حسين سرمك حسن : ضياء الخالدي في “قتلة”؛ الفن العظيم ينتعش حتى في الجحيم

 

hussein sarmak(لماذا تضيق بغداد بناسها ؟ تتغير ملامحها مع نهاية كل يوم ؟ المباني تشيخ ، والبيوت تنشطر إلى وحدات سكنية صغيرة ؛ أرصفة مدمّرة ، وحدائق تختفي . أشجار تنتظر سفّاحها يحمل منشاراً ليقطعها ، فتسقط وهي باكية ، بينما الأطفال الصغار يهللون .
ذاكرتي تحمل بغداد أخرى ، فتيّة ، شعرها أسود وخدودها متوردة وخضراء . بغداد النظيفة من درن أحزابها ومغامرات جنرالاتهاالريفيين . أشعر بأنها ستنتهي بموتي ، أو أنتهي بموتها ، وكلانا أصابه الضعف) .     

(التاسع من نيسان أذهلنا . أي شعور علينا أن نحمله ؟ كيف تبدو دواخلنا وقد شاهدنا الهمفيات والجنود الزنوج والشقر في أزقتنا ؟ سقطت تماثيل السيّد الرئيس ، وهرب صاحبها إلى المخابىء السرّية، وإلى البساتين ، قبل أن يُمسك بلحيته الكثة المخيفة . كانت أعمارنا تختبىء بين شعيرات لحيته ، ليترك لنا بعدها الدهشة والغضب والفرح والحزن والصدمة . هكذا نحن مثل طقسنا المتقلّب ، لا حدود واضحة تُظهر لنا الأشياء في شكلها الحقيقي. دائما ثمّة مفاجأة علينا انتظارها) .

                 ضياء الخالدي
                                                رواية “قتلة”

(على الروائي أن يقول الحقيقة كما يفهمها ، في حين على السياسي ألا يكشف اللعبة ، والذين فعلوا الأمرين يشكلون لائحة صغيرة جدا )
                                                           ( غور فيدال )

# تمهيد : مأزق المبدع في العراق ؛ الواقع يسبق الخيال :dia alkhaliai 3تساءل أحد الصحفيين عن رواية “قتلة” لضياء الخالدي (1) هل هي موجّهة للعراقيين فتأتي على طريقة تعليم اليتيم العراقي الذي يبكي منذ فجر التاريخ على البكاء ، أو للقارىء العربي ، ليكشف له حجم الشدّة الفاجعة التي محقت المجتمع العراقي ، ومزّقت أوصاله بعد احتلال الخنازير الأمريكان القتلة للعراق ؟ وهو تساؤل مشروع في المعني الظاهر للشق الأول من السؤال، لأن ما جرى في العراق عجز عن تصويره – بمستواه وعلى حقيقته المدوّية – أي سارد أو شاعر عراقي حتى يومنا هذا . وهذا يحيلنا إلى المأزق الذي وقع فيه المبدع العراقي والذي أفرزه جحيم الإحتلال ويتمثل في هذه الظاهرة المربكة : في كل مكان من العالم يتركز جهد المبدع على أن يتناول الحقائق الواقعية بصورة متخيلة أو متصورة ، يحاول أن ينتج فيها أثرا يسبق به الواقع الفعلي . في الإبداع يسبق الخيال الواقع . لكن في العراق ، وفي تلك المرحلة الجهنمية تحديدا ، واجه المبدع العراقي مأزقا مدوّخا ، ويتمثل في أنه ، مهما بذل من جهود عصية خلّاقة ، فإن الفاجعات التي تدهم وجوده كل لحظة تطوّح بكل تلك الجهود الفنية التصويرية المتخيلة أو المتصورة . في العراق يسبق الواقع الخيال . فحينما يريد كاتب ما الكتابة عن كارثة قطع الرؤوس ، ويكتب لنا نصا يتناول ذلك ، فإنه مهما فعل فإن القاريء العراقي سينذكر تلك المرأة التي خُطفت مع طفلها . ثم رُميت جثتها بعد أيام أمام بيتها ، وبطنها منتفخة ، فقد شُقت بطنها وأدخل الطفل فيها ، وتمت خياطتها من جديد . أو القتيل الذي ركّب القتلة رأس كلب على جسده ، أو الذي كتبوا اسمه على صدره بالمثقاب الكهربائي . وغيرها من الحوادث التي كانت يومية ، وبالعشرات، وتحمل أفظع اشكال العنف الذي لا يمكن أن يكون عنفا فرديا مزاجيا ، بل عنفا مؤسساتيا منظّما ، يذكّرك بما جرى في نيكارغوا على أيدي أعضاء “فرق الموت” التي شكلتها الولايات المتحدة ، وكانت تقطع رؤوس المواطنين بالمناشير الحديدية !
ضياء نفسه أشار إلى هذا المأزق الذي يعاني منه المبدعون – الحكّاءون خصوصا – في استخدام المفردات القائمة لتصوير شدائد العراقيين الفاجعة الراهنة . لقد تحطّمت إمكانات اللغة على التعبير والتصوير :
(اليأس والحزن مفردات فقدت معناها . ينبغي اختيار مفردة يكون زخمها بحجم الكون ؛ مفردة يتداولها الناس البسطاء فيما بينهم . تماماً مثل مفردة الموت التي تغيّرت منذ الثمانينات وصولا للتسعينات ، وحتى اليوم . لن نوصل للآخرين حقيقة موت يتناسل مع كل خطوة نخطوها . لن نُفاجأ إن أشرقت الشمس من الغروب ، أو خُسفت الأرض بمدينة – ص 119 ) .
ويذكّرني هذا الإشكال اللغوي الذي يواجهه المبدع حين يتصدى للتعبير عن شدائد الحياة الكبرى بمقولة رائعة للكاتب البلجيكي “جيري موريك” :
(أشتعلت الحرب ، وهذا لا يعني شيئاً خاصاً ،لأننا جميعاً نكتوي بنارها. ونعلم جيداً ماذا تعني كلمة (حرب) . إنها تماماً كلمة تتكون من ثلاثة حروف ، لكنها ليست الكلمة الجيدة للحرب نفسها لأنها كما يبدو لي كلمة رخوة جداً. انها ينبغي أن تكون كلمة تدمّر ، وينبغي أن تؤذي ، ينبغي أن يخرج من ثناياها دخان البارود ، ينبغي أن تجمّد الدم في العروق . ستبقى هذه الكلمة -حرب- لا شيء إذا قورنت بالحقيقة..)
لكن هذا الموقف سوف يحيلنا إلى إشكالية أخرى لا تقل أهمية وإثارة للإرتباك ، وهي هل سيبقى الكاتب العراقي مكتّفاً في تعامله مع واقع بلاده الدموي المتفجر الذي أحاط ، ويحيط ، به ؟ ألا توجد “منافع” أخرى عظيمة للفن غير تصوير هذا الجانب من الواقع ؟

