الرئيسية » نصوص » مترجمة » ناطق خلوصي : في المصطلح ؛ قراءة في “التاريخانية” (ترجمة وإعداد)

ناطق خلوصي : في المصطلح ؛ قراءة في “التاريخانية” (ترجمة وإعداد)

natiq khulusiتوصف التاريخانية ( Hisoricism (  بأنها مقاربة لدراسة العلاقة بين الأنثروبولوجيا والثقافة ، يرجع تأريخها الى أواسط القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وتشمل هذه المقاربة شكلين من التاريخانية : الانتشارية والتخصيصية ، وترتبط بشكل كبير بـ ” فرانز بواس ” ( Franz Boas    (  والعديد من تلامذته ، ولكنها كانت قد تطورت في وقت أكثر تبكيرا ً من قبل ” الإنتشاريين ” ( المؤمنين بنظرية الانتشار ) الذين عملوا على تقديم توضيحات عن التغير الثقافي ، بديلة لتلك التي تمت مناقشتها من قبل المؤمنين بنظرية التطور . ان المؤمنين بنظرية التطور افترضوا بأن البشر يشتركون في مجموعة من الخصائص وأنماط التفكير تتجاوز الثقافات الفردية ( الوحدة الطبيعية للبشر ) ، وبالتالي فإن التطور الاجتماعي للمجتمعات الفردية يعكس هذا التعميم من خلال سلسلة متشابهة من  مراحل التطور . ويدل هذا ضمنا ً على ان تطور المجتمعات الفردية كان يمكن تحديده مع اخذ ما لدى المجتمعات الأخرى ومستوى تطورها بنظر الاعتبار . ان مستويات التطور الواطئة كانت تُعزى نسبيا ً الى مستوى تطور عقلي أدنى مما لدى المجتمعات الأكثر تطورا ً .
وحيث قدّم التطور الاجتماعي ــ الثقافي توضيحا ً لما حصل ومكان حصوله ، فإنه لم يكن من الممكن  وصف التأثيرات الخاصة على عمليات التغير والتطور الثقافي . ولتحقيق هذا الهدف  كانت ثمة حاجة لدراسة هذا التغير والتطور الثقافي ليس فقط لتوضيح ما حصل ومكانه وانما ايضا ً سبب حصوله وكيفية ذلك . لقد كانت الانتشارية أول مقاربة  ابتكِرت لتحقيق  هذا النمط من المقاربات التاريخية في البحث الثقافي وتم تقديمها من قبل مدرستين مختلفتين من المدارس الفكرية : المدرسة الألمانية والمدرسة البريطانية .

فرانز بواس
فرانز بواس

قاد المدرسة الانتشارية   البريطانية  ج  . إي . سمث وآخرون .  وقد قالوا بأن الثقافة والحضارة كلها تم تطويرها في مصر القديمة وانتشرت عبر العالم عن طريق الهجرة والاستعمار ، لذلك فإن كل الثقافات ارتبطت بأصل مشترك واحد ، وبالتالي فإن  التطور الثقافي  الواسع في العالم يمكن أن يُنظر اليه على انه رد فعل الثقافات المحلية على الانتشار الثقافي من مصر وهو يُفهم على هذا النحو . ان هذه المدرسة الفكرية لم تدم طويلا ً لأنها لم تستطع أن تضع في الحسبان مسألة الابداع الحر أوالمستقل . لقد ظهر مفهوم الابداع الحر أوالمستقل لتفسير حقيقة كون الأوجه المتشابهة للحضارة تطورت من قبل أناس مختلفين في مناطق مختلفة ولم يتم التأكيد على هذا المفهوم من قبل أغلب الانتشاريين الذين قال بعضهم ان الابداع الحر أوالمستقل نادر الحدوث لأن البشر ليسوا مبدعين بالوراثة .
وقاد  فرتزغرابنر ( 1877 ــ 1934 )  المدرسة الألمانية حيث تم تطوير مقاربة تاريخية أكثر تعقيدا ً فيما يخص التطور الاجتماعي ــ الثقافي .  ومن أجل أخذ مسألة الابداع الحر أو المستقل لعناصر الثقافة بنظر الاعتبار ، فقد تم استخدام نظرية الدوائر الثقافية . وتقول هذه النظرية بأن سمات الثقافة تطورت في مناطق قليلة وانتشرت في دوائر ثقافية مركـّزة . لذلك فإن التطور الاجتماعي ــ الثقافي عالمي الانتشار يمكن أن ينظر اليه على انه عملية تفاعل بين دوائر الثقافة وثقافات محلية أو دوائر ثقافية أخرى . وقد ابتكر الانتشاريون الألمان  مصطلح الدائرة التقافية لخدمة الأداة الميثولوجية من أجل تتبع انتشار العناصر الثقافية من منطقة ثقافة معينة في محاولة لإ عادة صياغة تاريخ التطور الثقافي . أما مفهوم المنطقة الثقافية فقد تم ابتكاره لأول مرة من قبل ” أدولف باستيان ” وقد استعاره غرابنر منه وتم تطويره فيما بعد من قبل دارسين ينتمون الى عدد من المدارس النظرية المختلفة وتم استخدامه  كأداة للتحليل الثقافي وكوسيلة لتحديد شكل انتشار السمات الثقافية . لفد استخدم الانتشاريون الألمان مفهوم المناطق الثقافية لتحديد المكان الذي تطورت فيه عناصر ثقافية معينة .
أما التخصيصية التاريخية فهي مقاربة طورها فرانز بواس كبديل لنظريات التطور الاجتماعي ــ الثقافي المنتشرة عالميا ً والتي اعتنقها كل من المؤمنين بنظرية التطور والانتشاريين  واعتقد هو بأنها لايمكن البرهنة عليها . لقد قال بواس بأن من أجل التغلب على ذلك ، فإن على المرء أن يُجري دراسات مناطقية مفصلة للثقافات الفردية من أجل تتبع توزيع السمات الثقافية ومن أجل فهم  عمليات التغير الثقافي الفردية  أثناء العمل  ، أي أنه بحث عن اعادة صياغة تواريخ هذه الثقافات .  لقد أكد على مجموعة  التفاصيل الدقيقة  و على تنظيم معطيات المعلومات الأثنوغرافية ( الأنثروبولوجية الوصفية ) في كل المجالات وفي مجتمعات مختلفة . وحين يتم جمع معلومات عن مفردات العديد من الثقافات المختلفة ، فإنه يمكن الوصول الى تعميمات حول التطور الثقافي مع احتمال توفر الدقة في هذه المعلومات . وقد تم  تطبيق نظريات بواس من قبل باحثين كانوا معاصرين له أو تتلمذوا على يديه في جامعة كولومبيا .

راث بينيدكت
راث بينيدكت

لقد تطورت التاريخانية بفعل عدم الاقتناع بنظريات التطور الاجتماعي ــ الثقافي غير المستوية في نسق واحد . وأغنى باحثون مفهوم التطور الاجتماعي ــ الثقافي وأضافوا أبعادا ً عرقية للنظريات  كطريقة لتوضيح معدلات مختلفة للتطور الاجتماعي الثقافي .  ان نظريات تطور المجتمعات البشرية تتجذر في الأعمال المبكرة في أواخر القرن الثامن عشر والتي ادعت بأن البشرية توجهت نحو الحضارة من خلال سلسلة من مراحل تطورت باتجاه الاكتمال المفترض لمجتمع متحضر . ان هؤلاء المفكرين افترضوا ان كل حركة  متصاعدة على سلـّم التطور صاحبتها زيادة في القدرة العقلية وفابلية البشر . لذلك فإن الانسان البدائي مارس عمله على أساس مستوى الوظائف العقلية  التي كانت مماثلة للموهبة أو القدرة الطبيعية ، فكل مستوى تطور سبقته زيادة في القدرة العقلية إذن . وإذا ما وجد المجتمع في مرحلة  التوحش أو البربرية ، فإن ذلك يحدث لأن أفراده لم يطوروا بعد الوظائف العقلية المطلوبة لتطوير المجتمع الى مجتمع متحضر.  وثمة مشكلة تصاحب أنماط التطور الثقافي هذه تتمثل في افتراض ان المجتمع الأوربي الغربي هو خاتمة سلسلة متعاقبة من أعلى مستويات التطور يمكن تحقيقها  .  وقد وضع هذا مشكلة كبيرة أمام التاريخانيين ، وبواس بشكل خاص وهو الذي لم يؤمن بأن أحدا ً يمكنه أن يفهم التغيير الثقافي ويفسره ، وبالتالي اعادة صياغة تاريخ مجتمع معين ما لم يراع   الملاحظات التي تعتمد على منظور ما يدرسه الباحث. لذلك فإن بواس أخذ بنظر الاعتبار ان من الضروري بالنسبة للباحث أن يتفحص كل دليل ممكن عن المجتمع قبل أن يبدأ البحث . لقد تم تمرير اعتقاد  بواس بأهمية البحث الميداني الى العديد من تلامذته وتجلى ذلك واضحا ً في أعمالهم وطرقهم البحثية .
لقد تطورت التاريخانية الانتشارية كما مر سابقا ً الى مدرستين فكريتين متصلتين لكنهما مختلفتان : مدرسة الانتشاريين البريطانيين ومدرسة الانتشاريين الألمان . قالت المدرسة البريطانية ان المكونات الأساسية للحضارة تطورت في مناطق قليلة في العالم ، وعندما وصلت وسائل النقل الى مستوى من التطور أتاح  فرص حركة تنقلات واسعة للناس ، فإن  الحضارة انتشرت في الخارج في مناطق الثقافة . لقد بلغت هذه المدرسة أعلى مستوياتها على يد ( سمث  )الذي طور النظرية التي تقول ان كل أوجه الحضارة تطورت في مصر القديمة وانتشرت منها الى كل انحاء العالم الأخرى  . لكن زميله ( ريفز) كان أكثر تحفظا ً الى حد ما في تطبيقه لآراء الانتشاريين ، وقد أكد بأن مناطق قليلة فقط طورت الحضارة وان الهجرة من هذه المناطق كانت مسؤولة عن نقل الحضارة الى انحاء بعيدة من العالم أما الانتشاريون الألمان فقد قالوا بأن الحضارة تم تطويرها في مناطق قليلة منعزلة فقط وان الابداع الثقافي الحرأو المستقل لم يكن حدثا ً عاديا ً . وعلى أية حال فإن الناس تنقلوا فيما بينهم وطوروا الاحتكاك بمجاوريهم وتم تمرير الحضارة من خلال هذا الاحتكاك . وأصبحت هذه المناطق القليلة المنعزلة مجاورة لبعضها بمرور الزمن ومررت حضارتها الى جيرانها . وتم تطوير المناطق التقافية التي انتشرت في أماكن مركـّزة وكان لابد لهذه المناطق الثقافية من أن  تصل الى المناطق الثقافية المجاورة  من خلال الاحتكاك هي الأخرى . وما لبثت أوجه الحضارة التي ميزت مناطق منعزلة قليلة فقط في السابق ، أن صارت تنتشر في كل أنحاء العالم وفقد الابداع الحرأو المستقل في هذه المناطق المنعزلة أصالته عبر التاريخ .
لم يتفق بواس ومعاصروه مع نماذج ونظريات التطور الثقافي الشاملة التي دافع عنها أنصار نظرية التطور والانتشاريون البريطانيون والألمان . لقد اعتقد هو ومن معه بأن كثيرا ً من الحوافز المختلفة صاحبت عملية تطور ثقافة ٍ ما بحيث ان هذا التطور كان يمكن أن يُفهم  من خلال تفحص خصائص ثقافة معينة ويمكن تحديد هوية هذه الحوافز ومطابقتها  ، وعند ذاك فقط يمكن اعادة صياغة نظريات التطور الثقافي التي تقوم هي نفسها على عدد وافر من الدراسات المتزامنة يمكن أن تـُضم الى بعضها لتشكل نمطاً  من التطور . ان النظريات المستمدة من هذا النمط من البحث القائم على أرضية تاريخية ، تكون أكثر دقة ً وشمولا ً من النماذج التطورية والتاريخانية الانتشارية  التي سبقتها ولكنها لا تحدد هوية النماذج الثقافية الهجينة  .
ان اسم بواس يرتبط في الغالب بالمقاربة التاريخانية للأنثروبولوجيا . لم يكن يشعر بأن من الممكن البرهنة على صحة النظريات الكبرى للتطور الاجتماعي ــ السياسي وانتشاره . لقد كان يرى ان  نظريات كل المجتمعات التي كانت جزءا ً من ثقافة بشرية واحدة وتتطور باتجاه ذروة ثقافية ، كانت مخترقة وبشكل خاص تلك التي اعتنقت نموذجا ً غربيا ً للحضارة على انه ذروة الثقافة .  وحتى النظريات التي أمعنت التأمل في مجالات مختلفة للثقافة البشرية بكونها تم ابتكارها في مناطق كثيرة مختلفة ، كانت غبر صحيحة من وجهة نظره . لقد قال بأن الكثير من الثقافات تطورت بصورة مستقلة عن بضها وكل منها قام على مجموعة  خاصة بها من الظروف  مثل الجغرافية والمناخ والمصادر والاستعارة الثقافية الخاصة . واستنادا ً الى هذا الرأي فإن اعادة صياغة تاريخ الثقافات الفردية تتطلب بحثا ً عميقا ً يقارن بين مجموعات سمات الثقافة من مناطق جغرافية معينة ، ثم يجب وضع خارطة بيانية لهذه السمات الثقافية . وحين يتم  توزيع مجموعات عديدة من هذه السمات الثقافية في خارطة بيانية لمنطقة جغرافية عامة ، يمكن عندئذ ٍ تحديد أنماط الاستعارة الثقافية  . ويتيح هذا فرصة اعادة صياغة التواريخ الفردية لثقافات معينة عن طريق تقديم  معلومات للباحث عن أي من الثقافات مستعارة وأيها تطورت بصورة فردية . وربما تتمثل المساهمة المهمة والدائمة لبواس في حقل الانثروبولوجيا ، في تأثيره على جيل من الأنثروبولوجيين ممن كانوا يتبعونه فطوّروا عمله الخاص . كما انه كان شخصية مهمة لها دورها في تشجيع النساء على الدخول في هذا الحقل والنجاح فيه .
ترتبط نظرية التطور بجارلس دارون وقد تم تطبيق مفهومها على مسألة التطور الثقافي واستـُخدمت لتطوير نظريات التطور الاجتماعي ــ الثقافي . لقد مالت هذه النظرية الى القول بأن كل الثقافات تتطور في سرعات مختلفة من خلال مجموعة من المسارات المحتومة . لذلك فإن مستوى التطور يمكن أن يتحدد طبقا ً للمكان الذي تشغله ثقافة معينة على مقياس التطور . وحين يقع مجتمع ما على هذا المقياس ، فإن تطوره السابق يمكن  اعادة تشكيله وتحديد مستقبله الممكن . لقد قام البعض بتوسيع هذه المقولة لتشمل الفكرة التي تقول بأن سبب كون بعض المجتمعات قد تطورت بسرعة أكبر من المجتمعات الأخرى يكمن في ان القدرات العقلية لأفرادها هي أكثر تطورا ً عما في تلك التي كان تطورها أبطأ .
ان هذه المقاربة تعرضت للنقد بسبب افراطها في التضمين والتعميم فيما يخص التغيير الثقافي الى جانب تعزيزها للمعتقدات التي تركز على الأثنية والعنصرية في تحيز واضح للأوربيين الغربيين . لقد برزت التاريخانية بشكل واسع بفعل عدم القناعة بمشاكل مدرسة التطور هذه .
يقول التاريخانيون انه ليس هناك تعريف واف ً بالغرض للثقافة ، بل ان بينهم من يقول ان من المحتمل أن لا يكون هناك مثل هذا التعريف على الاطلاق . يرى ” بواس ” الثقافة كمجموعة من الأعراف وأنماط السلوك الاجتماعي والمعتقدات التي تميز أي مجتمع . ويضيف بأن الاختلافات الثقافية ليست عائدة الى العرق وانما الى ظروف بيئية مختلفة وأحداث تاريخية ولابد من أن يُنظر الى الثقافات على انها التحام سمات ثقافية متغايرة تطورت في زمان ومكان معينين . ويرى ” الفريد لويس  كرويبر ” ان الثقافة كينونة توجد منفصلة عن سايكولوجية وبايولوجية الفرد وتخضع الى مجموعة القوانين الخاصة بها .  أما  ” راث بينيدكت ” فيقول ان الثقافة طرق أساسية للعيش وهي صيغ متفردة أو نمط سايكولوجي  من أنماط السايكولوجيات الجماعية لشعب معين .  ويكاد “روبرت هـ . لوي ” يتفق مع ما ذهب اليه بواس من حيث كون الثقافة نتاج الجمع بين الظروف الجغرافية والمصادر وأحداث التاريخ . واكد ” ايدورد سابر ” كثيرا ًعلى الفرد وهو يرى ان الثقافة لا توجد ضمن المجتمع نفسه وانها تتألف من الكثير من التفاعلات بين أفراد المجتمع . وأكد ” بول رادن ” على أهمية الفرد كعنصر فاعل في التغير الاجتماعي وهو يقول ان الفرد يصوغ الثقافة من خلال ابتكار أساليب فنية ومعتقدات جديدة . وعرّف ” كلارك وسلر ” الثقافة على انها سلوك مكتسب بالتعلم أو انها مجموعة معقدة من الأفكار .
ويشير مصطلح ”  النسبية الثقافية ” الى ان المعتقدات والأعراف والممارسات والشعائر الخاصة بثقافة فردية يجب ملاحظتها وتقييمها وفق المنظور الذي يُنظر اليها من خلاله وتتجلى فيه .. ويرتبط مفهوم ” الثقافة والشخصية ” بـ ” راث بينيدكت ” ، وهو يشير الى ان الثقافة مثل الفرد ، أي انها نمط  متماسك من الأفكار والسلوك يتبنى ويستخدم الخصائص العاطفية والفكرية للأفراد ضمن المجتمع ويمكن دراسة هذه الخصائص لتكوين رؤية عن الناس الخاضعين للبحث . أما مفهوم ” صيغ الثقافة ” فإن ” راث بينيدكت ” قام بتطويره للمساعدة في توضيح طبيعة الثقافة . ان صيغة ثقافة انما هي تعبير عن شخصية مجتمع معين . انها حاصل جمع كل شخصيات الأفراد في المجتمع ، وهي  نوع من وسط  سايكولوجي مجتمعي  . ان الاختلافات في الصيغ الثقافية ليست نموذجية ممثلة لقدرات أعلى أو أوطأ للتطور الثقافي وانما هي وسيلة بديلة لتنظيم المجتمع .
وتُعرّف ” التخصيصية التاريخانية ” بأنها مقاربة لفهم طبيعة الثقافة والتغيرات الثقافية لشعب من الشعوب . انها ليست منهج بحث علمي معين . لقد قال بواس ان تاريخ ثقافة معينة يكمن في دراسة السمات الفردية لثقافة معينة في منطقة جغرافية محدودة . وبعد أن تمت دراسة العديد من الثقافات المختلفة بالطريقة نفسها ضمن منطقة من المناطق ، فإن تاريخ الثقافات الفردية يمكن اعادة صياغته . وبالحصول على معطيات معلومات مفصلة من ثقافات مختلفة كإطار مصدري مشترك ، فإن السمات الثقافية الفردية يمكن أن يتم التمييز بينها فيما اذا كانت مستعارة أو مبتكرة ويشكّل هذا عنصرا ً حاسما ً في اعادة صياغة تاريخ ثقافة معينة .
لقد أكد بواس وتلامذته على أهمية جمع أكبر قدر من معطيات المعلومات حول الثقافات الفردية قبل القيام بأية افتراضات أو تفسيرات فيما يتعلق بثقافة ٍ ما أو تغيير ثقافي ضمن ثقافة ٍ ما . لقد عانى هو وتلامذته كثيراً لتسجيل المعلومات ويشمل هذا تسجيل التاريخ الشفاهي للأجناس البشرية والمناهج الاثنوغرافية الرئيسية مثل الملاحظات المشتركة . وأكد بواس على أهمية كل الحقول الفرعية للأنثروبولوجي في اعادة صياغة التاريخ . ان الدليل الاثنوغرافي يجب أن يُستخدم بمعية الدليل اللغوي و الآثاري والدليل الطبيغي والبايولوجي . . وقد عرفت هذه المقاربة  بأنها المنهج الانثروبولوجي ذو الحقول الأربعة  وانتشرت في أنحاء الولايات المتحدة من قبل تلامذة بواس وتلامذة تلامذته.
ان الكثير من استنتاجات بواس فضلا ً على تلك التي قام بها أغلب تلامذته المشهورين قد  أصبحت مهملة عندما تم تنفيذ أعمال انثروبولوجية أكثر معاصرة ً . وعلى أية حال فإنه يُحتسب لبواس وتلامذته قيامهم بنقل الأنثروبولوجيا من نظريات التطور والانتشار الكبيرة واعادة تركيز الاهتمام على العديد من الثقافات المختلفة وتنويعات التعبير الثقافي . كما ان تفاعل عوامل لا تحصى أثرت غلى الثقافة والتغير الثقافي صارت تلقى اهتماما ً أكثر بفعل بواس وتلامذته .لقد قدم التأكيد على أهمية جمع المعلومات فائدة للباحثين المعاصرين ووفر القدر الكبير من المعلومات الذي نتج عن بحوثهم ، معطيات أولية لمواصلة دراسات وبحوث لاحقة ، وكان يمكن للكثير منها أن يُفقد لو لم تكن الثقافة الشفاهية قد تم تسجيلها . ومع ان مناهج البحوث الميدانية الحالية قد تغيرت منذ أن قدم بواس أفكاره القائمة على الملاحظة المشتركة ، فإن تلك الأفكار قد شكلت أساسا ً لمناهج البحث الميداني بين الأنثروبولوجييبن  .
لقد  دار أغلب النقد الموجه الى التاريخانية التخصيصية حول قضية جمع المعلومات والخوف من التوسع عند وضع النظريات . ويرى البعض ان الكميات الكبيرة من المعلومات التي يتم جمعها كجزء أساسي للمعرفة ليست مؤلفة من قبل الباحث . واذا كان الباحث غير راغب في وضع نظريات موسعة حول التطور الثقافي والتغير الثقافي فما الغرض من القيام بمثل هذا العمل وبمثل هذا التفصيل ؟ وثمة من يرى ان مما هو مهم الآن التعامل مع العمليات المعاصرة مثل الكولونيالية والعولمة . وبدلا ً من الاستفسار من الناس عن ماضيهم يرى بعض الأنثروبولوجيين ان ما هو أكثر أهميةً ً يكمن في دراسة العمليات الثقافية الجارية في الوقت الراهن .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *