بشرى البستاني : صمتك المُرتابُ بما لا أدري

boshra 3بغيثٍ يطرز حريرَ روحي
بزهر رمانةٍ خجلى
بشراسة الفتحة على الكاف  تعدو في شوارع الليل …
ادعوكْ .
تلك التي لا تهادن ، ولا تعرف غير الصعودِ
لألف الأماني
كي تلقيَني هنالك في الضوء الممهور على صدرك ..
الفتحةُ ممهورةٌ بمواجع الكاف ، في … أحبك
وعلى بُعد جرحٍ من عينيكْ
وبُعد أيكةٍ من جرحي
قلتَ  لي ، لا يولدُ الثمر إلا من زهرة
ومن الصَّبار يطلُعُ علقم .
**
ليس قلبي المنتظر وحده
ولا الهواتف المسكونة بالولع
إنه الماءُ بآياتِ الاشتعال
والشُّرفُ المنهكةُ بالتلفّتْ
لستُ وحدي ،
انه الضياءُ المستحمُّ بغاباتٍ تمطر في لغز عينيك
بعطر ٍ  يلاحقني دون أن ألامسَ أمهاتِ زهورهْ
بأنهار تشبُّ لهباً في الطرق إليك
برائحة مطر راحتيك على وجنة ظمأى
بالمنافي المجروحةِ بالتمني
والصحارى الغارقة بسمرة مفردات مأخوذة بالحمى
يا وطنا يختصر الظلال والألواح والأسرار واللقى
وأنا في اختصاره أهفو لبشارة  نبوة
أقرأها بغموض ملتبس التراتيل
وأُمنية لا تحضر إلا لتغيب
**
ثمة شيءٌ يتهاوى
ثمة فيروزةٌ تضرى وأخرى تستغيث
ثمة شيءٌ يدعوني واتبعه
شيءٌ لا أعرفه ،
لا أعرفه وأتبعه
ثمة رجلٌ  ينام في الظل ، وأحرسهُ في العراءْ
ينام والسهدُ يعلقني على عبير أنفاسه
ينام وأنا لغفوته أضيءُ الشموع
ينام وتشربني الوحشة
ينام و في خوفي أطرزُ غلائلَ لقصيدةٍ عصية
لصخرة بهيةٍ  كمرجانة
شيمتها القسوةُ ، والحنو كله …
تحيطني بالتعاويذ من شرٍ  يتربصني
ومن خير أتربصه
وحبرُ العروق يجف
والورقة تتشكل زورقا بأجنحة عُقبان
أحاول الإمساك بها ،
لكنها تضيع في انعطاف ظلالكَ حولي
أحاول الإمساك بها ،
لكنَّ الأجنحة ترفعها للأعلى
وأنت لا تجيءُ إلا  لتذهب
ولا تذهبُ إلا  لتجيء
مرهفاً كدمعة شوق
واخضرَ كدوح الينابيع
قلتُ : لا تدع كرسيَّك فارغا قربي
فالفراغ يغريني أكثر ، فأكثر
أو دعْهُ لو شئتَ فارغاً ؛ كي تتمرغَ بعبيره الفراشات
فالمحبة في الغياب عبادة
وفي المحراب وجهُكَ مُقيم ..
**
أيها الجميلُ بتيجان الصمت الوافرِ العطايا
الأميرُ  الأسمرُ …. البهي
المحسودُ الرافلُ بمرايا التأويلِ ، النافرُ من التأويل
يا قمراً أتمرَّغُ بشقائق أنواره وأسراره ويواقيت كنوزه
وثغوره وعباءات أمطاره وسمكه الشاهق.
قمرُ الزمان لا يغيبْ
قمرُ الزمانِ يدور لمنازلَ أُخر ، ثم يعود لمنتظريه
لــــــ : أنا المنتظرة في الزوايا.
**
أتعلل بما بقي من عناقيدَ ترتِّلُ على  الشجر أورادها ،
أتعلل بثمرك العالي
أعلى من سرابٍ  يومضُ  في عيني ،
أعلى من أنين دغل الواحات ومن بساتين حزني
أعلى من تمرد بوحٍ يتلجلجُ في صدركْ
ومن صبرك الذي انحنى له الصبر
أعلى من ندم الزيتون على مائدة ماكرة
ومن ذبول أصابع الورد في نجوم غفلتي
ومن انتظاري اليتيم لموعد حبٍّ اجهله
لشاطئ لا اعرف مداه
لطرق شائكةٍ أدغالُها
لرمل كلما حاولتُ الإمساك به يأخذني لهاوية عطشى
وكلما حاولت الينابيعُ عناقه شربها
فأعتذرُ لوجنتيكَ من برد أصابعي
ولخصرك من وهج ساعديْ
ولقلبك أعتذرُ  من ضجيج حبي
هل صار الرحيلُ غريمي
كيف وكرمةُ دمعي تشرب عبير وجنتك
وقلبك يضمِّدُ جرحَ صمتي
والصفصافُ يخون
قلتَ لي : شجرُ اليقطين آخرُ الملاذات
ولا أنباء من سبا
**
أختبئ في دهاليز صبرك
صبرك الذي اشتد عودُه وما بلغ القطاف
أقرأ غصونه كل يوم لأتعلم كيف أروِّض جهلي
وامنح نسيانك الكظيم تذكِّري
وأشدُّ كسرَ عظمٍ يلوبُ في عضدي
نسيانك ، نسيانك
يعلمني الأناة والتحايلَ على الحجر  الصموت
آه ، تبتسم وأتوجع
وأبصر في ابتسامتك وجعَ وجعي
وصبرَ الماس على صخب القناديل
قلتَ لي :  لا سلالمَ لصعودِ  الصحراء يا صديقتي
فكوني في الخيمة بأمن ، ودعي النوق للمرعى
ولرُعاتها  الكرَّ  والفرَّ  وسِقايةَ  الحروب
لكني عصيتكَ ، وتسلقتُها
فوقع المحذور.
**
قالت الشجرةُ دعي الحروب لهم  واذهبي إليه
لعناقٍ لن يتمَّ وقبلةٍ مبتورة
لسرٍّ  يستعصي وعاصفة كتوم
لغربة ليلي معكْ
واغترابك في ليلي
لأرصفة غائمة تضيع في فضاءاتها أصداءُ .. أحبك
حبكَ الذي جعل الكون طريقا من الطرق إليه
ومسلكا واحدا لصلاتي
ولكلِّ شيءٍ شجرْ
وشجرُ الحروف الأسماءُ يأتلقُ بها المعنى
لنعرفَ بها من أنت ، و من أنا ،
وما السرُّ  ما بين أنا وأنت ..!
هل عرفنا الذاتين ، والسرَّ حقا ..؟
فسبحان من لا تعرفه المعارفُ والأسرارُ
ولا الأنوارُ والعلوم والكلوم  ..
واليقينُ طريقُ الحقِّ لا يصلُ سالكٌ إلا منه
فماذا أقول والقولُ حجابْ
وأنا أراك في كل شيءٍ ، ووراء كل شيءٍ
وقبل كل شيء ..
**
قالت الشجرةُ : دعيهم يتشاجرون على اليمين واليسار
وعلى الأمام والوراء
وانهمكي بتسابيح العطر الفارع بحمى أنامله
وهي تصفف أضاميمَ الحروف قلائدَ ياقوتٍ لغد القصيدة
لروابي الرياحين التي تبتعد وأتلفّتْ
لصوتك ، نشيدِ الضوءِ في دمي
كلما داهمتني الغيبوبةُ تلامسني قمصانهُ فأستفيق.
لواوات الوصال المهددة بجيم الهجر وسين النسيان
لعناقيدِ دمعٍ تغتسلُ بضَلالكَ وأنتَ تشكلُ هدايْ
وللشِّعر  أواخرَ الليل يُربكنا
ذلك الذي يخرج عن السِّرب دون وجل
قلتَ :  إذا رأيتني اتبعيني ، فمَنْ سوايَ الضلال
فتبعتكَ وضيَّعتُ الطرق .
**
اسمك يشرق فُلاً ًفي شفتي
يزرع شتائلَ فرحٍ في وهاد قلبي
وعلى الورق يلوِّنُ لي ملاعبَ وأقواسَ قزح
يا لذلك الجبل العسير ..
كتبتُ اسمكَ على صخرةٍ فيه وغادرتُ
لكنَّ الصخرةَ ظلتْ تلاحقني
تتفيَّأ ظلي
تستدرجُ سكرتي وصحوَ ولعي
وانعتاق قيدي ،
قيدي الذي يستدرجني لمقامات حضورك
سربٌ من الغيمات لحضورك في دمي
ولجلال ضلعكَ نبعِ البرق إذ طلعت الحياةُ جذلى
أنوثةُ الكون ضلعُكَ ، وزيتُ السراج
أتوضأ ببهائه فيسجدُ ملاكُ الرحمة
وتدنو السماءُ من قلبينا
ضلعُكَ الساكن فيَّ ، الساكنةُ ، المسكونةُ فيه
ضلعك الطالعُ من صمت الخليقة
قوسَ حنانٍ يضمُّ قلبي
غصناً مثقلاً بالفتنة ووشاية السؤال
ماذا كنتَ لو لم تجد شجري وانهاري
وزهوَ الفَراشِ الراقص في المراعي المفروشة بنعيم حبي
و ماذا ستكون لو غادركَ ساعداي وبقيت الوحشة
لو التاع جبينك بغياب راحتيَّ ، واقفل الأبوابَ صدري
وماذا كنتُ سأكون لولاكْ
لولا بلاغاتُ فرح يتألقُ في عينيك لآلئَ بلا مواعيد
يتناثر  على قارات العطش فيطير لبُّ الكون
وترتبك مدنٌ لهفى
فرحٍ  يرشقني بتمرٍ  تكاد عناقيدُه تضيءْ .
لم تمسسه نارٌ ، بل لامسه نداك
ماذا كنتُ سأكونَ  لولا سيمياءُ أصابعك على أقواس حزني
من أغنية ترسلها لي كلما ضاقت الأوراد على العروج
فأدخل جنائنها المعلقةَ في رحاب قلبكْ
والرقصةُ  ملهوفةٌ تؤثث أعمدة المعنى
بحبٍّ تنهض أغصانه ولا تبوح
فتُشرعُ الأسرّةُ أجنحتها وتشتعل الشارات
**
روحي توجعني
روحي تؤرجح سفنك الضائعة في مداد غيمي
أنا التائهةُ على مصارع الأبدية
أطرقُ أبوابا لا تُفتحُ
أتوكأ على غصنٍ ذاوٍ وتفاحةٍ مذعورة
انتظر مواعيدَ لن تجيء
ولياليَ عشبُها نديٌّ ، واخضرُ فجرُها
وخوفي هلعُ طفلةٍ ضاعت في حلم غامضٍ
أو كابوس مدججٍ بالخسائر
يا لصمتك أيقونةِ العذابْ
يا لصمتك الــ :  يقذفني في الأسرِ
مكبلةً بغواية حرير يرتديني ،
فتضيق أساورُ محنتي ، وتنفرط قلائد الأنهار
سألتك ، أين سنكون إذ تُبدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرض
قلتَ ، على الصراط يا صغيرتي ،
فارتجفتْ  ..
آهِ .. ما أوجع المكوثَ على الصراط  يا وطني ،
وإلى متى ..؟
**
يا لصمتك الزاخرِ باشتباك ما لا ادري
المُرتابِ بارتباك ما لا يدري
المفعمِ بعطر  وهمٍ  كحقيقة
من المطارَدُ أنتَ أم العطرُ  أم أنا ..؟
من المطارَدُ في هذا الصدأ المعتم
في صندوق رصاص يقتفينا
أسمع التياعَ الماء مكتوفةَ اليدين
لغيري الماءُ  ولي  أنينُهْ
أمسحُ الحزنَ العالقَ على وجنة الشناشيل
وأتضرَّعُ للسعفِ …. خذني
**
يا لصمتكَ جمر الدلالة وشفرة محنة مقفلة
خذني إليك منها
أو خذني إليها منك
وانهضْ لأسمعَ فصلَ الخطاب
انهض وابتكرني موجةً تجتاح الخطايا
وتمسحُ الدمَ المغدورَ على الألواح
أو تميمةَ غيثٍ لصدر أحزانك
لليمام الأبيضِ العابرِ جسرَكَ مذعورا
ترتجفُ الحقائبُ الورديةُ من لهبٍ يمطرْ
فتتكسَّرُ  السنابلُ وتتساءلُ الملائكةُ .. لماذا .؟
انهضْ ليبتكرَ التاريخُ حكمةً جديدةْ
ألا تلتفت وراءكَ كي لا تصطدم بحجر
أن تعيش اللحظة خالصةً إلا من لحظتها
عاريةً إلا من شجر صوتك مبتلاً بالحرائق
ومنهمكاً بتعليمي منطقَ الأجنحة ولغةَ الصيد
لكني لم أتعلمْها
تعلمتْها راقصةٌ ماستْ في ليل هيرودتس على رأس نبي
ظلَّ دمُهُ ينهمرُ حتى فضح الجريمة
أنت النبيُّ يا وطني
ودمك  القتيل …

*  في النص إشارات من مواقف  النفري

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عدنان عبد النبي البلداوي :   ( هاجِسُ العِشقِ في غياب التأنّي ).

 يتَهادى المساءُ والليلُ  يَسْري وعُيونُ السُـهادِ  فيـها ضِرامُ كلُّ شوْقٍ أسراره إنْ تَوارَت، مُـقْـلَةُ العـيـنِ كَشْـفُـها لايَـنـامُ …

| كفاح الزهاوي : مجلس العظماء.

    دخلت قاعة التهريج، رأيت القرود مجتمعين، متوضئين وملء أشداقهم أصداء ضحكات هازئة تتعالى مستهينة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.