محمود سعيد : دمــــــــاء ..

mahmood saed 7كان الجنديّ تحت التّخدير عندما نزل المنشار الكهربيّ، قطع عظمة السّاق من تحت البطّة ببضع مليمترات، فاندفع رشّاش دم قانٍ سبح في فضاء الغرفة في مهرجان دائريّ عابث.
حدق الطّبيب المستجدّ بالجنديّ المخدّر. في الثّامنة عشرة، طويلاً نحيفاً، قدّر أنّه من الشّمال، شعر أصفر يميل إلى الحمرة، بشرة بيضاء ناصعة امتصّ النّزيف حيويّتها، غارساً فيها جذوراً باهتة في مرابع الفناء، اقشعرّ، أحسّ بالمنشار يقطع رجله هو لا رجل الجندي، كانت القدم المصابة عبارة عن جذمة حيّة تنزّ دماً. أسرعت ممرضة مكمّمة لتنظّف منضدة العمليات من البقايا البشريّة التّالفة. انقبض صدره،. لو يدري فقط أين سيلقون بهذه القمامة التي كانت قبل قليل جزءاً من الجسد، ما الفرق بين جسده وجسد هذا الشّاب؟ هزت رجّة داخليّة وجوده، خلخلته، هوت به سنوات إلى الوراء، طفلاً مفزوعاً يرعبه منظر الدّماء والجرح والقطع، لحظة محت كلّ تجارب سنوات التّمرين والتّعليم الطّويلة.
صرخ الجراح وهو يرفع عينيه بالممرضة الكهلة: اربطي السّاق جيداً، كم مرّة نقول ذلك؟ إننا نسبح بالدّماء عند كلّ عمليّة.
قال ذلك وقطع بقية الّلحم والجلد وبسرعة فائقة، ثم غرز أصابعه في الّلحم، جذب العصب الأصفر اللّامع بقوّة، عقده بمثل لمح البصر، أخذ يخيط الجرح وفمه ووجنتاه تحت الّلثام تجسّمان ابتسامة خفيفة تُعانق الشّفقة فيها الألم. جاء ردّ فاطمة الممرضة كلمات عصبيّة هائجة: كفى صياحاً على الصّباح، يافتّاح يارزّاق.
خيل للطبيب المستجد القادم من بغداد لتوّه أن الجراح سيبكي أو سيثور، تغضّنت جبهته، لكنّه فاجأه دون أن ينظر إليه: ما اسمك؟
–  سعد.
–  أوّل مرّة تشاهد هذه العمليّات؟
– نعم.
–  هذه عمليّة البتر العاشرة منذ الفجر.
قاطعت ممرضة مساعدة، وهي تحدق بالطّبيب المستجدّ: الثّانية عشرة.
–  أرأيت؟  تستطيع القيام بها!
ارتجّ على سعد، كان شاباً قزماً بالنّسبة إلى الجراح، نحيفاً تلمع عيناه الكستنائيتان في رعب يكبحه إحساس بتوازن مصطنع، قدّر أنّ أيّ آلة يمسك بها ستسقطها أصابعه المرتعشة، لم يكن هناك أيّ قوّة تستطيع كبت الرّجفة في أعماقه، فجأة وعى وجوده. دماء في دماء. دماء على الأسرة وفي السّقف، وتحت الأرجل والأغطية والنّقالات والملابس والوجوه والأيدي. أنى يلتفت، في كلّ مكان دماء، رائحة بشرية حادّة تخترق عينيه، خياشيمه، تمزق حاسة اللمس عنده، يديه، تنغرز في مسامات جلده، تخترق دماغه وأحاسيسه، تحتلّ معدته الخاوية، تندفع صاعدة نازلة تضغط أحشاءه. تلفّه في غثيان ساخن يفتّته جزيئات صغيرة تتطاير في جوّ القاعة الدّموية، كما تتطاير سابحة ذرّات غبار في لسان شمس يخترق غرفة مظلمة، تجعله يرتفع، يرتفع لينسل كذرات الهواء من النّوافذ بعيداً عن كلّ هذا الرّعب، بعيداً طائراً مئات الكيلومترات إلى بغداد، الأهل والخطيبة، حول مائدة الإفطار في مثل هذا الوقت، خارج إطار الحرب والجروح والقنابل، طائراً يحلّق في جو تظلّله سعادة بدائية.
–  لا عليك.
أعاده صوت الجراح إلى القاعة، أضاف: أخرج تناول الشّاي وارجع، لديك متّسع من الوقت لتبدأ.
أنزل الجراح اللثام عن وجهه. سحب ممرضان اثنان الجنديّ الطّويل وتهيّأا لجلب آخر، نظر الطّبيب المستجد إلى عينيّ الجراح، سوداوان، واسعتان، حادتان، لم يفلح ضغط العمل المرهق في زرع قسوته عليهما في حين كشفت تقاطيعه الصّلبة وتجاعيده سر عمر يراوغ بحذر الخمسين، أخذ نفساً عميقاً ثم أعاد اللثام.
تنفتح قاعة العمليات الكبيرة على الممر، بضلفتي بابها الجوزيّ الواسع، بينما تكدّست بالجرحى، فما إن يغادرها واحد، حتى يأتي آخر، ينتظر الجميع دورهم للبتر، غائبون عن الوعي، مخدّرون، واعون يئنون، يصرخون، يكبتون آلامهم.
كانت المستشفى التي تقع في شمال البصرة،  تهتز تحت القصف اليوميّ العشوائيّ المستمرّ، القادم من الحدود الإيرانية القريبة. مرّ الطّبيب المستجد بفاطمة وهي تربط من فوق العضد ساعد عريف في الأربعين ضخم الشّاربين خفيف السّمرة متيناً، قُصّ قميصه الخاكي من تحت الإبط، كاشفاً يداً مشروخة بالطّول، بلا أصابع، يلمع عظم السّاعد الأصفر كجذمة تركت في غير محلّها عبثاً، ملوّثة بدم جافٍ في الأعلى لكنّه يقلّ تخثراً عند نهاية الجرح الأسفل، تاركاً نقيعاً سائلاً في أطراف الجرح الأخرى.
حدق الطّبيب الشّاب بالعريف، كان واعياً، في تمام السّيطرة على نفسه، يدخّن والشّحوب يصبغ تقاطيعه، ونظرة لا مبالاة تفيض من عينيه المتعبتين اللتين كانتا تنفتحان وتغمضان بين الحين والحين، كيف يتحمّل آلامه؟ أيّ أدوية تقاوم الألم؟ عليه أن يتذكرها. ثم فجأة تمنّى أن يمتلك البديهة التي يخلقها العمل الطّويل عند الأطباء القدامى ليرشق العريف ببضع كلمات. بحث عن لسانه، عن كلمة، ابتلع الهلع كلّ مفردات قاموسه، لماذا أصبح للكلمة فجأة قيمة في هذا البحر من الدّم الهائج؟ أيمكن أن تخترق كلمة ما حلَبة تتلاطم فيها طعنات الألم والقدر المعلّق بقنبلة طائشة تبحث عن ضحايا جدد؟
رُقّع كلّ شبر من الأرض بوصلة قماش عسكريّ من الخاكي، ملوّن يزهر ببقع من عصير الحياة القاني، والغالي، ويتلوث أحياناً بأديم الأرض الموحل. فيضان بشريّ من أجساد الجنود ببزاتها الخاكية مازالتّ حيّة، تلمع فيها أعين وأسارير آدميّة، تملأ الأسرة، الفراغات بينها، النّقالات. ترصف الممرات، تتمدّد على الأرض، على الكراسي، بينما كان البعض ممن يستطيع الوقوف ينتظر واقفاً حيناً، وحيناً يقرفص.
لم تتوقف سيّارات الإسعاف، روافد جديدة من الأجساد المتعبة والجرحى ينقذف من أبوابها بدون انقطاع، وفرقة الحراسة تصطف حتى مدرج الطّائرات العموديّة على بعد مئة متر من بناية المستشفى. تنقل الطّائرات ضحايا المعارك الهائلة، التي تطحن ألوف الجنود منذ يومين في الفاو. عندما تصل الطّائرة العموديّة مبنى المستشفى الضّخم تعصف بهواء قويّ أشبه بعصف القنابل عندما تسقط، فتتحرّك النّوافذ بقوّة وهي في مكانها، محتجّة بصرير عنيف، يترك انطباعاً عند الأحياء في غرفة العمليّات أن زجاجها القاتم الثّخين في طريقه كي يتفتّت أو يندفع كأسهم ناريّة جارحة. وربما كان تحطم منذ أن اشتد القصف الإيرانيّ على البصرة منذ يومين، لولا الأشرطة اللاصقة الشّفافة التي كانت تثبّته من جميع الجهات. كانوا يعلمون أن الطّائرات تختار ذوي الجروح الأشد خطراً لتنقلهم إلى المستشفى، على وجبات بدأت منذ تفجّرِ المعركة الدّامية قبل يومين وحتى الآن، بينما كان الجنود العاملون المتعبون في المستشفى، يتراكضون، رائحين غادين يتبادلون الدّعاء والسّباب والتّجديف، وهم ينقلون الجرحى. كان من المستحيل تنظيف وتعقيم النّقالات، والممرّات، والأسرّة، والأيدي، ووو، كلّ شيء متبقّع، ملطّخ، ملوّث بدم لا يكاد يجفّ حتى ينتقع بطبقة أخرى جديدة من الدّماء. ماتت التّعليمات كلّها، ماتت أوامر التّعقيم والتّنظيف الرّتيبة، وأوليات ما درجوا عليه من احتياطات. أصبحت السّرعة المبدأ الأول والأهمذ في تلك السّاعات. لحظة واحدة تحول بين الموت وروح شابة.
أدرك الطّبيب المستجدّ أنّه يكلّم نفسه، انفكّت عقدة لسانه مع نفسه وهو يلاحظ فيضان الأجساد يمتدّ في كلّ الاتجاهات، حيث رتل طويل من سيّارات الإجرة يدور فيها بحلقة تنتهي في الشّارع. تقف السيّارة قرب منصة كونكريتية عليها تابوت يثبته جنديان يعاونهما سائق السيّارة، يثبتونه بالحبال. تختفي السيّارة حالاً، يختفي التّابوت معها. تحلّ مكانها سيّارة أخرى بتابوت آخر في اللحظة نفسها. بينما امتلأ القسم الباقي من باحة المستشفى الواسعة خارج البناية بعشرات المئات من المصابين المتكدسين، الذّين وصلوا إلى رصيف الشّارع الموحل. في الوقت الذّي طفقت سيّارات إسعاف منتشرة في الباحة، وطاقم ضخم من الأطباء والممرضين والممرّضات، تهيئ الإسعافات الأوليّة لمن يستطيع التّحرّك من الجرحى. كانت الجروح تخاط وتعقّم في الهواء الطّلق، بسرعة فائقة، تربط بشاش أبيض سرعان ما تزخرفه بعبث زهور حمر. يلتف الشّاش النّاصع البياض حول الرّأس، الأيدي، الأرجل، الصّدور. يسيل من السيّارات، يعبر الشّارع إلى الجهة الأخرى حيث طريق بغداد. أجساد متعبة، أضعفها الرّصاص، هدير المدافع، انفلاق القنابل العشوائيّة، التّفجيرات، السّهر، الخوف، النّزيف، الألم. تتشبّث بكل سيّارة تمر، صغيرة، كبيرة، باص، شاحنة، دراجة نارية، عربة يجرها حصان، أي شيء يتحرّك لتوصلهم إلى حافلات بغداد وبقيّة المحافظات.
فجأة اشتدت أصوات المدافع، بضعة قنابل مدفعية ثقيلة تستهدف المدينة في انفجارت تتوالى في لحظات، تهتزّ الأرض من دون توقّف.
مع امتداد الصّباح كان سعد يدير أذنيه نحو أمكنة سقوط القنابل العبثية القاتلة على أحياء البصرة الشّاسعة، في الوقت الذّي كان فكره يتيه في إحصاء ضحايا الموت والدّمار وعبثيته في الشّوارع والبيوت والأزقة المتربة وغابات النّخيل التي لا تنتهِي.
نعم. عليه أن يشرب الشّاي، لكن هل يستطيع تجاوز مئات الأجساد الجريحة، والنّازفة، والمحتضرة، متراصفة على أرض ممرات المستشفى؟ توقّف. كيف يتسنى للمرّضات، الممرّضين، جنود المستشفى أن يتحرّكوا من دون توقّف، بدون أن يطؤوا الأيدي والأرجل لا بل الأوجه التي تفترش الأرض؟
تلاشى الشّاي الذّي اشتهاه من رغباته، رجع إلى القاعة، كان الجريح الجديد يحتاج لبتر القدمين كليهما، وعندما رُفع إلى منضدة العمليات خلّف بركة دم في النّقالة برغم الرّباط القوي. طفقت الدّماء تتخثر بالتّدريج، كان مغمض العينين يترنم يأغنية غريبة، غير مفهومة بصوت خافت هامس، وعندما زرقته الممرضة بالمخدر، انفتح فكه الأسفل فاندلقت الأغنية إلى العدم، سأل الجراح الممرضة: أتفهمين ماذا كان يغني؟
–  إنها أغنية أطفال، تشبه يا بط بط.
غامت عينا الجراح. خشيت الممرضة أن يبكي. قطع الانتباه اندفاع ممرضة شابة كان نثار الدّم قد وشّح هلالاً من قطرات قسمت قبعتها ووجهها وصدريتها حتى الجنب الأيسر قسمين. اقتربت من الجراح، قالتّ له بلهجة متعبة لكنّها حادّة: مريض في حالة خطرة يعرفك، يسأل عنك اسمه عطيّة، ثم أغرق كلماتها المتعبة هدير نائب عريف مسرعاً، مشيراً إلى الجنديّ
الذّي كان يغني قبل لحيظات تحت يديّ الجراح: لماذا قدموا هذا؟ إنّه إيرانيّ!
أجاب الجرّاح من دون اكتراث: دورُه.
– لكن.
قطع المنشار الكهربيّ القدم الأولى، فماتت الكلمات في فم الجنديّ المعترض، بينما عادت الممرّضة لتوجيه الكلمات إلى الطّبيب مرّة أخرى: يقول إنّه يعرفك.
–  من؟
–  الجنديّ المخطر؟ عطيّة.
–  لا أعرف أحداً بهذا الاسم!
– لكنّه في خطر
– ما دوره؟
–  الثّامن عشر، بعد هذا!
أشارت إلى الجنديّ الإيرانيّ.
–  سأراه عندما يحين دوره.
أضاف ساخراً بدون أن يرفع عينيه عن المريض: انظري في المرآة!
أجابت بدون مبالاة: الدّم؟ أليس كذلك؟ سأنظر إليها بعدك، لكنّي جادّة بخصوص المريض.
–  عندما يأتي دوره.
تمزّق في القاعة صوت قنبلة غير بعيدة، قال العريف ذو الشّاربين الضّخمين بصوت أعلى من الهمس: إنها قريبة منّا، في الطّويسة، كانت السّابقة في الجزائر، إذا استمر الحال هكذا فستُقصف المستشفى التي نحن فيها بعد عشر دقائق.
–  لم يستهدفوا المستشفى منذ بدء الحرب وإلى حدّ الآن.
–  من يدري؟
– لم نقصف أيّ مستشفىً لهم.
حدق الطّبيب الشّاب بالإيرانيّ، لأول مرّة يرى إيرانيّاً في حياته، نفس الملامح، السّمرة عينها، الأنف الأقنى، كيف يقولون إذن أنّ هذا الأنف حكر على العرب واليهود؟ ها هو إيرانيّ يحمله! حتى الفم والشّارب والعينين! لو رآه يمشي في أحد شوارع البصرة أو بغداد لما ميزّه عن أبنائهما!
فاجأه صوت الطّبيب مرّة أخرى: أما زلت متردّداً؟
–  من؟
أدرك أنه يعنيه، ازداد اضطراباً، تلعثم: هه.
–  لا تعجل، لن ينتهي اليوم إلا وأنت متمرّس.
ما هذه الثّقة؟ متمرّس مرّة واحدة؟ من خياطة الجراح الصّغيرة إلى هذه العمليّات الكبرى! لا بدّ أنّه يمزح، هو لا يستطيع الرّؤيا فكيف بالعمل؟ أصبح للجراح البشريّة رهبة، فخّ كهربيّ يصعقه إن مدّ يده. فقط لو يملك من الشّجاعة ما يمكّنه من حمل المنشار بيد ثابتة، متى سيصبح مثل هذا المتمرّس العريق الذّي يسخر الآن منه! لماذا يشعر بأن هذه الفتحات الدّامية هوى سحيقة لموت محموم؟ يا لها من معركة! ويا له من جبان!
قدمت مسرعة شاحبة الوجه الممرضة الشّابة ذات قوس الدّم، هتفتْ بالجرّاح: يقول إنّه ابنك و.
قطع كلامها صوت قذيفة تـئِزّ بصوت مرعب قريب من فوق المستشفى، خلخل الأزيز الهواء داخل القاعة، أعقبه انفجار رهيب، اهتزت القاعة، تحركت المناضد، ارتجت الشّبابيك، تأرجحت الأبواب، كاد المنشار يسقط من يد الطّبيب.
– من؟
–  المريض المخطر.
–  عندي ولد واحد اسمه قتيبة.
هتفت بحدة: نعم هو ذاك، قتيبة.
–  لكنّك قلت عطيّة.
–  أنا واهمة، إنّه قتيبة، يتكلّم بشقّ الأنفس، أسرع.
بهت الجراح، ردّد غير مصدّق ما يسمع من الممرّضة، كان صوته خافتاً، وكأنه يكلم نفسه: مساء أمس في السّابعة تكلمت معه كان ببغداد، وأنت تدعين أنّه هنا، لا تمزحيـ
قاطع العريف بثقة: صح، ما تقوله الممرّضة صحيح، لا بدّ أنّه من فرقتنا، كنا في بغداد البارحة، ثم نقلنا إلى الجبهة في الليل بالطّائرات.
هتفتْ ودموعها تنـزّ من عينيها: أسرع إنّه يحتضر.
سمّرت المفاجأة عينيّ الدّكتور، نقل نظراته بين الممرضة والطّبيب المستجد والعريف، جمّدت الحيرة نظراته، مشاعره، أفكاره، توقف الزّمن في القاعة برهة، نظر إلى الإيرانيّ، إلى المنشار، رفع عينيه نحو الممرّ، ارتعشت يمينه، بدا لعين الشّاب أنّه فقد تركيزه، أخيراً وضع المنشار على المنضدة، كانت أعين المساعدين مسمرّة في عينيه، وأيديهم مشدودة إلى آلات الجراحة استعداداً لبتر ساق الإيرانيّ الأخرى، فيما كانت النّقالات تحمل الجرحى باستمرار. خيّل للطبيب لشاب إنّ توقُّفَ العمليّات لحظة واحدة سيزيد من تراكم النّقالات والأجساد، ستسدّ المدخل، ستصل الأجساد المتكدّسة حتى السّقف، ستغرقه بالدّم الطّازج، خيّل إليه أنّه سيكون المسؤول الأوحد عن كلّ هذه الدّماء التي تنزف بدون انقطاع، عن كلّ الذّين سيموتون إنْ لم يتحرك، إنْ لم يأخذ مكان الجراح.
موجة حرّ ساخن تقتلع جذور شعر رأسه، تعتصر قلبه، تدفع ساقيه في إرادة قويّة تقتلع الخوف المنغرز في الأعماق، تجتثّه من النّخاع، تدفعه كالعاصفة حتى لو كان في ذلك موت حقيقيّ.
لم يدر كيف أصبح المنشار الكهربيّ في يده ينزل ليقطع العظم البشري، عظم الجنديّ الإيرانيّ، ذي الصّليل الزّجاجيّ، كانت يده ثابتة وأصابعه كالكلاب تنغرز في اللحم الطّريّ، تسحب العصب، تعقده، تخيط الجلد. ما هذا التّغيّر الذّي فاجأه في أعماقه! أيعقل هذا؟ في وسط الألم والتّعاسة والموت أحسّ بفرحة لا حدّ لها، مات الخوف، ولدت الثّقة.
علا صراخ فاطمة تقرّع زميلتها: أيتها الغبيّة ألا تفرقين بين قتيبة وعطية؟
مسحت دمعتها بكفها، قالتّ بصوت خافت وكأنها تؤنّب نفسها: منذ ساعة وأنا أقول له.
– ماذا تقولين يا مسخّمة!
تقدّم الجراح نحو المريض، رجلاه مخدّرتان، تتحرّكان على وسادة هواء، شيء ما في صدره يرفض أن يصدّق. عينان ستصابان بالعمى قبل أن تريا الحقيقة.
المريض دون العشرين، قُص سرواله عند الفخذين، بانت السّاق اليسرى وكأنها قد هرست تحت شيء ثقيل، ربما مدرعة! دبابة! من يدري! لم يكن هناك شيء سالم يستطيع أن يبتر الفخذ منه، كان يرتعش، العرق حبيبات بلورية تلمع على جبينه، وجهه، فوق الشّفتين. هرعت الممرّضة نحوه، أخذت تمسح وجهه بانتظام بقطعة قماش بيضاء، وعيناها مليئتان بالدّمع.
اتكأ الطّبيب على الحائط، تناول يد الجنديّ من النّقالة، أخذ يربت عليها، ولا بدّ أنّ شيئاً ما سرى بين الكفين، اخترق الجلد، فتح الجنديّ عينيه، أشرقت نظراته، ولدت ابتسامة خفيفة على الوجنتين الصّفراوين فيما غاص شعاع العين في الأعماق، جاس في رياض معبّقة بالحب والذّكرى والأماني والأحلام.
أيعقل أن ينتهي كلّ هذا الوجود في لحظة باردة همجيّة، غير متوقّعة؟ آلاف الصّور عادت مرّة واحدة، صور المولد، الرّضاعة، بدء المشي المرتقب، الكلمات الأولى، ضحكات الرّضيع التي لا تنسى، اليوم الأول لدخول المدرسة، نتائج الدّراسة المتفوّقة ووو
هلام متشابك يضرب في جذور الأحاسيس، حيث تلتحم الأرواح في سماء حرّة طليقة لا حدّ لها.
ظلّت اليدان متعانقتان، يوحدّهما ذوبان عاطفيّ يفني الجسدين، يمزج أحدهما بالآخر، أصبحا روحاً واحدة في عبير هائم يفيض على الكون.
كان نبض الشّاب يتباطأ وحرارة جسده تتدنى، أبتسم ابتسامة عريضة، أغمض جفنيه فيما تدحرجت دمعتان على وجه الطّبيب الكهل.

1985

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد ابراهيم الدسوقى : قصة من أدب الخيال العلمى / “السماء تمطر ألماس” .

الزمان ، 10 ديسمبر ، من عام 1870 ميلادية المكان ، أحد القصور ، بإحدى …

| د. زهير ياسين شليبه : الجِزدَان.

أسرعَ مهرولاً لاهثاً نحو القطار قبل إنطلاقه. قفز بحركة رياضية رامياً جسده في أول عربة …

2 تعليقان

  1. قاسم فنجان

    كم كنتَ صادقاً وأنت تعيدها عليّ عاصفة تدويّ في رأسي ، أشد من ذي قبل ، كم كنتُ قريباً منها ،
    إنها الحرب ياصاحبي وقد إختزلتها في دماء ،دمت رائعاً أيها القاص المبدع!

  2. عزيزي قاسم: نشرت هذه القصة في الثمانينات في الخارج ثم في مجلة لوتس في تونس، ومن المؤلم أن القارئ العراقي لم يقرأ لي آنذاك، لأني لا أستطيع النشر في العراق
    شكرا جزيلا
    محمود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.