# الفن العظيم لا يعجز أمام الواقع الجحيمي :

في روايته “قتلة” يثبت “ضياء الخالدي” أن الفن لا يتحدّد بأطر معيّنة للتعبير الفائق عن المحن التي تسحق بلاد المبدع ، وتمزّق أرواح بشرها . يعرض ذلك بصورة أساسية من خلال خراب بطله “عماد الغريب” منذ الصفحة الأولى في الإستهلال المعبّر :
(الليل ممطر في بغداد ، وزوجتي تحدّق من خلال النافذة إلى الحديقة المبللة. الفانوس يشع نورا كئيبا في الحجرة ، فتبدو الأشياء من حولنا وكأنها تلعب بمصائرنا . تعود زوجتي بشعرها الأبيض المنفوش لتجلس بجانبي على الأريكة ، وتحدّثني عن الجرذ اللعين الذي أخذ يظهر منذ أيام في ربوع مكتبتي العامرة . لكني لن أهتم بشيء في هذه الساعة ، سوى بموعد الغد ، موعد الوشاية العظمى- ص7).
من هذا الإستهلال – وأؤكد على أنني لا أؤيّد أطروحة أن العنوان أو الإستهلال ثريا أو مفتاح لمغاليق النص من دون إكمال الصورة الكلية للنص ، كما أثبت في دراسات كثيرة سابقة – ينسج الكاتب خيوط حكايته حيث سيكون هذا الجو الخرابي الإكتئابي الذي يكمد الأنفس ، والمصائر المهلهلة التي تتلاعب بها إرادات القدر والقوى الخارجية العاتية من الخارج ، وتقرضها بلا رحمة “جرذان” الداخل التي تقرض ميراث العقل والرؤية ، وهو يحطم الوجود الرث للشخصيتين الرئيسيتين : عماد الغريب ، وزوجته العاقر ذات الشعر المنفوش ، هو الممهّد والمسيطر على مناخ الحكاية بأكمله ، خيمة سوداء خانقة . كما أن موعد الغد سينفتح على مصاريع هاوية الموت والعذاب من خلال “الوشاية العظمى” التي تؤذن بعملية القتل الأولى ؛ الخطوة الأولى على طريق الهلاك الجمعي ، والتمزق المرعب بمساهمة عماد في قتل صديقه أبي حمدان “السيّء” ، وإعلانه لزوجته بأنه سوف يجلب “الزرنيخ” المهلك غداً لقتل الجرذان بعد طول تعطيل .
إن تحوّلنا إلى “قتلة” يتطلب “خطوة أولى” دائما لترويض النفس البشرية هي الخطوة نفسها للإنحطاط على أي هاوية سقوط : العهر والسرقة والرشوة والخيانة .. إلخ. أمام الخراب هناك دائما “غشاء” بكارة شفّاف يغلّف النفس البشرية لن تستطيع عمل أي شيء من مخزون الشر إلا إذا تم تمزيقه . وستكون خطوة التمزيق المنتظرة غداً :
(مازال المطر ينهمر، ومدينتنا “السيدية” تتمرغ في الوحل ، والكهرباء مقطوعة (..) بيدي سيجارة وفي رأسي تشتعل سجائر الكون . أفكر بذلك القذر الذي سيُزال من الوجود غداً ، ربما يكون نائما ، أو مستيقظا ، يرسم مكيدة لأحد . إنها ليلته الأخيرة – ص 8) .
في ظهيرة اليوم التالي يرتّب عماد قتل جار عمره “أبو حمدان” وفق خطة رسمها في مكتب “ديار” مع قاتل محترف . وبعد أن عانقه أبو حمدان بحرارة ، وأقله ليوصله إلى بيته ، استدرجه عماد إلى مكان بعيد في العامرية :
(تناثر دماغه على الزجاج الأمامي للسيارة . كانت عيناه تحدقان بي . غطيت ملامحه بجريدة أحد الأحزاب الإسلامية وجدتها على الدشبول فتلطخت بدمه . شلّني المشهد .. هكذا يُقتل الإنسان ! – ص 10) .
ومع قتل الإنسان الأول تحقّق تمزيق غشاء العذرية ، وبرسمه المقصود لتغطية “الخطيئة” بأستار جريدة حزب إسلامي ، رامزاً لسحق عدوانية الإنسان حين تنفلت كل النواهي والروادع السماوية والأرضية من جانب ، ومهيّئاً أذهاننا لاستقبال الحقيقة المرّة على نفوسنا ، وهي أن أنقى العقائد يمكن أن تكون غطاءً لغريزة “القتل” من جانب آخر . وبتلطيخ نفحات الدين المستميتة المؤنّبة ظاهرا بدم الضحية ، تخلّعت أواصر وجدان عماد الباحث عن دور ، بحثا يرهف الكاتب الإحالة إلى مقدماته “عن بعد” ، كما سيحصل في كل وقائع الحكاية حينما عرض علينا تداعيات عماد ليلة القرار الكئيبة ، وهو يستعيد جانبا من تاريخ هذه البلاد التي شهدت تحوّلا جديدا في الرابع عشر من تموز أسس ثقافة الدم وقطع الرؤوس والتمثيل بالأجساد وحرقها في تاريخ العراق المعاصر . هذا ما لم يشر إليه الكاتب وهي من خطايا المثقفين العراقيين المحتقنين ايديولوجيا ، حيث أظهر لنا ضياء مصير الباشا –-أي رئيس الوزراء آنذاك “نوري السعيد” – وكأنه إبعاد اختياري مرفّه :
(يهرب العجوز من بيته لأن الثورة نجحت ، ولكن إلى أين؟ لقد انتهت فاصلة من التاريخ . وعليك الرحيل يا باشا. وبينما العاصمة توشك على ابتلاع رجالها القدامى ، كان يُذاع البيان الأول – ص 8) .
وهذه من محاذير إستخدام اللغة الشعرية على حساب لغة السرد – ولكل منهما اشتراطاتها – في الرواية . لن يعلم القارىء أن الباشا قد قتل شرّ قتلة ، وسُحل في الشوارع وأحرقت جثته .. والوصي قد قُتل ، وقطع قضيبه ، ووضع في فمه إلا بعد أن يقطع شوطاً طويلاً من الرواية (على الصفحتين 122 و123) . وإلى أن يصل تلك النقطة التي ينقل إليه الروائي الحقيقة يبقى مغيّباً في خيالات التعبير الشعري .
المهم أن هذه الإستعادات التاريخية الموفّقة سوف تستمر على امتداد مسار الحكاية ، لتكشف لنا مقدار التضليل الذي نقع فيه حين نكرّر ببلادة أن المواطن العراقي مسالم لا يعرف العنف في حين أن أي مواطن يمكنه ، وفي لحظة ، وتحت ظروف معينة ، أن يصبح وحشا كاسرا ، وأن الشعب العراقي ملتحم كالجسد إذا تداعى منه عضو .. إلخ ، ولا يعرف الطائفية في حين أن وزارات العهد الملكي الثلاثين ، كانت توزع حقائبها على أسس طائفية !
وهذه الإستعادات التاريخية ينقلها الكاتب بين ما هو جمعي يشكّل الشخصية الجمعية بوجهيهيا الشعوري واللاشعوري ، والفردي ممثلا في عماد الغريب بعوامل تصميم بنيته النفسية والثقافية وتشكيل سلوكه الاجتماعي والسياسي . فقد جاءته “فرصة” تصفية “الناس السيّئين” في بغداد بعد احتلالها من قبل الخنازير الأمريكان والإنكليز ، وتصاعد طوفان الحرب الطائفية فيها في عامي 2006 و2007 خصوصا . أقول “فرصة” لأنها – وبرغم دمويّتها – أطلقت ما هو محتبس في أعماق كل إنسان ؛ فرصة ينتظرها كل إنسان يريد الإحساس بوجوده ، وتفجير ما هو محتبس في أعماقه من إحباطات وصراعات ونزاعات قاهرة . لقد كان عماد في البداية شيوعيا ضمن مجموعة شباب من أقرانه منهم : ديار الذي عاد الآن من الخارج بعد عقود من الغياب ، ليشكّل مجموعة مسلحة تقوم بقتل “الناس السيّئين”، و “عبود” الذي فرّ بعد أن وشى بكل رفاقه . بعدها ، وفي قفزة حادة لكنها ليست غريبة على السلوك العراقي السياسي ، أصبح عماد بعثيا بالحماسة ذاتها للفكرة الماركسية الخصم ، مسلّحا يطارد “الجبناء” من الشباب الذين لا يلتحقون بجبهات القتال ، ليتحوّل الآن إلى عضو جماعة تتصدّى لـ “تصفية السيّئين” ، وبالإقبال والحماسة نفسها أيضا ! إنها سلسلة “فرص” لا تختلف أولاها بسحل الناس وحرقهم عن ثانيتها بإعدام الخصوم وتصفيتهم ودفنهم في المقابر الجماعية ، عن أخيرتها في قتل أقرب الأخوة الجيران بدعوى أنهم “سيّئون” .

# وقفة دمويّة أولى :

kh dia(في تاريخ 9/3/1959 خرج المحامي أمجد المفتي والأستاذ عمر الشعار, من أهالي الموصل, بسيارة متوجهين الى قرية تلكيف القريبة من الموصل لشراء بعض الحاجيات ، لأن الحوانيت في الموصل كانت مغلقة بسبب الاضطرابات ( وحال وصولهما الى قصبة تلكيف تصدى لهما أحد الشيوعيين قرب مركز الشرطة وصاح عليهما: هذا بعثي. فهربا بسيارتهما واتجها نحو مركز الشرطة ، وطلبا الحماية بعد تسليم نفسيهما الى مأمور المركز, وانتشر الخبر في تلكيف, فحضر عدد كبير من الشيوعيين المسلحين الى المركز وأحرقوا سيارة المحامي أمجد ، وطلبوا تسليم اللاجئَين فامتنع المسؤولون في المركز من تسليمهما, وسيطّلع القاريء مستقبلا كيف تم تسفير اللاجئين الى الموصل بحراسة أربعة أفراد من الشرطة بسيارة وكيف تصدى الشيوعيون للسيارة وانزلا المجني عليهما من السيارة بالقوة وأطلقوا عليهما الرصاص فقتلا ومُثّل بجثتيهما ثم سُكب عليهما النفط وتم حرقهما. وبعدئذ جيء بـ (مدحلة) سارت فوق جثتيهما إمعانا في التمثيل وتضليلا للتحقيق…)
ويتبين من هذا النص ان المدحلة قد سحقت الجثتين سحقا امعانا في التمثيل بالجثث. وقد عرضت هذه القضية فيما بعد أمام المجلس العرفي العسكري الاول في بغداد بتاريخ 17/1/1961م , وهي مسجلة رسميا مع إفادات الشهود والمرافعات والأحكام. ويبدو ان مفهوم السحل وألفاظه الكريهة بدأ يدخل في الأدب الإعلامي والصحفي في تلك الفترة, فقد كتبت جريدة الحزب الشيوعي (اتحاد الشعب) بتاريخ 11/3/1959 عن مجزرة الموصل تقول: (وانتفض الجنود في كل مكان, أدرك الجنود الطيبون ان واجبهم المقدس يقضي بالدفاع عن الجمهورية فلم يجدوا سبيلا لهذا الدفاع إلا إخماد أنفاس المتآمرين فصفوا الحساب معهم, وكان السحل مصيرهم). وإذا اردنا العودة لمفهوم الفعل ورد الفعل أو الفعل العدائي والرد الانتقامي المضاد فليس هناك من يستطيع أن يتخيل شكل وحجم الانتقام الذي يمكن أن يقوم به أقرباء وأصدقاء وأهل هؤلاء الضحايا المغدورين الذين اهينت جثثهم بهذا الشكل البشع ساعة تحين لهم الفرصة المناسبة للثأر والانتقام!!. (2)

# وقفة دمويّة ثانية :

(وخلال الصراع الدموي الرهيب الذي جرى في عملية إسقاط عبد الكريم قاسم وإعدامه هو وأنصاره بمجزرة بالغة القسوة والشراسة إنتهت بانتصار القوميين  ونتيجة للمقاومة المسلحة التي ابداها رسمياً الشيوعيون وأنصارعم للدفاع عن النظام ورئيسه الذي لم يكن شيوعيّاً ، فقد صدر البيان الدموي المرعب المشهور الذي يحمل الرقم 13 واذيع من الإذاعة الرسمية للدولة في شباط عام 1963 والذي طلب من الشعب والجيش (إبادة الشيوعيين العملاء) كما سمّاهم البيان في ذلك الوقت . ولعل صدور هذا البيان بحد ذاته يشكّل واحداً من أخطر الأحداث فظاعة في السلوك الدموي لديكتاتوريات العقيدة الواحدة في التاريخ العراقي .
لقد وجدنا أن بياناً مشابهاً لهذا البيان قد صدر في العراق عام 1831 في العهد العثماني بعد المجزرة الدمويّة التي أبيد فيها المماليك في العراق، حيث صدر الأمر بإبادة جميع المماليك حيثما وجدوا في ذلك الوقت) . (3) .

# الضحية لا تُقتل إلا إذا كانت “سيّئة” :

ولكن “الفرصة” التي وفّرها ديار لعماد كان من الصعب استيعابها من دون “عقلنة” دوافع الموت في النفس البشرية . ويبدو أن ديار لم يكن ذا اندفاع عفوي متحمس لتنفيذ مشروعه في القتل “الوطني” . كان اندفاعه مخططاً ، وما هو مخفي فيه هو أنه يدرك أنك كي تقتل شخصا وتصفّي ضحية يجب أن تكون هذه الضحية “سيّئة” . كلٌ منا يمكن أن يصبح جلادا في موقف ما . تذكروا نزق الأطفال وهم يتفننون في تعذيب دماهم وحيواناتهم . لكننا ، في تحوّلنا إلى جلّادين كما حصل لعماد ، بحاجة إلى “مبرّر” يخفّف عنا الشعور بالذنب الذي تقرره نواهينا الدينية وروادعنا الإجتماعية . وهذا قد يُخفف أو يُسقط أحيانا عندما تقنعنا جهة عليا أو نقنع أنفسنا – وهذا أكثر خطورة كما حصل لعماد وللعراقيين البسطاء الذين كانوا يقتلون إخوانهم من الطوائف الأخرى – بأن الضحية “سيئة” أو “مذنبة” .
وهذا الشعور بالذنب يلوب في نفوسنا جميعا كعراقيين نتيجة للتجربة التاريخية حتى ليمكننا القول إن العراقي “حيوان مذنب” . ومن المتوقع أن تركيز الكاتب على تطلع عماد “الخارجي” لتصفية السيّئين ، سيغيّب انتباهة القارىء ، ويجعله يركز على “الضحايا” ، وينسى طبيعة الجلاد الذي يتصدى لانجاز مهمة تصفيتهم . فأبو حمدان مثلا كان من “السيّئين” حسب رأي عماد ، وتأكيد ديار ، لأنّه كان لا يتورع عن توريط أي إنسان يتشاجر معه ، وتدميره سياسيا ، حتى لو كانت القضية تافهة . السيّد حليم مثلا اعتقلته الشرطة بسبب خلاف مع أبي حمدان بدأ بشجار أطفال ، وانتهى بتهمة سبّ النظام . لكن لو تفحّصنا سلوك عماد السابق بهدوء وجدنا أنه لا يقل سوءاً ، وسيظهر في شارعه ، من يعدّه “سيئا” يستحق القتل ، لأنه كان يطارد الشباب “الجبناء” الهاربين من الجيش في حرب الثماني سنوات ، لإلحاقهم بجبهات القتال. المذنب يُسقط آثامه على الآخرين ، وينفّذ بهم القصاص الذي كان يستحقّه هو فسه ، بصورة “استباقية” وفق حافز نابع من وجدانه المثقل بالذنوب . وهذا حال المئات من العراقيين الذين عاشوا في ظل النظام السابق – خصوصا في الجهات المسلّحة – وتحوّلوا إلى أشد الناس حماسة للميليشيات المسلّحة الجديدة . وحتى في تفصيلات السلوك الإجتماعي يحضر متشيّع الجلاد السابق مأتمه بهدوء :
(كان من بين المعزّين رفاق حزبيون من الحقبة السابقة ، طيبون نعرفهم حق المعرفة . أبناء الحي . لم يكسروا رقبة أحد بتقرير حزبي . والدليل على نقائهم هو بقاؤهم بيننا . حتى كتب البعث أحرقوها صبيحة يوم العاشر من نيسان على اسطح منازلهم . تصاعدت الأدخنة فوق كل بيت بعثي . صفحات طويلة من التنظير والأحلام والخيال الجامح تحوّلت إلى رماد – ص 15 و16).
إن عماد – وهذه واحدة من أهم مضامين رسالة ضياء في روايته هذه – من جيل تخصص في طمر الأحلام .

# إختصاصي طمر الأحلام :

والفرد العراقي هو فرد متخصص في “طمر الأحلام” , و”حرقها” و”قتلها” إذا ساغ الوصف . لقد أشاد عماد ، وبتأثير ديار والتهاب شعلة انفعالات المراهقة ، أحلاما “حمر” أولا . كانا يتبادلان الكتب الحمر ، ويحاولان إعادة بناء العالم الجائر ، وهما يتسكعان على ضفاف دجلة حتى الفجر ، ويبصقان كثيرا في الهواء لأن السلطة بيد أشخاص جهلة يأتون من الريف إلى المدينة ثم يركبون دبابة في الليل لتوصلهم إلى القصر الجمهوري للوصول إلى سدّة الحكم . (كانت اعتراضاتنا رومانسية. الزعيم أول من غامر، وصفّقنا له – ص 13) .
ومن هذه اللحظة المبكرة ستبدأ رحلة “طمر الأحلام” وحرقها الموجعة التي تخرّب الركائز الداخلية العميقة للنفس البشرية التي يجب أن تكون ثابتة وعميقة الجذور . فالتناقض الصارخ بل المدوّي حد السلوك الدوغمائي الإنبهاري هو سمة حياة أجيال كاملة في هذه البلاد . كانوا يشجبون وصول الريفيين “المتمدينين” إلى السلطة بالسلاح ، ثم يصفقون لأول نماذجهم وهو الزعيم الخالد . ثم ارتد عليهم الزعيم البارانوي الشكّاك ، ولكنهم ضلوا مصرّين على أنه يؤمن بأفكارهم (الزعيم سواء أراد أم لم يرد فهو مع الأفكار الحمر في نظر الكثيرين – ص 18) .
لكن الزعيم “قُتل” فانهارت أول معمارات عماد وجيله الحلمية لأنها أشيدت على جرف هار :
(أبكي على الزعيم .. أبكي الحلم الذي صنعته قراءات أخرى عن الإنسان والعالم . أحسست بأن ما امتلكته قد تهشّم بسرعة ولم أعرف أنها المحطة الأولى في رحلة ستطول – ص 18) .
لقد “قُتلت” المرحلة الأولى من مشروع بناء الأحلام وطُمرت ، ليتحوّل عماد إلى مشروع حلمي جديد ، لكن بالغ المناقضة لما سبقه ، فقد أصبح بعثيا :
(طردتُ صور لينين وفهد وسلام عادل من مخيلتي واستبدلتها بصور ميشيل عفلق ورفاقه . هكذا انتقلت بعد تفكير عميق وأمسكت خشبة النجاة كما ظننت . على الأقل أبعدت جسدي وقتها عن الغرف المظلمة . جاء القرار بعد ليلة لم أنم فيها . أضناني الأرق والخوف ، أخيرا قررت. ولكن ذلك لم يكن على حساب الرفاق ، مع أنني كنت هامشيا . وهذه حقيقة يجب أن أعترف بها . لم اكن شخصية قيادية ، ولا استطيع قيادة حتى فرد واحد، ولهذا لم يتحسّر رفاقي لهذا الإنقلاب – ص 20) .

# حياديّة الكاتب ضرورة :

وهنا تظهر “حيادية” صوت ضياء الخالدي في الرواية ، كمؤلف وشاهد . لقد اعتدنا منذ يوم الإحتلال الكريه وحتى الآن على نتاجات سردية لا توفّر أي فرصة لجلد الذات إلّا واهتبلها الكاتب العراقي ، ليطهّر ذاته بعملية قصاص سردية يشوّش فيها الوقائع ، وقد يحرّفها أحيانا مثل الشاعر العراقي الذي زعم أنه توسّط لإنقاذ الأسرى الكويتيين لدى وزير الدفاع السابق عدنان خير الله الذي مات قبل أزمة الكويت . فتصوّر كيف تعمي الحاجة للتكفير بصيرة الآثم . على الكاتب أن يكون “محايدا” في نقل وقائع حكايته ، وحين يحاول طرح آرائه وتشخيصاته والتبرّؤ من خطاياه أو شجب خطايا الآخرين ، فإن المعالجة الأمثل تتمثل في تركها للشخصيات وهي تتداول أفكارها ، وتتصارع إراداتها ، وتتكشف سلوكياتها أمام أنظارنا ، ليكون الحكم النهائي لنا كقرّاء . الكثيرون من الكتاب حلّوا محل المتلقي في تشريح وتقييم ما حصل من حوادث مريرة قبل الإحتلال ليصبح النص في هذه المواضع أقرب إلى روح التقييم المقالي ، والناقم في أغلب الأحوال ، أو القرار القضائي الجنائي منه إلى فنّية التصوير الحكائي المحايد . طبعا هذا لا يلغي أبدا حقيقة تحاول بعض التيارات الحداثية تعقيدها بفذلكات وألعاب ميتالغوية مشوشة ، وهي – أي الحقيقة – أن أي شخصية في النص هي “من” عند الكاتب ، وهو المسؤول عن أفكارها وطريقة رسمها أولا واخيراً ، وهذا ما سنتعرّض له قريبا .

# الرذيلة هي الذراع الأيمن للفضيلة :

وفي الوقت الذي توقف فيه عماد كثيرا عند “جريمة” ديار المتمثلة باغتصاب الفتاة “هناء” وهي تنشر الغسيل فوق سطح بيتهم ، فإنّه يوسّع دائرة تلك السمة : سمة “التناقض” بطابعها العصابي المرضي . ففي الواقع كان ديار مجرما لو حوسب قانونا ، وقد تمت تسوية جريمته بالتصافق الإجتماعي المنافق مع والد الفتاة الرجل الريفي الطيّب ، ليتزوجها ديار ويطلّقها بعد مدة قصيرة . وفي العادة ، ومن منظور علمي نفسي ، يكون السياسيون ، وخصوصا المناضلون السابقون ، من أخطر المجرمين حين ينفضون أيديهم من تراب الأفكار التي آمنوا بها ، بل حتى وهم يحيون تحت ظلالها هاتفين بشعاراتها . في ظل العمل السياسي يعطّل المكبوت اللائب ، وتُؤجّل إشباعات الغريزة المشروعة ، فيتضخم حجم غيلانها الداخلية وضغوطها ، وحالما تتوفر لها فرصة للإشباع ، فإنها تنفلت بسعار جائر لا يُصدّق . لاحظ إنهواس المسلمين الأوائل بالثروة وانشغالات الدنيا والزواج بعد الفتوحات . ولاحظ ما يفعله مناضلوا الامس بجسد وطنهم بعد أن عادوا مع الإحتلال وبعده . فالقدّيسون مذنبون حتى تثبت براءتهم . هذا ماقاله جورج أورويل وهو يراجع حياة “غاندي” التي ظهر أنها محمّلة بالآثام . ولو راجعت حياة أغلب القادة “الإيجابيين” الكبار – بل حتى بعض الأنبياء – لوجدت أنهم بدأوا “مذنبين” أو مقترفين لفعل إجرامي ، أو بسيرة عصابية مرضية تكفلت الأيديولوجيا وصرخات النضال اللاهثة بتغطية أنين حرماناتها . والمشكلة أن السياسيين المثقفين قادرون على “التبرير” وتوفير أكثر الأغطية التبررية “المنطقية” إبهارا وإسحارا لأخسّ عمليات الغدر والعنف والعدوان . ببساطة برّر ديار جريمته في اغتصاب الصبية “هناء” أمام عماد :
(في بعض الأحيان لحظة التفكير ولحظة التنفيذ تكونان خارج نطاق إرادتي . الإنسان كائن عجيب فيه نقاط ضعف ، والفتيات الصغيرات كنّ النقطة التي تتلاشى قواي عندها . لا تخف يا صديقي لقد امتلكت الإرادة – ص 20 و21) .
لقد قُتل الملايين من البشر الأبرياء تحت ظلال النظريات العادلة والجميلة ، ووراء – في الواقع “أمام” – القادة الفاضلين . تذكّر دائما أن الرذيلة هي الذراع الايمن للفضيلة . إن ضياء – وهذا مكمن أهميةٍ عظيم في روايته – يحيلنا إلى واحدة من أعظم كشوفات التحليل النفسي والتي ترى “أن الإنسان كائن تبريري وليس كائنا منطقيّاً – rationalized & not rational human being ” تضغط عليه غرائزه ، فينظّر لإشباعها عبر مداورات المنطق واللوغوس والضمير والوجود .. إلخ. ولو كان الدين يؤخذ بالمنطق لكان مسح باطن القدم أوجب من مسح ظاهرها حسب قول الإمام علي “عليه السلام” .
ومقابل تبرير ديار “الفلسفي” لسلوكه الشائن ، لا يتردّد عماد الغريب في “فلسفة” سلوك شائن آخر يتلخص في ممارسة الجنس مع موظّفة – الموظفة الأرملة “إنعام” – في زوايا الأرشيف وداخل حرم الدائرة الرسمية :
(لكنني أرى أن ضعف الإرادة مطلوب أحيانا حين يتعلق المر بامرأة محرومة من الجنس مثلا ، ولا تستطيع أن تتذوقه بسبب مآسي الحروب ، وما أكثرهن في بلادنا . علينا أن نقدّم ما نستطيع لإسعاد أولئك النساء . هذه فلسفتي . هكذا كان حالي مع إنعام التي لم أرها منذ ثماني سنوات. كانت تنعم بلذّة أهبها لها خفية ، وفي وقت الدوام الرسمي ، في ذلك القبو حيث الظلمة والرطوبة – ص 21) .

# مشروع قتل وطني ! :

وفي محاولة إقناع حمدان للإنضمام إلى جماعتهم ، يخبره عماد بأن مجموعتهم وضعت على عاتقها النيل من القتلة (ليست ميليشيات حزبية أو طائفية ، بل وطنية – ص 48) . وهنا يفغر حمدان الشاب البسيط فاه غير مصدّق ، في الوقت الذي انقاد فيه الحزبي السابق ، ماركسيا وبعثيا وإسلاميا ، إلى المنحدر الدموي بلا تساؤلات اعتراضية من هذا النوع . لكن حمدان يصدّق سريعا بعد نقاش بسيط ، ويوافق . لعل الدافع الأكبر كان الثأر من قتلة أبيه ، ولكن الدافع المستتر اللائب هو غريزة الموت والعدوان التي تحركت غيلانها ، وتريد أن تولغ في دم الضحايا ، الضحايا الذين جعلهم “المشروع الوطني” في مرتبة الخطر العام على الوجود الجمعي ، فتوفّر أعظم تبرير للقتل بضمير مستريح .
وبعد مهلة يومين عاد حمدان ليعلن انضمامه إلى جماعة عماد/ جماعة ديار ، ليس هو وحده حسب بل مع صديقته ليلى الطالبة الجامعية ، التي قُتل خالها على الهوية، وتفتش عن الإنتقام . وأعتقد أن أغلبنا سوف يلاحق وقائع الرواية باحثين عن الكيفية التي سوف يحدّد وفق شروطها ، عماد وجماعته ، الناس السيّئين ، والطرق التي سوف يقتلهم بها ، والنتائج التي سوف ترتب على أفعال القتل هذه . سوف نكون منجذبين بنوع من “سحر” القتل إلى تفاصيل ما يجري . ولعل هنا يكمن جانب كبير من خطورة الإبداع . الإبداع يغازل قوى اللاشعور ، وحين يستنهضها ، فإن امتدادات فعلها سوف تتشابك لتضلل مساحة الشعور بقدر أو بآخر يؤثّر في القدرة على التقييم وإصدار الأحكام . فكل المقالات النقدية التي كتبت عن هذه الرواية والتي اطلعت عليها ، كانت تتناول معاناة عماد وهروبه ووضع بغداد الجحيمي وانكشاف لعبة ديار التآمرية الحقيرة في النهاية كعمل من أجل المال لا مصلحة الناس كما أوهم عماد . لم يناقش أحد القاعدة المبدئية الإنسانية لأساسية : وفق أي عرف أو قانون أتاح عماد لنفسه قتل الناس ؟ حتى لو كانوا سيّئين ؟
وأعتقد أن كل رواية فيها حكاية ظاهرة لكنها تستثير حكايات مستترة قد تكون اشد خطورة وهي هنا حكاية “الحق في القتل” . هذا السياسي أو الحزبي المثقف الماركسي ثم البعثي والآن “التحريري” بعد الإحتلال ، عماد ، وهذان العائدان من الخارج ؛ ديار وعبود ، ثم حمدان وسلمى ، من أعطاهم الحق في قتل الآخرين “السيّئين” ؟ لم يتوقّف أي منهم عند “الحق في القتل” ، ولكنهم أفاضوا في مناقشة تحديد السيء من الجيّد !! وكأن ملكيتهم لحق القتل أمر مفروغ منه . إن هذا العامل هو الذي أشعل مخططات التصفية الطائفية الدموية في عامي الرواية خصوصا 2006 و2007. الكل كان وعيهم يشتغل على كيفية تنفيذ الحق وليس على اساسه وأصل حقهم فيه . ولعل هذا هو الوضع الذي يكشف كيف نشأت الحاجة إلى الدولة ، وكيف ابتكر البشر القانون . لقد نشأت الحضارة مع تحظير غريزة القتل ، وتفنين شعار “لا تقتل” فاصبح الإنسان إنساناً وارتفع عن المستوى الحيواني الغريزيي . ولا حاجة لهذا التحظير الذي هو في الواقع تهديد ، إلّا لأن الكل يملكون – على المستوى اللاشعوري – حق القتل في أي لحظة تتوفر فيها القوة والفرصة والضحية والمبرّر . وفي بعض الأحيان لا يحتاج الإنسان إلى هذه المبررات كلها بإطلاق . هذا ما ينبغي أن نناقشه من تداعيات رواية ضياء ، وهو أخطرها وأشدها حسماً . كلنا قتلة .. وكل منّا يمكن أن يقتل حين تتوفّر السلطة والفرصة والضحية والمبرر . ولكن قبل ، كل ذلك ، حين ينسرب – من حيث لا ندري وبفعل تلك الظروف – إحساس سبقي بأن لنا “الحق في قتل آخر” مهما يكن . ولهذا لم يستغرق أمر انضمام حمدان إلى جماعة أو ميليشيا ديار أكثر من تفكير يومين ، لم يكن بضمنها أبداً التفكير في السؤال العظيم : من أعطاني الحق في قتل إنسان آخر ؟
وشعور الإنسان بحقّه المزعوم في قتل أي إنسان آخر يتفجّر في ظل غياب الدولة التي نشأت كنتيجة لحاجة المجتمع البشري للجم هذه الغريزة . وهذا ما أدركه الإحتلال الأمريكي القذر و”العلمي” ، فاتخذ الخطوة الرهيبة الأولى ، بإهارة الدولة العراقية على يد “بول بريمر” عليه لعنة الله .
وانفلات هذه الغريزة في ظلّ تلك الظروف المواتية هو الذي جعل جميع من تطوّعوا في مشروع ديار الدموي ينضوون تحت أمرته برغم شكوكهم المشروعة التي لم يحترموها ابداً . فعماد نفسه ، كان يشعر باهتزاز إيمانه بهذه “الستراتيجية”؛ ستراتيجية “قتل السيّئين من قبل الطيبين” :
(كلما واجهني شخص بشكوك حول وجود “الطيّبين” الذين يواجهون السيئين عن طريق القتل أصبح قلقا وأتساءل هل ما نفعله هو أجرام وخسّة ؟ لكنّنا لم نقتل أي إنسان طيّب ، سوى وعد ، وقد حصل ذلك عن طريق الخطأ – ص 128) .
كانت الشكوك تنتابه ولا يستطيع إبعادها عن مخيلته ، لمعرفة حقيقة نوايا هذين الصديقين : ديار وعبود ، وخصوصا الأخير الذي سمع أنه كان قد وشى برفاقه أواخر الستينات ، وقبض أموالا من البعثيين. كان يشك في حتى الإستعانة بشكرية “عرّافة بغداد الكبرى” كما وصفها عبّود :
(ما عرفناه يمكن أن يوضع تحت نعال شكرية البلاستيك، ويُداس لأنه بلا فائدة إزاء ما سنعرفه من شكرية – ص 35) .
إن الطيبين الذين يقومون بعملية القتل – مهما كانت نواياهم – سيصبحون من منظور آخر ، “سيّئين” يظهر لهم “طيّبون” يتصدّون لعقابهم .. وهكذا ستتحول الحياة – وهي فعلا كذلك – إلى حلبة قتال أو صراع لا هوادة فيه بين سيئين وطيّبين ، تُحدّد خصائص طيبتهم وسوئهم حسب “المصلحة” النفسية لمن يقوم بالفعل المبادر . مع أول عملية قتل يتكشّف الوجه العهري الغريزي للإنسان القاتل على حقيقته .
ولعل هنا تتجلى حكمة الروائي من افتتاح روايته بمقولة لنيتشه الذي مات الله على يديه :
(من ينازع وحوشا يجب أن ينتبه جيدا ألّا يتحوّل إلى وحش . فحين تطيل النظر إلى الهاوية ، تنظر الهاوية إليك) .
فمن الناحية النفسية لا يوجد قاتل طيّب وقاتل شيّء . الفرد الذي يقاتل في سبيل الله ، تحصل في داخله التغيرات نفسها ، وتنضج في أعماقه الإستعدادات نفسها ، التي تحصل وتنضج في داخل وأعماق من يُقاتل في سبيل الشيطان . والفارق يكمن في إتجاه الفوهة ، وفي التخفّف من مشاعر الإثم الذي يوفّره الإحساس ، بأننا إنما نقتل لأداء واجب ، وخدمة عقيدة .
لكن الأمر الأكثر إثارة للشبهة والشكوك هو أن ديار رفض مقترح عماد في مهاجمة الجنود الأمريكان الخنازير المحتلين بتبرير واهٍ يرى أن وجود الأمريكان وقتي في حين أن الوسخ العراقي “أخ القحبة” كما سمّاه سيبقى    ، مثلما رفض قتل الشيخ مؤيد الذي عاث في حي السيدية فساداً طائفيا . فلمذا لم يتوقّف عماد إذا كانت تعتمل في ذاته مثل هذه الشكوك الجدّية ومنذ البداية ؟
إنها – وبلا تردّد – “فرصة” القتل . فحتى بعد خلاف عماد مع ديار وهروبه منه ظل يشعر في دخيلته بأن حلمه في قتل السيّئين قد أُجهض !! وبالعكس من ذلك ، كان يعلن فرحه بعمليات القتل :  (أطير فرحاً اليوم حين يُداس كل صرصار تافه – ص 70) .
لقد انفعل ديار وأوشك على أن يجن جنونه ، وهو يرى هرّاً يحاول اغتصاب قطّته الأوروبية . لم ينفعل حين أخبره عماد بأنهم قتلوا شقيق طرزان الحمراء خطأ مثلما انفعل لأجل قطّته ؛ أي أنهم قتلوا إنساناً بريئا بدلاً من المذنب . وهذه علامة مضافة لم يتوقف عماد عندها لينتفض ويترك المجموعة القاتلة ، واكتفى بتساؤلات وانفعال وجيز (ص 95 و96) (تريّثتُ أو جبنت أو اقتنعت بأن الغد سيأتي . هل كان سبب سكوتي على لا مبالاة ديار هو المبلغ الشهري ، ست أوراق من فئة مائة دولار تهينني فعلاً ؟ – ص 96) .
والغريب أننا ، مسؤولين ومقودين ، “نقاوم” التسلّح بمعطيات علم النفس ونتائج بحوثه . هذه المقاومة واحد من مصادرها هو أن هذا العلم يكشف المستور من شخصياتنا . لقد أظهرت البحوث النفسية أنه كلما كانت المكافأة على عمل منافر لقناعات ومبادىء وقيم شخص معين  أقل ، كلما كان دفاع الشخص عنه وتبريره لالتزامه به أكثر وأشد حماسة .

# شكوك سلمى :

وهناك أيضاً شكوك سلمى ، التي تساءلت منذ البداية في اللقاء الأول الذي جمعها ، وحبيبها حمدان ، بعماد في قاعة حوار عن نوايا ديار وهل توجد ميليشيات طيّبة ؟ :
(سأزودكم بالأسماء فقط . لكن سؤالي هو : هل توجد ميليشيات طيّبة ؟ ومن يقودنا ، أقصد الأستاذ ديار ، هل هو بالطيبة التي ذكرها لي حمدان ؟ أكاد لا أصدّق بوجود إنسان ملائكي هذه الأيام . ليس في العراق فقط ، وإنما في العالم ، بهذه الصورة . يترك حياة هادئة ، ليأتي إلى حياة كلها عنف – ص 58) .
تتكفّل “المصلحة النفسيّة” في توفير “الشكل” المرجو لأفعالنا وتعبيراتنا عن افكارنا لتناسب اللحظة الإنفعالية ، لا العقلية . ولو وضعنا سلمى في موقف زمني آخر ، وتحت ظروف أكثر هدوءا ، لما انبرت لإطلاق وصف “الملائكي” العجيب على ديار وهو يبذل الجهود والأموال لـ “القتل” مهما كانت الذرائع . لكن ضياء الخالدي كان قد لخص روح هذا الموقف في البداية : في ظروف الخراب والتشوّش ومحاصرة الموت للوجود البشري ، حتى الشيطان يمكن أن يكون حلّاً . كانت سلمى تريد الثأر لخالها المسالم البريء الذي قُتل على الهويّة .

# المبدعون حلفاء المحلّلين النفسيين :

ودائما يبقى المبدعون هم حاملي شعلة ريادة مجاهيل النفس االبشرية ، وكشف حجبها اللاشعورية بنظراتهم التحليلية الثاقبة العميقة . إنهم حلفاء ممتازون للمحلّلين النفسيين كما يقول معلّم فيينا . ألف دعوة نسمعها من القادة السياسيين والزعامات الدينية والكتب المقدّسة : لا تقتل . لكنها دعوات لا تفعل فعلها في النفس البشرية لأنها لا تهزّ النفس البشرية ، ولا تحرّك انفعالاتها .. إنها تخاطب الشعور ، هذه الوكالة الحسّية الفقيرة التي تحفظ الوصايا كما يفعل موظفو الأراشيف ، إستجابة اللاشعور المرافقة هي التي تطبع بصمات التجربة/ الوصيّة ، أي تجربة وأي وصيّة خصوصا ما يرتبط منها بالدوافع الإنسانية الاصيلة من حياة وموت . وهذه مهمة المبدعين . دستويفسكي قدّم الخدمة الكبرى للإنسانية في هذا المجال من خلال رائعته الخالدة “الجريمة والعقاب” التي “صوّر” فيها وصيّة “دينه” : “لا تقتل” ، بطريقته الفريدة الخلاقة . فلم يكن راسكولينيكوف بطل روايته مهيّئا لعملية القتل بفعل ضميره الحيّ والمعذّب من أجل البشر المسحوقين ، ممثلين بحبيبته البغي المكرهة “سونيا” وغيرها من البشر الذين يحيطون به ، ويحيون مذلّين مهانين . لكنه فكّر بالتخلّص من “السيّئين” وأولّهم المرابية العجوز ، وثانيهم الثري الفاسد “سفيرديجالوف” . لكنه بعد أن قتل المرابية .. قتل شقيقتها . وكانت فلسفة دستويفسكي ترى أن أي “تغيير” يبدأ بالدم سوف يستمر بالدم وينتهي بالجنون (الجنون نزيف العقل .. وبالمناسبة فإن النزيف يعني أيضا ذهاب العقل ، فيالعبقرية اللغة العربية المظلومة !) . وهذا ما لم يلتفت إليه عماد ثم حمدان وسلمى وهم يتحمّسون لتنفيذ شعار ديار المضلّل بقتل “العراقيين السيّئين” . لكن هذا الإجراء “التغييري” المهووس الذي بدأ بالدم أفلت من بين أيديهم .. وصار الدم يجر الدم كما يقول عماد :
(ما دفعني لقتل أبي حمدان هو الحفاظ على حياة أناس كانوا سيُقتلون بسببه . عاد الإبن [= غسان الذي التحق بمجموعة سرّية لكي ينتقم لأبيه] ليكمل مسيرة الوالد لكن من دون نذالة وطمع وخسّة . يريد الإنتقام . إنه مثلنا ؛ نحن ننتقم للبلد وهو ينتقم لوالده . نحن نعمل على نحو منظّم وهو يعمل بعشوائية . النتيجة أناس يُقتلون ويغادرون إلى السماء ، وتبقى دورة العنف تدور . ترى ماذا لو عرف حمدان ؟ هل سينتقم مني ؟ وينهار الحلم في داخله في الوصول إلى السيّئين ؟ سيعرف أن القاضي هو المجرم ؟ – ص 81 و82) .
وقد طلبت سلمى من المجموعة تصفية المدعو “سعد محيسن” الملقّب بـ “طرزان الحمراء” الذي عاث في حي الحمراء قتلا واغتصابا ، لكنهم قتلوا أخاه الطيّب المسكين “وعد محيسن” .. وهي اخطاء شائعة جدا في عمل الميليشيات في كل مكان . لكن النتيجة ، وعلى قاعدة الدم يستجر الدم ، أن طرزان الحمراء أطلق تهديده لأهل الحي بمكبر الصوت بأنه وعشيرته سينتقمون لدم أخيه المهدور ! (ص 90) .
إن قاعدة “قتل السيّئين” – وهذه من أفكار ضياء الفلسفية الأساسية في الرواية – التي بدأت مجموعة ديار الصغيرة عملها وفقها ، إتسعت واقعيا ، وصارت “ظاهرة” في تلك المرحلة التي تناولتها الرواية . فكل الجماعات المسلحة تقوم بقتل “السيّئين” ، ولا أحد منها يقوم بقتل “الطيبين” أبدا .. والنتيجة أنه لم يبق طيّب واحد .
ولا أحد يتوقف ليراجع الحقيقة الكبرى – وهذه من الدروس العظيمة الأخرى لدستويفسكي – وهي أن قتل “السيّء” لا يختلف أبداً – من الناحية النفسية – عن قتل “الطيّب” . فالنتيجة هي الجسارة على روح الإنسان المقدّسة ، والتدريب على القتل الذي يبلّد الحساسيات . وهذا التبليد – desensitization”  هو الخطوة الأولى لخلق جيل من القتلة في المجتمع العراقي .

# السؤال الرهيب :

ولعل أفظع سؤال يواجهنا – وهو من تداعيات رواية ضياء هذه – وسوف يدمّر مستقبل المجتمع العراقي خلال الخمسين سنة المقبلة ، مادام الكل يتغافلون عن بحثه والإجابة عليه ، بقصد أو بلا قصد ، بصورة مخطّطة أو عفويّة ، ووضع الخطط المناسبة لمعالجته ، هو أين صارت جيوش الشباب الذين كانوا يقومون بعمليّات القتل ؟ الشباب الذين تمزّق غشاء بكارة أرواحهم بعد أول عملية قتل ؟ هل القاتل السابق هو جارك الذي يسلّم عليك صباحاً الآن ؟ هل هو زميلك الموظّف الوديع في الغرفة ؟ هل أصبح قائداً أو مسؤولاً في مجلس أو وزارة يخطّط لمصلحة البلاد ؟
وهناك تساؤلات يفرضها علم النفس ولا تنال أي انتباه كالعادة : هل يعاني هؤلاء الآن ؟ هل ينامون ليلهم بصورة يسيرة ؟ هل تلاحقهم صور ضحاياهم ؟ (
ساهم عماد بالوشاية يشخص واحد ، وشاهد مقتله ، فبقيت الكوابيس المرعبة ممثلة بالوجه البشع ، تلاحقه في نومه ، فكيف بمن قتلوا البشر فعلاً ؟ :
(الغريب أن كل تلك الأحلام تنتهي بوجه بشع يلاحقني . يشتت المشهد . أهرب منه بالإستيقاظ من النوم وبمفردات الرحمن وآيات قرآنية تتلوها زوجتي ، وتتعوّذ من الشيطان الذي لا تعرف لماذا يطارد زوجها – ص 61) .
هؤلاء الشباب لم يتدرّبوا في مؤسسات عسكرية متخصصة جزء من واجبها وبرامجها هو أن تُميت الشعور بالذنب في داخلهم . كانوا شبابا بسطاء رائعين ، ومن المتوقع أن نسبة كبيرة منهم تتقلب على جمر الشعور بالذنب والحاجة للتكفير الآن . وهذه الحاجة للتكفير كيف سيكون شكلها ؟ .. هل درسنا ذلك ؟ بل هل فكرنا مجرّد التفكير فيه ؟ إن حالهم أفظع من حال محاربي الجيش السابق الذين مارسوا “القتل وفق الواجب” لأكثر من عقدين  ثم أرسلوا ببساطة إلى الشارع فصاروا خزينا محترفاً لعملية “التقتيل” المسعورة العارمة بعد الإحتلال .

   # التديّن غطاءً لتمرير غريزة القتل :

وفي التفاتة مهمة جدا يحاول الكاتب حسم جانب خطير من الصراع الطائفي المسلح الذي يكشف المقدار الجسيم والمخيف من التطويع الذي ينهض به العقل البشري لتمرير وحشية الإنسان وانسعاره الدموي المخبف . هذا التطويع يثبت (انعدام الخط الفاصل بين حبّ الله وقتل البشر) كما يقول ضياء .
ولعل أروع وصف لخّص به ضياء هذه المعضلة الكونية الأزلية هو الوصف الذي حدّد به سلوك الشيخ “مؤيّد” رجل الدين الإرهابي :
(شيخ مريض بحبّ الله ، هذا هو الإيمان الذي يفيض على الناس دماً) (ص 106) .
لقد تحوّل الفارس العربي “خالد بن الوليد” من سيف مسلول بيد المشركين كاد يقتل الرسول “ص” ، إلى سيف مسلول لمصلحة المسلمين والعقيدة الجديدة ؛ لكن من الناحية النفسية شكلت العقيدة الجديدة غطاء فكريا وشرعيا لاستمرار خالد في عملية “القتل” السايكوباثية . ولو تأملنا بعمق موقف الجهات التكفيرية التي تكفّر الشيعة لوجدنا أن عملية “القتل” وتمرير النوازع الوحشية تتحصل على أستار دينية “عقلية” . لكن لا أحد يسأل مثل ضياء : هل قطع رأس الإنسان أو تهشيم أوصاله بسيارة مفخخة أهون عند الله من ذهابه ماشيا لزيارة قبر أحد الأولياء ؟ إن المراجع الذين يصدّرون فتوى قتل الناس ، هم القتلة السايكوباثيون الذين وفّر لهم الغطاء الديني تبريراً لتفريغ غرائز القتل علنا ، في حين أن الذين لا يمتلكون مثل هذا الغطاء ، ويفرّغون تلك الغرائز نسمّيهم “القتلة” المجرمين ، ويكون مكانهم السجون . عن هذا التناقض المضلل والمدوّخ يتساءل عماد ومن خلفه الروائي طبعا :
(تديّن المرء يفرض تصميماً لا يتزعزع ؛ صلب كتلك العاطفة التي تُجبر الإنسان على الخروج مشياً إلى كربلاء. لن يكون بعد المسافة ما بين عتبة البيت والضريح إلا مسافة إلى الجنة ؛ مثل من يعبر الحدود ويأتي لتفجير جسده طامعاً بلقاء الرسول . التاريخ يحرّك الشخصين . لكن الإختلاف كبير بينهما حين يتعلّق الأمر بدنياي ، فالأول يمارس طقساً يخصّه . لن يقتلني بمشيه حتى لو لفّ الكرة الأرضية ، بينما الثاني لا يدخل الجنة ، إلا حين يحوّلني إلى جثة متفحّمة – ص 119) .
وبالمقابل فإن الروائي يراجع دلالات شعار “يا لثارات الحسين” المرفوع منذ ألف سنة .. ويتساءل من منْ ؟

# عوامل ذاتية تحيلنا إلى جلّادين :

وعماد في الواقع إنسان “مخصي” اجتماعيا ونفسيا . فهو “عقيم” ولا أولاد له برغم أحلامه الإنجابية التي صبغها بصبغة سياسية – حتى هذه لم تسلم من “عنتريات” السياسة -مع الإعتذار من الفارس الشجاع “عنترة” – لدى ذلك الجيل من العراقيين :
(سحرتني وقتها مفردة “الثورة” بحيث صممت في داخلي عندما أتزوج سيكون اسم ابنتي ثورة، وإن كان ذكراً فإنه كفاح . لكن لا بنات ولا أولاد . هذا ما أكدته السنوات اللاحقة – ص 11) .
وعلى مستوى النشاط السياسي يعترف عماد بأنه يحب السياسة ، ولكنه لا يغامر في معتركها (تتوقف رغبة إسعاد الناس عندي حين تصل الأذية لجسدي – ص 73) . ولهذا يحلّق مع “الأبطال” السياسيين في سيرهم وحكاياتهم ليشبع مواطن عجزه . وليس أدلّ على عدم مصداقية انتماءاته السابقة كسبيل حياة لا حياد عنه كما هو متوقع من الناشطين السياسيين ، هو هذه التقلبات من شيوعي إلى بعثي إلى عقائدي متدين يؤدي صلاة الجماعة في الجامع صباحا ويشرب الخمرة ليلا . ومثل هذه الطرز من الشخصيات وبرغم تردداتها وانشلالات إراداتها الواضحة ، فإنها تكون شديدة الخطورة حين تُمسك بفرصة “سرّية” توفّر لها إشباع النوازع المكبوتة والمحبطة . يمكنها أن تصبح الذراع الأيمن في الخط الثاني ، والعقل المدبر المستتر . خصوصا حين تؤمّن هذه  الفرصة لعب الدور “الأبوي” المفقود في الحياة والعائلة والمسيرة المهنية . ألا نتذكر الموظف البسيط الصموت الهاديء الذي يوصف بأنه يسير بجوار الحائط عادة ، ثم ينكشف أنه مسؤول حزبي خطير في النضال السري أو رجل أمن سرّي شديد الدمويّة ؟
وحتى في التجارب “الثورية” الدمويّة ، كان الجلّادون هم “مناضلو” الخط الثاني الذين يؤكد الجميع على هدوئهم ، وأنهم لا يلفتون أي انتباه . هذه الفرصة الذهبية جاءت لعماد – في الواقع بعد طول انتظار – مع عودة ديار ، وعرضه الإنخراط في ميليشياه “الوطنية” . لقد اندفع عماد فيها بحماسة ، وصار يخطط ويقدّم المقترحات ويرسم الخرائط ويساهم في التنفيذ بفاعلية واندفاع .. إلخ .
وعلى المستوى الوظيفي الإنتاجي ، كان عماد هامشيا أيضا . فقد كان موظّفا في قسم الأرشيف في مكان تتكاثر فيه الجرذان والرطوبة والأضابير المتربة . لقد اختار هذا  المكان ليكون في “عزلة” هروبية عن الناس ومشاكلهم كما يقول في حين أن إمكانات الإنسان لا تتفتح عادة إلا وسط الآخرين في تفاعله الخلّاق معهم .
وهذا الحال الإنخصائي المعطّل لوجود الفرد والكابح لتفتّح طاقاته ، يجعله في كثير من الأحيان مهيّئا للانغماس الملتهب في الفرص التي توفّر له “دوراً” يشعره بسيطرته ، وترد إليه اعتباره الذاتي، وهي الفرصة التي وفّرها له ديار ، خصوصا حين تحمل الفرصة قدراً من المخاطرة يُنعش الحياة الصدئة ، ويشيع في أوصالها الذابلة شعلة التوتر من جانب ، وتُشعر الفرد المعني بأنه “مسؤول” بقدر ما ، عن “أشياء” ما :
(أول وشاية أقدمها للمجموعة بعد ثلاث سنوات من الاستشارات والنقاشات . أعددتُ لعملية نُفذت على الأرض . فالمُزال من هذا العالم [= أبو حمدان] كان من اختياري . إبن محلتي، عرفته منذ أكثر من عشرة أعوام . ديار وثق بي وترك لي تخطيط العملية – ص 13) .

# “شكرية” لم تكن شخصية مُقحمة بل علامة على سقوط العقل :

رأى بعض النقّاد أن ضياء أقحم شخصية “شكرية” في الصفحة 27 من الرواية ، من دون أن يكون لها فعل عميق مؤثّر ، بل كان دورها مربك الدلالات . لكن من الواضح أن الكاتب أراد أن يصيب بحجر إدخالها ساحة الحكاية عدة عصافير دلالية كما يقال . فمن جانب أراد كشف البنية الخرافية المتاصلة التي تتحكم بعقول العراقيين مهما كانت مستوياتهم الثقافية ، ومنحدراتهم الجغرافية . فديار وعبود اللذين عاشا في أوروبا عادا إلى “حاضنتهم” الفكرية برغم مزاعم التحضّر والتمدين . وفي العادة فإن هذا “النكوص – regression” والإرتداد من آليات التفكير البشري الناضج والموضوعي إلى أواليات التفكير الخرافي البدائي ، يتضاعف في ظل الظروف التي تُظهر للإنسان أن لا جدوى من فعل عقله : حين تسخر الغريزة من المنطق .. حين تمضي الوقائع بلا هوادة برغم كل اعتراضات العقل .. وحين يجد الإنسان أن العقل يسبب له الكثير من العناء وقد يوقعه في براثن الكوارث . عن أي منطق سنتحدث وبغداد – كما يقول ضياء – كانت تعيش مرحلة جنونها ؟ وعبود الآتي من الغرب هو الذي حدثهم عن شكرية وقوتها الفريدة حيث يمكنها التنقيب عن البشر والأشياء ومعرفة أسرار الحوادث والوقائع . لقد أكّد لهم بأن أخبارها وصلت إلى لندن ، حيث أوساط السياسيين المعارضين ، الذين ارادوا استثمار موهبتها . ولا خير ولا باركت بلاد بسياسيين معارضين يربضون في أكثر عواصم العالم تقدّما ، وهي لندن ، ويستغيثون بعاهرة سابقة ، ومنجّمة حالية . أين الفكر العلمي والرؤية المادية للتاريخ ، والإنسان أثمن رأسمال ، وبناء الله على الأرض ، ولا يغير الله قوما .. إلخ وغيرها من هذا العصف الآيديولوجي الذي حشوا رؤوسنا به لعقود طويلة :
(وقتها ضحك معظم الحاضرين من فكرة الإعتماد عليها وعلى المشعوذات لإسقاط نظام مخابراتي عنيف . لكن بعد أشهر تأكدت معلومات وصلت لعبود ورفاقه عن طريق آخرين في البلد اتصلوا بشكرية ، أن زوجي ابنتي الرئيس يخططان للهرب خارج البلاد – ص 29) .
على الروائي أن يتحلى بدرجة عالية من “المكر” . الحكاية هي نتاج “المكر” البشري في محاولته اليائسة للإلتفاف على معضلة الموت والفناء والقهر الذي لا رادع له . ورواية ضياء كلّها مؤسسة على هذا المكر الخلّاق . فإقحام شكرية هو سبّة في جبين من يَعِدون بمدينة فاضلة يحكمها العلم . إنهم لا يتورعون عن الإستعانة بحتى العاهرات اللائي يتوسمون فيهن اي قدر من “الأمل” والرجاء بتفكك سلطة الطاغية ، وانحطاط سطوة الطغيان . إن “تنبؤ” شكرية بقرب فرار زوجي ابنتي الرئيس هي نكتة سوداء يلقيها ضياء في وجوهنا جميعا . لقد فرّ القياديون الأشاوس مع أول ضربة من الطاغية وتركوا قواعدهم وشعبهم ، فرّوا إلى المنافي السياحية ليناضلوا هناك في الوقت الذي سلم فهد وسلام عادل رقبتيهما للجلاد دفاعا عن مبادئهما . هل يتوقع المناضل من الطاغية أن يقبّل جبينه أم يقتله ؟ وحين يستنجد المناضلون بشكرية المومس والمنجّمة من أجل كسرة امل في خراب الطغيان ، فإنهم لن يتورعوا عن قبول معونة الشيطان الأمريكي من أجل تغييره . تطاول بهم الزمن ، وبدأ اليأس ينخر في عظام آمالهم . ترى لماذا لم يكملوا مشروعهم مع شكرية ، ويسالونها متى يموت الطاغية ؟ وكيف سيسقط ؟ ومتى تتحقق الإشتراكية العلمية؟ وأين قبر الزعيم ؟ ومن أسقط طائرة الرئيس عارف .. إلخ .. إلخ .. أشعر بالشفقة والرثاء لحال الساحر الذي يظهر أمامنا في الفضائيات ، وهو ينقل تمثال الحرية من مكان لآخر .. وأتساءل لماذا يعمل هذا المسكين بعد الدوام في الملاهي ولا يبني له بيتا ومصالح بقدرته السحرية ، فيريح ويستريح ؟
ولكن مكر الكاتب عظيم كما قلت ، فشكرية التي لم تستطع توفير عيش كريم لها يحفظ كرامتها بقدراتها السحرية الخارقة التي تخصّصت في كشف تحركات زوجي ابنتي الرئيس فقط ، ولم تستطع إخبار المجموعة بأنهم سوف يقتلون الشخص الخطأ (شقيق طرزان الحمراء) ، ولم تقم حتى بإخبار عماد وهي تسكن في بيته بأن جماعة الشيخ مؤيّد ستأسره (فبماذا تتنبأ إذن ؟) هي خشبة “إنقاذ” يتعلق بها أفراد المجتمع الموشك على الإختناق غرقا . حتى الشيطان ، كما أخبرنا ضياء ، يمكن أن يكون “حلّاً” ومصدرا للأمل والخلاص . مع شكرية العاهر السابقة والمنجّمة الحالية انبثقت ينابيع الأمل في قلب عماد الماركسي البعثي (الإسلامي بعد قليل) المركّب ، في أن العاصمة سوف تعود أو عادت فعلا لمرحها السابق ، والناس تملأهم الغبطة والسعادة. ولم يتبق في ثلاجات الطب العدلي جثث الشباب المغدورين بل جثث االمسنين وضحايا السيارات الهاربة . لم تعد مركبات الهمفي تزاحم المركبات المدنية . لا أصوات رصاص أو شتائم من نوافذ عجلات حرس المسؤولين . غاب الأطفال المسلحون بخرقهم السود من الأزقة (ص 31) .

# شكرية منجّمة أم محلّلة سياسية ؟ حين يقف الكاتب أمام شخصيّاته :

يقول عماد أن شكريّة فشلت في مسألتين ؛ الأولى هي اعتقادها بأن شمخي عامل الخدمة هو عنصر أمني يعمل في الدولة .. ولم يثبت ذلك بعد تحرّيهم الواسع عنه ، أما الثاني فهو إعلانها أن رئيس الوزراء سوف يستقيل في الشهر الحالي . وفي هذا التوقّع يتكشّف شيء من العلاقة الوثيقة بين السحر والعلم التي تحدّث عنها “جيمس فريزر” في موسوعته الشهيرة “الغصن الذهبي” . مثلما يتكشف انفعال الكاتب بموضوعه ، والتحامه به بصورة تنسيه خصائص كل نوع من الفكرين : الخرافي السحري والعلمي . فالسحر هو طريقة التفكير التي مهّدت لظهور العلم ، ولهذا أطلق فريزر على السحر مصطلح “العلم الزائف” . أي أن الأسس التي قام عليها السحر في تأثير الشبيه في الشبيه في الشبيه ، وفي استمرار فعل الاشياء برغم انفصالها عن بعضها ، وفي تداعي المعاني وترابط الأفكار ، هي قواعد استمرت – طبعا بعد تغيير وتحوير – في التفكير العلمي . لكن ما تقدّمه شكرية – وهذا من عثرات حماسة الكاتب – لا يقع في إطار السحر أو التنجيم ، بل في إطار التحليل السياسي المنطقي . لقد تحوّلت شكرية على يدي ضياء من منجّمة تقودها فطرتها وسذاجة أفكارها كما يتوقّع القرىء إلى محللة سياسية تقلّب الأحداث السياسية وتتابع متغيرتها ، و”تقرأ” المخفي منها ، وتأتي توقعاتها وفق حسابات مدروسة :
(قالت إن رئيس الوزراء سيستقيل هذا الشهر، فالرجل بما يبذله من جهد كبير لوقف الإقتتال الطائفي ، لمس من المقربين منه عدم اكتراث بما يواجه البلد من مخاطر ، ولمس أنهم يفكرون في مصالح أحزابهم وتدعيم مراكزهم الخاصة . قد أكدت أنه سيستقيل هذا الشهر كونه لا يستطيع العمل لوحده – ص 115) .
ولعل ما وضعه ضياء على لسان شكرية هو امتداد لما أعلنه قبل ذلك ، وذكرناه سابقاً ، من أن (الطائفية ملاذ السياسيين وبيتهم الكبير ، من دونها لا يساوون شيئا .. إلخ – راجع الصفحة 75 من الرواية) .
إن التحليلات التي تطلقها أي شخصيّة يجب أن لا تنسجم مع الخلفية الثقافية لها حسب ، بل مع الموقف السردي الكلّي : المهنة ، العلاقات ، الدور ، المؤثرات الخارجية .. وغيرها . وشكرية هي مومس جاهلة نسبيا تمتهن قراءة الطالع ، والسحر والتنجيم كجزء من التفكير البدائي لا يقوم على شرح الدوافع والأسباب، بل النتائج والتوقعات . وحين يشرح السحر الدوافع والأسباب ، ويفكك العلاقات ، فإنه يتحول من علم زائف إلى علم حقيقي . وطريقة تحليل شكرية للدوافع والعلاقات أخرجتها من دائرة المنجّمة إلى دائرة المحلّلة . وهذا الأمر يحصل لدى الكثير من الروائيين عندما يقفون ، بفعل الإحساس بـ “القدرة الكلّية” ، أمام شخصياتهم ، وليس خلفها ليحرّكونها وينطقونها من وراء ستار .

شاهد أيضاً

ثامر الحاج امين محنة العمرعند الشاعر ( صاحب الضويري )

موت المبدعين ــ على وجه التحديد ــ بأعمار قصيرة ، قضية حظيت باهتمام عدد من …

قراءة في رواية “رحلة البحث عن العريان”*
ليس الجبل وحده ما يَحُول بين يوسف والعريان
فراس حج محمد/ فلسطين

مهمّة الفلسطيني ألّا ينسى، هذه هي الحكمة البالغة التي تدور حولها رواية الكاتب الفلسطيني خليل …

د. جودت هوشيار: أنار رضايف: أنا شرقي الشعور، غربي التفكير

منذ تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 أصبحنا نفتقد الأعمال الأدبية لشعوب الجمهوريات السوفيتية السابقة. ففي …

5 تعليقات

  1. صالح الرزوق

    ربما تأخرت بتسجيل هذه الملاحظة.
    الدراسة تعرب عن نفسها و ليست بحاجة لهوامش. مثل الرواية فهي مستقيمة وواضحة و بريئة من الأقنعة. و كل بمكانه.
    و إنما أحب أن أقول إن الحرب في العراق قدمت سياقين.
    سياق عسكري و منه ما أنجبته الحرب المجنونة مع إيران و حرب تركيا. و أسميه الرواية العسكرية.
    وسياق حالة حرب. بخلفيات نفسية و اجتماعية. و يبدو أنه حال الحرب مع أمريكا.
    مما يعني وجود انقسام أساسي في نظرة الكاتب العراقي لمعنى الحرب و أوضاعها. في أول حالة يوجد مؤيد و معارض.
    لكن تقريبا لا توجد أي رواية مع ما يسمى تحرير العراق. و هناك إجماع على استعمال كلمة غزو و احتلال و ما شابه. لذلك امتدت الحرب من الجبهة إلى كل بيت و كل قلب.

  2. صالح الرزوق

    وانا اتابع القراءة انتبهت لتوصيف فريق انقلابي بالقوميين. و لا ضرورة للتأكيد انها اشارة لعهد الأخوين عارف.
    و لكن دائما لدي توجس من المحاور الوطنية و القومية التي ظهرت في اعقاب النكبة و الاستقلال.
    يمكن ان تقول شكوكي مبنية على ما آلت اليه الظروف. فأحزابنا ملتبسة غالبا و تتمن بالعمل الانقلابي و ليس بالسياسة. و هنا نقطة ضعفها و اسباب سقوطها ايضا.
    انها ترجمة بائسة لأحلام مكبوتة. و اعادة تركيب معقدة لجماعة لا تعرف لا التجانس و لا الوضوح مع الذات. كل هوية خلفها مجموعة هويات و كودات لن يصعب تفكيكها،
    و الا ما اسباب الانهيارات المرعبة التي وصلنا إليها.
    نحن لا نعرف تداول السلطة و نؤمن بالإكراه. و لذلك كل ايديولوجيا تحمل ميكروباتها معها.
    و لا اعتقد انه يمكن مقارنة انقلاب السادات على عبد الناصر و مصالحة مبارك بينهما مع انقلاب غورباتشوف على نفسه و انهاء سياسة الستار الحديدي.
    و هو ما تعرضه رواية قتلة بكثير من النجاح و الوضوح.
    فهي تبرز اللعنة التي نحملها لإقامة اليوتوبيا الموعودة و اقصد بذلك الاتفاق على التصفية الجسدية لحل الخلاف السياسي.
    الدراسة اكثر من ممتازة و تذكرني بالبطل البريء الكتاب الذي تناول فصلا دمويا اخر اعاد تركيبه قصي العسكر في قصة عائلة
    و شكرا..

  3. شكرا جزيلا أخي الناقد البارع د. صالح الرزوق على هذه القراءة العميقة والملاحظات القيمة.

  4. قصي عسكر

    دراسة معمقة من الناقد الأديب الدكتور حسين سرمك كما اطلعت على رأي د صالح الرزوق
    تحية للناقدين الجليلين
    قصي عسكر

  5. شكرا جزيلا أخي د. قصي الشيخ عسكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *