشق ، لإعادة ترتيب أوراق البعث هناك ، وأخذه العجب حين وجد الرفاق السوريين يجلسون في مقهى يجمعهم بالشيوعيين والقوميين – ص 73) .
صحيح أن الكاتب قد يقول أنه يريد الإشارة إلى أن احتمالات الأذى الجسدي والتصفية أكثر انتشارا في العمل السياسي في بغداد منه في دمشق مثلا ، لكن الصياغة متراخية والربط غير واضح .
وتأتي استطالة أخرى تقطع نمو الأحداث وتصاعد احتدامها ، عندما يتعهد عماد بمعرفة حقيقة الشاب المقيّد الذي كان ديار يعذّبه في مقر الشركة ، مقابل أن لا يُعذَّب أو يُقتل . فعماد يأخذنا في رحلة وصفية عن حي البياع وشارع عشرين التجارية الصاخب فيه .. وكيف أصبح مثل الشورجة كسوق صغيرة للبضائع .. إلخ من تفاصيل أصابت المسار السردي بالبرود والتخافت (ص ص 97 و98 و99) .
وحين يودّع صديقه بلال بعد نزوله من الباص يحدّق في وجهه ، ويستعيد ذكريات سياسية “متخصّصة” :
(كان يبتسم عبر النافذة ، وملامح وجهه قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاما أراها الآن وقد التصقت بقسماته . أيام كان الباشا والملك الصغير قد kh diaودّعا البلد والحياة ، وكذلك الزعيم ، والأخوان عارف ، بينما البكر وصدّام كانا في نشوة الحكم – ص 109) .
وهي استطالة ذاكراتية سياسية “مخطّط” لها و”ملصقة” بوجه بلال من دون أن تكون لها التلقائية السردية التي تتناغم مع الموقف الحكائي القائم ، خصوصا أن عماد كان قد حدّد لنا ذكرى سلوكية وحيدة مع بلال في حي المنصور الذي انتقلت عائلته إليه صيف النكسة حيث كان أحد الاصدقاء الأربعة الذين ذهبوا معه إلى سينما روكسي في شارع الرشيد لمشاهدة الفيلم الذي اختاروه وكان فيلم “أم الهند” (ص 108) .
وهذه ممارسة سلوكية مراهقة وترفيهية لا تناسب الإستدعاء التراجعي لرموز الرئاسة السياسية . من المربك أن يكون ذهن الكاتب مشحونا حدّ التخمة بتفاصيل المحنة السياسية الحارقة برغم مشروعيتها ، فهذه التخمة – وهي سمة من سمات الشخصية العراقية – تسمّم تلقائية القصّ ، وتوقعه في مصائد متناقضة .
وكمثال على تناسب طريقة التفكير مع الإطار الفكري والسلوك العملي هو موقف “بلال” من الأحداث عموما ، ومن شكرية خصوصا .
وحين يغادر عماد مقر الشركة بعد الشجار الحامي مع ديار وعبود، ويستعيد الليلة الحمراء التي مارس فيها الأخيران الجنس مع الصبيّة “ميّادة” يقول : (السماء تلبدت بغيوم سود والهواء يبرد ، وميادة اغتُصبت بإرادتها – ص 155) .
ما هي علاقة ميّادة ، بعد أن شاهد مراهقا يحمل رشاشة وهو يدخل حي الشرطة الخامسة بسيارة التاكسي مع زوجته للإختباء في بيت بلال هرباً من ديار وعبود . وحتى لو كانت ميادة “رمزا” لمفهوم أو شيء أوسع ، فهو ترميز متناشز وغير دقيق . فميادة صبية بغي مارس معها ديار وعبود الجنس كما يحصل مع أي بغي أخرى . وحاولت اغواءه هو الذي رفض وقرر النوم على أرضية المطبخ . لكن دلالات حضورها تعني أشياء أعمق على انحراف ديار الذي لا براء منه ، والذي بدأه باغتصاب الصبية “هناء” سابقا .
وما هي علاقة الحديث عن الكتاب الذي يتحدث عن أسرار هروب نوري السعيد ومقتله ، والحديث الذي يسبقه عن كتب بلال الصفر عن التنجيم والجن والسحر  (ص 158) .
وفي الصفحة (159) قال عماد : قالت “أم إياد” إن زوجها ينتظرني في حجرته . من هي أم إياد ؟ إن إبن بلال هو “مصطفى” وليس إياد !
ثم يقول في الصفحة (165) : (تذكرت أول صورة إباحية شاهدتها في حياتي مع صلاح) ، ولا نعلم من هو صلاح ؟
وفي الصفحة (45) يقول: (بصيرة العجوز ستقدمني لقمة سهلة للزنازين والمقصلة) أين المقصلة في العراق ؟
وعلى الصفحة 175 ، وقبيل وصول عماد الهارب إلى داقوق ، رنّ هاتفه الخليوي وكان المتصل عماد ، يؤكّد له أن ديار غفر له ووافق على شروطه ، ولكن عماد كان قد أخبرنا قبل ذلك (ص 90) بأن حمدان وسلمى قد انسحبا من المجموعة بعد أن علما بقتل شقيق طرزان الحمراء خطأً .. فكيف عاد إلى ديار ؟
وفي حديثه عن هروب “عبود الحدّاد” قال : (لقد ترك البلاد قبل أن تشيع اسطورة أبو طبر في أحياء العاصمة بصفته القاتل رقم واحد ، وقبل شهرة المصارع الورقي عدنان القيسي ، وأيضا قبل شهرة السيّد النائب بتأميم نفط العراق – ص 27) . ولا علاقة لسلسلة الحوادث والتواريخ هذه بتحديد تاريخ مغادرة عبّود للبلاد . ولو واصل ضياء الحديث على هذه الشاكلة : قبل أن .. وقبل شيوع . وقبل شهرة .. فسيستمر في العد إلى أن يأتي الصباح ليسكته عن الكلام المباح !!

# تناقضات :

من المهم أن تكون أطراف أي موقف أو صورة سردية متناسبة من ناحية نوعية المزاج والعلاقات والعواطف المصاحبة . فحين يكون الموقف مثيرا للقلق والمخاوف والتوتر ، فإن من الطبيعي أن تكون النتيجة استثارة وامتعاضا في نفس الشخصية المعنية ، وإسقاطا للمشاعر الكامدة يلوّن المكان والموجودات . في الموقف الذي جاء فيه حمدان ليخبر عماد بأنه عرف قاتل أبيه وأثار تعليق شكرية رعب عماد ، قام الأخير بمحاولة لكسب الوقت بجعل حمدان يغادر البيت ، وقد تحقق له ذلك :
(وعندما أغلقت الباب الخارجي شعرت بأن طعم الهواء في رئتي منعش للغاية – ص 46) .
وهو يقصد أن تخلّصه من عماد قد أراحه تماما بعد اختناقه باحتمالات الإنفضاح ، إنفضاح جريمته ، ولكنه بهذا أجهض الموقف التوتري الكلّي الذي تفاعل معه القارىء ، وأنهاه عند هذا الحد “سرديا” ، في حين أنه مستمر انفعاليا في ذهن القارىء الذي ينتظر محاولته مع شكرية التي أوشكت على فضحه .
وليست التداعيات مرغوبة وتخدم الموقف الراهن دائما . يجب أن تكون محسوبة ليس نوعا وكمّاً حسب ، بل توقيتا ايضا . جاء حمدان في اليوم التالي ليعرف من شكرية هوية قاتل أبيه . قابله عماد في البيت وراح يصف عينيه وهما تفتشان عن شكرية التي جاءت تدب بخطواتها البطيئة (ص 47) وهنا تحقق انفتاح المشهد لأن المطلوب من مجىء عماد هو مقابلة شكرية ، والهدف هو الحصول على معلومات منها عن قاتل أبيه . هنا يبدأ عماد بوصف الحديقة وملابس الزوجة وذكر الفاختة وهي ترسل هديلها الذي ذكّره بطفولته في بستان الحاج راضي ! والمعني الأساس هو حمدان الذي يبغي استجواب شكرية ، والقارىء ينتظر ذلك ، ولا علاقة له – في هذا التوقيت تحديدا – بذكريات الطفولة ، القارىء ينظر بعين حمدان الآن ، ويخمّن استجاباته ، ولا علاقة له بطفولة عماد .                                                               ومثل هذا يُقال عن الطبيعة النوعية للإنفعالات المصاحبة للذكريات ، وهي انفعالات إيجابية مسرّة لا تناسب ، بل تُضعف ، الإنفعالات السلبية المؤلمة المصاحبة للموقف الراهن وتطفئها .

# توقيت غير موفّق :

ثم نأتي لنتساءل عن سرّ “التوقيت” الذي اختاره ضياء ليجعل ديار يكشف طبيعة الدافع الأساسي والحقيقي لمشروعهم في “قتل السيّئين” ، وذلك على الصفحة 138 حيث أعلن ديار لعماد أن عملهم طول الفترة الماضية كان “دافعه المال وأشياء أخرى” ! لقد جنّ عماد الذي كان يعتقد أن نوايا ديار بيضاء وسليمة تريد تنظيف البلاد من السيئين . ولكن سيثور تساؤل ملح : ما هو المبرر الذي جعل ديار يكشف مخططه السري أمام عماد من دون سبب ضاغط ومحرج ، الأمر الذي أهار المخطط بأكمله ، ودفع عماد إلى صبّ نقمته عليهم وشتمهم والهروب منهم ؟
كان من الممكن لديار أن يجد تبريرات لأي موقف محرج مثل موقف الفتاة المراهقة التي دخلت الشقة باكية ، وارتمت على قدميه شاكية من أن أهلها سيقتلونها .. أو مفاجأته عماد بمعرفته بهجمة بلال على العجوز شكرية التي أوشكت على الموت .. إلخ . أي موقف كان من الممكن تبريره والإستمرار في استغفال عماد ، من دون أن يقوّض مخططه . لقد استعجل ضياء في كشف اللعبة بلا ظرف يبرر ذلك كأن – على سبيل المثال – يطّلع عماد على عملية تنسيق بين ديار أو عبود والشيخ مؤيد بدلا من أن يخبراه بذلك بصورة مباشرة لا تحقق نقلة درامية مبررة .
المهم أن صداما كلاميا حادا وحارقا حصل بين عماد من جهة ، وديار وعبود من جهة آخرى، كان من المتوقّع أن يتوّج بخروج عماد مهما كانت التطمينات والتهديدات ، لكنه تخاذل وخضع لأمر ديار بالبقاء ، مبرّراً ذلك بعودة تبريرية باهتة إلى ذكريات طفولته لا تتناسب مع اضطلاعه بدور أساسي في مخططات لقتل الناس وتجنيد الشباب والتفاهم مع الشيخ مؤيد .. إلخ :
(لا أعلم لماذا حملتني الذاكرة إلى أبعد نقطة من طفولتي . وأنا أتوسل أبي أن يأخذني معه إلى ملهى في الميدان في الأربعينيات . كنت متلهّفاً لمشاهدة جعفر لقلق زاده .. كنت أتمنى أن أكبر بسرعة لأعرف الأسرار والحكايات التي تخص الكبار . العالم كان مقفلا على طفل صغير مثلي – ص 143) .
لقد كشفا له بوضوح صادم ومستفز أن الغاية من أفعالهما هو أن يبقى الشارع العراقي غير مستقر ، فلهما مصالح كبرى في ذلك ، وأنهما يكشفان له سرهما لأنهما يريدان أن يجعلاه اسماً كبيراً مستغلّين حقيقة كونه “من الداخل” ، ولم يغادر البلد ، وبإمكانه – لو أغمض عينيه قليلاً عن العثرات التي لابدّ من تحطيمها – أن يبرز إلى الواجهة ، ويُنتخب فتكون لديه سلطة مطلقة يحقق بها ما يريد (ص 139) .
وفي حوارهما مع عماد أحالا أذهاننا إلى ظاهرة مدمّرة يتعامل معها الكثيرون بطريقة التهوين ، أو بالطريقة “النعّامية” ، وتتعلق بالجنسية المزدوجة .. وموضوعة العودة من المنافي لتسنّم المسؤوليات الجديدة . هناك حقيقة أخفاها عنّا كل من حصل على الجنسية من بلد ثان ، ولكن كشفتها بصورة رائعة وشديدة التأثير الروائية “إنعام كجه جي” في روايتها “الحفيدة الأمريكية” من خلال المشهد المتستر عليه من قبل أخواننا العراقيين المهاجرين ، والذي تردد فيه عائلة الحفيدة الخفيفة حد الإستهتار بكل القيم ، قسم الحصول على الجنسية الأمريكية في قطعة فنية يمكن أن تكون من بين كلاسيكيات السرد في مجال عذابات الحصول على الجنسية المزدوجة ، وتأثيراتها  المدمّرة للنفس البشرية المؤمنة التي ترفض الشِرك ؛ قطعة مزّقت بها الأستار عن هذه المحنة التي تستر عليها كل العراقيين ، ولم يتحدثوا عنها بسبب عذاب الضمير والوجدان الحي المؤسس في أعماقهم عبر آلاف السنين . تصف أنعام كجه جي عذاب أمّها البسيطة وغير المثقفة والتي لا تعرف الحداثة العولمية :
” إستقرت على رفّ المدفأة في غرفة المعيشة صورتنا التذكارية التي نبدو فيها ، نحن الأربعة، واقفين في حديقة بيتنا وقد اتخذنا هيئة رسمية في اليوم الذي أصبحنا فيه أمريكيين . يا له من يوم انتظرناه بفارغ الصبر .
لا يحتاج من يتأمل الصورة لفطنة كبيرة ليعرف أن أبي ارتدى للمناسبة ، البذلة الكحلية التي فصّلها له (مجّودي الخياط) في سوق بغداد الجديدة ،  أما الصبي الأشقر النحيل الذي هو أخي جايزن والشابة السمراء التي تبدو وكأنهم استعاروها من أسرة أخرى ؛ أنا ، فقد لبسنا ما أمرتنا به أمّي ، بدون مناقشة .
هي وحدها التي لم تتهندم ، ولم تمر بقلم الكحل الأسود الرفيع على جفنيها العلويين ، زينتها الوحيدة التي تتمسك بها . كانت قد ارتدت فستانها القديم الأزرق الواسع الذي نعرف حالما نراها فيه أننا في يوم التنظيفات الكبرى . ولم تنفع احتجاجاتنا في زحزحة عنادها .
-العناد وحمة وُلدت بها “بتول” .. خلقة من الله
هذا ما كانت تقوله جدتي عن ابنتها البكر ، أمّي
بتول لم تتهندم وتتزين مثل الآلاف الذين غصّت بهم المنطقة المحيطة بجامعة “وين ستيت” في ديترويت . كانت البلدية قد صفّت آلاف الكراسي في الشارع العام ، وجاءت الحشود السعيدة من عرب وبورتوريكيين وصينيين وهنود واحتلت الأماكن . كل وأحد  يرتدي أفضل ما يملك من ثياب كأنه في عيد ، بل أندر من العيد لأنه لا يتكرر مرتين .
مشت أمّي مبتعدة عنّا كمن يمشي في جنازة . وجلست ملمومة على نفسها تحتضن حقيبتها اليدوية وكأنها تتستر على شيء ما في داخلها . وبدأت ترمق شزراً جيرانها في الصفوف الأمامية والخلفية ، أولئك الذين لا تسعهم الفرحة بحلول موعد تجنيسهم . إنه عرسهم الجماعي. اللحظة التي ستطرد عنهم الخوف وتبعد شبح التشرّد إلى الأبد . اليوم الذي سيؤدون فيه يمين الولاء للوطن الجديد الفائض الخيرات . وبعد أداء القسم ، سيحق لكل منهم أن يدفع بصدره إلى أمام ويتباهى :
” آي آم أن أميريكان سيتيزن ” .
حين بدأ مكبّر الصوت ينقل خطاب حاكم الولاية وهو يقرأ النص الذي يعلن الولاء للأرض الجديدة ، حين نهض حشد الرجال والنساء واقفين وارتفعت أصواتهم جميعا مردّدة وراءه عبارات القسم بانفعال وتوكيد ، حين راح الأمريكان الجدد الحاصلون على الجنسية ، للتوّ ، يتعانقون ويتبادلون التهاني .. حينها سمعت صوت أمي يتحشرج وكأنها تختنق ، والتفتّ إليها ورأيت وجهها الأبيض الوديع وقد صار قرمزيا كمن داهمتها حمّى ، والدموع تهطل غزيرة من عينيها وتفرّ متبخّرة من سخونة خدّيها ، مثلما يحدث عندما تتساقط قطرات الماء من إبريق الشاي على عين الموقد الكهربائي .
مددت يدي وتلقفت يد ماما المتيبسة ، بينما الجموع تضع أيديها على مواضع قلوبها وتلهج بالنشيد الوطني الذي تعزفه فرقة للجاز :
” يا ربّ احفظ أميركا
غاد بلِس أميركا ” God Bless America
وكان صوت السيدة العراقية ” بتول الساعور ” ، أمّي ، هو النشاز الوحيد الذي يولول بالعربية :
” سامحني يا أبي ..
يابا سامحني ….. ”
كيف حضر جدّي يوسف ؛ أبو أمّي ، إلى شارع الجامعة في ديترويت ؟ – ص 27و28و29″ (10) .

# مداخلة من باحث نفسي :

في مقالة (إرجعوا أيّها الأوروبيون إلى عوائلكم)، أطلق الباحث والطبيب النفسي الدكتور “محمد العبودي” ، صرخة كانت مكتومة في نفوس كثيرين عجزوا أو خجلوا أو جبنوا عن إطلاقها ، وتتعلق بمقدار صلاحية العراقيين ممن اكتسبوا الجنسيات الغربية الأوروبية والأمريكية خصوصا ، للتصدي لقيادة البلاد بعد الإحتلال . يصرخ محمد العبودي بكل جرأة صرخة حق هادرة :
(أحسّوا أنهم ابتعدوا عن مخالب الأخطبوط الصدّامي، وهم يوقّعون أوراق اكتساب الجنسية، ولكن فاتهم شيء آخر هو أنهم وقّعوا على شهادة وفاتهم العراقية ! نعم ، إنهم أصبحوا كزملائهم الذين استشهدوا في سجون الطاغية؛ شهداء ولكن في الغربة – ص 82). (11)
ثم يمسك بالمفارقة المضحكة المبكية :
(المفارقة المضحكة المبكية أن شهداء الغربة عادوا إلى الوطن بعد سقوط الصنم وجدرانه المخيفة، وهم يحملون بين جنباتهم أوراقاً لم يجدوا من يستطيع قراءتها، كما أنهم لم يفهموا ما يقوله سجناء العراق. وهيهات لهما ذلك فهما عالمان لا يلتقيان إلا في عالم الخلود. فأنّى للطير أن يفهم ما تقوله السمكة! عاد وترك حياته وعائلته وجاء مرعوباً لازال يحمل نفس الخوف الذي اصطحبه معه عند الهجرة، فجاء مختفيا خلف جوازه الأوروبي ومحميا في المنطقة الخضراء، لا تربطه بهذه الأرض غير ذكريات مقتضبة لعالم لم يعد كما كان أبداً. لقد تعلّم أن المال في الغربة وطن، فحرص على أن يعبّ منه ما استطاع إليه سبيلا. ولأنه عاش في بيئة يحرص فيها المرء على سلامته كثيراً، تراه لا يكاد يغادر المنطقة المحمية غير مجازف يحمل عائلته معه، فهو قادم للخطوط الأمامية من الجبهة، وواجبه تجاه عائلته الصغيرة أن يبقيها هناك بعيدا عن الشمس والمفخخات حيث الكهرباء والماء نعمتان لا يثمنهما أحد في أوربا – ص 82 و83).(12)
ويكمل العبودي صرخته التشخيصية الدقيقة بالقول :
(المشكلة تبدأ عندما يريد أن يحكم هنا ويدير شؤون الرعية، وهو لا يكاد يفهم شيئا مما يقولون. نعم إنهم بحاجة لمن يقول لهم رحمكم الله يوم هاجرتم، وكتب في صفحتكم أنكم شهداء المهجر، فلا تفسدوا ما كُتب لكم، وعودوا إلى عوائلكم فأنتم أوربيون حلّت فيكم أرواح عراقيين شرفاء استشهدوا هناك في المهجر – ص 83). (13)
إن من يردد قسم بلاد المهجر ويحصل على جنسيتها ، هو في الواقع – وحسب العبودي – يوقّع شهادة وفاته كمواطن عراقي ، ويتسلّم شهادة ميلاده – مثلا – كمواطن أمريكي من اصل عراقي . ولهذا تبعات نفسية كبرى .

# لمحة ذات مغزى :

وقد تبدو الإشارة التالية “المظهرية” التي طرحها عماد عن لون وطبيعة بشرة “عبّود الحدّاد” شريك ديار ، والعائد من المهاجر ، إشارة عابرة وسطحية ، لكنها في الحقيقة تعبّر عن إحساس قطاع واسع من سكّان هذه البلاد ، الذين يعتقدون أن من هاجروا قد “أفلتوا” من الضيم الجمعي الذي أوقعه بهم النظام السابق :
(إنها قسمات شخص ترك الوطن منذ زمن . أعرف تلك البشرة الطرية التي تصنعها أجواء أوروبا ، فبشرتنا نحن العراقيين كالحة دائما بفعل شمس الصيف وبفعل الهموم والمصائب. بالتأكيد هو يعيش في لندن أو باريس أو أمستردام أو غيرها. لا يمكن لمحافظات البلد الثماني عشرة أن تنتج بشرة نقية كهذه – ص 26).
ولكن علينا أن لا ننسى أن من بقوا في الداخل كثيرا ما يجعلون المهاجر خصوصا “كبش فداء” يلقون على عاتقه أعباء خساراتهم وآلامهم ، ويُسقطون عليه إحباطاتهم ومسؤوليات آمالهم المحبطة .

# الأجيال الجديدة تتغيّر والقيادات الثوريّة تتخشّب :
لكن الشجار الكلامي المحتدم بين عماد والمتآمرين ديار وعبود ، كشف أبعادا نفسية واجتماعية آخرى من أهمها مسألتان حساستان : الأولى هي النظرة إلى الطبيعة السيكولوجية والتربوية للأجيال العراقية الجديدة التي شكّلت نفسيتها وشخصيتها عوامل جديدة بعد الستينات مغايرة تماما لتصوّرات عماد “الكلاسيكية”. قال له ديار:
(صورة الوطن التي تحملها في ذهنك ماتت . صورة الستينات وما بعدها . الأجيال العراقية التي وُلدت في زمن القمع والحروب والحصار كوّنوا صورة أخرى للبلد ، وعلينا نحن الكبار أن نعيها ، وندركها في كل خطوة أو مشروع ننفّذه – ص 139).
أمّا الثانية فتتمثل بتخلّف الجهات المرجعية السياسية ، الثوريّة خصوصاً ، عن إدراك هذا التغيير في شخصية الأجيال العراقية الجديدة خصوصا ، والشعب العراقي عموما. ومن جديد لا أحد من القيادات السياسية والدينية والتربوية في العراق يريد الإقتناع بأن “الشخصية العراقية” قد تغيّرت برغم أن من معطيات علم الإجتماع المعروفة أن شخصية كل جيل تتغير كل ربع قرن في ملامحها الأساسية . فكيف بأجيال تعرضت لأبشع عمليات غسيل الدماغ وقتله ومسخ القيم عبر الموت والتهديد والترغيب والترهيب والحصار والأهم سلاح سياسة “التقتيل” التي صممها الأمريكان ونفّذتها أدواتهم المحلية . إن عدم إدراك هذه الحقيقة سيسبّب خسائر اجتماعية كبرى . ولعل واحدا من أهم الأسباب – من وجهة نظر ديار – هو بقاء القيادات السياسية “القديمة” – يرمز لهم هنا بعماد – التي تناط بها مهمة تغيير المجتمع على جمودها وتحجّرها وقناعاتها المتصلّبة وأطروحاتها النمطية –  stereotype . هذا ما كشفه الحوار الختامي بين ديار وعماد :
(قال ديار :
-كنّا نعبد الحزب الشيوعي . أنا أسألك : كيف تصفه الآن ؟
بقيتُ صامتا فأكمل :
-عاشقوه مساكين ومحكومون بتاريخه ، لا يستطيعون الفكاك منه . مثل أغنية قديمة ، أو فيلم بالأبيض والأسود ، لو أدخلتها في سباق الأغاني مع أغان حديثة في إحدى الفضائيات ، فإنها لن تفوز حتى لو كانت من الروائع . السبب أن الجمهور ، وهؤلاء الشباب ، وحتى بعض الكبار ، لن يصوّتوا . الحزب مات . ينبغي وضعه في المتحف وفي الذاكرة . مثل حزب البعث . والدور القادم على الأحزاب الإسلامية ، وهكذا . الغبي من يبقى على الثوابت – ص 144) .
ومن المؤكد أن هناك قدرا كبيرا من التضارب والتصور الخاطىء في دعوة ديار هذه ، لكن على الجميع الإنتباه إليها ، فجانب مهم منها هو حقائق سلوكية على الأرض العراقية .

# الحزب الشيوعي العراقي يعزّي الإمام المهدي :  
لقد أسهمت الحركات السياسية الثورية – ويا  للعجب – في تشكّل “الجموع – crowds” بالمفهوم الاجتماعي والنفسي ، أو ما يُصطلح عليه بالغوغاء أحيانا .
وكنّا نتساءل بمرارة : كيف استولت أحزاب دينية كانت هامشية على الغالبية المطلقة من أصوات الناخبين العراقيين في حين لم يحتل الحزب الشيوعي ذو الثمانين عاماً فعلياً، مضمخة بدماء الشهداء على أي صوت !! لكن هذه المرارة تخف ولا تختفي عندما نضع في اعتبارنا الكيفية التي أسهمت فيها الحركات الوطنية التقدمية و “المتحضرة” العراقية نفسها في خلق “الجموع أو الحشود” التي تصلح بنيتها النفسية والاجتماعية لأي حماسة “قطيعية” .
تصوّر لافتة هائلة الحجم تُعلّق في مدخل شارع المتنبي في بغداد تحمل العبارات التالية :
( الحزب الشيوعي العراقي يعزّي صاحب العصر والزمان الإمام المهدي الغائب عجّل الله فرجه باستشهاد الإمام الحسين “ع” ) (14)
وضعْ هنا ألف علامة استفهام تثير الدهشة والمرارة .
إن خطورة التربية السياسية التي اضطلعت بها الأحزاب السياسية الثورية في العراق – وهي مفارقة عجيبة ، مضحكة ومبكية في الوقت نفسه – تتمثل في أنها أسست لبنية نفسية وعقلية صالحة لأي فكرة “جموعية” تنتعش فيها اشتراطات الحشد. ولهذا شهد العمل السياسي العراقي ظاهرة خطيرة ، تتمثل في سهولة تحوّل الشيوعي إلى بعثي ثم إلى إسلامي .. وفي كل هذه التيارات – ويا للعجب المدوّخ – ينشط، بل “يستبسل” المناضل السابق ليصل إلى المواقع القيادية العليا!!.
لم تُربي تلك الحركات أعضاءها على التفكير المنهجي رغم ادعائها بانها تمتلك أدواته، ولم تسلحهم بأساسيات المعرفة التي تجعلهم قادرين على التحليل والمحاكمة مهما اشتبكت الوقائع وادلهمت الخطوب .
وقد أوصلنا هذا إلى كارثة وطنية كبرى تتمثل في أن هؤلاء “المناضلين” المثقفين ، كانوا ناقصي التربية الوطنية حدّ الفاجعة المهولة في عدم التفريق بين الاحتلال والتحرير ، بخلاف جدّاتنا وأجدادنا الذين أذاقوا المستعمر البريطاني الويل وهم لا يقرأون ولا يكتبون ولا يتمنطقون بالمصطلحات .
ولو حاولنا الغوص عميقا في أحشاء هذه الظاهرة ، نستطيع التعبير عنها بـ “مجاز” نفسي يرى أنها شكل من أشكال “الدعارة” المعرفية أولا ، والسياسية ثانيا .
ولعل واحداً من أهم الأدلة التي ينقلها عماد إلينا فيما يتعلق بالفارق بين الجيل القديم والجيل الجديد ، هي العلاقة بالزمن ممثلا بالموقف من الماضي والحاضر . لقد اتصل عماد بحمدان ليخبره بأن حقيقة ديار الشيطانية قد انكشفت ، ففاجأه حمدان بالقول بأنه كان يتوقع ذلك ! :
(كيف أدرك حمدان حقيقة ديار وهو الشاب الذي تنقصه التجارب وخبرة السنوات ؟ لقد انتصر وعيه على وعي المسن صاحب الخبرة . ذلك له تفسيران : الأول أنني غبي وساذج ، والثاني أن جيل حمدان الذي عاش تسعينات الحصار ، والحرب الأخيرة ، امتلك وعياً يفوق وعينا . هو يعيش في الحاضر ومنغمس فيه ، بينما أمثالي ينطلقون من الماضي دائما ويحملون أفكاراً جميلة عن أوهام ماتت – ص 157) .

# العقل تافه إذاً :

يراجع عماد حساباته في وقفة من وقفات مراجعات ذاته المؤلمة :
(أي أحزاب أو أي إيمان بمعتقدات تنهار مع أول ضربة. لكن ما حدث ويحدث لنا يجعل أي إنسان يفكر في أيامه الحالية ، في ذلك العنف المنفلت ، وهل وصل إلى الحد الأقصى ؟ كل من كان يساند صدّام خسر في النهاية ، ومن كان يكرهه ذاق مرارة نظامه . هكذا انتهى الأمر . العقل تافه إذاً . لا حقائق تتمسك بها . التاريخ غبي ، ولا يهم إن قال عن صدام إنه طاغية . الفاعل في الشارع هو من يمسك المقود ويحدّد من سيعيش ومن سيُقتل . القصائد الجاهلة تتحول إلى رصاصات في شوارع العاصمة . كتلة غبية عمياء تتدحرج في الأحياء والمدن . علينا أن نهرب منها، نختبيء . يسكت العالِم أمام شخص أمّي يقرأ القرآن وهو خاشع من دون أن يفهم معنى ما يقرأ . سبب جهله ، وخشوعه ، تتم تعبئته حتى يمكن وصفه بالقاتل ، والإرهابي ، وبأنه ضد كل ما هو جميل في الحياة . في بلادنا ، الكثير ممن يبكون خشوعا لله يذبحوننا – ص 149) .
ويواصل تداعياته المريرة :
(لم يعد للعقل معنى . القيم العقلية تنهار . انهارت بالحصار وليس في قاعة الخلد . أحرقت كتاب “في سبيل البعث” وكتب إلياس فرح والرزّاز . آمنت بأن مقولة الإختلاف ، أو الإنحراف، في التطبيق كذبة . لا تخص البعثيين فقط وإنما كل نظرية اختلقها أناس استمنوا في  لحظات ذهنية على مر التاريخ . التنظير لم يقتل إنساناً ، فهو جنة على الورق ، لكن حين تختلط الأفكار بنوازعنا وخاصة إذا التصقت بعقل جاهل أو إنسان ذاق مرارة الجوع والفقر فإنها تتحول إلى بلاهة . جزّ رقبة كل من بخالف . يعني أنني كنت مخطئا طيلة الحرب الثمانينية ، وربما الريح الطائفية أو الوطنية هي التي سحبتني مع القطيع الحاكم ، فلا يمكن أن أتصوّر الإيرانيين وهم يدخلون بيوتنا . تاريخ مضى وأجيال كبرت ، وأخرى جاءت مع الخبز الاسود في التسعينات ، وأخرى تتقتح الآن بين الرصاص والإنفجارات – ص 153) .
إن أخطر ما ترتب على صدمة الإحتلال الأمريكي الفاشي الوحشي ، هو نفض اليد من “العقل” كطريق يعتمد المنطق والتحليل الهادىء الموضوعي للوقائع ورسم الحلول . لقد جاءنا “حل” وحشي من الخارج خدعنا وأثبت تلاعبه بـ “عقلنا” كشعب ، بعد أن تلاعب بهذا العقل ، وبلا رحمة ، وباستخفاف ، النظام السابق لأكثر من ثلاثة عقود . كان “يفكّر” بالنياية عنّا بعد أن فرض علينا النكوص إلى موقع الإعتمادية الطفلية السلبية . وها هي الإعتمادية الطفلية تتوسع وتغرق كل تفاصيل حياتنا ، ولكن باسم “عقل” جديد ، أبوي ، وكلّي القدرة ، يفكر نيابة عنّا ، هو الدين الآن ، لكنه في الواقع لا يختلف ، من الناحية النفسية ، عن العقائد الآيديولوجية ، كمطيّة تسخّرها دوافع اللاشعور :
(التاريخ يعود ثانية بحلّة مقدّسة . لكنه هذه المرّة بعاطفة ضخمة لا يتقبلها كياني دفعة واحدة . الغرابة أنني لمست صورة تتشابه كثيرا مع صور سابقة ، فالشعار والهدف والنظرة للمستقبل واحدة لا تختلف . الخطيب يشبه الرفيق تماما . كلاهما يقدّم أدلة على صدق ما يدّعيه . بينما النوازع البشرية الدفينة غير معنية بما يُقال ولا بما يُكتب – ص 152 و153) .
ومن جوانب خطورة التفكير بالنيابة الذي عشناه سابقا ، وقد امتد في الحقيقة لقرون طويلة ، هو أننا صرنا نخاف من المستقبل ، لأن المستقبل والمجهول يخيف “الأطفال” عادة ، مثلما يخيف الناس البدائيين بطرق تفكيرهم التي تتعامل مع “الحسّيات” الراهنة ، وافتقارها إلى الطاقات “التجريدية” . المستقبل لا يمكن تصوّره من دون تفكير تجريدي وقدرة على التخييل . وعليه فإن الملاذ الآمن لنا صار “الماضي” الذي يكافىء العودة المستكينة إلى الرحم الأمومي الحامي ، مثلما يكافىء البحث عن حماية الأب الخاصي الذي سوف يتمثل في الدين والتراث :
(.. ثم سرعان ما أعود إلى الماضي . إنه مرض يلتصق بي . يجعلني مسحوراً بالشخصيات والأحداث التي اندثرت ، حتى وصلت الأمور إلى حدّ أنني كم تمنيتُ لو عشتُ في عصور غابرة (…) وفي بعض المرات أسأل عماداً الذي يعيش في الماضي : ألا يُحتمل أنك لو عشتَ في تلك العصور الغابرة لكنت تريد أن تعيش في عصور ما قبلها ؟ أفكّر ما كل هذا ؟ متى يصبح المستقبل ، وليس الماضي ، هو ما يشدّ شباب مجتمعاتنا لبناء حياة أفضل ؟ أي مجتمع هذا ؟ الشيوعي يريد العودة إلى الستينات ، والقومي يريد العودة إلى الخمسينات ، والإسلامي يريد العودة إلى عصر الرسول ، منْ الذي ينتج كل هذا العنف الأعمى ؟ – ص 149 و150).

# الوقفات التأمّلية الحارقة :

وبين موضع وآخر ، أو واقعة وأخرى ، يقف  عماد – ومن ورائه الروائي طبعا  – متأملا حال بلاده . هذه التأملات ذات أهمية كبرى ، فقد اعتاد سكان هذه الأرض على أن “يسيروا” قدما كالعيس في الصحراء ، لا تنظر إلى ما يجري خلفها ، ولا إلى ما تحمله على ظهورها ، ولا إلى حالها المفارق لواقعها المرير ، لا دروس ولا عبر ، ولهذا تعود العراقية المسكينة حليمة إلى مصائبها التاريخية القديمة في “عود أبدي” حسب مفهوم “نيتشه” . لكنه عود للموت والخراب والتحطّم . ولعل من أعظم أوجه الخلل في وظيفة المثقفين هنا هو انسياقهم مع المسيرة التاريخية المازوخية الرهيبة هذه في الوقت الذي يجب أن يتصدّوا فيه لإنجاز مهمة المراجعة مهما كانت مؤلمة وجارحة . يطبّل المثقفون العراقيون – عدا استثناءات قليلة في مقدمتها علي الوردي – في جوقة تطبيل السياسيين ورجال الدين عن الأخوة العراقية المتينة ، وكيف أن وطننا فوق تحيّزات المذاهب والفتن، وولاءات الملل والنحل، في الوقت الذي تشير فيه وقائع تاريخنا إلى طائفيّتنا وتمذهباتنا المقيتة. لم يكن القتل على الهوية ابتكارا وحشيا لا إنسانيا من مبتكرات الحرب الأهلية اللبنانية في السبعينيات. بل ريادة ومنجزاً طائفيا بغدادياً مقيتا سبقها بقرون :

# وقفة : ثلاثة قرون من حروب السنة والشيعة في بغداد :

يقول الأستاذ “جورج طرابيشي” (والواقع أنه ابتداء من منتصف القرن الرابع وحتى منتصف القرن السابع – زمن سقوط بغداد في أيدي التتار – دارت بين سنتها وشيعتها لا ” حرب ثلاثين عاما ” كما تُسمى كبرى الحروب التي دارت بين البلدان الكاثوليكية والبروتستانتية في أوروبا بين 1618و1648 ، بل حرب ثلاثمئة سنة) (15) .
ولا تقتصر معالجة جورج طرابيشي لمحنة الصراع الطائفي على تقديم ” جردة ” بسنوات وقائع القتال الطائفي الدموي الذي كان يحصل في بغداد نقلا عن ابن الأثير في ( الكامل في التاريخ ) وعن ابن كثير في ( البداية والنهاية ) حسب ، بل يلتقط ممارسات عنفية خطيرة، كنا نعتقد أنها من نتاجات الحرب الأهلية اللبنانية أو الحرب الطائفية العراقية بعد الإحتلال . فعلى سبيل المثال كنا نعتقد أن ظاهرة الحواجز التي يُقترف عندها ” القتل على الهوية ” هي من إفرازات الحرب الأهلية اللبنانية ، لكن طرابيشي يؤكد وجود مثل هذه الظاهرة في بغداد في الصراع بين السنة والشيعة الذي كان مستعرا في القرن الرابع الهجري : ( يضيف ابن الجوزي في ” المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ” أنه في تلك السنة [ = 408 هجرية ] أيضا ظهرت ” الأبواب ” ، أي بلغة الحرب الأهلية اللبنانية ” حواجز القتل على الهوية ” . وفي ذلك يقول : ” إن الفتنة بين الشيعة والسنة تفاقمت وعمل أهل نهر القلائين باباً على موضعهم وعمل أهل الكرخ بابا على الدقاقين مما يليهم ، وقُتل الناس على هذين البابين ” (16) .                                                                                               وعلى الصفحة (20) ينقل طرابيشي عن ابن الأثير نصا عن أحداث سنة (441 ) هجرية بين السنة والشيعة يقول فيه : (في هذه السنة مُنع أهل الكرخ [ = الشيعة ] من النوح وفعل ما جرت عادتهم بفعله يوم عاشوراء ، فلم يقبلوا ، وفعلوا ذلك ، ، فجرى بينهم وبين السنة فتنة عظيمة ، قتل فيها وجرح الكثير من الناس … وبطلت الأسواق وزاد فيها الشر حتى انتقل كثير من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي فأقاموا فيه) ويعلق طرابيشي على ذلك بالقول :
(تلك هي ظاهرة النزوح التي يعرفها عراق اليوم على نطاق موسع ، علما بأن الجانب الشرقي من بغداد سني ، والجانب الغربي ذو غالبية شيعية) (17) .

# عودة :

وقد عبر الكاتب عن هذا الإتجاه “الدائري” للظواهر والسلوكيات في المجتمع العراقي أروع تعبير وأكثره أذى تحت غطاء الطرافة الجارحة حين وصف مشاعره ، وهو يحضر اجتماعا في شركة ديار – شركة “الأماني” – مع عبود وحمدان وشكرية وشمخي ، يتناقشون فيه عن خططهم لتصفية السيّئين :
(أخشى أن تكون جلستنا هذه أشبه بالجلسات التي كنتُ أشارك فيها في زمن الأخوين عارف ، وأخشى أيضا أن تشبه جلسات فرقة الحمزة ، زمن الوحدة والحرية والإشتراكية ، وأخشى أن تكون مثل حلقات العقيدة في الشهور الأولى بعد السقوط .
ما يخيفني حقّاً أن الإندفاع هو نفسه في كل صور الإجتماعات السابقة – ص 71) .
إن هذا الحماس المفرط والإندفاع الذي يجعل المرء ملكياً أكثر من الملك نفسه ، هو من سمات الشخصية العراقية التي صارت “طبيعية” ضمن سياقها ، في حين أنها تبدو “عصابية” قاطعة في “سياق” آخر . ومن الحوادث التاريخية ذات الإيحاءات الشديدة حول شخصية الفرد العراقي في هذا المجال ، هو أن الخليفة (الوليد بن عبد الملك) حين قرر بناء الجامع الأموي، طلب حضور ممثل عن كل مِصر من الأمصار في الدولة، للمساهمة في وضع حجر واحد (واحد فقط) في الأساس . لكنه لاحظ أن شخصاً يحمل حجرين بدلاً من الحجر الواحد، فسأل عنه فقيل له : هذا عراقي . فقال : يُفرطون حتى في الطاعة !

# نظرة إلى التاريخ : الله مع من ؟

ومنذ صفحات الرواية الأولى تشعر بأن الكاتب يضع عينا على سلوكات شخصياته وتشابكاتها ، وسط متغيرات اللحظة الراهنة ، لكنه يضع عينا أخرى ، وقد تكون بحدّة أكبر على المكامن البعيدة التي تنحدر منها هذه الشخصيات وسلوكاتها تحت ظلال التجربة المكتوبة ، وهو ما نسمّيه بـ “التاريخ” . يبدأ هذا الإنهمام منذ الصفحة الأولى ، ومخيلة عماد تسرح وتتسع وهو يفكّر في تاريخ هذا البلد :
(أقلّب الأحداث التي اقترفها رجال من بلدي. صورهم عندي، وملامحهم لا تفارقني حتى في النوم . قرابة الفجر يأخذني الخيال صوب ليلة الجمهورية . اللواء العشرون يمسك ببغداد ، والملوك نائمون، والضباط الثائرون متوترون. تنجح العملية؟ تفشل؟ الله معنا. الله مع من؟ – ص 7) .
وليس شرطاً أن يطرح الروائي رأيا تحليليا قاطعا حول حدث تاريخي معيّن أو شخصية سياسية معينة مثلا . مهمة الروائي أن يثير التساؤلات . وببساطة وسهولة وبروح الضربة التساؤلية الماكرة السريعة ، يثير ضياء أخطر التساؤلات وأكثرها تعقيدا في تاريخنا : الله مع من ؟
ليترك القارىء في حيرته .
وتساؤلات الروائي المبدعة والمثمرة هي التي تزاوج بين شؤون الرحمن وانتهاكات الشيطان ، والأخيرة هي التي تقع ضمن اختصاصه الجوهري ، أما  الأولى فهي مشاعة وقد يشاركه فيها ويزيّفها أحيانا ، رجل الدين والمؤرّخ ، مثلما هي ليست عصية على الناقد والقارىء . تساؤلات تسري وتتلاحق بهدوء وبصورة غير محسوسة نسبياً لافتا انتباه القارىء نحو المعضلة المركزية ، وممرّراً أجرأ علامات الإستفهام النفسية والاجتماعية والسياسية والتاريخية والفكرية تحت غطاء المعاناة الأساسية لبطله والحوارات المعبّرة عن صراعات شخصياته . فبعد صفحات قليلة من هذا الإنشغال التاريخي الإستهلالي تبدأ الملاحظات التي تُقدّم في صورة جرعات ذكيّة :
(إلتقيت ديار في المرحلة المتوسطة ، ووجدته أحب الشيوعية قبلي ، حلمنا معا … بصقنا في الهواء لأن السلطة بيد أناس جهلة .. يأتون من الريف إلى المدينة ثم يركبون دبابة في الليل لتوصلهم إلى القصر ، ومن يركب معهم في الرحلة الريفية يكون بطلا .. كانت اعتراضاتنا رومانسية . الزعيم أول من غامر ، وصفّقنا له – ص 13) .
وطابع المغامرة هذا في صناعة وقائع التاريخ يعود الكاتب ، ليطرق عليه ، ومن مقتربات مختلفة ، في أكثر من موضع :
(التاريخ الذي عشته وعاصرت أحداثه مجرد مغامرات متلاحقة وغبية . تجمعها صورة واحدة هي إرباك حياة الناس (..) التاريخ ليس ملائكيا ، وهناك من يستثمر حادثة منه لكي ينفّذ رغباته ؛ تلك الرغبات التي تصنع الطغاة . كل المرارات المنطلقة للسماء اختلطت بالتقديس وعجنت بالشعارات ، وبدت للآخرين معتادة الحدوث ، فهي خطوة كما يروّج لها لإمساك المستقبل الجميل – ص 61) .
ودائما يتكشف واقع أن أكثر الأشخاص تواضعا من ناحية القدرات المعرفية والصحة النفسية يمكن أن يتستر بأردية السلطة البراقة ، وتنتفخ أبعاد شخصيته بفعل عظمة البلد الذي يتربع على راس سلطته ، تاريخا ماضيا ، وإمكانات حاضرة ، ودورا إشكاليا في حركة المنطقة. والغريب أن حيوات البشر ترتبط بحياة متربع السلطة هذا بصورة توصله نهايته المأساوية عادة إلى أفدح الاضرار بحياة أغلب الناس على هذه الأرض . إرتباط الأبناء القلقين بالولادة ، والمرعوبين بالوجود من مباغتات الحياة ، ومن تخلّي الأب الحامي – رغم قسوته المتناهية – عنهم ، فيلقون عراة في هذا العالم المخيف . إرتباط ضاعفت طبيعته الإعتمادية الطفلية من مضاء طعنة “مفاجأة” التخلّي والهجران :
(التاسع من نيسان أذهلنا . أي شعور علينا أن نحمله ؟ كيف تبدو دواخلنا وقد شاهدنا الهمفيات والجنود الزنوج والشقر في أزقتنا ؟ سقطت تماثيل السيّد الرئيس ، وهرب صاحبها إلى المخابىء السرّية، وإلى البساتين ، قبل أن يُمسك بلحيته الكثة المخيفة . كانت أعمارنا تختبىء بين شعيرات لحيته ، ليترك لنا بعدها الدهشة والغضب والفرح والحزن والصدمة . هكذا نحن مثل طقسنا المتقلّب ، لا حدود واضحة تُظهر لنا الأشياء في شكلها الحقيقي. دائما ثمّة مفاجأة علينا انتظارها – ص 62) .
لقد جعل هذا الطابع النزوي الهائج والمغامر الفرد العراقي ،قلقا متوجّسا أبداً ، من الحياة عموما، ومن السياسة خصوصا . ولعل هذا القلق من الروح الغادرة والطابع المغامر لحركة السلطة بيننا هي التي جعلت العراقي يمقت الدولة ويتهيّأ لسلبها في أي لحظة تراخٍ فاصلة ، وليس لأنها ليست له حسب ، كما يبرّر ذلك أغلب الباحثين في علم الإجتماع وعلم النفس . كما أن هذا الواقع قد ساهم في تأسيس البنية المتضادة – ambivalent للشخصية العراقية ، وليس الإزدواجية كما كان الوردي يرى مدفوعا بنزوعه لتبسيط مفاهيمه كي تتقبلها الثقافة الشعبية .

# تصوير تلقائي للصراعات الفكرية :

لقد أجاد الكاتب رسم مسار تطوّر أفكار عماد التي جعلها تنمو من خلال الصراع ضد الآخرين ، وضد ضغوط الحياة الساحقة التي تعصف بالوجود من حوله ، ومن خلال ملاحقة الإنهيارات القيمية والأخلاقية المدوّية التي طوّحت بسلوكيات الناس ومزّقت شخصياتهم . كان عماد – وبتصميم الروائي –  يتأمل – ولو لاهثا – كل حدث مهما كان صغيرا ، ليعود به إلى الماضي القريب مقارنا ومحاججا ، وأفلح في الكثير من المواقف في دفعنا كقرّاء إلى أن نصطف معه في الموقف الناقم والمتحيّر نفسه . وبرغم إفراط الكاتب في هذا النهج بصورة أتخمت المواقف ، وحمّلتها تفسيرات وتأويلات أكثر من قدرتها على التحمّل التأويلي ، وبرغم التكرار في الرؤى والتأملات إلا أن الصورة العامة كانت موّفقة فنّيا ، ومؤثرة من الناحية النفسية ، ونافذة بعمق من الناحية الإستقبالية . ولو أخذنا الجانب الفني الملتحم بالجانب النفسي والموصل إلى التأثير الإستقبالي النافذ ، فسنجد أنه يمثّل عاملاً مضافاً في تعزيز قيمة رواية “قتلة” في تعاطي المتلقي العراقي “المقتول” الآمال معها . وهذا هو جوهر الفن ، وواحد من السبل الحاسمة في تحقيق فعله في روح المتلقي ؛ بمعنى أن من يحكم على قيمة هذه الرواية من خلال أن حجم وطبيعة الشدة الفاجعة العراقية هي أجلّ من أن يلاحقها المبدع ويصفها ، يتناول جانبا واحدا من العملية الإبداعية . فالمحنة التي تصيب أي إنسان هي الإشكال “الخام” والإجرائي الذي يؤثر فينا وننفعل به بدرجة تعتمد حدّتها على عوامل كثيرة ، بحيث أن من يكون بعيدا عن دائرة تأثير تلك العوامل قد لا يتأثر بالمحنة أو أن تاثيرها يكون قليلا . ولكن الفنّ يتكفل بتوسيع هذا الـتأثير وتعميقه في كلّ نفس إلى الحدّ الذي يشعرك بأن المحنة محنتك والجراح جراحك . فمنذ أكثر من أربع آلاف سنة ونحن ننفعل بموقف جلجامش من الموت في “ملحمة جلجامش” وصرخته الإحتجاجية العظيمة : لماذا كتبت الآلهة لنفسها الخلود ، وقدّرت للإنسان الفناء ؟ في أي مكان وفي اي زمان ، تهدهد الملحمة جراحات ومخاوف الإنسان المرعوب من الموت أو المثكل كما سمّاه جلجامش . واخبرني عن أي عراقي لا يتزلزل كيانه حرقة وألماّ وهو يقرأ معلقة السيّاب : غريب على الخليج . لكن كل منّا يموت .. وكل منّا يتغرّب ، من دون أن يدرك إنتقائيا ، و”ينفعل” – وهذا هو الأهم – ، بـ “صورة” ، لمصيره الفردي – مهدّدا بالفناء المقدّر ، أو محاصراً بالتغرّب والإنهجار على سبيل المثال – إلا من خلال إدراك الفنان الإنتقائي ، وانفعاله ، وتصويره للمصير الجمعي من خلال نماذج محدّدة من المصائر الفردية . وعلى هذه الركائز : الإدراك الإنتقائي ، والإنفعال ، والتصوير ، والمصير الفردي ، يتاسس فعل الفن العظيم . لقد قتل الكثير من الأبناء لآباء ذاقوا مرارات الأسى والإنثكال الباهضة في ظل فوضى “التقتيل” التي عشناها بين عامي 2006 و2007 خصوصا . ونحن الذين “نلاحظهم” من الخارج كنّا نشاركهم آلامهم ونعزّيهم ونتحسس عظم مصابهم من خلال التماهي معهم في خساراتهم الجسيمة . لكن ضياء الخالدي يلتقط حالة محدّدة تتمثل في إتصال “أبي رعد” بعماد وإخباره بمقتل إبنه الثاني “ددو” المحتل عقليا بنيران دورية أمريكية مجرمة ، بعد مقتل إبنه “رعد” بأيدي إحدى المليشيات الآثمة . كان عماد يحب ددو ويحنو عليه ، ويحتفظ لددو شجاعته “المجنونة” في قذف مجموعة الشيخ مؤيد المسلحة التي خطفته بالحجارة . كان “ددو” المجنون هو العاقل الوحيد آنذاك . الآن قتل برصاصات الأمريكان ، أي أن أبا رعد قد انثكل بولديه في لطمة قاصمة لوجوده . يأتي أسى الروائي على ددو ، ليقطّع قلوبنا من خلال “الجزئيات” التي تتشخصن من خلالها الخسارة ، جزئيات فردية يلتقطها انتقائيا ، قد لا نلتفت لها ، ويشحنها بانفعال ماحق عبر صور عيانية “شعرية” هادرة بالحزن والإنمحاق العصي :
(يا إلهي ، ما هو إحساس رجل يفقد ولدين في خلال بضعة أشهر ؟ بختفيان عن الوجود، ويمسيان في الذاكرة . ملابسهم وحاجياتهم ، صورهم الفوتوغرافية . لحظاتهم الأولى وهم يصرخون في مستشفى الولادة ، ثم يكبرون تدريجيا . حلسات الشتاء قرب المدفأة وهم يشاهدون أفلام الكارتون . أو يأكلون جبس الذرة . لحظات أقدّرها رغم خلوّ حياتي من الأبناء . كيف سينظر أبو رعد إلى الوطن ؟ ماذا تعني له البلاد ومستقبلها ؟ سيكفر بالتاريخ والحاضر والمستقبل . الحلم والأمل يصبحان مجرّدين من المعنى – ص 168) .
ومن الخطأ أن يحل الروائي محل القاريء في الإجابة على تساؤلاته ؛ تساؤلات الروائي ؟ إذ مادام يحمل الأجوبة للتساؤلات المطروحة فلماذا طرحها أصلا ؟ وماذا سيترك لقاريء من فسحة للمشاركة والتأمّل وإعمال عقله ؟ هذا خطأ مهم استولى على مساحة شاسعة من الرواية، وكان ينبغي على ضياء عدم الوقوع في مصيدته .
إن الرواية – كما كرّرت كثيرا في دراسات سابقة –  هي فنّ “الجزئيات” لا فن “الكلّيات” . الجزئيات التي تختبر قدرات الروائي الحاذق في “الإنتباه” – الإنتقائي طبعا – إليها وسط ركام خرافي ولا يصدّق من ابتذالات الحياة اليومية ، ليفرك عنها تراب الرتابة والإعتياد الخانق ، ويصوّرها بروح منجرحة ، ويصعق أرواحنا بالألم ويوقظها من سبات الألفة البليدة ، فالحزن ، وليس الفرح ، هو المسؤول عن الإبداع في الحياة الإنسانية . يحاور عماد نفسه بألم بعد أن فشلت محاولته في إنقاذ شخص يُعذّب في وكر الشيخ “مؤيد” :
(وجه سيغادر دنيانا ، فتوى طائشة سترديه قتيلا ، ويُرمى في حاويات القمامة . أسرة تنتظر معيلها وأطفال ينتظرون والدهم ، ويريد أحدهم أن يريه ما كتبت له المعلمة “أحسنت يا دكتور” في دفتر الإملاء . لن أستطيع إنقاذه – ص 110) .

# دور اللاشعور في فعل الكاتب :

وفي هذا الموقف تتأكد حقيقة أن الكثير من المشاهد والحوادث والافكار التي يقدّمها الروائي ، تتحكم بحضورها والإنتقالات التي يقوم بها فيما بينها ، صلات لاشعورية . فقبل الموقف السابق الذي فشل فيه عماد في مساعدة الشخص الذي كان يُستجوب صارخا في إحدى غرف وكر الشيخ مؤيد ، تحدّث عن دخوله حي  السيدية واصفا إياه بالقول :
(تحيط بالسيدية جدران إسمنتية تمتد بمحاذاة الشارع الرئيس ، وهناك فتحة في الكونكريت وقفت عندها طفلة ترنو للعالم الخارجي . ربّما تنتظر أباً أو أخاً . . لاطفتها بوضع يدي على شعرها ، ودخلت الزقاق – ص 109) .
وبعد أحد عشر سطرا يأتي حوار عماد الداخلي عن عجزه الفاضح عن مساعدة المخطوف المعذّب ، الذي سيغادر دنيانا مقتولا بفتوى الشيخ القاتل ، وستنتظره أسرته وأطفاله وأحدهم يريد أن يريه ما كتبته المعلمة “أحسنت يا دكتور” (ص 110) . إن الطفلة التي شاهدها تقف في فتحة جدار الكونكريت – وهذه صورة الغلاف كما التفت إليها الأستاذ الناقد ناطق خلوصي في مقالته عن الرواية (19) – هي التي تمظهرت في تداعيات عماد في الطفل الذي ينتظر أباه ليريه فخورا تعليق المعلمة في دفتر الإملاء . ومثل هذه الإنتقالات والصلات المستترة تشكل جزءا لا يستهان به من فن السرد . إنتقالات تحصل بالمشابهة أو بالإيحاء أو بالإقتران وغيرها ، وكلها تجري بصورة مستترة . فمن المعلوم في أساسيات كشوفات التحليل النفسي أن هذه السلاسل من التداعيات لا تنعقد عفويّا أو بصورة عشوائية . ولكن وفق أسس ( منطقية ) 0 فمثلا ( أنني أفكر بلوحة معينة فتحضرني حالا لوحة مشابهة وهذا تداع كلاسيكي بالمشابهة 0 ولكن الشيء الذي تهمنا الإشارة إليه هنا هو أن علاقة التداعي بالمشابهة هذه تفعل فعلها من غير ان تكون معروفة ـ أي أنها لاشعورية ـ ومن البدهي في الواقع أن علاقة من هذا النوع لا يمكن ان تعرف إلاّ بصورة لاحقة للأشياء التي تصل بينها . ولكن واحداً من هذه الأشياء هنا وهو اللوحة الثانية لمًا توجد بعد في دائرة المعرفة والأمر كله في جلبها إليها 0 فنحن مضطرون إذن الى الاعتراف بأن علاقة المشابهة تفعل فعلها من غير أن تكون معروفة 0 ولو لم يكن الأمر كذلك لكان أي تذكًر بطريقة التداعي مستحيلا 0 وملاحظتنا هذه غنية بالنتائج 0 إن السببية النفسية التي بها تستدعي فكرةٌ فكرةً اخرى تمارس تاثيرها فينا من غير أن نحسًه وبصورة لاشعورية فلا نشعر به إلاّ فجأة بعد ذلك 0 بل هل يمكننا القول أننا نشعر مباشرة بالسبية التداعية التي تستدعى الفكرة بواسطتها فكرة أخرى ؟ 0 هذا ما لايبدو ممكنا 0 إن التفكير بالتداعي لا يشعرنا بأي جهد ونحن نشاهد كمتفرجين منفعلين تلاحق الصور . وهكذا فأنه يبدو أن سببية الاستدعاء التي تصل بين الصور المتداعية وكأنها مستقرأة لا مدركة مباشرة بالحدس كسببية العقل الإرادي 0 فإذا أردنا معرفة حتمية تداعياتنا لم يسعنا إلاّ ملاحظتها كأية حادثة من حوادث الطبيعة 0 ولما كانت التجربة بالفرضية لا تتدخل في تتابع عمليات التداعي فإن من المنطقي الإفتراض بأن العلاقات القائمة بين التصورات المقترنة على شيء من الثبوت 0 لاريب أن هذه موضوعة ، ولكنها موضوعة منسجمة مع التفكير العلمي 0 أما أن يكون تيًار الفكر لدينا يتغيّر تغيرا خالصا وأن يجري فينا نهر هيراقليطس ، فإنه ما من رجل علم ليقبل بذلك أبدا 0 وعلى هذا فإن من المشروع الافتراض بأن للصور رابطة تداعية قوية الصلة أو ضعيفتها بالتصورات التي تنشأ عنها 0 ولئن كان الأمر كذلك فإن هنالك طريقة لتحديد وتعيين أسباب الحلم بأن يتمدًد الشخص ويغمض عينيه ويعدل عن النقد الذاتي 00الخ ونقدًم له صور حلمه 0 وعندما سننتهي سنلاحظ بدهشة عميقة أن التداعيات ذات وحدة في الموضوع وانها ليست أبدا بغبار متناثر عديم الشكل لا يخضع إلاّ لقوانين التداعي التقليدية في المشابهة والتضاد والإقتران بل أنها تؤلف كلاً موحداُ حقا يضع بين أيدينا مباشرة معنى الحلم ـ النص (18) .. ونص المبدع هو حلمه .

# تأملات في معضلة “المنفي الناقم” :

وفي لحظة تأمّلية عن سرّ سلوك ديار التدميري الذي عاد إلى بلاده من لندن بعد غربة ثلاثين عاماً ، قال عماد :
(كم ديار في العاصمة ؟ يلعب وكما يريد . ربما جاء للبلد لكي ينتقم من سنوات عمره المنصرمة في المنافي . إنتقام بالدولار ، فما أخطر ذلك عند إنسان تقوده النزوات – ص 170) .
وهنا يثور سؤال : هل يمكن أن تحصل تحوّلات نفسية عميقة في شخصية الفرد المنفي أو المهاجر تهيؤه ليضطلع أو يكون أداة لأداء دور عدواني ممزّق لبلاده السابقة ؟
هناك مجموعة من العوامل التي ستفعل فعلها – عبر سنوات طويلة طبعا – في مقدمتها عامل يمكن أن نصطلح عليه بـ “الجوع القديم المتراكم ” ، بمعنى أن العقود التي عاشها الأفراد المنفيون أو المهاجرون – المعارضون السياسيون خصوصا – ، بعيداً عن وطنهم في حرمان تام عن الثدي المرضع لوطن هو من أثرى بلدان العالم ، كان المتسلطون السابقون يتلاعبون بثرواته كيف يشاءون ، تخلق حاجة شديدة الضغط للتعويض بنوع من الإشباع الإلتهامي الذي تبرّره نسبيا ، على مستوى اللاشعور ، ضريبة النبذ والغربة والألم التي دفعها هؤلاء الأفراد المعارضون عبر سنوات التغرّب والمعاناة . كان بعض المنفيين يعيشون في عواصم المنافي في ظروف معيشية بائسة ، وفي ظل قلق حارق من الغد ومخاطر مجهولهِ وتقلّباته الغادرة على أنفسهم وعلى عائلاتهم ، ثم عادوا ليجدوا بين أيديهم أنهاراً من لبن وخمر الدنيا ، وكنوز من الذهب والفضة ، مصحوبة بالشرط الأهم الذي يغويهم بالجمع واللعب بالثروة وهو شرط السلطة . هنا تتوفر كل الظروف لانفلات رغبة تعويض الجوع القديم المتراكم بصورة أخطبوطية شديدة النهم وشرسة الحماسة . ولا تحدّثني عن دور الفكرة وصمّام العقيدة ، فخيرة طليعة الصف الأول من صحابة الرسول الزاهدين سقطت في أنهار لبن وخمر الدنيا ، حين تحول الإسلام بعد وفاة الرسول من دعوة وعقيدة إلى دولة وإدارة وسلطة .

# المنفي الحاقد :

وهناك ما هو أكثر خطورة من العوامل النفسية التي لا يصرّح بها أكثر اختصاصيي علم نفس المنفى اقتداراً ، ويتمثل في أن تطاول سنوات النبذ والنفي يراكم في عمق ذات المنفي ، والمهاجر بدرجة أقل ، نوعاً من النقمة على الوطن – الأم ، الرحم النابذ ، الذي لفظ الإبن في وقت ما بلا رحمة . فاللاشعور لا يخضع لتبريرات وشروحات الشعور المنطقية التي تحاول دائما أن تحكم الصلة بين العلّة والمعلول ، والأسباب والنتائج . وقد يُعوّض هذا الشعور بالمرارة من النبذ والهجران عند العودة بنوع من الإحتضان التدميري لجسد الأم / رحمها ، النابذ ، لتفريج شحنات احتقان خانق طويل .
وهذا ما يجد تجسيده في الفعل اليومي الدائب والمخيف الذي يقوم به أفراد المعارضة المنفيين سابقا ، والحاكمون حاليا ، لتمزيق جسد الأم والتهامه ، حتى أنك تسمع ببساطة وعلنا لازمة تدور بينهم عن “قدر اللحم الكبير” أو الذبيحة المعلّقة المستباحة اللحم والتي لا يخلص لحمها برغم التقطيع الدائب والشرس ، والدعوة اللاهثة للزملاء إلى الإسراع حتى أني سمعت أحد القياديين وهو يدعو أحد  الصحفيين البارزين إلى الإسراع ، وعدم التأخر لكي يحصل على ” لقمة ” من هذه القدر التي بحجم وطن .
ولا يمكن أن نغفل عاملا آخر شديد الخصوصية على المستوى النفسي ويتمثل في أوالية (التماهي مع المعتدي – identification with the aggressor) هذا ما حصل مع أسرى معسكرات الأعتقال النازية حيث يتقمص الأسير المتعاون واليائس شخصية معذّبه الجلاد بدرجة مفرطة فيصبح ” ملكياً أكثر من الملك ” في تعذيب رفاقه الممتحنين ومحاصرتهم في أبسط حاجاتهم حتى يحول حياتهم إلى جحيم مهلك يفوق ما كان يحصل على أيدي الجلادين الأصليين الأعداء .
وبتطاول محنة المعارضة العراقية ، ومع فشل كل الجهود لإسقاط رمز النظام السابق (صدام حسين) أو إزاحته وبفعل تضاعف عامل الزمن ، فإن نوعاً من إحساس لاشعوري قد ينمو لدى الفرد المعارض بجدوى تلك الطبيعة (الكارزمية) العصية على الإهارة لدى الطاغية الذي شرّد هذا الفرد المعارض .
ومن الشواهد الغريبة هو عودة رموز المعارضة الجديدة إلى ممارسة أسلوب المهرجانات الشعرية التي يجلس فيها الرمز المعارض على كرسي فخم يفوق حجمه ، ليقف أمامه الشعراء – الشعبيون خاصة لأسباب تتطلب بحثاً خاصاً – يلقون قصائد المديح تباعاً أمام كاميرات الفضائيات عموماً ، أو على الأقل الفضائية العائدة إلى السياسيى المعارض . وفي أحد الإحتفالات التي نقلها التلفزيون خاطب عريف الحفل المسؤول الكبير الجالس أمامه داعيا إياه لإلقاء كلمته بأنه “البطل الضرورة” ، وقام المسؤول هذا وألقى كلمته من دون أي اعتراض أو تصحيح أو ملاحظة منه ، ولا من أي واحد من الحاضرين .

# الجمل القصيرة :

ومن سمات ضياء الأسلوبية المهمة في هذه الرواية هي اعتماده على الجمل القصيرة في بناء عباراته وفقراته اللغوية ، وتصوير مواقف شخصياته وصراعاتها . وحتى الحوارات جاءت موجزة وسريعة . ولهذا جاء إيقاع الرواية سريعا لاهثا ، ومتطابقا مع التعبير عن المدّة الزمنية القصيرة التي جرت فيها أحداث الرواية . وأنت تنغمس في قراءة الرواية تشعر – وبفعل هذا الإيقاع الممثل بقصر الجملة وجرسها ومفرداتها المحتدمة – وكأنك تتسمع لأنفاس عماد المطارد أو ركض البشر الفارّين من منجل الموت الباشط .

# العودة الى الجرذ :

والروائي المقتدر المُمسك بأسرار الفن الروائي ، هو الذي لا “ينسى” مكوّنات روايته التي طرحها أمام القاريء في مرحلة من مراحل تطوّرها ، مهما كانت هذه المكوّنات بسيطة بشرط أن يكون لها دور ووظيفة وجدوى . الرواية حياة .. والكاتب خالقها ، وهو المسؤول عن حيوات مكوّناتها . وقد نجح ضياء في هذه المهمة بدرجة كبيرة ومميزة بحيث لم يترك الكثير من المكونات (بشرا أو كائنات حيوانية أو جمادات ) من دون أن يعود إليها ليوظّفها في منظور جديد ويحمّلها بدلالات مضافة . فعلى سبيل المثال ذكر ضياء على الصفحة الأولى من روايته الجرذ اللعين الذي ظهر في مكتبته العامرة ، وقراره في أن يجلب الزرنيخ المميت لقتله غداً . بعد أكثر من مئة وثمانين صفحة .. وقبيل نهاية الرواية بثلاث صفحات ، عاد ليتذكر الجرذ ، وهو يقرّر العودة إلى بيته ، مهما كان الثمن بعد رحلة الإنذلال الهروبية ، وزيارته الإمام زين العابدين في داقوق ، وعودته متئبطاً القرآن الكريم :
(ساذهب إلى بيتي لكي أشاهد جدرانه وحديقته ، وطارمته الخارجية وأشجاره ، وسأبعد الزرنيخ عن رفوف مكتبتي ، لأدع الجرذ يقرض الكتب من دون أن أزعجه ، أو أحرق الكتب جميعها في طقس تملأه رائحة البخور والحرمل – ص 187) .
يقولون : حتى المصباح يكون صديقا للإنسان الوحيد ، وبالنسبة لعماد حتى الجرذ يكن مصدر طمأنينة وتكفير بالنسبة للإنسان المرعوب .

# الفنان صانع أمل النفوس اليائسة :

وبرغم أن ضياء كان يروي لنا وقائع الموت والخراب التي تسيّدت على أجواء الرواية من بدايتها حتى نهايتها ، إلى الحدّ الذي خيّمت بظلالها السود الثقيلة والخانقة على مسار الرواية بدرجة لا تتيح للقاريء الشعور بأي اختلاجة لحركة الحياة والنماء ، فإنّ عين الناقد الفاحص سوف تلتقط التماعات ومواقف وإشارات تكشف طيبة العراقيين وبساطتهم وتمسكهم العزوم بالبقاء وبمسرّات الحياة الصغيرة . العمّال البسطاء الذين يخرجون للحصول على رزقهم برغم السيارات المفخخة ، والإنتحاريون الذين يفجّرون أنفسهم وسط تجمعاتهم (ترى ما هي الفائدة “النضالية” التي سيجنيها تنظيم القاعدة من العمليات الإنتحارية التي تقتل عمّال المساطر العزّل والمساكين المعوزين الذين يريدون الحصول على رزق عوائلهم ؟ إنها تحقق الفوضى واجتثاث أعداد من الشعب العراقي هي قوته العاملة ، وبهذا تلتقي في المآل الأخير مع “مستفيدين” أخر مثل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ) .
هناك أيضاً “مديحة” التي حاول عماد تصويرها بصورة سلبية ؛ امرأة عاقرأ شكّاءة بكّاءة ، لكنها في الواقع صاحبة دور يفوق دور عماد من وجهة النظر الحياتية النمائية . فهي عونه في كل موقف ينكسر فيه . متصالحة مع نفسها ، ترفض سلوك زوجها المتناقض والإزدواجي الذي يصل حدودا انتهازية سخيفة كأن يجمع بين الخمرة وأداء الصلاة .. وبين الماركسية التي هي بطبيعتها ملحدة وزيارة الأولياء والصالحين وتأبّط القرآن الكريم !! .. ومصالحة إدعاء الثقافة ومزاعم الفكر العلمي مع الإيمان بالجنّ والغيبيات :
(قالت مديحة وهي تبكي :
-بربّك ، أين سنذهب ؟
-إلى مقام الإمام . هناك سنجد الأمان .
-أتؤمن بالإمام يا عماد ؟ منذ متى ؟ – ص 178) .
(حاولتُ أن أقترب منه [= القيّم] متوسّلا أن يقرأ تميمة ضد الجن. زوّدني بخرقة قماش خضراء وطلب مني أن ألفها على رسغي الأيمن – ص 181) .
كانت مديحة رمزاً للحياة في الواقع برغم عقمها (ونحن لا نعلم سبب عدم إنجابها الذي قد يكون من عماد نفسه الذي لا يتردد في إخبارنا بأنه قد نسي المضاجعة الجنسية منذ تسع سنين ، ولم يشته زوجته ، واستعاض عن الممارسة الجنسية بالضمّ والتقبيل والحنان ! – ص 166) ، فهي منشغلة عن الموت برعاية حديقة البيت .. وإطعام الطيور والقطط في الوقت الذي ينشغل فيه الرجال بالقتل والتخريب . كانت ملاذه في أوقات ضعفه ، وهي كثيرة ، وحضنه الرحيم والأمومي في لحظات نكوصه ، وهي ثقيلة لا تُحتمل :
(زوجتي نائمة وكوابيسها تزداد كل ليلة .. أصوات رصاص ، وهاونات تُسمع بين فينة وأخرى ، والأذن تلتقط من حجرة الجيران القريبة صوت لطمية ورثاء حسيني . تدثّرتُ بغطائي وحدقت في السواد . ثم احتضنت جسد زوجتي ، وبكيت – ص 163) .
(سأتجه شمالا إلى كركوك ، وأبحث هناك عن مقام إمام ما استنجد به ، كما فعل شمخي ، ولتذهب كل الكتب التي ابتلعتها طيلة الخمسة والخمسين عاما . أعلّق خرقة خضراء بساعدي الأيمن ، وألهج بالأدعية كما تفعل النسوة – ص 169) .
المرأة هي أكثر تجسّدات الوطن والأرض والإنتماء نقاء وبهاء . ويبدو أن مفهوم الوطنية يشتق من الأمومة أولا ، فالمرأة هي الأقدر على معرفة معنى البيت والمسكن والولاء مادام رحمها يمثل البيت الأول والوطن الأزلي المنعم بلا حساب ، ومادام ولاؤها لجنينها هو الأعظم والأسبق من كل اشكال الولاءات في الكون . ولهذا كانت مديحة ترفض رحلة الهروب التي قرر عماد قيادتها في متاهتها ، بل كانت ساخطة حتى على فكرة الإنتقال من بيتها إلى بيت آخر ، ولهذا أضاء وجهها بقبس من السعادة حين أخبرها بنيّته في العودة إلى السيدية حيث بيتهما القديم :
(نظرتُ إلى زوجتي ، رأيت في وجهها التصميم . تخبرني قسماتها بتصميمها على الذهاب إلى السيدية . مديحة تفضّل الإنتحار على هذا التجوال – ص 184)
قالت مديحة :
-نذهب لبيتنا أحسن . حتى لو قُتلنا . علينا الكفّ عن الدوران في الشوارع والبيوت الغريبة – ص 186) .
ثم يأتي الأنموذج الأروع لبساطة الناس في بلادنا برغم انسحاقهم ومهانتهم ، وبرغم الموت الذي يحاصرهم من كل جانب ، وهو السائق الريفي البسيط الذي ركبوا معه للوصول إلى العظيم ثم ينتقلون إلى بغداد . لقد عرض عليهم أولا الضيافة في بيته :
(لن أترككم لقمة سائغة لمسلّحي الخالص . سنتجه إلى بيتي ، وفي الصباح اذهبوا إلى بغداد – ص 184) .
لقد ذهب هذا السائق الذي جعله ضياء بلا إسم من أجل تعميمه وتيسير تماهي المتلقي معه ، إلى كركوك من أجل جلب “العرق” ، وعندما أوقفهم رتل الأمريكان الخنازير عند الغروب لم يحتمل وقرّر أن يجلس على حصيرة بموازاة السيارة ويشرب الخمر . إنه التعلّق بالحياة ومسرّاتها الصغيرة برغم الموت والتهديدات :
(-إمام المسجد في قريتي هدّدني إن شربت الخمر ثانية ، والمحتلون أيضا يريدون منعي . عدوّين اتفقا عليّ – ص 189) .
وبرغم بساطته التي تصل أحيانا حدّ السذاجة فإنّ وعيه السياسي في محنة وطنه الراهنة كان حادّاً . لقد نزل من السيارة وسار مسافة تقارب المائة متر ، وثنى ركبتيه ، وفرش دشداشته البيضاء من الخلف ، وراح يتبوّل ، وسط انرعاب الجنود الأمريكان وسخطهم وأسلحتهم المصوّبة نحوه . وحين عاد وحاول عماد أن يزيّن له ما قاله المترجم العميل ، ردّ عليه مباشرة وبلا تردّد :
(-مرتزقة ، كلاب الأمريكان – ص 187) .
وهذا هو الوصف الصحيح والرد التلقائي للمواطن العراقي الأصل ، “المشكينو” كما وصفه السومريون ، مادة حرائق هذه البلاد ونسغ بقائها . لقد وصف المحتلين بالكلاب من دون حاجة إلى فذلكات المثقفين والمناضلين والقادة السياسيين عن “التحرير” ، الذي حوّله الخجل والعار إلى “تغيير” .
بعد ذلك بدأ بشرب الخمرة برغم القوة الأمريكية الضاربة وصراخ الجنود ، وهم يصوّبون مصابيحهم ويصرخون ، وهو ممسك قنينة العرق بيده اليمنى ، ويصب في قدح يحمله بيده اليسرى . ولم يكتف بذلك بل دعا عماد إلى مشاركته بروح أليف وعفوي عذب :
(نزلتُ من السيارة وشاركتُ السائق شرب العرق ، وقد بدا مسروراً ، وراح يحدثني أحاديث مضحكة وكأننا صديقين (الصحيح صديقان) منذ زمن طويل – ص 190) .
“القتلة” رواية شعب خطّط له الأمريكان الفناء ، فأوقعوا أبناءه في مصيدة الإحتراب ، ورسمت له الأقدار الخراب ، وقدّرت له الآلهة الموت .. لكنّه عصيّ على الفناء والموت والخراب .
تحية الإبداع الصادقة للروائي الفذّ “ضياء الخالدي” ..

# دعاء أخير :

اللهم دمّر الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانياالعظمى والكيان الصهيوني اللقيط والأعراب مثلما دمّروا وطننا … آمين يا ربّ العالمين . 

هوامش :
(1) قتلة – ضياء الخالدي – رواية – دار التنوير – بيروت – الطبعة الأولى – 2012 .
(2) و(3) تاريخ العنف الدموي في العراق – باقر ياسين – دار الكنوز الأدبية – بيروت – 1999.
(4) (6) و(7) ثورة 14 تموز 1958 في العراق – ليث عبد الحسن الزبيدي – دار الرشيد للنشر – بغداد – 1979 .
(5) سوف تصدر قريبا عن دار ضفاف .
(8) بؤس البنيوية ؛ الأدب والنظرية البنيوية – دراسة فكرية – ليونارد جاكسون – ترجمة ثائر ديب – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – 2001 .
(9) رسائل حميمة – شاكر خصباك –
(10) الحفيدة الأمريكية (رواية) – إنعام كجه جي – دار الجديد – بيروت – 2009 .
(11) و(12) و(13) أحاديث نفسية – د. محمد رشيد العبودي – بغداد – 2010 .
(14) الأسطورة والسياسة- تركي علي الربيعو و د.فاضل الربيعي – دار الفكر – دمشق – 2007
(15) و(16) و(17) هرطقات – جورج طرابيشي – الجزء الثاني – دار الساقي – لندن – 2008  .
(18) طريقة التحليل النقسي والعقيدة الفرويدية – رولان دالبير – ترجمة د. حافظ الجمالي – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – الطبعة الأولى – 1983 .
(19) نُشرت في موقع “الناقد العراقي” .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *