د. سامي عادل البدري : الطبيب النفسي في “بيت على نهر دجلة”

sami albadriهذه القراءة لرواية الكاتب العراقي الراحل مهدي عيسى الصقر “بيت على نهر دجلة” هي محاولة لاستنتاج صورة الطبيب النفسي في أذهان الناس والمقارنة ما بين صورته في الواقع، تلك الصورة المشوهة بالكثير من المبالغات وعدم الفهم، وبصورته في أحلام الناس، تلك الصورة المثالية التي أيضاً لا تخلو من مبالغات وعدم فهم.
الطبيب النفسي في الواقع :
“هذا الطبيب الذي أرسلتنا إليه رجل مخبول! هو نفسه بحاجة إلى من يعالجه!” ص33
كانت ساهرة قد أخذت أخاها سعيد الى الطبيب النفسي. كان دليلها على جنون الطبيب النفسي وخبله هو عادة ذلك الطبيب المتمثلة في مسك سيجارة منطفئة بيده، متعاملاً مع السجارة المنطفئة وكأنها مشتعلة، فتارة يأخذ النفس منها، وتارةً ينفثه، وتارةً يقرّبها من منفظة السجائر ويتصرف وكأنه ينفظ رمادها برغم انها مطفأة. إنزعجتْ منه ساهرة أكثر حين لم يدعها تشرح له حالة أخيها سعيد ، بل انه بادر بسؤالها عن سبب لعبها دور الأم مع أخيها، ولم ينتظر إجابتها فقد طلب منها أن تخرج من الغرفة ، وتترك سعيد معه. يشعل سعيد النار في أوراق الطبيب النفسي فيصرخ الطبيب النفسي منادياً ساهرة ، وحالما تدخل يواجهها بتقريع ولوم ، معتبراً أن ما حدث كان بسببها. تنزعج ساهرة من هذا الطبيب وأتوقع أن كل قارىء للرواية سوف يحس بإنزعاج من هذا الطبيب أيضا .
الطبيب النفسي في الحلم : mehdi aisa alsaqr“من بين الظلال الدكناء العالقة بسقف الغرفة أطل عليها الطبيب الأخرق، بصلعته اللامعة، وعويناته، وسيجارته المطفأة” ص41
عندما أطل الطبيب النفسي على ساهرة حين كانت نائمة في سريرها في تلك الليلة، دعاها لكي تستلقي على أريكة وأعطاها وقت أطول لكي تتكلم. إن الروائي مهدي عيسى الصقر يصور لنا الطبيب النفسي الذي ظهر في حلم ساهرة عكس ما هو عليه في الحقيقة. ربما نستطيع أن نستنتج بأن معنى ذلك أن الناس، حسب رأي الروائي، يتمنون أن يعطيهم الطبيب النفسي وقتاً أطول للكلام، وأن يستخدم الأريكة، أريكة التحليل النفسي. وإن الطبيب النفسي، في الحياة الواقعية، حسب نظرة مهدي عيسى الصقر، لا يمنح المريض الوقت الكافي للكلام. بل إن الطبيب النفسي في الحياة الواقعية “مخبول” ويمكن إعتبار رمز السيجارة المطفئة كترميز لأدوات الطبيب النفسي العاطلة عن العمل، فهو لا يشفي من مرض حاله حال سيجارة لا تعطي دخانا. بل لو تمادينا في الإيغال في دراسة رمز السيجارة ، لرأينا بأنها حتى لو إشتعلت (وبالتالي حتى لو عملت أدوات الطبيب النفسي) فإنها ستسبب ضررا غير ملحوظ لكنه خطير كالسرطان (حيث تتهم الأدوية النفسية من قبل الناس بانها مخدرة ومسببة للإدمان، ويتهم العلاج بالتحفيز الكهربائي بأنه سبب من أسباب الجنون ، برغم تأكيد الدراسات المتكررة على خطأ هذه الإتهامات ؛ فكم من مريض أنُقِذت حياته وحياة عائلته من جراء استخدام الأدوية النفسية أو العلاج بالتحفيز (الصدمة) الكهربائي.
إن رواية “بيت على نهر دجلة” رواية لا تتكلم عن الطب النفسي بل تتكلم عن معاناة عائلة عراقية مع الحروب المتكررة والفقر والموت. يُلجأ إلى الطبيب النفسي حين يعاني سعيد من بعض الأعراض النفسية. لكن طريقة تصوير الطبيب النفسي ملفتة للنظر في مدى مبالغتها وسذاجتها.
فkh mehdi alsaqrي الفصل العشرين من الرواية، وفيما الرواية على أعتاب النهاية، يظهر الطبيب النفسي بمظهر مخز للغاية، فبعد أن يستلقي هو بنفسه على أريكة التحليل النفسي، يطلب من مريض جديد أن يستمع إليه وهو يشكو مما يقلقه، إن الطبيب النفسي هنا هو المريض، وهو يطلب الشفاء من المريض. بل إن الطبيب النفسي، وبعد أن يصارحنا بأمراضه النفسية، يأتي بملفات المرضى التي تحتويها عيادته ويبول عليها ثم يشعل النار فيها. إن من المعتقدات الشائعة ان الطبيب النفسي مريض نفسياً، ولكن في هذه الرواية هو ليس فقط مريض، بل يُصَوَّر على انه غير محترم لمرضاه وحارق لملفاتهم في سلوك عدميّ.
إن لمن السذاجة تصوير الطبيب النفسي بهذه الصورة المبالغ فيها. صورة تصلح ربما لفن الكاريكاتور، لكنها لا تصلح في سياق رواية، خصوصا أن كاتبها من قامات كتّاب الرواية في العراق.
تجري أحداث الرواية في بغداد منذ السابع من أيار 1991 الى الخامس من كانون الأول 1992، وتنتهي الرواية: “وأضواء الحرائق تنير سماء المدينة.” لقد مرّت البلاد بالكثير من الحرائق قبل وبعد ذلك التاريخ. رغم النبرة النقدية التي تبدو سلبية في هذه المقالة ضد رواية مهدي عيسى الصقر إلا أن المرء لا يسعه إلّا أن يقف إحتراماً لمن وجد الوقت في تلك السنين العصيبة لكتابة رواية. وكذلك لا يسعني في هذا السياق إلا أن اوجه باقة ورد ومحبة لكل أطباء النفس في العراق، محييّاً صبرهم وجهودهم الخيّرة.
عسى أن تخفت النيران وتنطفىء في بلادي ومن حولها، اللهم آمين.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن المصلوحي : قليل من النقد كثير من المجاملات نموذج: رسائل “وطن على شراع الذاكرة” تأليف: روز اليوسف شعبان وعمر صبري كتمتو .

في هذا المقال سأحكي ما حدث في ندوة اليوم السابع المقدسية الخميس الفارط. كان الموعد …

| طالب عمران المعموري : التلميح والنَفَس الجملي القصير قراءة في “رأسي عشٌ للعصافير” للقاص خلدون السراي .

شكل من أشكال السرد،  لقطات من الحياة أشبه بالتصوير الفوتوغرافي أو بالمشهد السينمائي ..  جنس …

2 تعليقان

  1. عبد الحسن علي الغرابي

    الروائي اطلق العنان لخياله ليصور المأسي التي مر بها البلد في مرحلة من القهر والاستبداد وما افرزت من حالة جنون تخطى فيها المألوف بترميزه للحريق في غرفة الطبيب المعالج هو تعميم واضح لحالة الغاء العقل بشكل عام وليس هي تجني على العلم او الطب النفسي كما يعتقد القارىء وحتى استخدام السكاره لها دلاله اخرى في السرد الروائي ، يمكن ان نستنتج ان اليأس في المعالجة والتصحيح غير ممكن في تلك الفترة المعتمه التي افرزت المحن التي يعيشها الانسان العراقي .. وكل منا يفهم الامور من زاويته في النظر لهذا المشهد الروائي ، وانا اثمن ماذهب اليه الدكتو النفسي الاختصاص الاستاذ سامي البدري على العرض النقدي للروايه

  2. مقالة جد رائعة دكتور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.