د. فاروق أوهان : العوم في مستنقع

farooq ohan 5الشخصيات:
خمسة رجال وامرأتان

نزار: القادم الراحل

رجلان: يؤديان جميع الأدوار الرجالية؛ ويشخصان بعض الأدوار النسائية.
امرأتان: تؤديان كافة الأدوار النسائية، وتشخصان بعض الأدوار الرجالية.
مجموعة رقص تعبيري بين ستة وإنثي عشر مؤدي؛ ومؤدية بأعمار مختلفة.

(يمكن للمخرج أن يقدم العرض بأسلوب “التولك شو – Talk Show” يقوم نزار بأداء دور المُقدم)

(المنظر يتشكل من كرة كبيرة تملأ مساحة العرض تشبه الكرة الأرضية، ولكنها ليست بكرة أرضية ربما تكون ألوانها مثل كوكب المريخ، ولكنها محاطة بالوسط مثل إكليل قوس قزحي؛؛ يعتبر هنا مثل ممر؛؛ أو جسر معلق يلتف حول الكرة؛ يمكن للمؤدين أن يسيروا عليه، وينزلوا إلى باحة العرض إما قفزاً؛ أو بدرجات؛؛ أو بمصعد حسب ارتفاع نافذة خروج الممثل، أو بوابته)

(بعد دوران الكرة سبع لفات؛؛ وفي كل مرة تظهر مجموعة تقود إحدى الشخصيات؛؛ تكون شخصية القادم\الراحل قد توسطت المجموعة على درج مرة، ومقعد، وأريكة، أو واقف إلى نافذة؛ وتحت مظلة؛؛ وفوق شجرة؛؛ في هذه الأثناء ينزل القادم\الراحل نزارينو؛ ويقدم نفسه)

نزار: (شاب، وكهل في عين الوقت يبدو عجوزاً يتوكأ على عكاز مرة، وشاب يقفز من مكان إلى آخر لمرات؛؛ يترنم بترنيمة قديمة من نوع السوغاتات، والميامير، ليعيد جملة كان لي بألحان مختلفة) كان لي، كانوا لي؛ كانت لي؛؛ كن لي؛ كانا لي؛ كنت لهم؛ كنت له؛ كنت لها؛؛ كان وكنت؛ وكنتم (يصمت فيضرب جبهته بكفه، ويرمي عكازه) كالميت الذي يتداعى في قبره؛ كالحالم الذي يتيه في أحلام؛ يتيه المغترب بين المنافي؛؛ تضربه الدنيا بصفعاتها على الوجه، وركلات على القفا، تلفضه البلاد من واحدة إلى أخرى،، ويعبر من قارة إلى قارة؛؛ وأنا واحد من هؤلاء لم يبق بلد يعتب علي إلا ونمت في ساحاته، وتسكعت في حدائقه، ولم تبق قارة لم أتخطى حدودها؛ فمن بحر العرب، والجزر الأندونوسية، وبحر الصين شرقاً؛ إلى قناة السويس؛ والبوسفور؛ ومضيق دوفر؛؛ فخليج المكسيك غرباً؛ وها أنا أروي لكم هذه الحكايات؛؛ وأنا أخط طريقي في البرازيل، ويسمونني هنا نزارينو، وهي برزلة اسمي نزار فتصوروا؛؛ بعض أصدقائي ماتوا في المنافي خالد الكاظمي، وزاير الإبراهيمي بين لبنان وفلسطين؛؛ كرم العوني في برلين، وحليم المنذري، إلى جانبه؛؛ زينة ولطيف في السويد؛؛ وغفار مجدي لست أدري أين، وفي الوطن السجين؛ علي الجعفري؛ وجلال الإبراهيمي؛ مزاحم العباسي؛؛ الهاني الهاني؛؛ بسيم الورداني؛؛ قاسم المحمدي؛ شاكر الناظمي؛؛ فتّاح الزاملي؛؛ بيات الحسني؛ والغالي شقيق الروح هيلان الفيليبي؛ وعد وأزل يحيى وغيرهم الكثير ممن يعيشون كأموات وقد ابتلتهم الأمراض؛ والإدمان كبابي الغانمي وخليل الإسماعيلي وهاني الفاروقي، وهند الناهيدي؛؛ وعنيد الوجداني؛؛ (ينتقل إلى ما يشبه شجرة أسطورية؛؛ فيستظل تحتها؛؛ يسحب حسرة كبيرة) قبل أن أغادر إلى العاصمة بسنين طويلة من هجرتي بين المنافي؛؛؛ كان لدي نبتة جميلة تزهر بألوان متعددة، وتثمر بفاكهة فردوسية اللون والمذاق، كان كلانا سعيدان ببعض، لكنني لم أقدّر قيمة ما امتلكته، حتى ضربتها صاعقة فاحترقت بدموع ملائكية، كان الوقت شتاءً، وفي الربيع افتقدت الزهور، وفي الصيف لم أذق طعم فاكهة كشجرتي، وتحيفت على ما كنت امتلك، وحزنت لكوني لم أعرف قدر ما كنت امتلك حتى ضاعت شجرتي مني؛؛؛ (تزقزق عصفورة بصوت غريب من بين نعيق غربان)؛؛ وكانت لدي عصفورة تغرد كل شفق غناؤها يطربني، تغريدها يبهر السامع، قنوعة بقفصها، محبة لمربيها، جناحيها كمروحة سماوية، ألوانها قزحية، تلاطفني بتغريدها لما تجدني حزين؛؛ وتغني لي في طربي أهازيج الحنين؛؛ ولما طارت، افتقدت كل شيء فيها؛؛ لم أعرف بوجودها الملل؛؛ لم أحس بأنني وحيد؛؛ حتى يوم أن تركتُ القفص مفتوحاً؛؛ فطارت، ولربما تعود لتشغل وحدتي (يغفو فتمر أطياف حلمية حوله؛؛ مجموعة من الراقصين؛؛ يعبرون عن الضياع في المنفى؛؛ يقوم كالمسرنم، ويتحرك بين المجموعة)؛؛ كان لي بيت، هو أحد البيوت التي هجرتها ولم تهجرني، كل مرة أسكن بيت، يلمني بدفئه؛ يحتويني بحنيا جدرانه، يلمني كمعطف شتوي، يغطيني كمظلة سحرية؛؛ ومن نوافذه أرى العوالم الأخرى كئيبة؛؛ ومن بوابته أخرج لدنيا غريبة؛؛ ولما أعود إليه أقول: جنة الرجل داره “صمت بينما تعلو الموسيقى لفترة ومجموعة الرقص تهوّم حوله” لكنني أهجره كما هجرت غيره؛؛ في كل مرة؛؛ ولا يبقى بيننا غير الحنين،وذكريات تتعلق بالروائح والصور (تختفي المجموعة، فيستيقظ نزار من نومه فيرى نفسه على الجسر المحيط بالكرة،، والكرة تدور؛؛ وقد أنارت بقع ضوئية على عواصم البلدان)؛؛  كان لي بلد؛؛ بل كان هو الوطن؛؛ بلد هو مسقط الرأس، وآخر للطفولة وثالث للبلوغ والرجولة؛؛ ورابع للعمل والفحولة؛؛ وخامس للتراجع والكهولة؛؛ بلد وطن؛؛ وطن بلد؛؛ تشم رائحة البساتين في الأول، وترتوي من عيون المياه في الثاني، وتنهل من أنهاره في الثالث، وتعوم في بحار الرابع؛ وتجذف في بحيرات الخامس؛؛ تدور في أزقة الأول، وتسير في طرقات الثاني، وتركض في شوارع الثالث، وتراوح في أحياء الرابع؛؛ وتعجز عن السير في الخامس؛ (يصمت، ثم)، كان لي بلد؛ أحبني أكثر مما أحببته؛ ولما فقدته لم أجد بديلاً عنه سوى في أحلامي؛ (تدور الكرة فيظهر قمر كبير مثل بدر) كان القمر في طفولتي، كبير الاستدارة يغطي سماء حوشنا؛؛ (موسيقى مع رقص تعبيري؛؛ تغطي الغيوم جزءاً من القمر فيبدو هلالاً) ولما يظهر هلالاً، تستبشر أمي بمن رأته على وجهه، وبخاصة لو كان طفلاً (تدور الكرة، وتمر نسمات هواء دافئة؛ فتظهر النجوم “ربما يمثلها رقصة تعبيرية”)؛؛ وفي الصحراء كان القمر بدراً؛ والنجوم من حوله أكثر سطوعاً؛؛ كأنها تكلمني مرة؛؛ وتتحاور فيما بينها لمرات؛؛ وأراها في بعض الأحيان تتبادلها الغمز مع القمر (يتلاشى القمر) ولما يغيب القمر؛ تكون النجوم مستحية؛؛ ونفتقد كلانا القمر؛ ومزاياه الكثيرة؛؛ فليس حول الأرض غير قمرنا الوحيد؛ بل يقال أن هناك قمر صغير بحجم عربة يبدو كنجمة؛ فلا هو بقمر؛ ولا هو بنجمة. (يعوي كلب في الأفق؛ ويتكرر النباح وكأنه سمفونية مثل سمفونية “ميو لفاغنر” وتدخل مجموعة رقص تعبيري لتعبر عن علاقة الكلاب بالبشر؛؛ ومنزلتهم لديهم؛؛ يبدو نزار ملاطفاً لكلب).
نزار: (يتأفف وهو يمسح دمعة) كان لي كلب؛ كلبي كان اسمه بطّاح؛؛ طويل الجذع مثل فرس، ذنبه يتهز جذلاً عند الباب؛ عيناه كعدسة مجهار كبير؛ يشم رائحة والدي عن بعد، ويتفرس بالغريب بحرص؛؛ لا يعتلي درجات البوابة؛؛ إلا لو أحس بخطر مداهم؛؛ ينام بعين واحدة؛؛ لما تتعب الثانية؛؛؛ في يوم مرت شرطة الكلاب السائبة فقلته؛؛ فمات بتهمة التشرد؛؛ رغم أنه لم يكن إلا حارس؛؛ وله كنية وهوية؛؛ ومع هذا سجل في الوفيات؛؛ بعبارة كلب سائب؛؛ (تمر في سماء المكان أسراب طيور من بينها طائر التشوك الذي يقلّد الأصوات مهما كانت؛ طبيعية؛ أو اصطناعية؛ ويُرى طائرا كنار يتغازلان؛؛ بينما يعلو صوت الكروان “القبج” بتغريده المميز في الجبال؛؛ أثناء هذه السمفونية الطائرة بأسراب الطيور،، يمر على الأرض قطيع من الغزلان؛ مثل جوق غناء؛ وراقصو باليه يتناغمون بحركاتهم مع موسيقى الطيور؛؛ الصوتية والحركية؛ وقبل نهاية اللوحة يستعيد نزار مونولوغه) كان لي أصدقاء؛ وزملاء، ورفاق درب؛ بغدسار، عمران، عصام، موفق، ديكران؛ نجاة، سعاد، سميرة، منال، وجدت، صباح، لقمان، والعليان، كلهم كانت لهم أشياء؛ بعضها بقيت ملازمة لهم، وبعضها فقدتهم؛ فافتقدوها؛؛ وكلهم في الهم شرق؛؛ مثلي يناطحون الغمام؛ بنزوة لدمعة مطر؛؛ لكنها تمطر دموع الأسى؛ وتثلج صقيع الألم؛؛ بعضهم تساقط مثل أوراق الخريف، وبعضهم صمد مثل جبل في وجه الريح؛ بصمت تجرعوا السموم؛؛ ما انحنوا؛ وما أذلهم أحد؛؛ مثلهم تعلو بجبينهم؛؛ ولم تغريهم الدعاوى الباطلة؛؛ ولم ترهبهم التهديدات الجوفاء؛ أبطال بلا شهادات؛ وأسود لم يكن يجرؤ ذئب أو ثعلب الوقوف في وجههم؛؛ “صمت؛؛ تدور الكرة وتفتح نافذة يبدو منها وجه حبيب الكاتب؛ وهو يبحث عن دفتره القديم بين الكتب؛؛
حبيب: “يفتح الباب ويخرج وبيده مجموعة كتب يقلب بينها” هذه كتبي القديمة؛؛ ربما أجد دفتري القديم؛؛ هذا كتاب البخلاء للجاحظ؛ ربما يكون بداخله دفتري الصغير؛؛ آه يا دفتري كم اشتقت لما دونته؛؛ لا ليس هنا؛؛ آآه هذا كتاب “هكذا تكلّم زرادشت لنتيشه”؛؛ كم من الملاحظات تركتها هنا: بين طياته؛؛ ثلاثة عقود مضت عليه في مكتبتي ربما ينام بداخل دفتري؛ لا فائدة؛ وهنا في كتاب الإمتاع  والمؤانسة لإبي حيان التوحيدي؛ ليس في الجزء الأول ربما في الثاني منه؛ “يفتح صفحة” آآه ما أقدم هذه الملاحظة التي دونتها في الهامش،،،؛ تقول: تعجب راعي باحة المسجد من غضب أبو حيان، وهو يلاقي منظف المسجد؛ وفجأة ترتعد فرائصه، ويركض مولياً الأدبار ليخرج؛؛ وفي اليوم التالي؛؛ “تظهر الشخصيتان بين المجموعة لتشخص الحالة” عاتب الراعي أبو حيان بقوله،
الراعي: لماذا تغضب كلما تلاقي هذا الرجل المسكين؛؛ وتقضي ساعات وأنت تحاور خصمك داخل المسجد من غير أن تغضب، ولا يرتفع لك صوت؛؛
أبو حيان: أقول لك بإيجاز، مع خصمي يجد كلانا لكل سؤال جواب؛؛ ولكل باب مقفل مفتاح؛؛ نتحاور، ونتبادل الآراء؛؛ لأن كل منا منفتح على الآخر؛ فهناك قنوات توصلنا ببعض رغم اختلافنا في التفسير؛؛ لأننا بالتالي نرتكن لمبدأ واحد.
الراعي: فما علّة الرجل المسكين؛ فهو بسيط وعلى قدر حاله؛ ما الذي يغيضك فيه
أبو حيان: كشخص لا يغيضني فيه شيء، بل وإنني أُجله واحترمه؛؛ ولكنه حين يقابلني ويسألني سؤال؛؛ أحار في كيفية الوصول إلى إدراكه ليفهم ما أصبو إليه، وما أعنيه؛؛ ولا أجد أمامي غير أبواب مقفلة، ونوافذ موصدة في روحه، جوابه في كل مرة؛ لا أعرف؛؛ كيف، ولماذا؛ ولا أفهم؛ فأتوقف لأعود من جديد من غير طائل؛؛ فيشتد غضبي، وأنا بشر قبل كل شيء، ولي طاقة محدودة للتحّمل؛ “صمت” حبيب: “يطبق حبيب الكتاب” الحلم؛ والغضب عنصران لا تتحكم فيهما المعرفة؛؛ وإنما هي عملية فيزيائية معقدة يتدخل فيها الأدريانيل؛؛ “يقلب كتب أخرى فلا يجد دفتره” لا أجد لدفتري من أثر مهما بحثت الآن فقد كان لي دفتر؛ هو أول دفتر خططت فيه اسمي؛ في أول صفحة منه؛ كانت رسم لشفيعي؛ كان لي دفتر رسائل؛ سطرت فيها خطابات؛ للأحباب، وأصدقاء المهنة؛ وهؤلاء المنسيين من أبناء الوطن كانت لي أظرف رسائل، وطوابع؛ استغنيت عنها لما استعنت؛ بالبريد الإلكتروني؛ كان لي فاكس؛ تلاشى مفعوله بسرعة لما غزتنا؛ عوالم السايبر “برهة” كان لي دفاتر دونت فيها مذكراتي، وأخرى قصصي وحكاياتي؛ وغيرها تواريخ ذاتي؛ دفاتر تصفر أوراقها، لكن معانيها تبقى كأرث؛ لمن سيأتي من الأجيال؛ ممن يهتم فيقرأ؛ وممن له موهبة في فنون الكتابة؛؛ “يلملم كتبه، ويدخل من الباب ويقفله خلفه؛؛ تبدأ الكرة بالدوران، من خلف نزار، وهو على الجسر مستنداً على السياج”.
نزار: “يقح، ويتنفس بصعوبة”  لو فتحنا قلوب الناس لوجدنا فيها دفاتر؛ لا تنتهي فيها الأوراق، ولكنها أوراق مبعثرة،، لذكريات مشتتة؛؛ فكم ساعة قضاها حبيب وهو يدون ملاحظاته، ومراقبته لأمور مرت به؛؛ وها هو يبحث عنها، وكأنه قد فقد كنزاً لا يعوض،، مثله مثل تاجر؛ أضاع صفقة؛؛ ولكن الصفقة قد تعوض بنقود، أما المدون في دفتر حبيب لا يعوضه شيء، غير الدفتر نفسه؛؛ ذكريات قد تمر بغير حبيب من غير أن يسجلها؛؛ فتتبخر مثل الأحلام حالما يستيقظ النائم؛؛ ولكنها متى ما دونت صارت حقائق؛ وأصبحت أفكار تتناقلها الأجيال؛؛ لقرون، وعقود؛؛ وأيام، وساعات “ضربة موسيقية مع فتح نافذة وصراخ فؤاد بأصوات غير مفهومة؛؛ يخرج من الباب؛ وينظر في الإتجاهات، يبحلق في ساعات عديدة على لوح يحمله”؛
فؤاد: “يهمهم؛ ثم يعلو صوته، وهو ينزل” ساعات؛؛ ساعات،؛؛ زمن وأوقات؛؛ لم أكن أحسب للزمن من معنى، ولا للوقت من مبنى؛؛ ولكنني يوم افتقدت ساعتي صرت شارد كحصان بلا رسن؛؛ آآآه “يستذكر؛؛ ثم يضحك” فقبل أن يكون لي ساعة؛ كانت إحدى أمنياتي أن أمتلك ساعة يد؛؛؛ نظرت أمي لوالدي بمعنى؛؛ فكافئني أبي بثمن ساعة؛؛ بعد نجاحي في وزاري الابتدائية؛ كانت أول ساعة اشتريتها من شارع غازي بالموصل؛؛ ربما كانت بستة دنانير؛؛ كنت متحفز لرؤية الوقت كل دقيقة، بل بين ثانية وأخرى؛ وفي الليل لم أنزعها عن رسغي الأيمن؛؛؛؛؛ بعدها بدا كل شيء عادي، واعتدت عليها في الليل، “يُخرج لوحة عليها مجموعة ساعات؛؛ يرفع واحدة تلو الأخرى عندما يتكلم ليصفها” ولما عملت؛ وصرت أمتلك نقوداً أكثر؛؛ اشتريت من سوق جدة ساعة دوكسا؛؛ وقتها كانت من الساعات الفاخرة؛؛ ولكنها لم تكن أفخر الساعات؛؛ ولا من النوعيات المطعمة بالألماس، وجاءتني الثانية هدية؛ لا اتذكر من من، وما نوعها؛؛ ولما اشتريت الثالثة بأبوظبي؛ ورابعة في لندن، فخامسة في باريس؛؛؛ ثم توالت الهدايا؛؛ ساعات، ساعات؛؛ شراء لمرة، وهدايا لمرات؛؛ لكنني ومنذ اقتناء الكومبيوتر،، والهافت المحمول، “يقوم بلملمت الساعات وتعليقها في أمكنتها على اللوح” لم أعد بحاجة لساعة يد؛ فارتحت من حملها نهاراً، وليلاً؛؛ بل لم أعد أهتم كثيراً بجريان الوقت؛؛ فقد صرت مبرمج على أن الوقت في إنجاز شيء،؛؛ وليس الضجر من أي شيء، وصار شعاري؛؛؛ الوقت سريع الجريان؛؛ الوقت يأتي من الماضي، ويعبر بك إلى المستقبل،، إن لم تركض وراءه؛ لسوف تتأخر؛؛ فيقطعك قبل أن تقطعه؛ الوقت يحتسب لك ما أنجزته لا ما كسبته؛ والورثة لن يقدروا ما ورثوه؛ لأنهم لم يتعبوا كما فعلت، بمصارعتك الوقت؛ فالوقت نسبي، وعليك أن تستثمره؛ بأكثر مما يجب؛؛؛ والوقت والعقل عنصرا جذب، وتنافر؛ وليس بساعة اليد فقط يُعرف الوقت؛؛؛ “على صوت تكتكات الساعات يحمل فؤاد اللوح ويدخل؛ ثم يقفل الباب وراءه، وتبدأ الكرة بالدوران؛؛ بينما نرى ناظم يمتطي فرس ويأتي من عمق المسرح”.
نزار: “كأنه في حلم” من هذا الفارس؛؛ “يترجل ناظم” أهذا أنت يا ناظم أبا تانيا؛؛ ما أجملك وأنت تمتطي فرسك؛؛ من أين أنت قادم؛؛ وإلى أين “ناظم لا يجيب، وإنما يبتسم وهو يمسك برسن الفرس، يقوم نزار لملاقاته، وتقبيله، ولكنه لا يستطيع الاندماج معه، ولا ملامسته؛؛ كأن ما يراه هو شيء من الحلم؛؛ يستمر ناظم بقطع مساحة العرض طولاً، ويدخل ضمن الجمهور” ويقول: “وكأنما يعنى فرسه ونفسه” كانت لي فرس؛ فرسي أسميتها نورس؛؛ صهيلها مثل الجرس؛؛ يغطي عنقها شعر خمري؛ وجذعها كقامة سنديانة؛؛ وسيقانها مثل أعمدة الحرس؛ لها ذيل مثل أجنحة الصقور؛ عيناها كحجر العقيق ؛؛ وجهها كعمود رخام؛ أنيابها عاجية؛؛ جلدها ريش نعام؛؛ ولما كسرت ساقها؛ لم أجرأ على نحرها؛ بمديته مشعان نهاها؛ على ضفة الجدول؛ استلقت جثة بسناها؛ شاخبة استقبل الجدول دماءها؛ مثلما يمتص العشطان؛ نبيذ معتقة، فغامت السماء في عيني كسكران؛ وفي داخلي هربت مني سدة القيادة؛ فشهقة بلـ اآآآآآه “يستمر بالآهات، والبكاء حتى يخرج من الطرف الآخر لمساحة العرض؛؛ يبقى نزار في مكانه كالمصدوم”؛؛
نزار: “ينصت وهو ينظر إلى الأفق، بينما تتحرك الكرة من خلفه، فيفتح الباب، وتظهر سيدة وقد أفاقت من نومها، ورولات شعرها مثبتة بمنديل رأس شفاف؛؛ تبحث عن شيء أضاعته؛ يتصور نزار أنها تبحث عن قطتها؛ فيبسبس؛ لكنها تنظر إليه شذراً” وتقول: هل أنت مجنون؛؛ أنا أبحث عن خاتمي، وليس عن قطة؛؛
نزار: صحيح فالقطط لا تؤتمن؛؛
سونيا: صحيح أنا أعيش هنا في بلد اسكندنافي؛ وقد تأقلمت على الوضع البيئي، ولكنني لم اعتد على ما يزاوله الغربيون؛؛
نزار: من ينسى أصله؛؛ لا أصل له؛؛
سونيا: لهذا تكون أشياؤنا القديمة أهم ما نحمله؛؛
نزار: عدا عما نحمله في ذاكرتنا؛؛
سونيا: صحيح أن الخاتم هو نوع من أنواع القيود، ولكنه مهما يحبسنا فهو أمانة لا بد أن نحفظها بعناية،
نزار: ونحتفظ بها لمن سيخلفنا،
سونيا: أههه يا خاتمي؛؛ فهو  أول خاتم وضعته في بنصري؛ كان هدية لنجاحي في بكالوريا الثانوية؛؛ صاغت فيرونيا أختنا واحد مستطيل لي؛؛ وآخر بيضوي لأخي الأكبر؛؛؛ وقتها كانت قد أبدلت سوارها العزيز؛؛ بهذين الخاتمين؛؛؛ “ينظر نزار إليها باستفهام” الخاتم كالمحبس عليك أن تبقيه في بنصرك؛؛ ربما يعود علي بنصيب؛؛ خارج ما ناله الغير؛؛؛ فللمحابس، وخواتمها؛؛ حكايات عن معانيها؛؛ الخاتم يحبس الزوجان في رباط مقدس؛؛ ويوسم الملوك بالحكم، والكهنة بالحكمة؛؛؛ والظالم بالظلم؛؛ لكن من يعرف منشأ؟ الحكاية؟؟؟ وحادثة الرواية؛؟؟؟ لا أحد يتذكر؛؛ فأصول الحاجة تنتهي بالنسيان؛؛ وتصبح رموز تحملها الأجيال؛؛ وبجهل معاني الحادثة؛؛؛ ولا تكون خواتم الأمور؛؛ بغير نهاية؛؛ يا حيف على خاتمي الذي أضعته، لو تسنى لأحد ووجده فهو لي، حجره أسود مستطيل؛؛ “تدخل وهي تتثائب لتقفل الباب وراءها، بينما تدور الكرة من جديد”.
نزار: “يتثائب هو الآخر؛ وكأن العدوى قد وصلته” ليس الوقت للنعاس؛؛ ولكن عدوى النوم تسري كأنزيم لم يفسره العلماء حتى الآن؛؛ الوقت لدى سونيا في فنلندا الآن يختلف عن توقيت البرازيل ست ساعات إلى أمام؛؛ يا لهلسنكي الجميلة؛؛ آآه ذكريات؛؛ وليالي؛؛ “تدور الكرة خلف نزار، ويظهر في شرفة فيها كرسي، ومظلة؛ سعيد منهمك في الكتابة؛”: “يرفع رأسه ليفكر” هأنذا أعيد نص من حكاية كانت لي؛ حكاية كتبتها بحبر أخضر؛؛ عن خفايا الليل، وممارسات الحرس؛ في اغتصاب الناس؛؛ وسرقتهم؛ بدلاً عن حمايتهم؛ كانت الحكاية عن امرأة؛ فتحولت إلى حكاية عن بلدة؛ وكبرت لتحكي مآسي وطن؛؛ حكايتي بحبرها الأخضر؛؛ ضاعت في صناديق الوطن؛؛ وسجنت خلف أسوار الاحتلال؛ حبرها الأخضر ما يزال يشع أينما خبأها المحتلون وأعوانهم  تبرق عباراتها لكل المغبونين؛ والمحرومين؛؛؛ حكايتي لم تضيع؛ ولن تمحى؛ فهي باقية؛ لتخضر في تربة الوطن؛ قريباً، قريباً؛؛ وليس من تأجيل؛؛ بل بأجل (تدور الكرة ببطء ونرى نزار وقد أمسك بحافة الكرة ليبطء دورانها؛؛ لنرى شاشة بحجم شاشة اللابتوب 15 إنج؛؛ بينما نرى جهاز اللاتوب مثبت على السياج أمامه).
نزار: “يتفاعل مع الجهاز بمهارة” لم أراجع الكم الكبير من الرسائل الإلكترونية التي تصلني هذه الليلة لانشغالي معكم؛ ولكن ليس من ضير أن نزور أيضاً بعض المواقع المتوفرة؛؛ قد تضيف لنا شيئاً من جهة، وتقرّب المسافة بيننا هنا من جهة ثانية؛؛ ونعرف أخبار المنفيين حولنا ممن هم أصدقاء؛؛ وآخرون تعرفوا على فنونها هنا؛؛ الحقيقة أنني ولقلة التواصل في المنتديات؛؛ وبعدنا عن بعض؛؛ فقد ابتكرت وسيلة للانتشار،، ما وددت إيصاله لمن حولي؛؛ ومن هم بعيدون عني؛؛ بوسيلة بث الإعلام المصورة في عالم السابير بدلاً عن طبعها؛؛ ورفعها على رفوف المكتبات؛؛ فيما لو تيسر وأحسن صنع الفيلم تقنياً؛؛ وتم توزيعه بمهارة؛؛ فقد ينتشر حتى بين مواقع غير غربية؛ كالإنجليزية، والأرمنية؛ والفرنسية، والروسية؛؛ هذه أسرار يكتنزها الممارس؛؛ “لنقرأ هذه الرسالة الحديثة من طاهر الفؤادي” أخى وحبيبى نزار الوردة؛؛ أعتقد آخر مرة التقينا فيها  كانت نهاية عصر النهضة فى جزيرة الغزلان .. وبعدها جائنى من أحدهم، بنبأ أنك قد غادرت دنيانا وعرجت الى السماء مقلدا ابن القارح وهو يبحث عن ربه وفسيح جناته والحور العين وبانتظاره أبو العلاء ليسمع الخبر ولينهى الشك باليقين..”صمت، ثم تظهر صورة طاهر مكبرة”
طاهر: “يتهدج صوته” بكيت صديقى نزار وحزنت كما حزن جلجامش على صديقه ورفيقه إنكيدو! ورحت أراجع من جديد كتابيك المسيرة الغجرية ودرامية عاشوراء وفاءا لفقدك، ولاشكرك على هذه التركة الوارفة من بعض إبداعك.. مضت سنوات لتبشرنى امرأة بزيف الشائعة، فصرت بالنسبة لي مولود من جديد، عودتك مثل عودة الغائب من رحلة البحث ظافرا مبتهجاً هاتفاً: وجدتها !! وعسى أن نعرف قريبا ما الذى وجد المتأمل الباحث عن الحقيقة أبدا .. “يخرج طاهر من الشاشة، ويطل من على الجسر” عدت يا نزار لتسأل عن صديقك من بين ما تسأل.. ها أنا اواصل العيش فى ستوكهولم.. أرسم الماضى وأنحت القادم ..أكتب مؤلفى المرتقب عن التشكيل فى الفيلم الروائى.. أقرأ كثيرا فى كتب المبدعين من البشر.. وأتابع عجائب وغرائب أحداث الساعة.. وهذه هى الحال نقضى فيها الليل والنهار حتى يأتى زمن رحلة اللاعودة ونستريح..! سأقرا أعمالك الموجوده على الانترنيت بعد أن أنتهى من الكتاب الذى فى يدى الان وهو هوايات شيطانية !.. سنتواصل .. وهذه المرة دون انقطاع .. اشتياقى وإعجابى مع كل الحب”يسير من بعيد بالسلام ليعود إلى مكانه في الشاشة، ويظهر طاهر وهو يتلاشى. “صمت”.
نزار: عجيب؛؛ إنها حكاية مثل الآساطير؛؛ سأكتب لطاهر أن يمدني بالتفاصيل؛؛ فهذه حكاية تصلح لعمل مسرحي؛؛ أو رواية (تدور الكرة تلقائياً؛ ويظهر زاهر، وعيسى على غير المعتاد على الجسر من جهتين متقابلتين، من غير أن يخرجا من باب؛ أو يطلان من نافذة؛ وبيد كل منهما كاميرة يحاولان التقاط الصور في كل إتجاه؛؛ وكأنهما لا يريان نزار؛؛ ربما يتنافسان في ابتكار الزوايا المناسبة، وهما منهمكان في فنهما؛ سارحان في خيالهما لا يسمع أحدهما الآخر؛ ولا يريان غير ما تحدده العدسة): كانت لي كاميرة؛ كاميرتي حيرتني بإمساكها؛ كفايا لم تكونا بحجم الصندوق  مكعبة كاميرتي كانت؛ وعيني تبصر الأشياء من عدستها فتبهجني دنيا الصور؛ دنيا تقتنص اللحظة الخاطفة؛ فأكوّن عوالمي الخاصة؛ الجسر غيره جسر في صوري؛ والوردة لها غير رائحتها؛ والناس يطلون بعيون غير عيونهم؛ والأشياء تتداخل من غير فضول؛ كانت كاميرتي الأولى؛ ثم استعرت ثانية من صديق؛ وثالثة من رفيق؛  ورابعة من سوق الأنتيكا؛؛ أما الخامسة فماهرة بعدساتها المتبدلة؛؛ خامتها مبعثرة؛؛ صورها منتشرة؛؛ عيني بعينها؛؛ برؤيتها مبصرة؛؛؛ طويلاً انتظرت لأشتري أحسن ابتكار في السوق؛؛؛ ولما حصلت على كاميرة متحركة بفيلم؛؛ سارعت الأسواق بكاميرات الديجتال؛ فهرعت لاقتناء الفليب؛؛ وصرت أمهر بين المتحرك والمستقر.
عيسى: كاميرات روت لي حكايات، وأخرى حاكت حولي أحجيات؛ صورها أمامي وخلفي، وبعضها حفظ لي ذاكرتي، وغيرها أكلتها فيران بيتي؛؛ “يتحرك على الجسر وقد أدار ظهره، وهو مستمر في مونولوغه” لما تركتها في وطني؛؛ لتروي شهادات؛؛ وتسجل روايات؛؛ غير أن الجرذان تآمرت؛ مع عسس السلطات؛؛ لتقضم السللويد؛؛ وتبتلع ذاكرة السنين؛ وتمحو شهادات العمر؛ غير تلك التي في الذاكرة؛؛ “تتردد كلمة الذاكرة في عمق المسرح بينما يختفي كل من زاهر وعيسى على أن يعود عيسى في مرات أخرى من غير استئذان لتسجيل الوقائع”،،
نزار: أرى أن زاهر قد التقط صور لوطننا قبل الانهيار؛؛ وأيام الخير (تعرض صور لجاسم الزبيدي، وللمؤلف ثم تنقلب الصور لحالة النكاتيف، وتعرض صور الدمار الذي لحق بالعراق إبان الحروب؛؛ وبعد الاحتلال)؛ “يضرب كفاً بكف” لم يبق للوطن غير التسبيح، والمسبحون كثر؛؛ يسبحون بمسابحهم؛ وعلى رأسهم منيب القلعجي الذي له أطول مسبحة سجلت في مقياس غينيس العالمي؛؛ “يظهر منيب من بوابة في الكرة الدائرة بجانب نزار وهو يقف على السياج”؛؛
منيب: “بيده مسبحة طرفها في يده، والطرف الآخر مختفي في فتحة الباب الذي خرج منه منيب” لحظة؛ لحظة يا نزار؛؛ أنا لست ممن يسبحون بلا طائل؛؛ أنا أعد السنين بالثواني؛؛ واحتسب أوقات رفات أجنحة النحل عندما يطير؛؛ ولكن أهم مسبحة كانت؛ لها ولي معها حكاية؛؛ بل إن عالم المسبحة حكايته غريبة؛ وروايته عجيبة ؛ فإن مهمة اقتناء مسبحة؛ للتسبيح في صلوات الوردية؛ ولما كبار الرجال يسبحون بمسبحة غيرها؛ تظنها مسبحة لتسجية الوقت؛ ولكنها للصلوات بمذهب آخر؛؛؛ وتسلية لمن لا يعرف قدر العد؛؛ ولأهمية الدوران حول خيط مربوط؛؛ تدور حول الأصابع بلا نهاية؛؛؛ وتتبع المخيلة؛ الأصابع؛؛؛ وبعدها تهيم بالأخيلة؛؛ ولربما حسابات حول الزمن؛؛ والوقت؛؛ حول العدد، والعد؛؛ حول الأمل؛ والحلم؛؛؛ أحلام بغير انتهاء؛ وآمال بلا انقضاء؛؛ لكن المسبحة صارت للمنابزة؛؛؛ ولم ينتبه مقتنيها لمعاني حملها؛؛ بل لأثمان خرزها؛؛؛ بين مرجان، وعقيق؛؛ بين فيروز؛ ويسر؛؛ بين نوى الزيتون، والحصى مرصعة مرة؛؛ ومطعّمة لمرات؛؛ فصارحملها بلا معنى، ونقلها بلا مغزى؛؛ عادة صارت، ولكن من غير جدوى (يسعل منيب وهو يلملم أنشوطة المسبحة التي بيده ويسحبها معه إلى داخل الباب الذي خرج منه، ويختفيان؛؛ ولا نزال نسمع صوت سعاله).
نزار: “يحمل حقيبة ثقيلة؛ يجهد في سحبها” تعبت من حمل حقائبي،، وسحلها خلفي؛ لولا كنوزي التي أحفظها فيها؛ لتركتها؛ لا أفكر في ثياب ولا مقتنيات خاصة، وإنما أجمع من كل بلد ذكرى؛ ومن كل حادثة تعترضني لقية؛ دفاتر؛ ومراجع؛؛ لا تسعها صناديق الأمانات؛ ولا مخازن التجهيز؛ ومع هذا فما دام ليس هناك من مستقر؛ فمن غير المسعف أن تترك الحقيبة لحالها؛ كيف لا وليس للحقيبة أهمية ما لم تفتح كل يوم؛ ويعاد ترتيبها؛؛ (تدخل زهى الخضيري من بين الجمهور؛؛ وهي تدفع أمامها عربة تحميل من تلك التي يستعان بها في المخازن الكبيرة للمشتريات؛ فيها العديد من الحقائب بأحجام؛ ونوعيات متعددة؛؛ وتبدأ بفتح الواحدة تلو الأخرى، وتفرغ ما بها أمام الجمهور وتبدأ بالقول): إنني أبحث عن حقيبة كانت لي؛ كانت تلك الحقيبة أول ما اقتنيته للحاجة؛ ثم حملت حقيبة للعمل؛ أما غيري ممن يتقتنون الحقائب فبعضها للمباهات؛؛ وأخرى للغزل؛ وثالثة للغيار والبدل، ورابعة للملفات والصور؛ وغيرها للسفر؛ حقائب، مخازن؛ بعضها ضد المطر؛ وبعضها الآخر بلا خطر؛ تجتمع فيها الحاجيات؛ بلا انتظام، أو بتنسيق حسب المرام،  تبعاً لصاحب الشأن، أو مقام؛؛ ربما يكون الأهم؛ في الأمر؛ أن الحقائب تعني أمور؛؛ لا تمت بشيء للمكان؛ أو لساعة من الزمان، بل للعربات، والقطارات؛ للمحطات؛ أو المطارات؛؛ لكنها تبقى حقائب؛ بعضها ملازمة للشخص؛؛ وأخرى تتبع للحاجة؛؛؛ (يتأملها نزار، ويبادرها في الكلام).
نزار: لعل الأهم أن نعرف ما قيمة الحقيبة بالنسبة للمرأة؛؛
زُهى: “تتفاجأ” كم أنتم قليلو الصبر يا رجال؛؛ كنت سأعرّج على استفسارك من غير مقاطعة؛؛ أما أهم حقائب فهي حقائب النساء؛ لا يمكن للمرأة أن تعيش من غيرها؛؛ (تبدأ بلملمت الحاجيات، وتقود عربتها لتخرج من المحل المقابل لدخولها مع انتهاء حوارها) من غير الحقيبة ربما تعرج المرأة؛؛ فيختل توازنها؛ فهي إذن ليست بحاجة ثانوية لها؛ بل جزء من كيانها؛ مرتبط بسنائها؛ وحسن مظهرها؛؛ ولو أحد من الرجال التقاها؛ يرى في حقيبتها كبير اهتمام؛؛ جزء يكمل المظهر؛ بشكل أكمل؛ ووجه أجمل؛ حقيبة النسوة؛ لها ميزة؛ وكينونة، ومهمة؛ لا يعرف قدرها غير الذي يفقدها “تخرج وهي ما تزال تدفع العربة، وتتحدث عن الحقائب”.
نزار: “يضيء شاشة اللابتوب؛؛ فنرى كهل يشبه نزار” هذا التقييم لم يتسن لنا أن نقرأه حتى الآن، وقد حفظناه لهذه المناسبة؛ وهو تقييم خاص “يضغط زر فيتحرك الفيلم” تحية تقدير لهذه الفنانة التي أضاءت المسرح العراقي بشموع أنوارها، تضاءلت ضياء شمعتها، وما تزال بهية في شروقها أينما حلت، وكأنها ترفل بستائر المسرح العراقي التي تزيحها في كل بلد تحل لتقدم نفسها فنانة أصيلة؛؛ متباهية بعراقة المسرح في عراق النور، عراق الفكر، عراق التاريخ، عراق الحياة هي “ن.ح” أخت الناس الطيبين، وشقيقة كل فنان مسرحي أصيل قدم للمسرح العراقي جذوة حياته، وبراعم صباه، ونسغ عطائه بلا مردود، وبسخاء مديد فنها يتجاوز عمرها، وتتجاوز هي المحن لتغرد بترانيم المسرح العراقي أيام ازدهاره؛؛؛ وحتى حين تشرذم المسرح، وجال أبطاله في الشتات؛؛؛ تبحث عنهم، وتستقصي أخبارهم، بل وتعطي من صبرها شحنة لمن ملّ ويأس؛؛؛ فهي صوت الأم العراقية، بل الأمة العراقية بأسرها؛؛؛ تأتي أعمالها الفنية من خلال أدائها المميز على خشبة المسرح بصوتها المميز بنبرة يشوبها حنين القداح العراقي، ونفحة رطب بابلي، ونسمة ريح شمالي، وهمس نجم سومري؛؛؛ حركتها لا تذوي؛؛؛ وعطاؤها في اصرار على البقاء؛؛ ربما تمارس فن البقاء بتلقائيتها التي بدأتها؛ ومارستها وزوالتها في المسرح عن حياة الناس، وتمثلت التضحية فيه؛ وبدأت السينما بمسؤولية  الضامؤون لماء، والحرية.. وعادت فتمرست بين أحضان المسرح فاحتضنها، وتبادلا العطاء؛؛ ولم يثنيها العجز في رؤية الأنوار، لأن شعاع ضيائها الداخلي ينعكس على كل من حولها فتحولهم لطاقة مستديمة مثلها؛؛ (يضغط على زر؛ فيظهر موقع بحروف غريبة؛ هي حروف أرمنية؛ ويبدأ فيلم يقول:) قرأت في الثقافة اليابانية أن كلمة أوهانا تعني رائحة الورد، وأرومتها،، وأوهان هو اسم يوحنا بالأرمنية؛ ويوحنا تصريف لاسم السماء المذكر؛؛ مثل حنة من حنا؛؛ وآننا، من آآن؛؛؛ وكلها تعني السماء؛ ويو حي؛ من أو بركة: فيوحنا هو من المساء، أو بركة السماء؛؛ لهذا فأوهان بركة من السماء للأمة الأرمنية،، ومنحتها لها. كان أوهان؛؛ ويكون يوحنا أوانيس الجبرائيلي (يتنهي الفيلم لتظهر دعاية عن فولوكلور أرمني للرقص الشعبي). (يقفل اللابتوب) عذراً فإن هذا غالباً ما يحصل مع متصحفي عالم السابير؛؛ يزورون مواقع لا تخطر على البال؛؛ ولكنهم على الأقل يحصلون على معلومة مفيدة؛؛ (تدور الكرة باتجاه معاكس، ويظهر أحمد الهيتي، وهو على طاولة في مكتبه؛؛ يعاني من تحريك قلمه على الورق؛؛ ينظر فيما حوله؛؛ فيرى نزار أسفل على الجسر فيخاطبه): هيه أنت يا رجل؛؛
نزار: أنا
أحمد: أجل أنت؛؛ يبدو أنني أعرفك؛؛ فأنت من أصحاب القلم كما أظن؛؛ أليس كذلك؛؛
نزار: ربما؛؛ ولكننا أصدقاء في الغربة؛ أنا بالبرازيل؛؛ في سان باولو؛ وأنت كما أظن في كوبنهاغن؛؛ قرأت لك الكثير؛؛
أحمد: أنا معضلتي الآن هي في قلمي؛؛ فمهما بحثت لن أجد لقلمي؛؛ أو أقلامي العتيدة مثائل؛؛ فقد كان لي قلم؛ قلم بألوان عديدة؛؛ يكتب عباراتي المديدة؛؛ باهتمام يلون السطر؛؛ يملأ الصفحة ببحر؛ من المعاني؛؛ ويغمرالكتاب بمطر الأماني؛؛ كان يسبر المضمون؛؛ ويسكن في المكنون؛؛ تمسكه أناملي الصغيرة؛؛ بثلاثة أصابع أقوده لرسم؛؛ جملي الكثيرة؛؛ وبه وقعّت على شهادة ميلادي؛؛ ومن خلاله مهرت كل ودادي؛؛
نزار: ذلك ما كانت أقلامي هي الأخرى تشكل عوالمها معي؛ ومني؛؛
أحمد: ولما استعنا بمفتاح الكلمات لجهاز الحاسب؛؛ صارت أقلامنا للعبارات؛؛ فتسارعت المعاني؛؛ وتوالت الثواني؛؛ ولم يبق لقلمي من جدوى؛؛ سوى لتذييل المبنى؛؛ والتوقيع على المعنى؛؛ قلم بحبر أو رصاص؛؛ أو بحبر جاف؛؛؛ لم تعد له قيمة؛؛ فلوحة مفاتيح الحروف؛ صارت بديلاً؛؛؛ وقامت الأصابع العشرة؛ بمهام الأصابع الثلاثة؛؛ ولربما تأتي ساعة للكتابة بالعين؛؛ بدلاً عن اللمس بالأصابع؛؛ ربما؛؛؛ ولكن أكيد؟؟
نزار: “يضحك، ويغمز أحمد” أنت أكيد أحمد الهيتي؛؛ منذ فترة طويلة وأنا أنتظر خطاباتك عبر البريد الإلكتروني؛؛ ولكنك تتأخر؛ فهل بسبب التزاماتك الحزبية هذه المرة أيضاً؛؛ أنت ترسلها بالقطارة؛؛ وأنا أريدها بغزارة: صديقي العزيز جدا نزار الجميل، معذرة لتأخري في الكتابة إليك، داهمتني شواغل ليست على البال، كم أفرح حين أقرأ لك قصصك القصيرة جدا رائعة ومكتنزة بنضج العمر وحكمته، وأنت في يدك من فنها الكثير،انها تعيدني لزمن جميل مضى، لكنه ما انقضى ما زال راسخا في القلب مرة يبعث الدموع ومرة يبعث البسمات، ما كتبته في الروائي عن رواية آلام الزنوج رائع مؤثر، وعاشت أيدك على هذه الأناة والدقة في تتبع مصير هذه الفتاة السمراء المسكينة المبدعة في آلامها؛؛
نزار: أنا بشوق لكي أقرأ ما تكتبه أنت؛ بعد الذي قرأته لك قبل أيام؛؛ فأنت روائي من الطراز الأول؛؛
أحمد: أرسلت لك الجزء الذي حدثتك عنه من الرواية ،اتمنى أن يروق لك وهو بيننا الآن وليس لنشر، فقط يهمني كثيرا جدا أن أسمع رأيك به قبل نشره،
نزار: هو بالضبط ما قرأته، وقد استلمته قبل أيام، وكتبت لك رأي المختصر؛؛ وانطباعاتي الأولية عنه؛؛
أحمد: استلمتها؛؛ ولم أكن متصور أن نلتقي فجأة هنا؛ ومن غير سابق إنذار؛؛ أو معرفة؛؛ على العموم أشكرك كثيرا على رأيك العميق والهام في العمل، فأنت لا تنطق إلا عن تجربة كبيرة عشتها في الحياة وفي الإبداع وبين الكتب، وهذا  يجعل لرأيك عندي منزلة خاصة وعزيزة جداً؛؛
نزار: فهل قرأت ملاحظاتي الخاصة بالعمل السري؛؛
أحمد: بصدد اسم الحزب ،هذا أمر شغلني منذ بداية العمل ، الذي عكفت عليه لما يزيد عن 11 عاماً، وضعت اسم حزب خيالي، ومضيت بالعمل على هذا الأساس، ولكني اصطدمت بعدة حقائق، الأولى أن هذا الاختفاء سيكون مفضوحا منذ البدء، ولا ينطلي على أحد، ويفقده عنصر الإقناع، إذ شحنة الاسم الواقعي لها جاذبية أكبر، والحقيقة الأخرى هي أن العمل لا يتعلق بحزب معين، بل هو يخوض كما سترى في الأجزاء اللاحقة  بمسيرة أحزاب وكتل وأديان وطوائف وشخصيات كثيرة في العراق أي  خلاصة تاريخنا المملوء بالآلام كله، هي ليست رواية تاريخية وإنما محاولة للإجابة على سؤال؟ لماذا وصلنا إلى هذا الحال ومن المسؤول عن خراب كل شيء؟ ماذكرته أنت صحيح جداً، أن العمل بهذا الإطار قد يضيع عليه فرصة الانتشار الخارجي، ولكن ألا ترى أن هذا سيفقده محليته ونكهته الخاصة؟، ثم من سيترجم هذا العمل ومن سيقرأه خارج العراق؟ هذا حلم  جاد به قلبك الطيب الحنون دائماً، كل الملاحظات الأخرى كانت رائعة وسآخذ بها، وهي موضع تقديري؛؛
نزار: أنت بصرف النظر عن كونك روائي متميز؛؛ فأنت ناقد من طراز خاص؛؛
أحمد: إن قصصك التي كتبتها عن بودابست يسعدني أن أتفاعل معها، قراءة وكتابة فقط أريد أن أنتهي من هذا الهم الذي امتص الكثير من سنوات عمري؛؛
نزار: لا يهمك؛؛ أنا فقط أتمنى أن أسمع من يقرأني بصوت عال؛؛
أحمد: نزار أصارحك بصدق؛؛ فإن الحديث معك يعيدني لحقب سعيدة وحزينة في حياتي، لكنها ملهمة، أنت في الحقيقة محور إبداعي كبير في حياتنا، أتمنى أن يبقى قوياً معافى دائما ففيه الكثير لخير الثقافة العربية؛؛
نزار: “يستأذن أحمد” اسمحلي أن أعود لجمهوري الغالي؛ ولسوف نتواصل قريباً؛؛ “تلف الكرة بنفس دورتها المعاكسة هذه المرة،، ويغيب أحمد، وهو منشغل بأقلامه، وكتابته، بينما تعلو أغنية شعبية بصوت فؤاد سالم، نزار ينصت، ويضرب جبينه” عارض آخر؛ ولكنه من صميم الحنين في الغربة؛؛ فلربما في ساعات اليأس يتصور أي منا أنه يتخاطر مع من أحبهم؛؛ ومن أثر، وتأثر بهم؛؛ فيصنعهم حلم يقظة كالذي حصل الآن؛ هذا سهل للممارس؛ ولكنه مستعصي مع من يفقد النطق؛؛ أو يُضرب عن الكلام؛؛ فنان يغني فتطرب له الجداول؛؛ وهو نخلة ساقها في البصرة، وعثوقها في الموصل، وسعفها يجلل العراق، جذورها تمتد من تايوان إلى كندا في قلوب العراقيين المحبين لوطنهم، حبه لأرض الرافدين، وشعبها العظيم؛؛؛ مطرب النهرين يصمت محتجاً على حاله، وحال وطنه؛؛ أيعقل يا عراق أن لا تتذكر تكريم مبدعيك، ولا تبحث عنهم  حتى في ساعات المرض، أو الفناء؛ أيعقل يا عراق وأنت أرض المفكرين، والمبدعين أن ينال أهلك كل هذا الوجع؛؛؛ “يرتفع موال عراقي بصوت فؤاد سالم” أيها الحبيب كم مضى علينا ولم نلتق، ربما أكثر من عقد كان آخر لقاء في ديترويت؛؛ لا زلت أذكر طلعتك البهية في أغانيك، ولطالما جلسنا، وتكلمنا، وتسامرنا، وعملنا في السبيعينيات من أجل الوطن، لم أنس احتفائك بزفافي، وأنت تشدو أجمل أغانيك؛؛ ولما لفظنا الوطن صرنا نتوجع في الشتات، ولكننا نذكر الوطن بفخر، في جزيرة الغزلان ثانية التقينا، وكعادتنا عدنا لنرى بعضنا، وغنيت في بيتي أجمل أغانيك التي لم تكن قد بثت للعلن؛؛؛ “مقطع من أغنية مشكورة” أنت هكذا معطاء حتى في شدائدك يا أبا نغم؛ حنانيك يا دنيا، ولطفاً بفؤادي؛ حنانيك يا زمن لا تقسو على فؤادي؛ هذا الذي يحب الناس والوطن؛ نخلة باسقة ستبقى؛ ثمرها يطعم كل الجياع ويصبو له كل محتاج. هكذا كان ويكون أبا الأنغام الحبيب لكل عراقي غيور “يغالبه البكاء، فيدفنه في صدره، ويصمت” لماذا تحجم عن الكلام؛؛ “يشير إلى الشاشة؛ فيضغط على الزر؛ ونرى المريض وهو يتكلم في وقت سابق قبل فقده النطق”؛؛ فيقول المغني الصامت:
المغني: كان لي اللسان؛ باللسان تدور الكلمات مثل لحن في الفم؛؛ وباللسان تدور اللقمة مثل الرحاة؛ وباللسان يعرف المرء؛؛ فيكرم أو يهان؛؛ ومن دون اللسان؛؛ فالمرء أخرس بحاجة إلى إشارات.. (يكفكف نزار دمعه وهو يقفل الجهاز؛ فتطفأ الشاشة؛ ويرتفع في المكان صوت غناء عراقي حزين؛ المجموعة تعبر برقصة عن جوق من العميان).
نزار: هذا المغني لا يحتاج لتكريم؛؛ أكثر ما يحتاج لعلاج، ورعاية؛؛ “تصل المجموعة تحت الجسر؛ ونرى من بينهم يوسف وقد أمسك بأذنه كأنه ينظر بها محاولاً تميز صوت نزار” ما هذا لا أكاد أصدق عيني هذا يوسف ابن أبي جوزيف من أمهر التقنيين في التسجيلات الصوتية؛؛ أنا لا أصدق عيني: “وهو ما يزال يمسك أذنه” وأنا لا أصدق أذني؛؛ أنت نزار؛ ذلك الشاب الذي مهر في الحكايات الصغيرة للإذاعة القومية؛؛ صوتك أميزه من بين المئات؛؛
نزار: أحقاً أنت يوسف؛ أيها الكهل الذي كان وسيماً فماذا جرى؛؛ أهي من مصائب الحروب؛؛
يوسف: هي من نتائجها؛ فإصابة في الرأس بكرة شاردة من قدم هاو؛؛ لم تكن لتفقدني النظر طوال عمري؛؛ لو حصل علاج مستمر؛؛ ولو كانت مواد العلاج متوفرة؛؛ كل شيء مفقود بسبب الحصار الطويل؛؛ لا تلمني بل هكذا هو مصيري؛؛
نزار: كانت لك عينان برموش طويلة؛ وحدقتان كالساعة؛ بؤبؤهما كالمينا الصافي؛؛
يوسف: كان لي عينان؛ ومن يفقدهما لا يقدر الأمور إلا بما اختزنه من خبرة في ذاكرته؛؛ فبالعين ترى المكونات؛؛ من زاوية، ودرجة؛؛ بالعين تميز الألوان؛ بالعين تقرأ العبارات، بالعين ترى إلى الوجوه؛ بالعين تحس بنعمة النظر؛ وتقرأ الكلمات، ومن دونها تتحسر على الصورة؛ وترى بالأذن ما يرسله الصوت؛ فلم يعد لك بعد العين مرآة ترى منها، وينظر إليك منها (بينما تقوم المجموعة باكمال التعبير عن الحالة؛ يقوم نزار بالتقدم من طاولة تجلس عليها سيدة؛ تبدو فنانة مسرحية مخضرمة).
نزار: “يؤدي تحية برتوكولية” سيدتي؛؛ “ترفع رأسها بأرستقراطية” هل تنتطرين أحدً هنا: أجل أليس هذا مقهى الفانوس السحري؛؛
نزار: أجل سيدتي ما طلبك؛؛
الممثلة: أنا على موعد مع صحفي؛؛ طار خصيصاً ليلاقني هنا؛؛
نزار: ريثما يأتي أتطلبين شيئاً؛؛ نحن في ضيافتك سيدتي؛؛ ومن لا يعرف الممثلة سالمة داؤد؛؛
الممثلة: “تبتسم بحرج” حقاً؛ بعد كل هذه السنين من الاعتكاف، والتشرد في الغربة؛؛
نزار: من له ذاكرة عميقة وحية لا ينسى رموز بلاده؛؛ “تنظر مستغربة، ويدخل الصحفي فيسلم على نزار بحرارة” أهلاً أستاذ غازي السجادي،، أنت فعلاً من يستحق التقدير؛ لأنك صحفي أصيل؛ مخضرم مثلنا؛؛ لكننا مخضرمون في الغربة؛؛ وأنت حبيس في الوطن السجين؛ إنما أنت لم تتنكر لوطنيتك “ينتبه لعدم تعريفهما ببعض” أهه اعذراني؛؛ عليكما البقية؛ ولا أعتقد أنكما لا تعرفان بعض، ولكن الغربة تفقدنا الألفة؛؛ سأترككما لحالكما؛؛
غازي: جئت لاسترجع معك أيام العراق السعيد، وأنت الفنانة المسرحية، والإذاعية المخضرمة عن الفعالياته الثقافية، وبخاصة الفن المسرحي، ولقد سبق لي أن حققت مع فرق مسرحية أخرى؛ واليوم أقف معك لنرى ما فعالياتها، فرقة مسرح الزمن وبخاصة ما يتعلق بمناسبة يوم المسرح العالمي؛؛ كمثال:
الممثلة: لم تعد أمامي تجارب مسرحية جديدة في الزمن الحالي.. ولا اعتقد أن ذلك سوف يحدث في المستقبل.. وهذا ليس تشاؤما.. إنما هو واقع معاش.. بقي أمامي فقط الحديث عن الماضي.. وأجزاء مما كنّا نقدمه على مسرحنا بكل شرف من أعمال جميلة تخدم مجتمعنا.. هذا كل ما استطيع قوله.. لان النظام الدكتاتوري.. الفاشي.. البغيض.. كان سببا مباشرا في هجرتي بعد خطوات من الملاحقة.. والتهديد.. والمنع أبعدتني كلها عن المسرح الذي أحببته.
غازي: هذا ما أجرى الويل على الوطن؛؛ وهي واحدة من محنه الكثيرة؛؛
الممثلة: كان أملي كبير بعراق جديد ناضلنا من أجله .. ومن أجل كينونته.. ودفعنا جزءا كبيرا من عمرنا لكي يكون بوابة للفرح والثقافة .. نعيد فيه الحق للمسرح والمسرحيين.. ونقدم فيه إمكاناتنا المسرحية الإبداعية كما لو كنّا في سابق زمننا الجميل..
غازي: أكنت تتأملين في الاحتلال أن يتبنى الثقافة القومية لبلد  يحتله؛؛
الممثلة: لا لم أقصد هذا؛؛  بل إنه لأمر مؤسف أن يحتل العراق؛ وأن تعود بنا الأيام إلى التابوهات؛ هذا شئ يؤسف له.. ومؤسف جدا.. ومدعاة لليأس مع الأسف. في السنين الجميلة كان المسرح عشقنا وملاذ حياتنا..
غازي: حدثينا عن أهم الأنشطة السنوية المسرحية قبل النفي؛؛
الممثلة: عندما بدأ المركز العراقي للمسرح احتفالاته بيوم المسرح العالمي .. صار أمامنا التزام للمشاركة والمساهمة بهذه المناسبة .. والمنافسة فيها من أجل الأرفع والأحسن والأجمل.. كنا جميعا شغوفين ومشغولين في رفد مسرحنا بالجديد والمتقدم والمتطور.. لأن المسرح جزء من خفقان قلوبنا ونبضاته.
غازي: سمعت عن أمسية مشتركة أطلق عليها عنوان ليلة مسرحية؛
الممثلة: قدمت فرقتا الزمن، والجديد مسرحيتان على خشبة مسرح الزمالة الواقع على شارع أبي نؤاس.. وكانت أمسية ممتعة بالفعل.
غازي: أذكر أن الصحف كتبت عنها بأنها كانت تجربة جميلة جدا.. ورائدة..
الممثلة: أجل فالفرقتين المسرحيتين قدمتا ولأول مرة عرضان مسرحيان في أمسية واحدة ..
غازي: وهي بادرة مهمة.. ونقلة رائعة..
الممثلة: كانت من أفكار ذاك الزمان المليء بالأفكار الجميلة .. المليء بحب العمل والتعاون الخلاق الذي كان سبباً في نقمة السلطة وأزلامها الأميين.
غازي: كان لك وقتها نشاط إذاعي كما نعرف؛؛
الممثلة: في الإذاعة في البرنامج الذي كنت؛ أعده وأقدمه وأخرجه، تغطية البرنامج تشمل لقاءات مع مخرجين وممثلين وكتاب ونقاد ومتابعين للمسرح ،إضافة إلى أخبار المسرحيات التي تعرضها الفرق المسرحية.
غازي: لقد اتعبناك اليوم، ولسوف نتابع حوارنا في الغد، والآن علينا أن نتحول إلى الصديق نزار لمتابعة فعاليات الأمسية، (يقترب نزار، ويحيي الممثلة، والصحفي)؛؛ نتمنى أن تكونا قد أنجزتما ما جئتما من أجله؛؛
الممثلة: عالم المسرح رحب؛ ولا حدود له؛؛ وعالم التمثيل بحر من المعلومات؛؛ لقد أجهدت؛ أود أن أذهب لارتاح،، “إلى غازي” هل تساعدني في الخروج؛؛
غازي: أنا أيضاً ذاهب؛؛
الممثلة: “وهي تخرج” يا سيد نزار التمثيل أمر صعب؛؛ هو غير التقليد المعروف “تخرج”؛؛
نزار” “يتابع” أجل فالتقليد يمحي شخصية المقلد؛؛ “يرتفع صوت شبيه بصوت يوسف عمر في مقام عراقي يبدأ بموال، وتتلوه أغنية دشداشة صبغ النيل في بداية حوار نزار، ونرى تخت موسيقي يتوسطه خليل وهو يقلد يوسف عمر؛ بينما تدور الكرة بالإتجاه المعاكس، يطل بشير وهو يصم أذنيه” فقد كنت أحضر أمسية لمقلد شخصية يوسف عمر؛؛ كان الشبيه؛؛ أو هو مقلده في كل شيء؛؛ حتى أصبح مسخاً له؛؛ فتحت الأضواء الساحرة؛ وبين الصورة والصوت الحيين؛؛
بشير: “ينادي نزار” اسمحي لي يا نزار أن أوضح ما تقوله للمشاهدين؛؛؛ هناك مفارقة كبيرة؛؛؛ فالصوت والشكل هما للمطرب الشهير؛ لكن الروح داخلها للمقلد خليل؛ الذي هو اسم المسخ؛ تماماً مثل ما نرى الحياة حية على المسرح؛  وما نرقبه جامداً في فيلم مصور؛؛ كلاهما نراهما في الآن نفسه؛؛ ولكن المفارقة ليست أقل من التعبير بين الحي، والميت؛؛ فبين التعبير المنقول عبر وسيلة غير مباشرة؛؛ والتعبير الحي سديم من المشاعر اللامتناهية؛؛ كلاهما أمامنا؛؛ ولكن الفعل الحي يسيطر على كل المشاعر؛؛ أما المنقول عبر الشاشة للفعل الحي؛؛ فجامد مثل رصاصة؛؛ تقتل المشاعر؛ وتبلدها؛؛
نزار: السؤال المطروح هو: ما هو شعور خليل وهو يقلد يوسف عمر؛ وقد تقلد شخصيته منذ زمن؛ أهو شعور بالتماهي؛؛ أم شعور بالتجرد؛ أم لا إحساس لخليل بعد مضي وقت طويل على التبعية؛؛ أتكون تبعية كظل لكيان غير موجود؛؛ أم أن ما تركه يوسف عمر من آثار؛؛ بعضها حقيقي، وبعضها مزيف مثل خليل؛؛ مثل حركاته الآثرية؛؛ في الصوت، والحركة؛ وبعض الملابس والمتممات والزينة؛
بشير: كان هناك يوسف عمر؛؛ ولن يكون له مثيل. وكأن هذا المقلد يؤدي بلا حاسة السمع؛؛ “يختفي التخت الموسيقي، ويدخل بشير ليقفل الباب خلفة؛؛ وتسود لحظة صمت عميقة؛؛ تتبعها رنة صنج رهيبة” ولربما يكون فقدان السمع معضلة كبيرة؛ تؤدي بالفرد لكي ينعزل عن العالم؛ ويكون له عالمه المستوحش لوجود عازل بينه؛ وبين من يتواصل معهم؛ ولربما تنشأ من خلال هذا العجز لغة جديدة هي لغة الإيماء التي تمارس الآن على صعيد واسع بين ذوي الاحتياجات من جهة؛ وعالمنا من جهة أخرى؛ لكن الكثير منهم يكتفي بسماعة الأذن في الوقت الذي تكون الإعاقة غير كاملة؛؛ ونحن في المسرح تعاملنا مع لغة الإشارات؛؛ فقط من أجل التعبير الجمالي؛ قلدنا فيها الأحياء الأخرى؛ كلغة الطيور (تحدث جلبة في عمق المسرح؛ رجل وامرأة يتوكأن على بعض؛ ويتكلمان بصوت عال)؛؛
سفيان: لا ليس من هنا؛؛ قلت لك ألف مرة؛؛
ريهام: بل هو الطريق عينه؛؛ أنا أعرفه؛؛ هو مسرح الشاهد؛؛ ألا ترى الأضواء
سفيان: ولكني لا أسمع أصوات؛؛ هناك همهمات فقط فهل بدأوا العرض أم ما زالوا في طور التحضير له؛؛ (يصلان منتصف المسرح) ها هو نزار؛؛ دعينا نسلم عليه؛؛
ريهام: ههه ماذا تقول ننزل هنا؛؛ هنا درج عال؛؛
نزار: “ينزل ليقابلهما” لنرى إلى أبي إيفان الفيروني وزوجته؛؛ “يخاطبهما” سعيد بأنكما لبيتيا الدعوة؛؛
كلاهما: بيتنا ليس ببعيد؛؛
سفيان: فسرنا على الأقدام “يؤدي حركة كمن يحاول رفع درجة سماعة الأذن”
ريهام: القدوم للمسرح شيء هام، لكنه متعب؛؛
نزار: لماذا؛؛ أليس المسرح مكان للمعرفة؛؛
سفيان: لنا هناك معوقات السمع، والسماعة تخلق وشوشات تختلط بها الأصوات؛؛ عالم من الفضوى، صخب عبثي؛؛
نزار: أعرف؛؛ وأقدر ذلك، ولكن على الأقل هناك متعة بصرية؛؛
سفيان: “يعلق بينما تنظر ريهام كالتائهة” لقد كان لي أذن أسمع بها؛ بحاسة السمع تميز الأصوات؛؛ وتقرأ نوتات الموسيقى لحناً؛؛ وتفهم معنى الكلمات؛؛ وتعرف أين موقعك؛؛ في المكان؛ والخارطة؛
ريهام: “وكأنها تكلم نفسها” من غير السمع تنغلق؛؛ عليك الدنيا؛؛ فلا تسمع ما تراه؛ وتصير المنطوقات أمامك؛ أشباح تحرك شفاهها بلا صوت؛ ولا تعرف لها من معان؛
سفيان: إن من يفقد السمع يدرك وقتها أهمية أن تسمع؛؛ مثلما ترى.
نزار: تفضلا بالجلوس بين الجمهور؛؛ فلربما لم يفتكما شيء كثير؛؛ وعليكما الاستمتاع بما تبقى من العرض؛؛ ولربما المشاركة فيه؛؛ (تفتح نافذة في الكرة خلف نزار، ويخرج الشاعر فصيح رأسه منها، وهو يقول): مهلاً يا نزار؛؛ عليك أن تحس بآلام من هو محاصر بين جدران أربعة؛  ولو نظر من النافذة لا يرى غير نفس المنظر؛؛
نزار: ماذا تقول؛؛ وأين أنت محاصر يا فصيح؛؛
فصيح: أنا هنا في سجنيين؛؛ الأول سجن جسدي العليل، والثاني سجن غرفة العلاج؛؛
نزار: وهل سيطول بك المقام؛؛
فصيح: لا أدري،، ولكن صبري قد نفذ،،
نزار: انظر للأسوأ، فتجد نفسك في حال أحسن؛؛
فصيح: أجل فقد عجبت لبدر كيف تغنى بمدخنة؛؛ قابلته من نافذة مرضه؛؛
نزار: تلك كانت معاناة الشاعر الكبير؛؛ لكنه وظف ألمه لفنه؛؛
فصيح: في نافذة سجني تنبت؛؛ بعناد صنوبرة جانيت؛؛ وتبتسم لي أزهار نوارتي الحبيبة؛؛ تناطحان معاً أحلامي مع ليلاي؛؛ بآمالنا الكبيرة، ونحن نحط أرض تكمسي – أونتاريو؛؛
نزار: أنت متفاءل إذن؛؛
فصيح: نعم، ولكنني أفكر؛؛ كيف تصاغر العالم هكذا، وصارت الأحلام؛؛ محصورة في خطوة خارج المشفى الكبير؛؛ أو النظر من النافذة إلى بيت تعلّق فؤادي؛؛ بمنظر نبات اللبلاب يتسلق واجهته؛؛ وشراييني تمتص سموم الإنقاذ؛؛
نزار: أنت قوي الإرادة يا فصيح؛؛ عليك أن تتجاوز المحنة، وتعود إلينا؛؛
فصيح: تذكرني أوراق اللبلاب، بتلك التي في داري هناك وقد أحاطته؛؛ كالسوار الأخضر؛ تنتظر مجيئي على أحّر من الجمر.
نزار: عودة قريبة نتمناها لك يا فصيح القلب، والروح؛؛
فصيح: هل سأخطو إليها يا تُرى؟ أمنية مؤجلة، وآمال لا تُنال؛
نزار: حالك لا يختلف عما يجري في وطننا؛ المشنوق بين جنازير الاحتلال الجهنمية؛ وسموم الاحتراب، وسرطان التشرذم؛
فصيح: أيعقل يا وطن؛ أن تشتعل أُوار الفرقة؛ بين اتساق مكوناتك الأزلية؛
نزار: أيعقل يا وطن ؛ أن تخاصم العين صداقة القاف؛ ولا ترى الصدق فيها؛
فصيح: وتحرق الراء منارات الألف فيك؛
نزار: يا وطن؛ منارات الرشيد ؛ ومدارس المأمون
فصيح: حضارات أور وبابل وآشور؛
نزار: أيفعل السرطان بك ما قد يفعله بفصيح؛
فصيح: أنا مثلك يا وطن؛ أنظر إلى مستقبلي القريب؛ فإما خطوتان إلى الدار؛ أو خطوة إلى النهاية؛؛؛ (يقفل النافذة؛؛ بينما تدخل مجموعة الرقص التعبيري تشخص خلال الحوار التالي؛؛ حالة سوق شعبي في سنجار إحدى البلدات العراقية بشمال غرب العراق؛؛ وهناك باعة متجولون؛ وبينهم كركو بزي كردي، ينادي على من يشتري الجبن الكردي “بنير”، أو جبن بالعربية)؛؛
نزار: حال العراق كحال ما جرى ويجري للشعوب الغنية بتراثها، ومعتزة بجذورها، شعوب لو لم تتوافق ومعطيات المصالح الكبرى، تذوب، وتُقسم، وتُحتل ويُهجر شعبها، وتُستباح كل مقدساته، ويصبح أهل البلاد الأصليين إما مهجرين، أو منفيين في بلادهم؛؛ (ما يزال كركو ينادي، تفتح نافذة تطل منها منوش، بإستغرب، وهي لا تصدق عينيها؛ وتنادي وهي مبهولة): “تصرخ مبهولة” غرابيت؛؛ غرابيت،، انهض أيها الحداد الكسول “صوت من الداخل يغمغم بلا وضوح ” إنه هو أخوك كركو “صمت” قم لترى بأم عينك، ولا تضييع هذه الفرصة؛؛ هذه الفرصة ستغنيك عن البحث والسؤال بين قرى سنجار الأيزدية؛؛ قم لترى أن الصغير كركو الغائب منذ 12 سنة؛ قد صار رجلاً؛؛ قم يا غرابيت إن ما أراه يشبه الحلم؛ “تستمر الحالة بين الخارج حيث الباعة، وفي الداخل مناوشات، وتلميحات بين منوش وغرابيت”
نزار: هذا الحلم كان يراودها؛ مثلما يراود زوجها؛؛ فركت منوش أجفانها، مرة أخرى وهي لا تصدق عينيها؛؛ فهل هي في صحو، والتفت بغمرة الفرح الباكية؛ لترطن بالأرمنية هذه المرة؛؛
منوش: آسي كركويايي؛
نزار: هذا هو كركو؛؛ وهرعت لزوجها غرابيت باكية؛؛ لتقول له
منوش: كركو أغوو؛
نزار: كركو قد عاد؛؛ لكن غرابيت استهبلها؛؛ وضحك؛؛ قائلاً “يطل من النافذة بشعره المنكوش”،،
غرابيت: وهل يعود من كان عمره خمس سنوات من ضياع في جبال توروس؛؛
منوش: إنه هو يا غرابيت؛؛ ” يعلو صوت كركو بالكردية يدلل عن بضاعته:
كركو: “بين المجموعة” بنير، بنير تازة؛؛ جبن، جبن طازج؛؛
منوش: ألا يذكرك هذا بصوت كركو الحنين؛؛ “غرابيت يمد أذنه من النافذة”
نزار: “غرابيت ومشخص دور كركو من مجموعة الرقص يشخصان الحالة؛ راقصة بدور فاطيه” انصت غرابيت من جديد؛؛ وفجأة هرع إلى الزقاق؛؛ وإذ به وجهاً لوجه مع أخيه الصغير؛؛ تردد كلاهما، وسرعان ما احتضن أحدهما الآخر؛؛ لكن كركو نظر وراءه، وهرعت أمه فاطيه التي تبنته لتجره منبهة إياه؛؛
فاطيه: ألم نحذرك من الاختلاط بالأغراب؛؛
نزار: لكن العواطف كانت قد سبقت اللسان؛؛ وما كانت لتنصت لعبارات فاطيه؛؛ أم كركو بالتبني؛؛
(بينما يغيب مشهد كركو، يبدأ ظهور جلال مجدي على كرسي متحرك؛ وزوجته هند تجر العمود المعلق فيه المغذي، وتدفع الكرسي)
جلال مجدي: انتظر يا نزار؛؛ فأنا قد تسلمت دعوتك لحضور هذا الحفل أيضاً، ولكننا تأخرنا كثيراً بسبب اعتراض سواق التكسي من حمل الكرسي، ونقلي للسيارة، ولكننا وصلنا أخيراً؛؛
نزار: أيها الغالي مجدي؛؛ أنت دائماً حاضر؛؛ وحضورك فاعل حتى من غير أن نراك؛؛ لطالما كان لك تأثير على هذه الخشبة؛ أنت واحد في اثنان؛ أربعة؛؛ أنتم أسستم لمسرح أصيل؛؛ بعضكم رحل، وأنت باق تصارع الهوان؛؛
جلال مجدي: لا تبتئس فلكل منا نصيبه في الحياة؛؛ والسعادة لا نعرفها بغير الشقاء؛؛
نزار: كانت لك حركة مميزة على هذه الخشبة؛؛ ونتمنى أن تعود لتخطو عليها من جديد؛؛
جلال مجدي: “يضحك بمرارة، ويكشف الغطاء عن قدميه المفقودتان” كيف وأنا بهذه الحال فقد ذهب ما ذهب، وقد كان لي قدم؛ قدماي اللتان تحملاني؛؛ لم تسترعيان انتباهي؛؛ فهما هناك في أسفل منذ مشيت عليهما؛ ولبست الحذاء لوقايتهما؛ قدمان بعشر أصابع؛؛ أقلم أظافرهما بين حين وآخر؛ لكنهما غير قريبتين مني؛؛ بعيدتان عن عينيّ خمس أقدام وثمانية بوصات؛؛ اعتركتمها الدروب، وساقتهما الظروف الصعبة؛ حتى في قيادة العجلة؛ تعرفان أماكنهما؛ وبلا إرادية تجوسان؛ الأماكن؛؛ كحمار يعرف طريق صاحبه؛؛ ولما فقدتهما عرفت قدرهما، أتمنى أن لا تعجز قدماك عن حملك يا نزار؛؛ فمن دونهما ليس هناك غير الكرسي المتحرك هذا (يدير مجدي جلال كرسيه وينزل هو وهند ليضيعا بين الجمهور).
نزار: “يبتلع ريقه بصعوبة من المفاجئة الصادمة، يتناول قدح ماء ويشرب” نشف ريقي؛ وجف لعابي فماذا لو لم يكن لي لعاب فإنني لما استطعت أمتصاص المأكولات؛ أو مضغها بسهولة؛ وبلعها بليونة؛ فالفواكه، والمرطبات، تمر ببلعومي بسهولة بفعل اللعاب؛ وما يحتاجه الجسم من غذاء؛؛ فما أن أفقد لعابي؛؛ لربما تصير اللقمة شظايا؛ تجرح اللثة؛ وتخدش اللسان؛ وتنغرز في باطن الفم كالإبر؛ ويتعسر البلع؛ لا تستهينوا بأهمية اللعاب فالذي لا يعرف قيمته؛ سيقدرها حين  يفقده؛؛ ويتذكر النعمة بحسرة؛؛ ولكن ما من رجعة؛؛ فما يذهب لن يعود (تدخل سيارة بلون فضي في مساحة العرض، ويطل وجه وديع من نافذتها، فينزل زجاجتها، وهو يضع عوينات شمسية على وجهه؛ وكمام على أنفه لأن السيارة تخرج دخان من العادم؛؛ ويقول): أهلاً يا نزار، عطلتني سيارتي عن القدوم مبكراً، ولن استطيع تلبية الدعوة للمشاركة في العرض؛؛ فعلي أن أعود بسرعة؛؛ علي أن أضع السيارة هذه في كراج تصليح السيارات لعطل مفاجئ في تسريب الدخان.
نزار: “يضع أصابع على أنفه” أهلاً بوديع الغائب؛؛ ألم تكن سيارتك صفراء قبل سنتين لما التقينا على الكورنيش؛؛
وديع: أوهوه ذلك كان منذ زمن فقد كانت لي سيارة فضية؛ وهي أول سيارة قدتها، فاستبدلتها بسيارة حمراء؛ ثم بأخرى زرقاء؛ ثم برمادية؛؛؛ وعدت لحمراء، فحمراء فانتهيت برصاصية؛؛ كل منهن تبقى معي حتى تنتحر؛ أو أهجرهن؛؛ الفضية ضربتها بخاصرتها، ولم تتألم حتى عندما قدمت الحمراء؛ ولما هاجرت تأسفت على اللون والطراز؛؛ فركبت الزرقاء، فتعايشنا عقد من الزمن؛؛ حتى؛؛؛ ولاعتزازي بها أبدلت لونها بالأبيض لتبدو في حلة جديدة؛؛ ولكن الرمادية أقحمت نفسها علي، فلم تدم لغلها فاحترقت؛؛ وعدت لحمراء، فحمراء لعقد من الزمن؛؛؛ حتى انتحرت الأخيرة من هرمها؛؛ الآن تؤنسني الشفقية؛؛؛ ورغم هذا كان لي مع كل منهن ذكريات؛؛ وأيام فرح، ولما تعطل أية منهن يتولاني الغضب، فأحقد عليها، وأرفسها  وما أن تعود من المصلّح، حتى استقبلها بترحاب؛؛ وتعود الألفة، ولا افتقد أية منهن، لأن الأخيرة دائماً بطراز أكثر رفاهية من الأولى هكذا حكم التكنولوجيا (يقود سيارته خارج مساحة العرض، وقد امتلأ الدخان منشراً في المكان).
نزار: “يهفهف بكلتا يديه، وكأنه يدفع الدخان بعيداً؛ إنني أشم رائحة دخان،، ونيران بشياط لحم بشري “يقلب مجلة، ويقرأ” هيلان فيلوبوس؛؛ أبصر النور في الموصل وبعد انتهائه من دراسة المرحلة الأبتدائية دخل معهد الدومنيكان بالموصل نفسها؛؛ وقضى فيه اثنتي عشرة سنة؛ حيث تلقى فيه الدروس الكهنوتية والفلسفية واللاهوتية والموسيقية رُسم بتخرجه كاهناً، وفي العام ذاته رحل إلى بغداد للخدمة الكهنوتية؛ “يلتفت إلى الجمهور؛؛ من منكم يعرف؛ ينهض نصير؛؛ ويقوم بالتجول بين الجمهور ليقول: هو قسيس عميق الفهم، وله خلفية فلسفية لاهوتية مميزة، عنيد، وقومي، وطليعي في عمله، فنان عازف، ومستمع نادر للموسيقى الكلاسيكية، ومن خلاله تعرفت على الموسيقى الكلاسيكية، وتذوقتها، وما أزال، عرفت بتهوفن، وباخ، ودوبوسيه، وفاغنر، والعديد من مشاهير الكلاسيك: كرافيل، وفيفالدي من خلال الأمسيات النصف شهرية التي كان يعقدها في مجلسه.
نزار: نعم فقد كان يقيم محفلاً للموسيقى الكلاسيكية كل أسبوعين على ما أذكر؛؛
نصير: كنت الوحيد غير الموسيقين بين مدعويه، سليم الجميلي، وجمال جرجيس، وآبرام بابوخيان، وغيرهم،
نزار: هل تعاونتما في أعمال موسيقية؛؛
نصير: نعم فقد عملنا عدة أعمال غنائية كنسية، وللتلفزيون، وساعدني في اختياراتي لموسيقى تمثيليات تلفزيونية لفرقة مسرح الزمن، وكنا نسجلها معاً، ونعمل نسخة عمل، تتدرب عليها الفرقة،
نزار: أكنت تحب الموسيقى غير التذوق الموسيقي، أقصد هل عزفت على آلة موسيقية
نصير: كان لي غيتار عزيز تعلق هو به، وودت لو تتاح لي الفرصة لكي أتعلم العزف، ولكن مشاغلي الكثيرة منعتني، فالتدرب يحتاج لأوقات كثيرة؛؛ وأنا وقتي مزدحم؛؛
نزار: وماذا حصل للغيتار؛؛
نصير: أردت أن أهديه إياه، لكنه أصر على دفع ثمنه،
نزار: صفاته كثيرة، ومنها حبه للحياة، وتطلعه اللا محدود لتطوير العمل الكنسي، في الفن، وفي تجاوز الغيبيات، والخرافات.
نصير: ذات مرة حاول أن يكون شاباً ربما كان في بداية الخمسينيات، فذهب في رحلة إلى الحبانية، وتشمس هناك، وربما عام في الماء، فضربته الشمس، واحترق جلده، ورغم أن الممرضة كانت تدهن له ظهره العاري، فقد أصر عليها أن تقشط المحروق، وأنا أراه يتألم بصمت ربما كان في نفسه يكابر، ويكرس ذلك لآلام سيده المسيح، وفجأة سقط على الأرض من كرسيه وأصابته إغماءة، ولما رفعناه أنا والممرضة إلى السرير، وأسقيناه الماء، صحى، وشرع يضحك على نفسه .
نزار: “يقرأ بألم”  في ليلة عيد البشارة؛ مات بحادث مؤسف؛ “تدمع عين نزار” حادث مؤسف،
نصير: بل قل أنه مات محترقاً، وهو محاصر في غرفته بفعل فاعل؛
نزار: أسفي على اغتياله بتلك الطريقة البشعة،
نصير: احتراقه في غرفته، بفعل فاعل، رغم إدعاء الطبيب الشرعي بأنه مات مختنقاً بغاز الفحم،
نزار: أهكذا اغتالوك يا شقيق الروح؛ أيها المرهف الحساس؛ شعراً، وموسيقى، والعميق علماً وطهارة “صمت”
نصير: كان صامداً، صارم الرأي، قوي العزم والشكيمة؛؛ ينطبق عليه عناد شعبنا العراقي وإصراره؛
نزار: فهو وأمثاله من الصامدين، والوطنيين الغيارة؛؛
نصير: هم مثل شعبي يرون؛ من حولهم الرجال يتساقطون؛ هم من حولهم يهرمون، إنه يمرضون، والمعارضون يسجنون، بعضهم أبطال يصارعون؛ وبعضهم خونة،  وأشرار سيبقون؛ لكنهم يتهاوون، فينتهون،
نزار: أما أمثال هيلان فليسوا مثل إنكيدو؛ على سريرهم يموتون؛ بل مثل أوُخيل بطل السماء؛
نصير: يصارعون سموم الداء؛ بلا دواء، علاجهم في الماء، سّر الشفاء.
نزار: لا يريدون أن يفنوا؛ لا يقبلون الموت بلا معنى، فالموت في ساحات المعارك بطولة؛
نصير: وفي ساحات التحرير رجولة، لا على أسرّة المرض، يكون الموت،
نزار: هكذا هم الأبطال، وهذا هو عهدهم؛ من أول الدهر وعدهم،
نصير: أمالهم بعيدة، وأحلامهم سعيدة، أصابعهم خضر، تنبت الصخر، وتورق القهر، تعمل بصبر،
نزار: لهذا  هم معمرون لدهر، مثل شعبنا والأمم حر، بينما الخونة يتهاوون، يهرمون، وينتهون.
نصير: فمع كل مقاومة حرة وإرادة شعبية، الخونة من غير الأبطال يتساقطون “يعود نصير إلى مكانه بين الجمهور،، ما يزال هناك دخان، ولكنه يخرج الآن من الكرة، ويلتف حولها”.
نزار: “يقف أمام الكرة ثم يلتفت نحو الجمهور” دعونا من الحزن، ولنسمع ما يسر القلب،، “تدور الكرة بنفس الاتجاه المعاكس؛؛ وتظهر أسماء وهي تداعب دمية”؛؛
أسماء: أتود يا نزار أن تسمع الناس حكايتي التي أرويها كل يوم لدميتي؛؛ حسناً سأحدثكم عن من دعيتها ابنتي هي في الحقيقة؛ حفيدة محبتي، هبة رفعتها على ذراعي؛ لنعقد قرابة قدسية؛؛؛ فصرت عرابتها؛ وصارت نرجستي الزاهية. أسئلتها المحيرة كثيرة “تظهر في الأفق نوارة الصبية”: خالتي لما تقرأين وأنت كبيرة؛ لماذا تتراكم الكتب تلال في حجرة مكتبك؛؛ من هو نيتشة، ولما تستمعين لباخ، وتقرأين للمتنبي، وتدرسين التوحيدي؛؛؛ ما جدوى إبحارك في عالم السابير.
أسماء: ولما تفتحت كزهرة، ووصلت من النضج الكفاية؛؛ غمرتها الكتب والمكتبات؛ قرأت فنجحت، نجحت لأنها قرأت. صارت شمعة المجالس؛ حضورها طاغ؛؛ تقلد االهجات، والذوات؛؛ ولما أينعت خطفها من عرف قدرها؛ فصاروا ثلاثة نجوم؛ يحاوروني؛ فأراهم في ضياء القمر؛ هكذا لم اندم على قرابتي لنوارتي؛ الحاضرة أبداً ذاكرتي.
نزار: وماذا حصل حينما ولدت لينا؛
أسماء: كنت في المنفى؛ أشتد حنينا؛ للوطن، للأهل؛ لحضنة عمة؛ لقبلة حفيدة؛؛ وكبرت لينا؛ وذاقت طعم الغربة؛ وعرفت معاني الحنين؛ لروائح الجنائن؛ ومعاناة الوطن الحزين، وأنا هنا؛ لا أعرف عن لينا؛ غير الاسم والصورة؛ وصوت في الهاتف؛ يرن رنينا؛ قبلة عبر الأثير؛ وحضنة برائحة العبير؛ للينا في عيد ميلادها؛ المثير.
نزار: وما شأن حفيدتك؛؛
أسماء: أما حفيدتي فقد صارت جدة؛ وأنا مازلت عروس؛ جدة كاميليا تحتفل بميلادها اليوم؛ تعيدني ليوم وصلت بشعرها الخمري؛ فاخترقت أجواء الأسرة؛ بوجهها الوردي؛ وفاخرت تيريزة باسمها؛ فهي أولى ثلاثي “الإيمان، والمحبة، والرجاء” وثانيهما بالولادة بعد رجاء؛؛؛ هكذا أتأملها؛ أقرب كل الحفيدات مني؛ ولا تزال مجاورة لي؛ أكثر مشاعرها لم تبتعد عني؛ هي جدة شابة؛ وأم معطاءة، وامراءة جذابة. (تدور الكرة، وتغيب معها أسماء، ومن نافذة مطلع يطل رفيق العلوي فيقول مخاطباً نزار): أما تزال هناك يا نزار،، وقد وعدتني بالكتابة عن فقيدنا أبا سلام؛؛
نزار: “يفاجأ” كيف يا رفيق تختصر الطريق، وتخترق علي خلوتي مع جمهوري،،
رفيق: ولكنني في وقت ضيق يا رفيق؛؛
نزار: يا علي الروح يا عمر رفيقي، كيف تريدني أن استعرض في ذاكرتي مرارة سنين طويلة مرت، ومن أين لي أن أبدأ،
رفيق: أنت تستطيع ذلك حتى ولو انشغلت في أكثر من موضوع؛؛
نزار: ولكنني أقدم عرضاً للجمهور؛؛
رفيق: وما الضير في ذلك؛؛ دعهم يرون إلى ما تفكر؛؛ عجل أرجوك؛؛
نزار: وهل ستنتظر في النافذة لكي أنجز العمل؛؛
رفيق: وما الخطأ في ذلك؛؛
نزار: يعني أنني سأفكر معك بصوت عال؛؛ حسناً سوف أحاول أن لا أتوسع، وسأركز على خط واحد، فكما قلنا بأننا قد أصبحنا مثل جهاز المذياع، على من يريد أن يستقي معلومة منا، أن يدير الموجة على الاتجاه الصحيح. المؤشر الآن،،
رفيق: ذلك هو نزار الحكيم؛؛
نزار: أرجوك لا يعلم الجمهور لقبي هنا؛؛ دعنني أتذكر أول لقاء لي مع أبي سلام؛؛ أههه تواجهنا فجأة معاً في فرقة مسرح الزمن، كل ما يدور في مخيلتي عن ميزات شخصيته هو: هدوءه الحذر، والمرونة الجسدية، يسير بتهادي، ولما يدخل بوابة الفرقة يكون قد أنهى سيكارته، “يظهر من يشخص على الوصف” فيرمي نفسه على أحد مقاعد الإدارة، ينصت للمتحدثين، ولما يأتيه الدور يشبع السائل بالقدر الممكن من الكلام، محاور ممتاز، له أسلوبه في الإقناع، ولو انزعج أبا سلام أرسل ضحكته التهكمية، وسكت، ولو أثيرت أعصابه يزمجر فيرتعد المقابل.
رفيق: أرجوك صف شخصيته، وهو يتعامل مع الدور المسرح؛؛ ووجوده على المسرح؛؛
نزار: في المسرح تتبادر إليّ، مكانته على الخشبة، وتتناهى الشخصيات الصعبة، وبخاصة تلك الشخصيات المتلونة، وذات الوجوه المتعددة، يحاول أن يبرز الزيف الاجتماعي في شخصيات المنافقين، وهم كثر، ولكن تجسيدهم يحتاج لمهارته الفنية، في مسرحية العطش، استقطب أبي سلام حب وغضب الجمهور معاً: الحب للمهارة، والغضب من الشر الذي جسده، مرة بنعومة صوته، ومرة بالزمجرة، وأخرى بالتهكم المر، كثيرة صفاته الفنية والفكرية لكن الوقت المقرر يزاحمني.
رفيق: يبدو أن لك ذاكرة محددة في بداياته؛؛ قصدي أن أبي سلام كان له الكثير من الأعمال؛؛
نزار: بعد غربة خمس سنوات من دروب منافينا العديدة، ألتقيته في دمشق، أنا مدعو لمهرجان المسرح؛ وهو منفي ولاجئ كالعديد من المثقفين الذين شتتهم نظام الدكتاتور المقيت، وجدتني وجها لوجه مع أبي سلام في باحة فندق الشام، أبا سلام كعادته يكابر، بل وينصح الآخرين، فهو عرابهم في الغربة بلا شك، لهذا لا يشتكي، أو يتظلم، عنيد كالفولاذ، صبور كالجمل، وعالي الرأس كالنخيل. لم أودعه وقتها ولن أنعيه الآن، فما دمنا في الغربة فهو الآخر مثلنا في الغيب منفي في وحدته. سلام لأبي سلام.  نزار الحكيم من المنفى البعيد في أمريكا اللاتينية؛؛ (بينما يخرج من يشخص أبي سلام، يمر رسام وهو يحمل عدته، وفيها كاريكاتير لنزار يقدمها له؛؛ وهو لا يتكلم بل يومئ لنزار بأنها له، نزار يبهت، ويتهته)؛؛
نزار: “يتقدم لأخذ الصورة” أهه أنت،، لقد سألت عنك في بيروت يا زاير الإبراهيمي، وكدت أقع في مطب عندما جئت لأبحث عنكم؛؛ أنت والغساني منير، الراوي مجيب: “يشير بعلامة ذبح على رقبته” كنت قد رحلت بإرادتي وقتها؛ لأثبت أنني الأقوى، وأن ذكراي ستبقى؛؛
نزار: ثمن باهض تدفعه من أجل ذكرى؛ كنت رساماً مشهود له، وكاتب؛؛ فماذا أردت تحقيقه بعملك؛؛
زاير: كرهت الخيانة، والجبن؛؛
نزار: وهل زالت برحيلك؛؛ خيانات كثيرة مرت بعدك؛؛ فهل أنت المحق فقط؛؛
زاير: لا؛؛ كانت لحظة قوة؛؛ وجرأة قرار؛؛
نزار: قالوا عنك بأن لك تطلعات جوهرية وراديكالية، كنت تبدو حرفيّاً متوازناً،
زاير: في الواقع بدأت العمل في الصحافة متجهاً في الأصل نحو التكامل؛ فأنا مصمم، ورسّام إيضاحي وتعبيري وبورتريتي وكاريكاتيري،
نزار: ولكنك كتبت العمود اليوميّ والريبورتاج وعقدت المقابلات، وحرّرت العناوين والتعليقات الموجزة،
زاير: لأنني كنت مسؤول صفحات يومية واسبوعية عامّة وفنيّة.
نزار: من الطبيعيْ أن تكون الحقيقة هنا أكثر بلاغة من المجاز، فبعد حرب حزيران، كان الشعور بالمسؤولية لدى مثقفي الستينيات مزيجاً من الاحباطات والدوافع، كنت تحث نفسك إلى أن تكون ملتزماً بوعيٍ يتجاوز مسؤوليّة غيرك،
زاير: لقد أخذتْ نتائج الحرب تقترح علي ما أكتبه وأرسمه وشكّلت محيطا نفسيّاً وعقليّاً لي،
نزار: كان المفروض ألا تتحول لحظة الضعف، إلى قاعدة تحت تصرف قوة السلطة آنذاك،
زاير: لقد كانت الثقافة عندنا لا تعني أقل من النقد بالتمام، وكنا نسمح باي شئ إلا إقلاق صيرورتنا التي كان أكثر ما نخشاه عليها هو التراجع.
نزار: ولكن المبررات تتغلغل إلينا من الحبة الى الجذر إلى النسغ؛؛
زاير: لقد جئت إلى بيروت مع المقاومة، وكانّني بدأت متماشياً مع القدر العامّ نحو القدر الخاص الذي حاصرني….
نزار: يمكنني أن أصف اللحظة هكذا؟ : لم تكن تريد أن تخرج مشلولاً في تجربة عامّة من خلال تجربة خاصّة؛ وأرجو ان لا أكون قد قمت بتبسيط مبتذل عنك كأعزّ اصدقائي، كنت قد صرعت أنفاسك مرّة واحدة وللتو على هذا الوتر ّالمشدود؛ هكذا إذنْ، تركت مشروعك الذي صار اليماً؛
زاير: “يبتسم بألم، ويغض الطرف، وهو يلملم حاجياته ويبدأ بالتواري في ظلمة المكان خارج مساحة العرض”
نزار: “يلوّح لزاير بالتحية” هل أغضبته، أم أنه شعر بندم لما فعله بنفسه؛؛ ومع هذا فهو محظوظ لأنه لم يعيش وقتنا التعيس، ولم ير إلى المبادرات الأمريكية التي لا تضم جديدا؛؛ لأنها لم تضف إلى سلسلة المبادرات الأمريكية العديدة السابقة؟ لكي يجعلوا منا عبيد في القرن الجديد؛؛
(تابلوه عن الرق، وكيفية اصطياد تجار العبيد الناس الأحرار،، يظهر سبارتاكوس وهو معلق على صليبه في دروب روما؛ وتدور الحركات التعبيرية حول المحور؛ بينما يتقدم مارتن لوثر كنغ صوب نزار)
مارتن: إن الرق يصيب من يقع أسيراً في حربٍ مشروعة، وهو عجز مؤقت،
نزار: وهو يزول بالفداء والعتق؛؛؛ فالرِّقُّ كان نظاماً شائعاً في اليونان،
مارتن: كان أهل (أسبرطة) قُساة في معاملة أرقّائهم، حتى أنّ عددهم إذا زاد عند سيِّدهم من الأسرى، كان من حقّه أن يقتلهم ولا يُبقي إلَّا على من يحتاج إليهم.
نزار: من الغريب أن فلاسفة اليونان، لم يعترضوا؛؛
مارتن: وفي المقدمة منهم أفلاطون وأرسطو، أقرّوا الرق وعدّوه ضروريًّا، ونظروا إلى الرقيق على أنهم صنف خسيس من البشر، خلقوا ليكونوا عبيداً.
نزار: ولما جاء القانون الروماني وأباح الاسترقاق، كما أباح للدائن أن يستولي على مدينه، وأن يسترقّه؛ إذا كانت أملاكه لا تفي بالدين.
مارتن: كذلك جرى الفُرس على نظام الاسترقاق، وأباحوا للسيد أن يُعذِّب عبده، أو يقتله إذا هفا للمرة الثانية.
نزار: وكان العرب يستخدمون العبيد في الأعمال، ويبيعونهم، ويتزوجون السبايا بغير صَداق، ويستولدونهن،واليوم،
مارتن: ما تزال بعض الأمم تستعبد شعوباً،
نزار: على الرغم من تصاعد الدعوات في العصر الحديث إلى المساواة،
مارتن: وما تزال ولايات تُفرِّق بين البيض والسود، تفرقة تنكرها الإنسانية؛؛
نزار: وقد درج الكثير من الباحثين الغربيين إلى مقارنة تجارة الرقيق التي كانت سائدة في غرب أفريقيا بتلك التي كانت في شرقها،
(ينقطع الصوت، وما يزال مارتن يخطب، ويستمر تابلوه العبيد، ونرى مارتن قد دخل ضمن المجموعة؛ فيرفعوه، وبيده علم الحرية الأمريكي؛؛ نرى عبيد يغوصون في الماء، ويستخرجون اللؤللؤ؛؛ وبعضهم يدفعون مراكب؛؛ وآخرين مقادين بأغلال؛؛ حتى يتغير الجو إلى تابلوه صيادي أسماك في الأهوار)
نزار: “تابلوه عن مشاحيف في الأهوار، وعلى الشاشة تعرض مشاهد لصيادين بالشباك، والفالاة؛ نزار يخاطب خليل الفاضلي الذي يكون ضمن الصيادين” قرأت كلماتك الجميلة المفعمة بالصدق، والود، والإخلاص كما عهدتك؛ خليل الفاضلي؛؛ فأنت أنت ذلك النقي الذي أعرفه مهما تغيرت الظروف من حوله: “لا يسمعه، وإنما يبتسم وهو مشغول الصيد” خير جثير؛؛ عمجو هناك؛؛
نزار: لربما إن انسى لن أنسى اليوم الذي جئتم إلى جزيرة الغزلان، وركبت معي في سيارتي لنذهب إلى بيتنا؛ سمعت كلماتك العميقة؛ وأنت تقول: بما معناه؛؛
صوت خليل: هؤلاء حطمونا؛؛
نزار: وأقول لك إنهم حطموا كل جميل في العراق الغالي، فتلك الغيوم هي التي جلبت هذه الأعاصير.
خليل: “يترك المجموعة ويتقدم إلى وسط مساحة العرض” أنا في واقع أم خيال؛؛ نزار بعينه يخاطرني؛؛
نزار: تحية محبة عميقة وصادقة، لم تؤثر فيها السنين منذ التقينا أول مرة في الناصرية، أو العمارة منتصف الستينيات من القرن الماضي،
خليل: أجل أذكر تلك الزيارة؛؛ وهل تغيب الذكريات الجميلة عن البال؛؛
نزار: كنت في جولة فنية، مع حميد الصفار، حنين الشيخ، شوكت الخريفي هم يرسمون، وأنا أصور، جلنا الجنوب والأهوار وصولاً إلى البصرة،
خليل: كنا مفعمين بالتعرف على من هم قد سبقونا في الفن؛؛
نزار: وقتها كنت تنوي الدخول في الأكاديمية، وقد سألتني رأي، فأجبتك.
خليل: بعده مرت سنين طويلة من التواصل؛ وكأنها ثوان؛؛ لكن ما في القلب يبقى طازجاً، وما في الذاكرة لا يمحى بسهولة؛ جميل؛؛ أو قبيح؛؛
نزار: أجل فقد استرعى انتباهي في إحدى مقالاتك الجديدة، هي تلك شبه الأتوبايوغرفي عن انحدارك، وأصولك، ولعلني سأسر لك نبأ أو تحليل، قد يفرحك، أو يحزنك، ولكن ستبقى معتز به كما ذكرت في المذكرة حول جدك رشيد، “يتحول التابلوه للتعبير عن مساقات رحيل الآلاف في السفر بينلك”
خليل: قل لي أرجوك؛؛ فإنه لم يترك لنا مستند عنه؛؛ ولا عن انحداره؛؛
نزار: اكتشفت بمنظاري التحليلي أن جدك رشيد الذي تقول أنه يعود بولادته، أو نشأته إلى مدينة وان “فان”: فإن هي بحيرة، وعليها مدينة صغيرة ليست على الحدود العراقية التركية،
خليل: هذا شيء جميل، وممتع فما علاقته بجدي؛؛
نزار: إن بحيرة “فان” هي بحيرة أرمينة تقع في عمق أرمينيا، وهناك قوم يدعون الفانيتسي، أي أهل فان، أو وان، وهم من أكثر الأرمن اعتزازاً بقوميتهم،
خليل: ممتع؛؛ ولكن ما الرابط؛؛
نزار: ولما كان جدك قد قدم إلى العراق يافعاً في بدايات القرن العشرين؛ فهو ممن تشردوا في ما يدعى بالسفر برللك،
خليل: ما زلت لا أفهم؛؛
نزار: كان رشيد صبياً في هذه الرحلة الطويلة الشاقة التي وصل بعضها إلى سنجار، والموصل في العراق، أو في سوريا، بين حلب والحسكة، وعامودة، والقامشلي،
خليل: جدي!!
نزار: لا جدي، رشيد يا خليل كأكثرية من الصغار الذي تاهوا، وبعضهم كان محظوظاً لأن عائلة، أو أيزيدية، أو عربية تبنتهم، وعطفت عليه،
خليل: نحن نتكلم عن رشيد؛؛ فما دخل الأيزيدية؛؛ إلى ماذا تريد الوصول يا نزار؛؛ يبدو أن الغربة قد جعلت الحنين لديك كبير التأثير على موضوعاتك؛؛ نيستولجيا؛؛
نزار: المهم أنا أجزم أن جدك كان أرمينيا، لهذا لا تحزن بل افخر، ولربما نتعاون أنا وأنت لنجد أنسابك، كما حصل مع الكثيرين،،،،
خليل: أتخيل ما تقوله، وكأننا نقرأه كقصة من الخيال العلمي، ولكن كل شيء محتمل.
(تقوم مجموعة الرقص التعبيري بمعركة بالسلاح؛؛ هناك دخان، ومساجين يقادون إلى زنزانات؛ فتيات، رجال)
نزار: “ممثل دور نزار اليافع من مجموعة الرقص التعبيري؛ يركض في اتجاهات مرعوباً، وكأنه صبي مراهق” سجنوا رواد السلام من قطار السلام؛؛
وسيم: “يركض أمام نزار اليافع، ويلتفت” لماذا لا نذهب وراء العسكر لنرى أين يأخذون المساجين،
نزار: ولكننا بعيدون؛؛ والتجول ممنوع؛؛
وسيم: نتختل بين الدروب، والحارات،
نزار: أنا ما يهمني أكثر هو أستاذ اللغة العربية؛؛ إنه ملهم ممتاز، أفكاره رائعة، ما فعل بهم الانقلابيون، هذا؛
وسيم: لا تبالي سنغامر، ولن ينتبه إلينا أحد؛؛
نزار: “وسيم يتابع التعبير مع المجموعة حسب الوصف” كنا صغار لما حصلت مؤامرة على العراق عام 1959بفعل قوى خارجية عربية، ورجعية محلية، سجنوا الكثير من الأعلام المتنورين، ثم أعدموهم وقتها، كان أستاذي من بينهم، خرجنا أنا ووسيم جارنا نتختل حتى وصلنا إلى القشلة، ورأينا من بعيد المساجين يطلون من نوافذ ضيقة، ولا أدري إن كنت لمحت أستاذي وقتها، ولكنه لما انتهت الأزمة دوام الأستاذ على تدريسنا كالعادة، ولم يشر لبطولته، كان ضليعاً بالنحو العربي، والأدب ربما كانت له قصائد، وفي درس المحفوظات كان علينا أن نقرأ ما حفظناه من شعر مقرر في الكتاب، ومنها قصيدة قيس وليلى لأحمد شوقي، ومن وقتها أنا لا أحفظ إلا الشعر المغنى، وحتى الآن لي ذاكرة عجيبة في الأغاني، ولكني لا أستطيع استعادة ما حفظته من قصائد، “يظهر الأستاذ سالم الصفار، وأمامه صف مدرسي بينهم نزار اليافع”،،
سالم: من يحفظ قصيد مجنون ليلى لأحمد شوقي “لا أحد يرفع يده” قم يا نزار فقد سمعت من مدرس التأريخ أن لك حافظة متميزة في رواية الحكايات؛؛
نزار: أحفظ الحكايات؛؛ كروايات، ولكنني لا أتقن حفظ الشعر؛؛
سالم: وما الفرق؛؛
نزار: الفرق لا أدري، لقد أعدت حفظ المعلقات أكثر من مرة، ولا أتذكر فيما بعد غير أبيات قليلة،
سالم: وماذا عن قصيدتنا المقررة لليوم؛؛
نزار: لا تسعفني ذاكرتي، ولكن هل ممكن أن أغنيها،
سالم: “يبتسم فيضج الصف بالضحك” حسنا لنجرب؛؛
قيس: “يغني، ويتناوب الأدوار بنفسه مع تغير النبرة في الصوت ” ليييييلى،
والد ليلى: من الهاتف الداعي، أقيس أرى؛؛ ماذا وقوفك، والفتيان قد سارو.
قيس: ما كنت يا عمي فيهم
والد ليلى: أين كنت إذن
قيس: في الدار حتى خلت من نار الدار؛؛ ما كان من حطب؛؛؛
سالم: الصحيح دارنا النار؛؛
(بينما الدرس مستمر، يظهر علي الصغير أستاذ نزار، وهو يدور على الجسر ليجد له درج ينزل منه، فيبقى معلقاً بين الأرض وفضاء مكان العرض، سرواله مهترء، وفي قديمه نعل، ويحمل كتب أكثر من وزنه، يتطلع كالتائه، في عمق المسرح يقف الأستاذ حنا، أمام الستارة وقد كتب عليها السينما أرقى دار للثقافة، في جانب آخر يقف عيسى، وبيده كاميرة تصوير يصور ما حوله)
نزار: كان لي أستاذ. بل أكثر من أستاذ، فهو المعلم الأول الذي زرع من غير أن يقصد حبي له؛ من غير أن يدري. هو ذلك الذي وقف في يوم ليكتب على السبورة عبارة: السينما أرقى دار للثقافة. وآخر قال لي: هذه بدايتك في القصة، وثالث هو الأستاذ عيسى الذي أشار لصورة صورتها: بأنها أجمل لقطة بين أقراني؛ ورابع استحسن سيناريو كتبته، وخامس أثنى على مسرحية كتبتها. هؤلاء كلهم في واحد؛ جنيت منهم حبي للمعرفة، وشغفي في التعليم، ورغبتي في تلقين تلاميذتي؛ ما تعلمته من غير وجل، ولا خوف من أن أعطيهم. كما أعطاني أساتذتي. “صمت” ومرة ثانية تآمر الفاشيون على العراق، عندما استفاق الشعب على أنباء يصدرها عواء من المذياع، هرع الناس إلى ساحة التحرير، فوقفوا تحت نصب الحرية لعله يحميهم بظلاله من ضلال المأجورين، والمؤتمرين لقوى خارجية، لكنهم كغزاة لم يتوانوا عن رمي الناس بالرصاص، كنت كتفاً إلى كتف مع الفنان المسرحي المخضرم الفائق أبا علاء، والشاعر الشاعر بيبان الظافر، وبين كرّ، وفرّ أيقن الشعب أنه سيقع تحت سياط الشياطين، ولهب حقدهم، وقتها قال الفائق غير مصدق،  الفائق: كان لنا أجداد لم نرهم، ولم تسنح لنا الفرصة أن نسمع حكاياتهم، الجدة بغداد وهي بستان القمر، كان لها سبع بنات؛ تشبعن منها بحب المعرفة. “يصمت” وكان لي جد هو العراق؛ لما احتضر لم يجد من يدفنه؛ فبقي مثل العنقاء يتجدد كلما جاء الربيع، يلّعق في رقبته مفاتيح قدرنا؛ يقول:
العراق: إنها مفاتيح أبواب السموات السبع.
الفائق: وفي المحن يرفع مواويل؛ يدعوها أناشيد الخلود؛ لأن كلماتها لم يكن ليفهمها غيره؛ كان جدي يسخر من الموت؛ لأنه أقرب الناس منه؛ يراه أمامه كل يوم؛ فاعتاد عليه.
نزار: هذه الحكاية الملغزة حفّزت الشاعر الظافر فقام ليصف بنثرية لم تتكرر عن الصور التي يراها كأنها أحلام، بل هي كوابيس فقال؛؛
الظافر: كم من صورة  كالمرآة تتراءى لي في هذه المحنة؛ صور تعني أمور عميقة، بعيدة في الذاكرة ؛ صورة رسمها لي جلاد، وصورة التقطها لي محتل، وصور التقطتها عيني لغيري. ثلاث ثلاث ثلاث من صور تحوطني من جهات الكون الثلاث؛ صور الجسور، والبحور. المدن، والسفن. الطيور، والزهور. الأنهار والأمهار. الأشجار، والثمار. الأخيار، والأشرار. الوجوه؛ والأقنعة. لم تكن محصلات ما صورته عيني، وحفظته ذاكرتي؛  صور، صور صور، فمرحى لها من عوالم صامتة؛ قابعة على سطح الورق، أوقع من مؤثرات المرآة؛ التي لا تبقى صورة فيها؛ حتى ولو للحظات، وتتبدل فيها المكونات بلحظات، ليس مثل العين التي ترى الموجودات، بينما تسرق الصورة اللحظات؛ فتختزنها للأيام من غير تبدل، عدا عن تأثير الزمن (تغيبهما اختفاء بقعة الضوء).
الصغير: “ينوح” ويل لهم أجاعونا، ومنعوا عنا الكتب، ومنعوا مصادر تراجمنا، لا قوت للمعدة، ولا قوت للعقل. منذ تلك الأيام، وما يزالوا وراء كل كارثة، ففي صبيحة ذلك اليوم المشؤوم جاءوا ليحصدوا الأرواح، ويزجوا البقية في السجون، ويقتلعوا من الأبرياء نقائهم، ويخدعوهم على كونهم خانوا رفاقهم، ولم يدروا ما في القلب من أسرار، ولا ما في العقل من آفاق، ولا في النفوس من أعماق نيرة، مشعة، (بينما الصغير معلق، تتلاشى الإضاءة على حنا، ويقترب عيسى ليصور أكبر من أسفل) مثل قنديل منير للحياة، هو القلب. ومشكاة للروح، للجسد شعلة، للعيون سراج. القلب قنديل له معان مجازية، ومنها نبراس الروح الذي يضيء الدروب للروح، وسراج ينير الدرب للعيون، ومشكاة يحتاجها العقل. وللمخيلة قنديل يستحثها وللذكرى من ذكريات. لولا المصباح لعتمت ليالينا من غير شموع. مصباح القلوب أضاء ليس الدروب في الليل، وإنما أنار العقل، مما أغاض المحتل وأعوانه، “صمت” هاهم يغتالون كل شيء حتى البراءة في وجوه الأطفال، والنقاء في بناتنا “صمت، ثم بصوت يشبه الأنين”، ابنتي كانت نقية كالمرآة، تصف مرآة روحها بعباراتها الجميلة، زاهدة على اسمها حتى يوم انتحارها، حين لوث الفاشيون جسدها. (تظهر زاهدة من عمق المسرح لترتجل حوارها، يغيب عيسى).
زاهدة: المرآة بالنسبة لي شيء لا علاقة له بالمظهر الداخلي؛ كلما زدت التمعّن بها؛ تسبر دواخلي؛؛ صرت أرى نفسي أمامها عارية النفس؛ ليس لي همّ؛ غير مجادلة من أراه وراء الزجاج، وأدخل في جدال لا نهاية له؛؛ أتحاور حول المخبر؛ أكثر عن النظر إلى المظهر؛؛ “تواجه الجمهور لتخاطبه” فمرة نرى أنفسنا في بهاء كامل، ومرة يتعرينا الهّم، ويعلوا قسماتنا الغّم،، ومرات ندور في حلقة مفرغة من الهموم، والجدال حول الماهية، والكيان. الجاه، والباه. الشهية، والشهوة. الدنس، والطهارة. البوح، والحرمان. الكبت، والاتيان. ثنائيات لا تبتعد كثيراً عما يتشكل في الجسد، كما في النفس، كما في الكون. كما في كل المكونات ذات القطبين. هي مرآة لا تعدو عن زجاجة؛ كانت ولا تزال لا أكثر عن بلورة سحرية؛ يفعل الفكر فيها؛ أكثر عن كونها حاجة لتتزين، والتباهي؛؛ لكنها ذات قيمة معنوية كبيرة؛ في مواجهة الذات للذات، وتعرية النفس أمام نفسها. فمن المراوغة الأولية؛ إلى نكران للمظهر، وما يعتري المخبر من نزاعات، صارت المرآة تتجاذب الطرفين في حالات من التقارب، ومجالات للتوافق. (تستمر في حوارها كالمسرنمة، ولا تنتبه إلى أبيها أكبر، وعندما تغيب يسمع صوت إطلاقة، وصرخة موت، فيفزع الصغير، ويدور حول الجسر كالمجنون، تتناثر كتبه، ويشعث شعره، ثم يرمي نفسه من فوق الجسر. تقوم المجموعة بتشييعه وابنته في موكب واحد، وعندما يتلاشى موكب التشييع، تظهر نهال من وسط المجموعة، وهي على دراجة هوائية خلف أخيها عطا؛ ومن حولهما مجموعة راكبي دراجات هوائية؛ فينخطف لون نزار ويهرع وراء عطا هاتفاً)؛؛؛
نزار: منال أوهه نهال أليس هذا عطا الذي يقود الدراجة؛؛ أجل أجل فهما اللذان كانا أول ملجأ لي لمعرفتي الأكيدة بهما، ولكونهما كانا يقضيان الصيف ببيتنا مع أمهما المعلمة نزيهة ابنة القابلة تيريز التي أولدت أمي بي: “تلوح له من بعيد” تعال لتحل مكاني على الدراجة؛؛
عطا: دعك منه، فهو يخشى الدراجات، ولكنه يحب السينما؛؛
نزار: نعم، نعم إنهما هما، لأجري فألحق بهما، توقف يا عطا، فالمسافة بين حي الصحراء، ورأس الكور ليست بقصيرة،، لقد قطعت أنفاسي، حثيهي يا نهال على التوقف؛؛ أنا قادم لنلعب سوية،
عطا: ولكنك لا تحب ركوب الدراجات؛ انتظر على عتبة الباب ريثما ننتهي؛؛
نزار: هذه المرة سأركب خلفك، دعني أجرب؛؛ لقد حلمت بأنني أطير وراءك
نهال: دعه يجرب، “تترجل”؛؛
نزار: “يحاول الركوب،، تساعده نهال، لكن عطا يستعجل قبل أن يستقر نزار فيسقط على الأرض، وتلتوي قدمه؛ يتألم؛ تتفحصه نهال بعطف؛؛ فترتخي أعصابه، ويهدأ ملتذاً من أنامل الحبيبة”.
عطا: لا عليك سأدفع ثمن تذكرتك لفلم شيزام لألن لاد اليوم عصراً؛؛
نزار: سأرى لو أن أخي فنار يود القدوم معناً؛؛
عطا: نذهب أنا وأنت؛؛ فنار يحبذ الكاوبوي أكثر؛؛ يدخلان من باب في الكرة، ويتواريان، بينما نهال تقود الدراجة مع المجموعة؛؛”
نزار: كنا نركب الدراجة الهوائية، وكان عطا يحب السينما مثل أخي فنار، ورغم أنهما متقاربان في الأعمار، لكن عطا كان يميل لمصادقتي وكنت أميل لنهال، ربما كان نوعاً من العشق الأولي، أو حب الطفولة، قبل المراهقة، وكنت لم اعتد أخذ مصروف يومي من أهلي، وكنا على قدر الحال، لكن عطا ابن معلمة، ووالده نجار، ربما كان مصروفه اليومي أكبر مما أتصور، لهذا كان يتبرع بدفع أكثر أيام دخولنا إلى السينما، كان شديد الاصرار، ويريد أن يُطاع، أنا كنت ممن لا يهمهم الريادة، ولا القيادة أهم منها الصحبة، والتعلم. لسوء الحظ، أو ربما لحسنه أن عطا كان في المدرسة الشرقية عكس اتجاه مدرستي الغربية، لهذا كانت لقاءاتنا عصراً أو أيام العطل. (تعود مجموعة الدراجات، وأمامها يركض نصاح؛؛ وهو يعرج، ويتكلم بلكنة خاصة لعوق في فكه، وكأن فكيه كل بإتجاه)؛؛؛
نصاح: “بحنك معوج حامل كتبه يكلم سمير” أهررررع يا سمير، ولنلحق بننننزار وننننجيب لكي ننننصل مبكرينننن للمدرسة “سمير لا يرد”،، أننننت أطرش مثل أبيك حنا الأحمر؛؛ أننننا لست غير ننننناصح، والذي يننننننصحك أحسنننن منننن الذي ينننننك؛؛؛؛ حككك. يقول أبي إننن الرجل لا يننننكح، أما لو غدره أحد بعملية تجارية، وغشه، أي استغفله، فكأننننما أصبح الرجل مننننكوحاً، “يتضاحك ويعطس” فلسفة؟؟؟
نزار: “يضحك حتى يغص” ذكريات المراهقة، واليفاعة، كل يتفاصح على شلته،  ولكن نصاح يبقى هو هو؛؛ ذلك ما يذكرني بمسيرة أخرى لا تشبهها؛ وهي مسيرة عودتنا من الكلية بعد سنين عديدة: نقطع شارع الرشيد طولاً من باب المعظم حتى الباب الشرقي؛؛ ونحن نجتاز الأسواق بعض الأحيان، بدلاً عن السير كل يوم على رصيف شارع الرشيد، نجازف لندخل سوق السراي، لعل هناك كتاب قديم نعثر عليه؛؛ كانت أهم رفقة لي مع منير الغساني؛؛؛ أذكر لما كنا نخترق السوق المؤدي لشارع المتنبي، وسوق السراي، كان منير جذلاً في أحاديثه، وأول ملاحظاته الهامة لنثرياتي التي قرأ بعضها؛؛ “يظهر منير في جلبة سوق”: “يسلم ورقة لمن يشخص دور نزار من بين مجموعة الرقص التعبيري” إن لك تعبيرات عميقة، ولكن هل تعني ما كتبته،، أنا أحب تعبيراتك مثل جملة المرأة تعتصر التفاحة الصوفية بصدرها؛ في فم رضيعها،
نزار: وفي المظهر الخارجي أعجبنتي ملاحظته بأن كل منا يستطيع إضافة عين ثالثة ثاقبة لمن يراقبنا، فسألته كيف، قال:
منير: أنت عيونك زرقاء،
نزار: ولا أدري لما افترض ذلك؛ لأن عيوني ملونة، وتصبح زرقاء لو لبست ثياب زرق، وخضراء لو لبست ملابس خضر، أما عند لبس ألوان أخرى، وبخاصة المحايدة فإن عيني تبقيان ملونة،
منير: يمكنك أن تضع دبوس برأس زرقاء على ياقة جاكتتك في الصدر، وبهذا تربك المقابل لك، أو تجذبه،
نزار: وقد مارستها وقتها، ولا أدري لما تركتها، “يضغط على زر في اللابتوب فتظهر على الشاشة رسالة مطبوعة” هذه واحدة من مذكرات منير بعنوان رسائل عفار شبه السيرة يقول، “لكن بقعة ضوئية تعترض كلامه، تظهر أم نزار تجلس إلى مائدة مع منير، ونزار”.
منير: يقول فيورباخ عن الكاثوليكية أنها مهد الإشتراكية؛؛
أم نزار: لا تصدعونا بأفكاركم الإلحادية؛؛ أنا أحب الثوار، ونحن قد عانينا من ظلم الطغاة، والأباطرة، ولكنني أفرّق بين هذه وتلك؛؛
منير: على عيني يا أمي؛؛ لولا الفلاسفة لما تطور الوعي الثوري؛؛ “يبقى المشهد صامتاً بينما يكمل نزار حواره”.
نزار: ويحمى وطيس الجدال؛؛ وينتهي بود، المهم أنني بعد أن هاجرت؛ كنت أبحث عنه  لفترة طويلة، فقد عادت رسائلي له كلها، وبعد زمن وأثناء بحثي على السابير، وجدت اسمه، وبريده الإلكتروني، وتهاتفنا من هناك، وكأننا لم نفترق أبداً؛؛
منير: “من خلال الهاتف” انتقلت إلى كوستاريكا بعد أن تزوجت امرأتي الثانية،
نزار: صوتك هو هو؛
منير: ألا تعلم بأن الصوت لا يشيب؛؛ أدرّس الآن في الجامعة، ولي عشرين عام لم اسافر لعدم حصولي على الجنسية،
نزار: من هناك، وبالبريد الإلكتروني كان يبعث لي بإنتاجاته الأدبية والفكرية، وأهمها رسائل من عفار، قال لي:
منير: يمكنك أن ترسلها لمن يريدها بالبريد الإلكتروني، فأنت مخول بعد أن أرحل إلى المطلق” أحتفظ بها، تحسباً،
نزار: بعد أعوام من الانقطاع؛ بسبب انشغالاتي بعثت له رسالة أقول فيها منذ ألف سنة، وأنا لم اسمع منه، فأخبرني بمرضه في الرئتين،
منير: أنا يا حبيبي متبلى منذ سبعة أشهر بداء السرطان في الرئتين، ويبدو أنه منتشر؛ ولم يعلم به أحد؛؛ وقد تلون المرض، يبدو أنه هو الذي سينتصر في النهاية؛؛
نزار: وكان قد قضى بعد شهرين لم أعلم إلا بعد أشهر من صديقنا المشترك حمدي، رسائله من عفار تضمنت جولاته في أوروبا، وبخاصة في ألمانيا؛؛ وعلاقته بالفكر والفن، أي الرسم؛؛ مساجلات مميزة؛؛؛ لا أدري لما تحث علي ذاكرتي الآن، استحضار رسام مميز؛ فهل لذلك علاقة بينهما، آه فن الرسم يا تّرى،، هذا الرسام هو لطيف الكرخي “تظهر المجموعة بينها لطيف الكرخي؛؛ يكون لطيف متلفعاً بغترة عراقية” هو من الرسامين الذين لم تأتيهم الفرصة بسهولة، له أسلوبه الخاص، كنت أنظر إليه على أنه بغدادي محافظ، ذلك ما كان يبدو من كلامه، ولكن؛؛
لطيف: بعد أن تخرجت دفعتكم، افتقدنا الزمالة؛؛ فكل من دوننا في الدورات لا نستطيع إقامة علاقة معهم، كما حصل بيننا؛؛ نحن الدورات التأسيسية؛؛
نزار: عرفت لطيف الأصيل، عندما كان وقتها مجيد “الفم صاح” شرطي النظام الذي عاد بقناعه الجديد، الفمصاح هذا كان بعبع إعلام السلطة، كان ككلب مسعور وكجلاد، أو بلطجي يقف في وسط الممر المكشوف لمدخل المؤسسة، ويديه وراء ظهره، ومن بعيد يترصّد جلاوزته العاملين، لا أحد يدري متى يكون الفمصّاح مستفزاً، ومتى تطغي عليه السادية، ليعتدي على أي من كان بالشتم، والضرب، والعقاب، والموظف ساكن، الكل يخشون التعرض لمواقفة الهزلية المرراة. ولو دخل الفمصاح وشلته استراحة المؤسسة، فإن الغالبية يتسربون بهدوء إلى الخارج، ومن يبقى يتهامس، ويفقد مصداقيته في الحديث، ويطغي على تصرفه الافتعال. ذات يوم كنت أجلس إلى طاولة قريب من الزجاج المطل على الحديقة الوسطية؛ ومعي السيناريو أراجعه، كان على طاولة إلى اليسار من الطرف الآخر لطيف وجماعته، وفجأة (طقس احتفالي تشخصه المجموعة حسب الوصف، يظهر ضمنها لطيف) دخل الفمصاح وشلته، فخفتت الأصوات، وعلت الجلبة على طاولة الفمصاح بعدها فترة صدرت ضحكات من طاولة لطيف أعلى من النوتة المقررة، فما كان من أحد سماسرة الفمصاح إلا أن يتوجه لطاولة لطيف،
قبوسي: “يهمس شيئاً” يا أخوان رئيس المؤسسة موجود؛؛ قللوا من الضوضاء،، “ومن طاولة الفصاح يصيح أحدهم مؤنباً بكلام زجر غير مفهوم”
لطيف” “ينهض معترضاً” لا والله الكافيتريا ليست ملك أحد، وليست استوديو علينا أن نصمت فيه؛؛ هذا مكان لراحة العاملين بعد جهد ساعات، وعليه أن يعود للعمل مرتاح الأعصاب، فإذا كان رئيس المؤسسة له مزاج خاص ليفرد لنفسه، وجماعته جناحه الخاص ” يترك المكان بعصبية”؛؛
نزار: ومن الزجاج شاهدته يترك المؤسسة ربما لآخر مرة. هذا هو لطيف الكرخي الودود ذو الشخصية المرحة لو استفزه أحد؛ حتى لو كان دكتاتوراً قميئاً كالفمصاح يثور لكرامته، وكرامة غيره. “يضغط على زر الرسائل” آهه رسالة من أبي أزل تقول “يظهر حسيب على شاشة العرض”
حسيب: عزيزي بحرارة الاستاذ نزار؛ قبلاتي الصادقة؛؛ احتفلت برسالتك ويهمني جدا نشر كتاباتك؛؛ سأتواصل معك كما قلت؛؛
نزار: أجل فقبل أن تفقدني، أود لو تقرأني، فلست أعول على الكثيرين وإنما هناك معدودون مثلك.
حسيب: أفعمتني كلماتك؛؛ أنت الذي تقول عني: يا شقيق الشهيد،، ووالد الفقيد،،
نزار: كم تألمت، وذرفت دموع مستعصية؛ بكيت على حالك،، فأنت صبور، جسور، وغيور مثل العراق؛؛ أما ابنك أزل فرغم أنني لم أر صورته، التي أتمنى أن ترسلها لي، فأنه يسكنني، وإنني حزين لما حصل له، وهذا يذكرني بحبي الكبير للشباب المتنور، أما نحن فقد مزقتنا الغربة، وطالت إلى كل ما نملك من أحلام، وآمال؛ فصارت حسراتنا منهاجنا اليومي،، نتطلع لغد مشرق لشعبنا البائس؛؛ وهو يستقبل طاغ ليودع غادر،، وتتوالى الهموم، وليس في العراق غير الظلم والمظلوم، وفي الشتات عقول وأجيال من محبي الوطن، يجلسون على أرصفة الانتظار، يبتلعون الحسرة، ويرنون إلى يوم قريب؛؛ أطفالهم الذين ولدوا في المنافي؛؛ لا ينسون العراق في كل نافلة، فمتى يا عراق؛ أتمنى أن احضنك، وأشم رائحة العراق فيك؛ من عين كبريت؛ حتى جسر المعقل؛؛ دعنا نتواصل، وسأمدك بمواد هامة قبل أن تفقدني نهائياً؛؛ وتبكيني بدموع الفرح؛؛؛
حسيب: همومي الكثيرة، وأحزاني تسربت لما قارنتها بوضعك؛؛
نزار: عجبت يا عزيزي للوصف الذي تقوله عن حياتك اليومية، وهل هذا معقول في بلد النفط، والتاريخ، ومع هذا فضريبة الغربة أقسى وأمر بكثير مما يعانيه ابن الوطن أموت وأتمنى لحظة أشم فيها رائحة خزام الحدباء، وأضع قدمي على شبر من وطني المحتل، أنا بالانتظار لأرى شعبي يكنس العملاء، وسارقي عرق الجياع، لأعود وأدفن هناك على ربوة من روابي الموصل الجميلة، أوسهول بغداد الفاتنة “صوت مؤشر لرسالة أخرى قادمة” سوف اضطر يا صديقي أن أقفل لأنتقل إلى صديقنا المشترك ميثم “يظهر ميثم على الشاشة من خلال برنامج السكايب”.
ميثم: هل تراني يا نزار، أنا أرى فراغ كبير وراءك، هناك رؤوس كثيرة، هل أنتم في مهرجان برازيلي،،
نزار: كلا، نحن في مسرح الشاهد،،
ميثم: الشاهد، اسم غريب، شاهد على ماذا،،
نزار: على الأحداث، على دراما الحياة،،
ميثم: عشت معك بالحلم الجميل من خلال ملحمتك نشيد العذارى وهأنذا أرسل لك مقاربتي،
نزار: حقاً، سأقرأها حالاً “يفتح نافذة لتظهر الرسالة” لماذا لا تلخص ما أردت قوله،
ميثم: مسرحية تتطلع إلى الحلم والوعد وإلى عالم مليء بالصدق والأمن والأمان، وهي عندما تستقي من التاريخ الأحداث فلأنه يهدف إلى أن يقول الكثير وإلى أن يعبر عن واقع مليء بالتناقضات والغش والزيف والحروب والقتل والدمار.
نزار: أنت كنزي النادر، وكلماتك الصادقة والمعبرة، بليغة، غير مجاملة،
ميثم: لهذا كان لابد أن تأخذ رؤيته الإبداعية مسارات جد جديدة، فقد وضعت افتراضية قافزة على التاريخ إذ لم يجعل العذارى يذهبن في نزهة للقاء العريس المخلص والشهيد والراعي الصالح، وإنما كان في انتقالهن ترسيخ عملية تحول من حالة الحياة حيث تتآلف الروح مع الجسد إلى حالة الانفصال حيث تغادر الروح الجسد لتهيم في مكان ما.
نزار: لقد تجلت كلماتك في ثنايا مقاربتك الرائعة التي أتمنى أن تصل القارئ لا ليتعرف على المؤلف، ولكن ليعرف من هم الذين يقدرون العمل الجيد، من أمثالكم، وليرى أن الجد والمثابرة والاستمرار لا تذهب هباء.
ميثم: لقد لونت في كل لحمة لتلائم مستوى التفكير للعصر حيث توجد عقلية سائدة ومفاهيم مسيطرة .
نزار: أقبلك بكل صدق، وأنحني لك بهامتي للحب الذي يجمعنا، بلا رياء.
(تحدث جلبة في الكواليس، فيرتبك نزار، وتختفي صورة ميثم من الشاشة، يخرج من بين الستائر ورد الباسمي، وهو يمتص عقب سيكارته المنتهية، وبعصبية مبالغة يهتف بنزار معاتباً).
ورد: أهذه ما تدعوها صداقة يا رفيق نزار، أين ذهب عقلك، أنسيت أيامنا، نسيت أيام كنت منتسباً للعمل السري، ولم نكن نتصور؛ أننا قد خضنا أشواطاً كبيرة، وهامة في العمل الوطني، هذه إضافة لعلاقتنا القديمة في المهنية، ولربما كنت أنت تعرف عني؛ أكثر مما أعرفه عنك، ولكن ما تزال هناك أمور؛ لا يمكن للسياسي أن يصرح بها على الملأ، ولن يفهمه غير من هو ممارس، ويحترم السرية، وماهية العمل الوطني من غير مقابل؛ سواء انتسب لهذا الحزب، أو لآخر؛ أو كان مستقلاً بانتمائه، وليس بأفكاره؛ المهم أن يكون في الطرف المعادي لكل استحواذ، وهيمنة، وتسلط على مقدارات الشعوب، ومن دون شعارات، ومصطلحات اهترت بعضها، ولا يفهم بعض المتنطعين لمعانيها.
نزار: “يقاطعه، وكأنه يتوجس شراً مما يحيط بمكان العرض” دعني يا ورد أقول لك، وكهمسة؛؛ فات القوى الوطنية أمور كثيرة لم يستفيدوا من تجارب غيرهم وهي أهمية التوحد قبل خوض غمار التنافس، مع قوى الباطل، والشر،، وإبعاد كل مصلحة ذاتية، وتذويبها في مصلحة الوطن الكبرى.
ورد: “يتضاحك بهستيريا” لهذا كتبت بأسماء مستعارة أكثر مادة، وأهمها كانت كلمة استثمار الحصاد، نوهت فيها عن ضرورة عمل ميثاق لجبهة وطنية؛ قبل التنافس على الترشيحات، سواء للبرلمان، أو الرئاسة. العيب يا رفيقي العتيد أننا لا نقرأ، تذكر يا نزار أن هناك سنوات عجاف قادمة، لا بد من التحوط لها، ليس لتكميم أفواه القوى القومية وحدها، وإنما للقوى اليسارية، وعصبة الشباب، علينا أن نقاوم المحتل،، ونرفض الاحتلال؛ ومن يروج له؛ أتذكر ما كتبته في مقالتك: بؤس الديمقراطية وبئسها، بينت سوء استغلال اسم الديمقراطية من غير فعل حقيقي، أما مقالة صناعة الإنسان، فأنت مرعب في وصفك لعملية إعادة صياغة الإنسان من خلال غسل الأدمغة، “يصرخ” كل هذا سجلته في أفلامي الوثائقية، لكنهم أحرقوها. (بينما يحاول الاستمرار تدخل ثلة من العسكر،، المجموعة تشخص دخول رجال من مخابرات الإف بي آيي، تدخل لتحوط الجمهور، وتفتش في حقائب النساء، وتتطلع في الوجوه، وتختبر كل رجل؛؛ مقارنة بين صورته في هويته، وبينه؛؛ تقتاد البعض، بينما يطوق العسكر مساحة العرض، وترمي القادم الراحل على الأرض، ويلقي عليه عسكري حقوقه، بينما تطوق يدي الرجلين والمرأتين بسلاسل السجناء؛؛ وبحذر يقود العسكر الخمسة إلى الخارج بطريقة التراجع الكتلي المستخدم في حالات الطوارئ؛ ويبقى عسكر من أفراد المجموعة في حالة تأهب حول المتفرجين  تعتيم؛؛ ثم إضاءة، على بقعة ضوئية).
رجل بوليس: “في الهاتف النقال” قبضنا على رئيس العصابة السارق، سيزار؛؛
نزار: سيزار أنتم مشتبهون، ليس هنا من يدعى سيزار،
البوليس: لدينا صورك في أحد مخازننا الكبري في سان دياغو؛؛
نزار: ولكنني لم أزر تلك الولاية، أنا مقيم في سان باولو، البرازيل، وأنا الآن هنا في مسرح الشاهد هذا،، فكيف تتداعيت إلى قلاعكم،
البوليس: “بسخرية” لعلك كنت تمثل فيلما، إنها نزعة انتقام صارت لديك لمحاربتنا،
نزار: أجل فلربما هي جزء صغير من الأموال التي تسرقونها من شعوبنا، بجشعكم، فالاستعمار وشركاته من علّم الناس السرقة. نحن لم نأت إلى بلادكم لنعتد عليكم، فأنتم تصولون في البلاد بحجة حماية بلادكم، إنه منطق أعوج، أنكم تنهبون خيرات البلدان الغنية بالثروات، لا يهمكم أن تبيدوا شعوبها، بأية وسيلة، وبحجج مضحكة.
البوليس: “يجر نزار” لن تفلت منا هذه المرة، فلدينا كل الثبوتيات، ليس بسرقة المواد، وإنما بتخريبها، وتركها في مربضها، هذه جناية تستحق عليها السجن لشهور، إضافة لتحريضك الناس هنا علينا علناً؛؛
نزار: “يفك نفسه من الحرس، ويتقدم ليحيي الجمهور قبل التحية الأخيرة”، هكذا ممكن أن يختتم عرض مسرحي لو تجرأ وتجاوز حدوده في الترفيه؛؛ فمتى ما وصل للتحريض يكون مصير الكل؛ من مبدع إلى متلق، أن يتم اقتيادهم إلى السجن وراء القبضان، ويقضي الجميع أعوام بلا تهمة معروفة،، نتمنى ألا يحصل لنا هذا هنا في هذه الليلة، فما ترونه ليس أكثر من مزحة، وتمثيل،، فتخيلوا لو كان ما دار الأن حقيقي، لكانوا قصفونا والمسرح بصاروخ ذو رأس ذري عابر للقارات.
(تدخل مجموعة من الخارج فتطوق المكان بسلاحها؛؛ بينما نزار يردد الحوار الختامي، ومن حوله الجمهور يردد).
نزار: كل عام وأنت بخير يا ليلكتي الجميلة؛؛
الجمهور: “يكرر” كل عام وأنت بخير؛؛
نزار: يا نوارة مايس، وريحانة حياتي، ونرجسة آياري، وزنبقة أيامي؛؛
الجمهور: “يكرر” كل عام وأنت بخير؛؛
نزار: يا صندوق محبتي وأسراري؛؛ يا حبييتي، وأختي، وابنتي
الجمهور: “يكرر” كل عام وأنت بخير؛؛
نزار: يا رفيقة دربي منذ أن عرفتك، وكأننا التقينا قبل خمس وثلاثين ثانية لا غير؛؛
الجمهور: “يكرر” كل عام وأنت بخير؛؛
نزار: عشناها معاً في الغربة بحلوها ومرها؛؛ في عطائها، وسخائها؛؛
الجمهور: “يكرر” كل عام وأنت بخير؛؛
نزار: في آلامها، وأفراحها؛؛
نزار: كل عام وأنت جميلة كما رأيتك أول مرة؛؛
الجمهور: “يكرر” كل عام وأنت بخير؛؛
نزار: كل عام وأنت صافية القلب، نقية السريرة، محبة بسخاء، معينة بعطاء؛؛
الجمهور: “يكرر” كل عام وأنت بخير؛؛
نزار: ليلكتي تشرق في صباحاتي؛؛ وتنير سماوات حياتي.
الجمهور: “يكرر” كل عام وأنت بخير؛؛
نزار: هذه أنت أيتها الحب، فأهلا بك من جديد؛؛
الجمهور: “يكرر” كل عام وأنت بخير؛؛
نزار: في الأول من العام الجديد؛؛
الجمهور: “يكرر” كل عام وأنت بخير؛؛
نزار: فقد اشتاق لدفئك البيت، وتسألت عن غيابك الأشياء؛؛
الجمهور: “يكرر” كل عام وأنت بخير؛؛
نزار: فعرف كلانا معاني الفرح؛؛ والحزن؛؛ وفهمنا قدر الأمور الجميلة رغم ثقل الحزن؛؛
(تحية الختام)

في وندزور – كندا 1\1\2012

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مصطفى محمد غريب : تداعيات مأزق المسرح المغلق* .

المقطع الثاني استمر صرير الريح يخلق نوعاً من الرهبة والتوجس من المجهول مما جعله يعتقد …

| آمال عوّاد رضوان : إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا! .

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.