ناهض الرمضاني : قراءة في : خريف المثقف العراقي

nahedh alramadaneمثير هو العنوان الذي اختاره الاستاذ  “محمد عبد الهادي الاخرس “…لكتابه الذي يحاول ان يدرس فيه حركة الانتلجنسيا العراقية خلال العقدين الاخيرين الزاخرين بمتغيرات متلاحقة قل ان يمر بها بلد من البلدان …قرأت الكتاب بشغف .. تذكرت بعض الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في الكتاب ….تخيلت آخرين …وطلبت الرحمة لآخرين ..وقد استوقفتني بعض الفقرات الواردة في الكتاب …منها ما يفترض أن تكون حقائق اوردها المؤلف واظنها بعيدة عن الدقة …ومنها آراء او تحليلات  أظنها كانت بحاجة الى المزيد من التأني قبل تدوينها …عموما هي ملاحظات لم اكن لأدونها لولا إحساسي بأهمية الكتاب …وتقديري لكاتبه . وهو جهد لايمكن لفرد واحد تحمل اعبائه ..واتمنى ان تلتفت الجامعات لهذا الجانب المهم من واقعنا وتسلط عليه مشارطها الاكاديمية لتنير لنا  زوايا مظلمة او مظلومة … اشكر المؤلف  ثانية لأنه لم  يكتف بلعن الظلام …
الملاحظات :
1-    في سياق حديثه عن انسحاب الجيش العراقي من الكويت عام 91 يشير الكاتب الى ان القوات الأمريكية قصفت ارتال الجيش المنسحبة ودمرت 1500 سيارة وشاحنة عسكرية إلا ان عدد الجنود القتلى لم يزد عن 200 قتيل لان معظمهم كانوا قد لاذوا بالفرار ….هذه الجملة تبدو كحقيقة تاريخية أوردها المؤلف وقد استقاها من مصدر ما .وانا لا اعرف عدد من قتل على “طريق الموت ” لكنه كان اكثر بكثير من 200 شخص بالتأكيد …فاذا تذكرنا ان الكاتب نفسه قد اشار الى ان معدل الغارات الجوية كان اكثر من 2500 غارة يوميا..واذا افترضنا ان شخصا واحدا فقط سيموت في كل غارة فيكون الرقم الذي أورده الكاتب غير معقول على الاطلاق …ما تواتر ايام الحرب عن عدد الجنود الذين قتلوا اثناء الانسحاب كان 200 الف جندي …وربما كان هذا الرقم مبالغا به ايضا لكن العدد كان يزيد على عشرات الالوف بالتأكيد …وافلام انسحاب الجيش العراقي موجودة لحد الان على اليوتيوب …وهي تعكس دمارا هائلا لا يمكن أبدا ان تتشابه الخسائر فيه مع خسائر ناد ليلي تم تفجيره في” بالي ” عام 2002على سبيل المثال …هل  نسي  الكاتب او الطباع بعض الاصفار !! لا ادري .

2mohammad ghazi alakhras–    يستخدم الكاتب مفهوم ” الضد النوعي ” وتطبيقاته في العراق لكن احد الأمثلة استوقفني طويلا اذ يذكر الكاتب ان مفهوم الضد النوعي كان قائما في ذهن المرحوم ” جعفر العسكري ” حينما أطلق اسم الإمام “موسى الكاظم ” على أول فوج في الجيش العراقي .وهو قد استخدم هذا الاسم بالتحديد “لاختلاق ضد نوعي شيعي لقمع الشيعة ” ورغم ان العبارة اقتباس من كتاب آخر إلا أن إيرادها من قبل المؤلف دون اي تعليق يعني انه يتبنى هذه الفكرة …والحقيقة هي ان التسمية أطلقت على الفوج لانه تأسس في خان الكابولي في الكاظمية وكانت ابرز معالم المكان هي روضة ” الامام موسى الكاظم” فأطلقت التسمية على الفوج . ولو كان المقر قرب الامام الاعظم لكان اسم الفوج “فوج ابو حنيفة ” وعندها ستكثر التأويلات ايضا .. ببساطة ..لو كان جعفر العسكري يهدف لتشكيل قوة لمقارعة الشيعة لما أفنى سنوات عمره وهو يحارب الجيش العثماني        ” السني ” في الصحراء العربية ..ارجو ان نحاول عدم إسقاط كل ما يحدث “الآن وهنا”  على التاريخ . فهذا يمنعنا من الرؤية بوضوح …

3-    في تعامل المؤلف مع الأرقام استوقفني رقم آخر في الصفحة 34 من الكتاب يقول المؤلف وهو يصف حملة حزب البعث ضد المتدينين ” ان منظمة العفو الدولية خاطبت السلطة السياسية في العراق اكثر من مرة لايقاف عمليات الاعدام وكانت قد بلغت حسب احد تقاريرها 552 سجينا للفترة من 1977 ولغاية 1983″..والرقم الوارد هنا لمنظمة العفو الدولية وهو رقم لا يثق به الكاتب بل يورد رقما اخر هو “سبعون الف سجين سياسي ومئة الف شخص تم اغتيالهم “….الارقام الاخيرة   مستقاة  من جريدة  ” البعث” السورية  نقلا عن معتصم عراقي شارك في احتلال منظمة العفو الدولية في باريس احتلالا سلميا عام 1981..ترى هل صحيفة “البعث ” السورية اكثر مصداقية من تقرير منظمة العفو ؟؟ وهل يمكن اغتيال 100 الف شخص في دولة كان سكانها اقل من 13 مليون نسمة دون ان تقوم الدنيا وتقعد ؟ و لا يعقل ايضا ان يزيد عدد من تم اغتيالهم عن عدد السجناء. الارقام تستحق المراجعة كما اظن.

4kh mohammad akakhras–    في حديثه عن طيور و” غربان ” الثقافة العراقية التي حلقت بعيدا عن العراق اثناء الحصار اثناء التسعينيات يقول المؤلف “كانوا قد قرروا خوض التجربة القاسية .وكانت الوسيلة الوحيدة الممكنة لتحقيقها بنجاح هي بعث جملة خصائص انفردت بها الشخصية العراقية : العدمية ،السفسطة ،الانتهازية ،التطرف وغيرها ” انتهى الاقتباس ” هل انفردت الشخصية العراقية حقا بهذه الخصائص البشعة و” غيرها ايضا ” ؟؟     فكرت طويلا في سبب إدماننا على جلد الذات لكنني تذكرت تاريخ تأليف الكتاب ..والظروف البشعة التي كنا نمر بها وهذا يمنح مؤلفنا بعض العذر …اقول بعض العذر لأنه في تقديري قد ارتكب خطأ طالما تكرر في الكتابات العراقية والعربية ألا وهو النظر الى الأشياء بعين واحدة وإغفال مقارنتها بما يناظرها لدى الشعوب الأخرى التي مرت بمواقف مشابهة ..او ظروف اقل قسوة ربما ..هل لدينا فكرة عما فعلته طبقة الانتلجنسيا الالمانية في ذروة صعود النازية او مع  اشتداد اوار الحرب العالمية الثانية ..لقد كشفت الوثائق ان فيلسوفا بقامة “مارتن هايدجر ”  صاحب     ” الوجود والعدم ” وفيلسوف الغابة السوداء …هايدجر كان وقتها رئيس احد الجامعات وتعاون مع  الحزب النازي وكتب تقاريرا سرية عن الاساتذة العاملين معه ..تقارير  اوصلت بعضهم الى الإعدام واخرين الى المنافي …وحينما تم منح بيكاسو وساما بعد تحرير باريس قال احدهم ” لقد استحق وسامه ليس لقيامه بشيء ما ..بل لمجرد انه كان اقل سوءا من الاخرين ” والامثلة بالآلاف لمن شاء ان يطلع وكلهم من غير العراقيين ولهذا فنحن لاننفرد “للاسف ” بهذه الخصائص ولا بغيرها .فكلنا بشر وحسب  .
5-    لم افهم بالضبط اهمية الاستعراض التاريخي للمجتمع العربي قبل ومع ظهور وانتشار الاسلام والحديث الطويل عن ” الارستقراطية القريشية ” . ورغم اني لست من          ” قريش” إلا أنني أتحفظ تماما على استخدام مصطلحات حديثة وضعت لتصف طبقات مصنفة في مجتمعات بعينها ..مما يولد لبسا وخلطا حينما نستخدمها بشكل جزافي لنصف مجتمعات مغايرة لا يمكن ان توجد فيها نفس الطبقات إطلاقا فإذا كان هناك طبقة ارستقراطية فاين هي الطبقة البرجوازية وممثليها .. واين هي طبقة العمال ؟ وهل ان العبيد او الموالي نظراء للبروليتاريا ؟! خارج سياق تاريخي محدد لمجتمع وصل مرحلة معينة من التطور  سيفقد هذا التصنيف علميته تماما .. وأنا اعلم ان المؤلف ليس أول من استخدم هذه المصطلحات ليصف المجتمعات العربية القديمة  ” وهو يشير لمصادره ” الا انه خطأ علمي كنت أتمنى الا يقع فيه  …ثم ما علاقة ذلك كله  بخريف المثقف العراقي  ؟ التاريخ والتاريخ ثم التاريخ .. هل كتب علينا أن  نستمر في تعبئة الخمر القديم في دنان  جديدة ؟؟ أم أننا أدمنا ذلك !
6-    في استعراضه لنشوء “حلم” الدولة القومية العربية الحديثة يعود بنا الكاتب ثانية للتاريخ العربي الموغل في القدم ليحلل ويوضح ويؤصل بحثا عن تفسير لظهور العراق كدولة عربية ..او لفكرة القومية العربية ذاتها .مشيرا الى احد اوائل منظريها ” ساطع الحصري ” وقد أثار هذا التأصيل استغرابي ثانية …اذا انه افترض وجود العراق خارج التاريخ والجغرافيا العالميين ..فلا توجد أية إشارة الى ظهور عصر الدول القومية التي افتتحتها فرنسا بثورتها الشهيرة وحذت حذوها الدول الاوربية وامريكا واصبح كل دولة حديثة هي دولة قومية بشكل ما ..وان ساطع الحصري كان متأثرا بالدولة التركية العلمانية الحديثة التي نشأت على غرار الدول الأوربية بعد ان اسقطت الخلافة الــــ”سنية ” في اسطنبول وحاربت كل مظاهر التدين ..وهذا الانقلاب الذي قادته مجموعة الاتحاد والترقي العلمانية كان متأثرا تماما بتجارب الدول الغربية القومية التي كانت تركيا على احتكاك كبير بها . وانتقلت العدوى الى الدول العربية التي كانت تابعة للخلافة العثمانية فوجدت نفسها خاضعة لاحتلال القوميين الاتراك ..فتأثر المهزوم بمن انتصر عليه  جريا على سنن الشعوب كما قال ابن خلدون قبل قرون . وانتقلت عدوى القومية بشكل مباشر من الاتراك الى العرب الذين كانوا على احتكاك غير مباشر ايضا مع الفرنسيين والانكليز قبل الحرب العالمية الاولى .. وكانت مصر الخديوي محمد علي اول تجربة لدولة عربية قومية رغم ان محمد علي لم يكن عربيا ولا قوميا .. لا يمكن اطلاقا تفسير سبب نشوء الدول العربية على اساس قومي بمعزل عن تاثرها بسياق المتغيرات الفكرية التي عصفت بالعالم بعد الثورة الصناعية …والحديث في هذا الموضوع طويل ومليء بالتفاصيل ولا يمكن باي حال اختزاله بالصراع السني الشيعي او العربي الفارسي او العرب والشعوبيين او باي صراع اخر دار في التاريخ الغابر .ويكفينا ان نذكر بأن معظم دعاة القومية العربية كانوا من المسيحيين او العلمانيين .

7-    وفي الفصل الذي ناقش فيه الكاتب افكار “كنعان مكية ” الذي كتب لحظات قصف بغداد ” ان اصوات القذائف المتساقطة على بغداد أجمل من اي موسيقى سمعتها اذناي،بل هي كقرع اجراس الحرية.. تؤذن لفجر جديد للعراق”  عبارات في منتهى الشاعرية تصدر من مفكر لاشاعر والمناسبة السعيدة هي بدء حملة تدمير العراق ..هل يستحق مكية ان يفرد له المؤلف كل هذا الحيز من الكتاب ؟؟ ولماذا رد ادوارد سعيد عليه متجاهلا العشرات من الكتاب الذين بشروا بالغزو ؟ سيعود بنا المؤلف ثانية الى بطون التاريخ ليقول “هل كان مكية شعوبيا ؟ يبدو ان سؤالا كهذا قد خامر ذهن ادوارد سعيد وهو يلاحظ هجوم غريمه العاصف على الثقافة العربية ” والمؤلف هنا يفترض ان ادوارد سعيد قد استخدم المفهوم ” مفهوم الشعوبية ” او هاجم مكية لانه صنفه تحت خانة الشعوبيين بكل الجذور التاريخية التي تحملها هذه الكلمة . لكن ادوار سعيد ينتمي لفضاء معرفي مغاير تماما ولا اظن ان الفكرة قد خامرت ذهنه من قريب او من بعيد …لم هاجم ادوارد سعيد مكية اذن ؟ لم يكن هناك من داع للعودة الى صفحات التاريخ ومحاولة تاصيل هذه الفكرة لان الامر ابسط من ذلك بكثير …فلو استخدمنا مفهوم       ” الضد النوعي ” وهو مفهوم    -لجأ اليه الكاتب لتحليل ظاهرة مكية في البداية  ثم اغفله – لوجدنا ان ” مكية ” هو جزء من مثقفي الضد النوعي تم استخدامهم من قبل الإدارة الامريكية  الغازية لوضع لمسات مكياج على محاولتها لابادة العراق بدعوى تحريره ..لقد قامت ماكينة اعلام هائلة بالترويج للحرب ولتبرير كل الدمار الهائل الذي الحق بالعراق وكان مكية جزءا من هذه الماكينة لااكثر ولا اقل -لم يكن الوحيد ولن يكون  الاخير – ولا يمكن تقييم فكر مكية خارج السياق التاريخي الذي جرت فيه الأحداث ..فلو كان قد طرح نفس ارائه تماما وهو مقيم في العراق او في دولة عربية خلال السبعينات او الثمانينيات لكان لها قيمة اخرى تماما …تماما كما لو ان ادوارد سعيد كان قد نشر كتابه ” الاستشراق ” وهو يعمل في جامعة الازهر مثلا ..هل كان ليكون له عشر معشار الأثر الذي سببه وهو ينشر كتابه في جامعة كولومبيا  !!     بدون معرفة سياق الأحداث تفقد الأفكار والمواقف  الكثير من قيمتها .فهي تماما مثل المفردات التي قد يتغير معناها بتغير سياق الجملة .. هناك من يطرح افكارا هو مستعد لدفع ثمنها …واخرين يطرحونها وهم يطمحون لاخذ ثمنها …ترى هل تبرع مكية بموقفه للإدارة الأمريكية في لحظة تدمير العراق ؟؟ أم انه قبض الاتعاب !!
واخيرا …هل ان المثقف العراقي في خريفه حقا ؟؟ اول عبارة في الكتاب تدحض هذه المقولة تماما  ” شرعت في كتابة هذا الكتاب على وقع خطى القتلة ولعلعة رصاصهم .ليست العبارة مجازية .انها حقيقية حد انني اكاد أشم الآن رائحة البارود تتصاعد من     بين السطور. بل أكاد أنصت لصراخ قتلى مجهولين يسقطون قريبا من المكان الذي اكتب فيه !!” اين نجد كاتبا كهذا الا في العراق ! اين نجد من بقي يؤمن بان للكلمة دورا ما وسط زوابع المفخخات والكواتم وأنقاض المباني الا في العراق ؟ هل جاءنا الربيع والصيف لنمر بالخريف …هل ترعرنا وبلغنا كي نشيخ ونذوي ؟
لا ارى مشهد الثقافة العراقية كخريف تتساقط اوراقه مثقلة بجلال الشيخوخة …بل اراه كحقل خصب يتعرض للدهس والتكسير والتخريب مرة بعد مرة ..وتعود اشجاره لتورق من جديد رغم كل شيء … هذا الكتاب شجرة جديدة تشق طريقها نحو الضوء ..وكاتبه _علم او لم يعلم _ مستمر في محاولة خلق ربيع جديد للثقافة العراقية  .
ناهض الرمضاني

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

تعليق واحد

  1. المهندس خليل حلاوجي

    قراءة واعية لتفكيك متون الكتاب وسبر اغوار فترة عاشتها الثقافة العراقية بكل تحديات التاريخ القريب .. وبالتالي رصد ما افرزته على لحظتنا الراهنة … بوركتم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.