طلال حسن : اللبوة الجريحة (قصة للفتيان)

talal hasan    ” 1 “
ــــــــــــــــ

استدعى كبير النحاتين في نينوى ساكيل ، النحات الشاب سامو ، إلى المشغل التابع لقصر الملك العظيم .. آشور بانبال .
لم يرتح سامو للاستدعاء ، فهو يعرف أن كبير النحاتين ، لا يرتاح كثيراً إليه ، وربما يتوجس منه ، لسبب لا يعرف حقيقته بالضبط .
ولأن زوجته كاشيرا تعرف زوجها جيداً ، فقد أحست بعدم ارتياحه ، وتعكر مزاجه ، فهو لم يأكل جيداً على العشاء ، وحتى عندما أوى إلى فراشه ، فإنه لم ينم ، وظل يتقلب في فراشه .
فقالت له كاشيرا : أراك متضايقاً اليوم ، ما الأمر ؟ أخبرني ، إنني زوجتك .
فتنهد سامو ، وقال : ساكيل استدعاني اليوم إلى مشغل القصر الملكي .
ونظرت كاشيرا إليه ، وقالت : هذا أمر طبيعي ، فهو المسؤول الأول عن النحاتين في القصر ، وأنت نحات من هؤلاء النحاتين .
وتنهد سامو ، وقال : نعم ،لكني قلق ، لسبب لا أدريه ، من هذا الاستدعاء .
وسكتت كاشيرا لحظة ، ثم قالت : لا داعي للقلق ، يا سامو ، مادمت قد أنجزت ما طلبه منك .
وأطرق سامو لحظة ، ثم قال : أخشى أنّ ما أنجزته ، لن يعجبه  .
فقالت كاشيرا بصوت رقيق : سامو ، عزيزي ، الأمر يسير ، انحت ما يعجبه .
ونهض سامو من فراشه ، ووقف عند النافذة ، وقال : ليتني أستطيع ، يا كاشيرا ، ليتني أستطيع .
واعتدلت كاشيرا في فراشها ، وقالت : بل تستطيع ، فلك ازميل قوي كأزاميل النحاتين الآخرين ، الذين يعملون معك ، دعه ينحت ما يريدونه .
وعاد سامو إلى فراشه ، وتمدد إلى جانب زوجته كاشيرا ، وقال : أنا من ينحت ، يا كاشيرا ، وليس الازميل ، وأنا إنسان .

    ” 2 “
ــــــــــــــــــ

في اليوم التالي ، أخذ النحات الشاب سامو منحوتته العاجية ، وذهب بها إلى مشغل القصر ، ليقدمها أخيراً إلى كبير النحاتين ساكيل .
وحين دخل المشغل ، لم يجد ساكيل بين النحاتين ، المنهمكين في نحت منحوتات بارزة على الحلان ، تمثل حملات  الملك آشور بانيبال ، وانتصاراته على أعدائه ، وكذلك ممارسته لصيد الأسود .
ورآه أحد النحاتين ، فاقترب منه ، وقال : سيد ساكيل ينتظرك في غرفته ، يا سيد سامو .
فرد سامو : أشكرك ، سأذهب إليه .
واتجه سامو إلى غرفة كبير النحاتين ساكيل ، وطرق الباب ، فجاءه صوت ساكيل الجاف من داخل الغرفة : تفضل ، أدخل .
وفتح سامو الباب ، ودخل الغرفة ، وحيّا ساكيل قائلاً : طاب صباحك ، يا سيدي .
وردّ ساكيل بصوته الذي ازداد جفافاً : صباح النور ، يا سامو .
ثم قال : لقد تركت تعمل في بيتك ، هذه المدة الطويلة ، فلا تقل لي ، إنك لم تنجز عملك بعد .
وقدم سامو المنحوتة العاجية إلى كبير النحاتين ساكيل ، وهو يقول : لقد أنجزتها ، يا سيدي ، تفضل .
وأخذ كبير النحاتين المنحوتة العاجية ، وراح يتأملها مقطباً ، ثم قال : عجل يرضع من أمه البقرة ، والأم  تلتفت ، ناظرة إليه بحنان .
ورفع كبير النحاتين ساكيل رأسه ، ونظر ملياً إلى سامو ، وقال بصوته الجاف : لا تبدو لي هذه بقرة ، يا سامو ، بل إنسان .
وقال سامو : مهما تكن ، فهي أم ، يا سيدي ، أم ترضع صغيرها .
وعاد كبير النحاتين ساكيل إلى المنحوتة العاجية ، يتأملها ، ثم قال : لا أنكر أنها منحوتة دقيقة ، لكن موضوعها لا يمت إلى البطولة بصلة ، وأخشى أنها لن تعجب الملك المعظم آشور بانيبال .
ولاذ سامو بالصمت ، فقال كبير النحاتين ساكيل : أنت تعرف أن الملك المعظم آشور بانيبال يهوى القوة والصلابة والشجاعة ، وهذا كله لا يمكن أن يتمثل في  بقرة ترضع صغيرها .

   ” 3 “
ـــــــــــــــــ

وعلى غير ما توقع كبير النحاتين ساكيل ، فقد أعجب الملك آشور بانيبال بالمنحوتة العاجية ، التي نحتها سامو ، وقال بعد أن تأملها ملياً : هذه منحوتة لا ينحتها إلا نحات قدير ، يا ساكيل .
وأسقط في يد ساكيل ، لكنه سرعان ما تمالك نفسه ، وقال متردداً : نعم ، يا مولاي ، إنه  تلميذ من تلاميذي ، وهو شاب مبدع ، اسمه سامو .
ونظر الملك آشور بانيبال إليه ، وقال : اسمع ، يا ساكيل ، قاعة العرش يعاد بناؤها وتزيينها الآن ، أريد سامو هذا ، أن يشارك في نحت الألواح ، التي تجسد صيدي للأسود ، والتي ستأخذ مكانها في هذه القاعة .
ولاذ كبير النحاتين بالصمت لحظة ، ثم قال : مولاي ، صحيح أنه نحات واعد ، لكنه شاب ، تجربته الحياتية متواضعة ، وربما لا تمكنه من نحت بطولاتكم العظيمة في مجال صيد الأسود .
ويبدو أن الملك آشور بانيبال ، أراد أن ينهي هذه المحادثة مع ساكيل ، فقال : سأذهب للصيد بعد غد ، مُرْ هذا النحات الشاب سامو باسمي أن يرافقنا ، ليرى بعينيه ما يجري خلال صيدي للأسود .
وخرج ساكيل من قصر الملك آشور بانيبال ، وبدل أن يتجه إلى بيته ، اتجه إلى بيت سامو ، وهذا ما لم يفعله من قبل أبداً .
وفوجىء سامو بكبير النحاتين ساكيل ، يطرق بابه ، فقال مندهشاً : سيدي !
وقال ساكيل : سامو .
فقال سامو : نعم ، سيدي .
فتابع ساكيل قائلاً : قبل قليل ، كنتُ في القصر ، وقدمت للملك المعظم آشور بانيبال منحوتتك العاجية .
وصمت ساكيل ، وانتظر سامو متوجساً ، فقال ساكيل : تهيأ بعد غد صباحاً .
وحدق سامو فيه قلقاً ، وقال : خيراً ، سيدي .
فقال ساكيل بصوت متحشرج : الملك المعظم آشور بانيبال ، سيذهب إلى الصيد ، وقد كلفني أن أبلغك ، بأنك ستكون أحد مرافقيه .
وفغر سامو فاه على سعته ، دون أن يتفوه بكلمة واحدة ، فقال ساكيل : لقد أعجبته منحوتتك العاجية .
وتهيأ للانصراف ، وهو يقول : سأمر عليك بعد غد صباحاً ، وسآخذك إلى القصر ، وأقدمك إلى الملك المعظم .. آشور بانيبال .

     ” 4 “
ــــــــــــــــــــ

قبل شروق الشمس ، ذهب ساكيل إلى بيت سامو ، وما إن طرق الباب ، حتى خرج سامو متهيئاً ، كما طلب منه ساكيل .
وعلى الفور ، اتجها مسرعين إلى القصر الملكي ، ووقفا عند الباب ، ينتظران بفارغ الصبر ، خروج الملك آشور بانيبال .
وبعد شروق الشمس بقليل ، خرج عدد من الحراس من داخل القصر ، وتراكضوا هنا وهناك ، وسرعان ما أقبلت عربة ملكية ، يجرها حصان فتيّ ، ويقودها سائق متمرس في قيادة مثل هذه العربات .
ومال ساكيل على سامو ، وقال : تهيأ ، الملك المعظم سيأتي على الفور .
وردّ سامو ، وهو يتململ قلقاً : إنني متهيء ، يا سيدي ساكيل .
وعلى الفور ، أقبل الملك آشور بانيبال ، في ملابس الصيد ، يحيط به عدد من الحراس المدججين بالسلاح ، وتقدم ساكيل قليلاً من الملك ، وقال : مولاي .
وتباطأ الملك آشور بانيبال ، وقال : ساكيل .
وأشار ساكيل إلى سامو ، وهو يسير بمحاذاة الملك ، وقال : هذا هوالمثال  ، يا مولاي .
وتوقف الملك آشور بانيبال ، ونظر إليه مستفهماً ، فقال ساكيل : سامو .. المثال .. يا مولاي .
وابتسم الملك آشور بانيبال ، وقال : آه .. تذكرت .. العجل والبقرة .
فانحنى ساكيل ، وقال : هو يا مولاي .
وأشار الملك آشور بنيبال إلى سامو ، وقال : تعال ، يا سامو .
فتقدم سامو من الملك ، وقال : مولاي .
فنظر الملك إليه ، وقال : أنت مثال جيد .
فانحنى سامو ، وقال : أشكرك ، يا مولاي .
ونظر الملك إليه ، وقال : سآخذك اليوم معي إلى صيد الأسود ، وأريدك أن تنحت لي بازميلك المبدع ، كيف أواجه الأسود ، وأفتك بها .
وانحنى سامو ثانية ، وقال : أمرك مولاي .
وأشار الملك إلى آمر الحراس ، وقال : خذه في إحدى العربات ، ولتكن قريبة من عربتي .
وانحنى آمر الحرس للملك ، وقال : أمرك مولاي .
واستأنف الملك آشور بانيبال سيره ، وظل ساكيل يتابعه بنظره مبهوراً ، حتى ركب عربته الملكية ، ووقف على جانبيه حارسان مدججان بالأسلحة ، وقال الملك لسائق العربة بصوت آمر : هيا ، انطلق .

     ” 5 “
ـــــــــــــــــــ

اعتاد الملك آشور بانيبال ، كأجداده الآشوريين العظام ، ومنهم الملك العظيم آشور ناصربال ، على ممارسة رياضة الصيد ، وخاصة صيد الأسود ، ولم يكن الصيد عنده مجرد رياضة ، بل هي أفضل تدرب على ميادين القتال .
وعلى عادة أجداده العظام ، انطلق الملك آشور بانيبال في عربته الملكية ، ومعه عدد من الجنود المشاة والخيالة ، وعدد من الخدم والحراس ، يمسك بعضهم كلاباً مدرباً على الصيد .
وقد قرر الملك هذا اليوم ، الذهاب إلى أحراش ، لا تبعد كثيراً عن مدينته نينوى ، قيل أن فيها عدداً من الأسود ، ليمارس رياضته المفضلة ، صيد الأسود .
ودخل الأحراش بعربته ، التي يقودها حصان فتيّ ، ومن ورائه دخل جنوده المشاة والخيالة ، بينما انتشر الخدم والحرس ، الذين يقودون الكلاب المدربة بين الأحراش ، بحثاً عن الأسود .
وتناهى نباح الكلاب الغاضبة ، إلى بعض الأسود ، فهبت من أماكنها قلقة ، غاضبة ، مستفزة ، وانطلقت مترددة بين الهرب والمواجهة .
وبرز أسد غاضب من بين الأحراش ، وما إن رأى الملك آشور بانيبال في عربته ، مدججاً بالسلاح ، حتى زأر بغضب ، وانطلق منقضاً عليه .
وعلى الفور ، أطلق الحارسان اللذان يقفان على جانبي الملك في العربة ، عدة سهام نحوه ، فأصاباه في مواضع عدة من جسمه ، لكنه لم يتوقف ، وهنا رفع الملك آشور بانيبال رمحه ، وأطلقه نحو الأسد المجرح ، فترنح متألماً ، وتهاوى على الأرض .
ولاح أسدان يركضان هاربين بين الأحراش ، والكلاب الغاضب تطاردهما ، فانطلق الملك بعربته نحو أحدهما ، وأطلق عليه سهماً ، اخترق عنقه ، وسرعان ما تهاوى على الأرض مضرجاً بدمائه .
وهنا رأى سامو ، وهو في عربته ، القريبة من عربة الملك ، لبوة تبرز من بين الأحراش ، تركض مترددة بين الهرب ، أو مهاجمة الصيادين ، أو العودة إلى شبليها الصغيرين ، اللذين كانا يتبعاها .
وصاح أحد آمري الجنود ، وهو يشير إلى اللبوة : مولاي ، انظر ، هذه لبوة .
ونظر الملك حيث أشار الآمر ، ورأى اللبوة ، فصاح بسائق عربته : وجه العربة نحو تلك اللبوة .
وأمام أنظار النحات الشاب سامو ، اتجهت العربة نحو اللبوة ، وما إن اقتربت منها ، حتى أطلق الملك سهماً نحو اللبوة ، اخترق عنقها ، وفي نفس الوقت ، أطلق الحارسان ، اللذان يقفان إلى جانبي الملك في العربة ، سهمان ، اخترق أحدهما ظهرها ، وبرز من بطنها ، بينما أصاب الآخر أعلى فخذها ، ورغم ذلك ظلت اللبوة تحتفظ بقوة كافية لأن ترفع رأسها على قائمتيها الأماميتين ، ولو أن طرفيها الخلفيتين يسحلان مشلولتين على الأرض ، واقترب منها شبلاها الصغيران ، وراحا يتشممانها ، ويدفعانها ، كأنهما يدعوانها إلى النهوض ، والاهتمام بهما .
وهنا استدار الملك بعربته ، واقتربة من عربة سامو ، وقال منتشياً : هذا يوم صيد عظيم ، أريدك أن تخلده بمنحوتة من منحوتاتك .
فطامن سامو رأسه ، وقال : أمر مولاي .

” 6 “
ـــــــــــــــــــ

انتهى البناءون والفنيون والنحاتون من إعادة بناء  وتزيين ، قاعة العرش الكبرى ، في قصر الملك آشور بانيبال ، وأهم ما أضافوه إليها ، ألوح ضخمة من النحت البارز ، تمثل انتصارات الملك ، وبطولاته في رحلاته لصيد الثيران الوحشية و الأسود .
وأقبل الملك آشور بانيبال ، ذات صباح ، يتقدم عدد من الفنيين والنحاتين ، من بينهم كبير النحاتين ساكيل ، وكذلك الفنان الشاب سامو .
وراح الملك يستعرض الألواح ، واحداً بعد الآخر ، وكبير النحاتين يسير إلى جانبه ، يشرح بالتفصيل مضمون الألواح ، ويذكر أسماء نحاتيها  .
وأبدى الملك إعجابه بالمنحوتات عامة ، وبالأخص تلك التي تبرز بطولاته الحربية ، في محاربة أعداء آشور ، وكذلك المنحوتات ، التي تجسد قوته وشجاعته ومهارته ، في صيد الأسود .
وتوقف منتشياً عند الألواح ، التي تصوره على حصانه ، يطعن أسداً برمحه ، وثانية في عربته وهو يطعن برمحه أسداً انقض على العربة ، والحصان يتخطى أسداً ملقى على الأرض ، والسهام منغرزة في جسده .
وفي نهاية القاعة ، توقف الملك آشور بانيبال ، أمام لوح غريب ، وبدا وكأنه لا يمت بصلة إلى الألواح السابقة ، ولاحظ كبير النحاتين ساكيل ، أن الانتشاء يغادر ملامح الملك ، فتوقف وراء الملك صامتاً متوجساً .
والتفت الملك إلى كبير النحاتين ساكيل ، دون أن يتفوه بكلمة ، فقال ساكيل بصوت مضطرب : إنها لبوة ، يا مولاي ، أصيبت .. كما هو واضح .. بثلاث سهام قاتلة .. في أنحاء مختلفة من جسمها ..
وعاد الملك ينظر إلى اللوح ، فتابع ساكيل قائلاً : ويبدو أنها كانت تدافع عن صغارها ..
وصمت ساكل لحظة ، ثم قال بصوت خافت متردد : هذا ما قاله الفنان الذي نحتها .
وتمتم الملك آشور بانيبال قائلاً : لبوة جريحة .
والتفت إلى ساكيل ، ونظر إليه ، ثم قال : هذا اللوح من نحت .. سامو .
وهزّ ساكيل رأسه ، وبصعوبة قال : نعم ، يا مولاي ، إنه من نحت .. سامو .
واستأنف الملك آشور بانيبال سيره ، يستعرض زينات القاعة ، وهو يقول : لوح مختلف ، يا ساكيل ، لكنه  رائع   .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : مسرحية للأطفال “الوعل” |المشهد الرابع .

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب الطفل …

| طلال حسن : مسرحية للأطفال “الوعل” | المشهد الثاني والثالث .

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب الطفل …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    هذا أدب رفيع، يعلمنا الكثير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.