شوقي يوسف بهنام : دموع الشاهد أو مأساة الحسين كما يراها أدونيس

shawki yuosif 5إن  نغمة الحزن والأسى قد ميزت الصورة الشعرية بصورة واضحة في مرآة الحسين . والحسين يعد من الرموز الكبرى لدى إحدى الفرق الإسلامية الرئيسة . وهذا يعني ، أن ادونيس هو الآخر سيتعامل مع هذا الرمز بنفس الصورة التي تلون ذلك  الرمز في تلك الفرقة . وسوف نرى ، عندما نستعرض النصوص التي كرسها أدونيس لرمز الحسين ، طبيعة ذلك المستوى من التعامل ، حيث يكرس ثلاثة نصوص تستعرض مأساة الحسين وهي على النحو الآتي :-
1- مرآة الرأس    ص 349 – 350 من المجلد الثاني من الآثار الكاملة .
2- مرآة الشاهد  ص 351              من المصدر نفسه .
3- مرآة لمسجد الحسين ص 352      من المصدر نفسه .

**************
ونعتقد  أن ادونيس لم يكن موفقا في هذا الترتيب ، حيث انه كان من الأفضل وضع مرآة الشاهد قبل مرآة الرأس ، لأن قطع الرأس كان ضمن الأحداث ولم يكن جزءا منفصلا عنها . وهذه الملاحظة ، نسوقها هنا ، لغرض إبداء الرأي لا أكثر ولا اقل . ومن المؤكد فأن للشاعر الحق في ان يرتب نصوصه وفق ما يشاء . وأدونيس هنا ليس فقط مستشرفا للتاريخ بل شاهدا ومشاركا له . ولننطلق من الترتيب الذي وضعه الشاعر لنصوصه . ولنبدأ بمرآة الرأس .. وهو يقصد ، طبعا ، رأس الحسين . يبدأ أدونيس النص بملاحظة يمكن ان تكون مدخلا للنص وننقلها كما هي ” حوار جرى بين رجل وزوجته في 10 تشرين الاول لعام 680 م ” وهو العام الذي قطع فيه رأس الحسين . وهذا الحوار الذي جسده أدونيس ، شعريا ، كان مادة لمؤرخي الحدث . ولقد حاول كل من ” د. على محمد الصلابي ”  والباحث ” هادي العلوي ، على سبيل المثال ، استعراضا تفاصيل ذلك الحدث (1) و(2) . لنقف عند تفاصيل هذا  الحوار كما يرويه الصلابي حيث يقول في فقرة موقف نوار بنت مالك الحضرية ( وهي امرأة خولي بن يزيد الذي بعثه عمر بن سعد برأس الحسين إلى عبيد الله بن زياد ، فلما بلغ خولي الكوفة قصد القصر ، فوجد بابه مغلقا ، فتوجه بالرأس الشريف إلى بيته ، فوضعه هناك في  إجانة – والاجانة – إناء تغسل فيه الثياب – ثم دخل على زوجته ، وآوى إلى فراشه ..
–   فقالت له زوجته : ما الخبر ؟ ما عندك ؟ .
adonis 5– قال : جئتك ِ بغنى الدهر ، هذا رأس الحسين معك في الدار .
– فقالت :  جاء الناس بالذهب والفضة ، وجئت َ برأس ابن رسول الله .. ويلك ! يوم الحشر ..  لا والله لا يجمع رأسي ورأسك َ بيت أبدا . (3)

***************
نوار ؛ زوجة  الخولي ، امرأة  مثل باقي النساء عندما يذهب رجالهن للقتال فتكون في انتظار وترقب للحظة اللقاء وسماع أخبار النصر المؤزر . وها هي تنتظر زوجها لكي ترى ما الغنائم التي جناها زوجها عندما كان في ساحة الوغى . ولكن المفارقة ، عند نوار على الأقل ، ان مجيء زوجها كان سببا لدمارها ودمار حياتها . ومجيئه افسد عليها طول انتظارها  وعكر صفوها وكان ذلك القسم المرير الذي أقسمته . نعم عودة زوجها إليها سالما هي أحسن هديه وأحلى خبر . وبالفعل فان زوجها لم يعد خالي اليدين ولكن ليس بالذهب ولا الفضة بل بالشيء الذي احدث ما احدث . لقد جاء بالفجيعة ذاتها . لقد جاءها برأس الحسين .. رأس ابن رسول الله . ان كل مؤمن يحزنه الخبر ويهدّ نفسه سماعه . لهذا غادرت نوار فراش زوجها . ذلك إذن هو الحوار الذي جرى بين نوار وزوجها .. وذلك هو الخبر الذي بشرها به وتلك كانت هديته .. بل المفاجأة الكبرى . ونلاحظ من خلال الحوار ؛ نشوة النصر والظفر ، كأنما كان رأس الحسين بالنسبة له قضية كان يتمنى تحقيقها وها هي الآن بين يديه . من الجانب الآخر، نجد نوار زوجته لم تكن لتتوقع تلك المفاجأة المفجعة . لقد اعتبرت مثل تلك الهدية والتي سماها زوجها ؛ مال الدهر ، بمثابة فاجعة . وكان التهديد يتمثل في قولها : ويلك يوم الحشر . ان هذا الموقف ؛ أعني موقف نوار من صاحب الرأس هو موقف ينطوي على  إعجاب إن لم يكن أكثر من ذلك !! . دعونا الآن ننتقل إلى نص أدونيس . وفي البدء لا أريد ان اعلق أو امدح أدونيس لقدرته على تحويل النص السردي إلى نص شعري . وأتمنى من النقاد الذين تستهويهم الأسلوبية ومشكلاتها حول بنية النص للوقوف عند هذه المسألة لغرض التقويم وإبداء الرأي بشأنها . ما يهمنا من النص الادونيسي هو كشف السحنة النفسية فيه . يقول أدونيس عن مسار هذه الملحمة الحزينة الكبرى عند الشيعة :-

– سايرته ’ , رصدته’
غلغلت في جفونه ِ
أيقظت ’ كل شهوتي
هجمت’  واحتززته ’ …
وجئت’  .
كانت زوجتي نوار
تفتح باب الدار :
– أوَحشتني ، أطلتَ ، كيف َ ؟
– أبشري  ،
جئتك بالدهر ، بمال الدهر
– من أين َ ، كيف ، أين َ ؟
– برأسه . . .
– الحسين ْ ؟
ويلك َ ، يوم الحشر ْ
ويلك لن يجمعني طريق’ أو حلم أو نوم ْ
إليك َ بعد اليوم . . .

وهاجرت نوار ْ .

( الآثار الكاملة ، مجلد 2 ، ص 349-350 )

*******************
وفي هذا النص ، نجد وبجلاء ، كيف عبر أدونيس أو جسد بتعبير أدق ، تلك المشاعر الدفينة والمفعمة بالعداء والحقد والضغينة إزاء صاحب الرأس . وفي هذا وحده تكمن مشاطرة ادونيس لعواطف العقل الجمعي عن صاحب الرأس . حيث يصف مراحل القنص والاحتراز !! .. اعني كيف فصل الرأس عن الجسد .
أخيرا جاء حامل الرأس حيث كانت زوجته تنتظره وهي كلها شوق ، ظاهريا ، على الأقل في تقديرنا ، ورغبة . لقد أطال .. هكذا قالت نوار عندما كانت تفتح باب الدار . لقد جاء ليزف لها البشرى . والنص الشعري مطابق في روحه للنص السردي . ولذلك فلا نريد تكرار التعليق . ولكن ما يهمنا ، هنا ، هو سلوك نوار إزاء زوجها .. لقد هجرته إلى الأبد وأقسمت بأن لا تكون معه على فراش واحد . ان هذا القسم ، يعني في تقديرنا ، أن نوار كانت هي الأخرى معجبة بصاحب الرأس .. اعني الحسين . وما هذا القسم إلا تعبير رمزي أو قل لا شعوري وفاء لذلك الإعجاب . هنا اللاشعور .. لا شعور نوار تجلى واظهر خفاياه . بالمقابل نرى ان الرجل .. الزوج .. قاطع الرأس .. صاحب الهدية .. بعدما كان محملا بكل مشاعر الظفر والانتصار .. ها هو في دائرة الإحباط وخيبة الأمل . أدونيس في هذا النص يلجأ إلى الرمزية وهو موفق تماما في عملية الترميز هذه . هذه هي مرآة الرأس . ولننتقل إلى مرآة الشاهد .. حيث نجد ان أدونيس ينسى نفسه ويتجاوز الزمان والمكان ويعود القهقري حيث الحدث المؤلم .. المأساة الكبرى ، لكي يكون شاهدا له هناك أعني مقتل الحسين . وأدونيس يعيش ، هنا ، هذا الحدث بكل رمزيته . حتى يمكن القول ان أدونيس بكى عندما رأى جسد ابن رسول الله في مشهد نوراني وهو مفصول عن الرأس . يقول أدونيس :-

وحينما استقرت الرماح في حشاشة الحسين

وازَينت بجسد الحسين

وداست الخيول كل نقطة

في جسد الحسين

واستلبت وقسمت ملابس الحسين .

رأيت’ كل حجر يحنو على جسد الحسين

رأيت ’ كل زهرة تنام عند كتف الحسين

رأيت’ كل نهر يسير في جنازة الحسين

( نفس المصدر السابق ، مجلد 2 ، ص 351 )

*******************
النص ، مقسم ، كما نلاحظ إلى قسمين . يتركز القسم الأول على الجسد وهو بين طعن الرماح واقدام الخيول . ثم ان الجسد قد عري وقسمت واستلبت  ملابسه . هكذا ينتهي هذا القسم من النص ؛ جسد بدون رأس !! .. مثخن بالجراح وقد انغرست في أحشائه الرماح و.. أنه لمشهد حزين أن يكون مصير هذا الرجل على هذا النحو . الرجل الذي أراد ان يغير مسار الأحداث وفق ما يرى .  لقد كان مؤمنا برؤيته ولهذا انطلق . يمكن القول ان هذا النص مناحة أدونيسية . وهي بهذا المعنى مشاطرة للعقل الجمعي لأحزانه على رجاله . والذي يدفعنا الى هذا التصور ؛ هو المشهد الذي يصور الحسين وهو على هذا النحو الذي رأيناه في المقطع الأول . وإذا كان أدونيس في هذا المقطع يذرف الدموع .. فإننا نراه في المقطع الثاني ’يدخل ’ هذا الحدث إلى عالم الرمزية الذي ، على ما يبدو ، يشكل عنصرا مهما لدى أدونيس في نقل خطابه . فهو يرى  كل حجر يحنو على جسد الحسين . ومعلوم ان للحجر  رمزية  في المنظور الإسلامي . يحدثنا شبل عن هذه الرمزية حيث يقول ” تتمتع الحجارة برمز قبلإسلامي مثقل بالمعاني بحيث إنها تشكل جزءا من وسائل التأليه والعبادة لدى القدماء وعلى اثر مجيء الإسلام تضاعف رمز الحجارة ، دخلت الحجارة الملساء في شعائر الوضوء ، وتستخدم أثناء الحج لرجم إبليس .. فالحجر يسهم إذاً ، من جهة ، برد القوة السلبية التي ترمز إليها التلة المعتبرة قبر إبليس ، ومن جهة أخرى فالحجارة وسيلة تطهير . وفي الحالتين تؤدي الحجارة دور الوسيط مع اللامنظور ، مرسخة صلة حميمة وفردية ، وفي الوقت نفسه شركة بين الروحاني والمادي … ويضيف المؤلف عن هذه الرمزية في المفهوم الشعبي أنه يعد رمزا لقساة القلب ولفقدان الحنان .. ويختم الباحث  قوله .. ان الرمز الممتاز للحجر في الإسلام هو رمز الحجر الأسود وهو حجر بركاني تلقى عليه نوايا الحجاج وخطاياهم (4) . ويمكن ان يكون أدونيس قد وظف كل الأبعاد لرمزية الحجر الذي انحنى على جسد الحسين وننتقل إلى رمزية الزهرة التي نامت عند كتفي الحسين .  ورمزية الزهرة أو الوردة كما يقول شبل ،هي رمزية الظرف والتأنق والشعر عند الفرس وهي الأكثر إيحاء في الشعر العربي … لقد عمد إلى استعمال الورد جميع الشعراء والمفكرين العظام  من سعدي (1200-1291 م) إلى حافظ (1320-1389 م) مرورا بعمر الخيام (1050-  1123م ) و إخوان الصفاء ” ابتدءا (من سنة 950 م ) والمتصوفة ومن بينهم جلال الدين الرومي (1 207- 1273 م)  والفلاسفة : كل ّ حاول ، في مجاله الخاص ، ان يقنن لغته ويعبر عن عواطفه ببعض الجزالة الأسلوبية (5)  وإذا كانت الوردة أو الزهرة بهذا المكانة في التراث العربي والفارسي معا فلا عجب أن يستثمرها أدونيس ويوظفها ذلك التوظيف الذي  يتفق مع التصور الجمعي لطهارة صاحب الرأس . و لا ننسى  الرمزية العالمية للزهرة حيث يقول سيرنج عنها ما يلي ” يقال عن شخص طري سريع العطب  ، أو حتى استثنائيا عن مادة رطبة وناعمة ” زهرة الطحين ” . وتقتضي الكلمة فكرة ما من النقاء ، والجمال والمدة القصيرة  ، والصفة المؤقتة نسبيا كما هي عليه الوردة الحقيقية . ” هلك في زهرة الشباب ” عبارة مطلوبة اكثر من عبارة مات شابا . وجرت العادة بتقديم باقة زهور على شرف شخص ، وغطى بعضهم بالزهور تعني بالمعنى المجازي قدم له الكثير من التمنيات . نعت الزهر ، في اللغة الإغريقية ،  يمثل في التسجيلات الجنائزية للشهداء المسيحيين ” على سبيل المثال في المقبرة المحيطة بالبازيليك المسيحية القديمة للقديس سالزا ، في الجزائر ،  . (6) . بقيت رمزية النهر . و لا يشكل النهر بحد ذاته قيمة تذكر .. رمزيته تترتب على ما يجري فيه .. اعني الماء.. يقول شبل عن رمزية الماء ” كان الماء رمز تجلي الله ورمز رحمته ” كثيرا ما يسمى المطر رحمة الله ” ورمز الحياة .. والماء دائما مادة ضرورية .. ويسهم الماء ، سواء كان صافيا أو ممزوجا ، معطرا أو غير معطر ، في عدد كبير من ممارسات التعزيم وزيارات القبور والشفاء والسحر . وليس من النادر مثلا ، ان يستخدم ، في الحفلات الجماهيرية ، في الأعياد مثلا ، في المواسم ، لنضح الضيوف لطرد الشيطان منهم والعين الشريرة (7)  إذن كل هذه الرمزيات التي يحملها الماء لا بد منها عندما تسير في جنازة الحسين حتى تعطي لتلك الجنازة مشهدا نورانيا قدسيا لا يتكرر على مدى التاريخ . لقد رأى أدونيس ليس نهرا واحدا بل كل الأنهار هي مع  مياهها تتجه صوب جنازة الحسين وهي تفيض بركة ورحمة وطردا للشيطان والعين الشريرة . ولننتقل إلى النص الثالث الذي يتوج به أدونيس رؤياه إلى هذه الملحمة التي ما انفكت تغادر الذاكرة الجمعية منذ لحظة حدوثها . يقول أدونيس في القسم الأخير من ثلاثيته :-

ألا ترى الأشجار وهي تمشي

حدباء ،
في سكر ٍ وفي أناة ْ

كي تتشهد الصلاة ؟

ألا ترى سيفا ً بغير غمد ٍ

يبكي ،

وسيافا بلا يدين

يطوف حول مسجد الحسين ْ

( المرجع السابق ، ص 352 )

****************

في النص الثاني رأينا ، أن أدونيس يبكي على الحسين . وها هو الآن ، في هذا النص ، الذي يكرسه لموضوع مصير الرأس ، وهو موضوع ، لا يهمنا نحن هنا الدخول في تفاصيله ، والذي يستعرضه الصلابي مكرسا مبحثا خاصا له اطلق عليه ” التحقيق في مكان رأس الحسين ” ويؤكد هذا الباحث ، كما يعتقد ، أن رأس الحسين مقبور في ستة مدن هي ؛ دمشق ، كربلاء ، الرقة ، عسقلان ، القاهرة ، المدينة النبوية . ويذكر الصلابي انه من خلال عملية البحث فأنه يتضح أن جسد الحسين بكربلاء وأما رأسه بالبقيع في المدينة والله اعلم ” (8) . ويبدو أن أدونيس عندما ذكر مسجد الحسين فأنه كان يشير إلى هذا الموضوع وبصورة غير مباشرة . أدونيس لم يذكر مدينة معينة . كان بإمكانه ذكر مدينة دمشق مثلا … فقط جعله مكانا رمزيا تتجه إليه الأشجار تمشي  وهي  حدباء دلالة على الانكسار والحزن على صاحب الرأس . ورمزية الشجرة في الإسلام ، بشكل عام ، كما يذكر شبل في معجمه ، ترمز الى الانسان الساعي الى مصير افضل بريء  من أية فكرة سيئة . ( إبراهيم : 24 ؛ يِس : 80 ) والأشجار درجات في سلم القيم : شجرة النخيل ، وشجرة الزيتون (النور : 35) هما أكثر احتراما ، وشجرة الزقوم هي الأكثر هولا ، وذلك لأنها شجرة العقاب (الدخان : 24) والرياض الزاهرة التي تنشر الروائح الزكية هي بساط نباتي يغطي ارض الجنة ، ويروي الطبري (853-923 م ) ( تاريخ جزء 1 ، ص 312 ) ، ان العوسج هو شجر غريب يتميز بأنه أول شجرة نبتت على الأرض . ويستطرد شبل فيقول .. ترمز الشجرة ، على التوالي ، الى الملكة التأملية والفكرية ” جذعها منهل المعرفة ، أغصانها مواهب وثمارها نتائج ( الغزالي ) والى الخلود ( الأعراف : 19-20)  (طه : 120) كما ترمز الى الغواية . تمثل شجرة الكون عند ابن عربي (1165- 1214 م) الإنسان الكامل ، كليا ومثليا . وترمز الشجرة أيضا الى الجلال والسمو (الفتح : 18)  والى الرأفة الإلهية (إبراهيم : 24-25 )  ويحكى أيضا عن ” شجرة الحكمة ” مصورة في مخطوطة خيمياء من أصل فارسي وصف من السرو محفور على فسيفساء ولا يزال محفوظا في  متحف توبكابي ( اسطنبول ) . وأخيرا ، في أرضروم ، الأناضول ، مثل الفن السلجوقي الرمز القديم ” لشجرة الحياة ” وإليك ما تقوله كاترينا أوتو- دورن بهذا الصدد :” ففي حين تكرر مدرستا أرضروم موضوعات متقاربة ، صور أشجار تعلوها نسور برأسين وتتخللها أزواج من التنانين أو الأسود ، رسوما يلتقي فيها الرمز الموغل في القدم لشجرة الحياة والمفاهيم الشامانية ، في وسط آسيا ، لشجرة الكون ( المحور الكوني ) المتوجة بصورة نسر ، يستعيد هذان النوعان من المنحوتات ، على بوابة مدرسة غوك دو سيفاس (سيواس )  ، فكرة الدورة الحيوانية التركية – الصينية التي ألفناها عبر الفنون الصغرى (التزيينية ) (الإيرانية- السلجوقية )  . ويتحدث أوليغ غربار ، من جهته ، عن صور معمارية ضخمة تستخدم أزهارا مركبة وأشجارا عملاقة تمثل الجنة ، حتى ولو كان هذا الجمع بينها ، كما يوضح الكاتب ، من اكتشافه  (9) . تلك هي الرمزية كما يراها هذا الباحث من وجهة نظر إسلامية . ولا استطيع ان اجزم بصورة قاطعة إلى أي مدى كانت ذاكرة أدونيس تستحضر  كل   رمزيات الشجرة في المنظور الإسلامي . ولننتقل إلى المنظور الإنساني العام عن رمزية الشجرة . والواقع ان المادة التي يقدمها لنا هذا الباحث مادة غنية ومتشعبة بحيث لا يتسع المجال لذكرها بصورة مفصلة ولذلك فسنكتفي بذكر صورة بسيطة لهذه الرمزية حيث  يحدثنا سيرنج ”  صورت الشجرة الرمزية في كافة العصور منذ أربعة آلاف سنة على الأقل ، في ميزوبوتاميا  (وادي الرافدين ) ومنذ اقل من ذلك في كل مناطق العالم تقريبا : انها شجرة الحياة . فكالطفل من البشر ، تنمو الشجرة ثم تدرك قامتها النهائية ؛ ويتحول النسغ في الشجرة مثل ” الأمزجة ” في الجسد ( الدورة الدموية اكتشاف حديث ، القرن 17 ) في مواجهة الشجرة ، يتأمل الانسان ، في الحياة وقوى الطبيعة . شجرة الحياة ، في الشرق الأوسط والأدنى ، هي رمز الخلود وغالبا ما مثلت بين وعلين أو بين كاهنين يدفعان التأمل حتى العبادة ، وغالبا ما مثلت ايضا بين حيوانين متقابلين : اسدين ، ثورين ، تيسين أو غولين مثل ” عنقاوين مجنحين ، واستثنائيا قنطوين ، يحرسان شجرة الحياة : فلإدراك هذا واكتساب الخلود يجب الانتصار على الغيلان ، أي الصراع ضد الشر . ونادرا ما تلاحظ هذه المعركة ذاتها بين الانسان ضد الحيوانات الحارسة لشجرة الحياة ، أو على العكس صراع إله بشكل بشري حام لشجرة الحياة ضد تنين ، على سبيل المثال ماردون ضد تيامات … ” (10) بهذا القدر نكتفي عن هذه الرمزية التي تخيلها الوعي الإنساني . وليس من متسع ، هنا ، للمقارنة بين هذه الرمزية للشجرة وبين تلك الرمزية التي كونها الوعي الإسلامي . وأيضا لا أريد ان اجزم بصورة قاطعة مدى استحضار ذاكرة أدونيس لهذه الرمزية العالمية أو أنه عقد مقارنة بين الرمزيتين لكي تتفق مع الصورة الجمعية لمكانة صاحب الرأس المقطوع . المسجد ليس له غير صورة رمزية فحسب .. تتجه إليه الأشجار تمشي وهي حدباء .. أي منكسرة حزنا وألما ً وحسرة .. والسيف هو الآخر بلا غمد يبكي .. اما السياف فأنه لم يستطع مس الرأس الذي في المسجد لأن مشاعر الذنب  اجتاحته فعطل هذا الشعور ذراعيه .. فهو إذن نوع من عقاب الذات . وأصبح يطوف حول المسجد وهو دامع العينين وجوانحه  تطفح بالندم . هو مشهد درامي حزين يدغدغ المشاعر ولكن بلغة مفعمة بالرمزية شديدة التجريد وتعبر عن تلك المأساة اصدق تعبير وتشير الى الولاء والانتماء لخطاب تلك المأساة .

الهوامش :-

1- د.الصلابي ، على محمد ، 2006 ، معاوية بن أبي سفيان ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ص 452 وحتى نهاية المبحث .
2- العلوي ، هادي ، 1997 ، شخصيات غير قلقة في الإسلام ، دار الكنوز الأدبية ، بيروت ، لبنان ، ط2 ، ص 59 وحتى نهاية الفصل .
3- د. الصلابي ، المرجع السابق ، ص 477- 478 .
4- شبل ، مالك ، 2000 ، معجم الرموز الإسلامية ، دار الجيل ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ص 87 .
5- شبل ، المرجع السابق ، ص 343 .
6- سيرنج ، فيليب ، 1992 ، الرموز في الفن – الأديان – الحياة ، دار دمشق ، سورية ، ط1 ، 301 .
7- شبل ، المرجع السابق ، ص 285 .
8-  د. الصلابي ، المرجع السابق ، ص 506 .
9- شبل ، المرجع السابق ، ص 169- 170 .
10- سيرنج ، المرجع السابق ، ص 283-285 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.