صباح محسن جاسم : (الخَلَوي) رواية الوطن المزاح في المغمور من أرخميدس؛ ازاحة الغربة بالتأسيس للمواطنة من الداخل

sabah mohsen jasim 4عن المركز الثقافي للطباعة والنشر- بابل ، صدرت رواية ” الخلوي” للأديب الشاعر توفيق حنون المعموري  من القطع المتوسط وبمائة وثماني وستين صفحة بغلاف للتشكيلية العراقية رنا عامر عبّرعن لوحة توسطها وجهان لرجل صارخ وامرأة تملأ وجهها الدهشة  ببياض يكشف عن براءة  الأثنين، تتداخل ورأس الرجل من على خيال جواز سفر  تتناثر عليه رسوم لحدقات عيون شاخصة. تقاسم اللوحة زرقة السماء وصفرة اليابسة برمزيّة دالّة. كما كشف الغلاف الأخير  اضاءة  للمؤلف نقتطع منها: ” لم تمر على أي شعب من شعوب الأرض فترة زمنية شبيهة بالتي عاشها الأنسان العراقي في العقد الأخير من القرن العشرين، حيث الحصار والتجويع المتعمّد والظلم والقهر والأستبداد والأمعان الذي لا مثيل له في اهانة واذلال الفرد العراقي” .
تدور احداث الرواية في تسعينات القرن الماضي معبرة باقتضاب مكثف ورامز لواقع المعاناة المريرة للشعب العراقي التي ( هرست تحت رحاها آدمية الأنسان).
الرواية بمرمّزها الوطني غمزٌ على الأدباء والكتاب والفنانين- المثقفين عموما- بأهمية تسليط الضوء على تلك الفترة العصيبة والبغيضة التي عانى منها العراقيون والتي مهدت لأحتلال العراق عام 2003 وما اضاف من مآس ومعاناة أخرى ، ولعلّ الأستفادة من دروس التسلّط على رقاب الشعوب  وتجنيب الناس شر اقتتالات محسوبة لها مساراتها ومؤثراتها في عملية حسابية وآلية قدّرت خساراتها وارباحها في ثكنة اخطبوط . من ثم هي اضافةtawfik almamoriللمخارج االعميقة في مهمة المواطن العراقي التي تتجلى في ان يؤسس لوجوده وكرامته بثباته داخل بلده فلا بديل عن تحقيق المصير إلا بسعيه الصادق وذكائه واخلاصه لخلق حياته الحرة  والعيش بسلام. فالوطن لا سواه مكمن ( بَر الأمان).
والخلوي – نعت مستقى مما تعود الأشقاء الأردنيون اطلاقه على من غامر من العراقيين وانسل عابرا الحدود العراقية الأردنية دون جواز سفر بحثا عن عمل يلتقط من ورائه رزقا، وهو بشكل أدق المثلومة مواطنته أو ياؤه كما عبرت عنه نقطتا حرف الياء في عنوان الغلاف. فالعنوان يشير الى دلالة الهوية الأجتماعية للحال التي جبل عليها المواطن العراقي في ظل انظمة تمتهن القسوة في تعاملها مع مواطنيها. يقول الراوي مجيبا على سؤال (بسمة) ما نصّه ( ليس معي جواز سفر ، هكذا كل من يدخل البلد هنا بطريقة غير مشروعة وبدون جواز سفر يسمونه – خلوي-) ص122 أي أنه خالي جواز.
بذلك تميّز العنوان بعلاقة عميقة مع ثيمة الرواية مما جعلت منه بنْيَةً  دلاليةً  تتشرّب النص.
بايجاز الرواية بمجمل فصولها الخمسة عشر تتحدث  عن هجرة الشباب في العراق ممن تخرجوا حديثا وممن عانى من الناس ضيما ما بعده  بحثا عن فرصة عمل بسبب من حصار جائر اضافة الى تنامي احتكار السلطة والأستحواذ على فرص التعيينات الوظيفية وما فرضته من ضغوطات وملاحقات للتضييق على المواطن العراقي بغية احكام قبضتها عليه وتجنيده لها بالكامل بحجة الدفاع عن القائد الملهم.
من هنا نتعرف على الشخصية الرئيسة ( حازم ) – خريج كلية التربية في بغداد – قسم اللغة الأنكليزية في سرد  مدور ينطلق من فصلها الأخير ويستكمل رحلته ابتداءاً من الفصل الثاني ، فيما يطل الراوي سابغا على شخصية البطل الأشارة ( مستيقظا ) ، كمن  فزّ من كابوس مرعب إثرَ عودته من رحلة اضطرته للبحث عن ما يسند به عائلته وما عاناه من استغلال وغربة وحب شاء أن يخذله في ظروف شائكة تفتقر لبيئة سليمة حاضنة لعاطفة الحب الآ انه بدلا من ذلك نجده قد وأد مثل تلك العاطفة وصار عائدا يستذكر ما لاقاه وعاناه من متاعب ” حين سرحت يدي متنقلة بين تضاريس جسمي المنهك” ص7.
البديل– حسب ما يراه الكاتب – يكمن في دواخل انفسنا، في وطن شاء له أن يعاني من صراعات متشددة لا محيص من ان تتفاعل فيها من داخل اتون الصراعات والتقاطعات، والتأسيس لكفاح يعود بثماره الزاهية الألوان لأنساغ الوطن مانحاً إيّاه عافيته.
واذ يتّقد الحنين للوطن بمجرد الأبتعاد عنه وطول سنوات الغياب ، سرعان ما يتملكه الأحساس بالخيبة والخذلان والندم ومثلما تنتعش الروح بالحياة قبل أن تطأ  قدما المغترب ارض بلاده.
” شعرت ان الشاحنة تسير على ارض بلادي، كل ذرة منها تَعْدِل كل تراب العالم ” ص 15
kh tawfik almamoriحتى سائق الشاحنة الذي تعوّد السفر بحمولته ذهابا وأيابا عبر حدود العراق ، ما ان يصل ارض الوطن حتى  يشرع بالتصفيق ويقهقه عاليا (ثم أخذ يلفّ في مكانه راقصاً على انغام تصفيقه) ص 15
الهجرة تلك اللعبة التي لم يجن من ورائها سوى الخسران وليتها ( لم تحدث) ص17 ، ليتحقق ما يراه والده فيها ( من عاف داره قلّ مقداره).
واذ تشاء الأقدار ان يلاقى حبه لـ ( بسمة) التي دخلت عليه في زحمة معترك الغربة لتخفف عنه ولتبعد عنه خفافيشها فلا  دوام لحال الحب دون هويته المدموغة بالمواطنة والتي اقضّت عليه مضجعه. فبدلا من العيش حياة كريمة مسبوغة بالأستقرار اصطدم بصخرة استلاب الغريب فضيق عليه الخناق وما عاد للبراري المسفوحة لتقرر وضع وجوده وإن لا بقاء على ارض غير تربة بلاده فيحسم امر العودة بعد سنوات من التغريب والعذاب.
لقد نجح الروائي في مهمته السردية كما وظف موضوعة قانون ارخميدس العلمية في الأزاحة ووزن المزاح قياسا بالجسم المغمور مستفيدا منها في تناول مشغله السردي باحلال الحب مقابل ما يحس به  بطل الرواية من وحشة. ( كيف يدخل الحب إلى قلب مليء بوحشة الغربة. هل إن قاعدة أرخميدس يمكن أن تبدد شيئا من وحشة الغربة ليحل محلها الحب بقدر الوحشة المزاحة) ص126 .
وعلى نفس المتناول يعرج بذات القانون في الصفحة 164 على انه يخرج عليه بطريقته الأدبية الفنية ( آه يا بسمتي الحبيبة، كيف وصلت انت من الزحام؟ كيف دخلت هذا القلب المليء؟ دون ان تطبقي قاعدة ارخميدس وتزيحي منه ولو جزء يسيرا من وحشة الغربة، واطنان الحزن، لقد نجحت في تطبيق هذه القاعدة لفترة وجيزة فقط .. حين التقيتك … حينها فقط انسى نفسي.)
ولقد استقى الروائي – كونه  شاعرا – من المتنبي رؤاه في مناشدته  للحمى،  مزيحا بها لصالح  بطله  بوصفها متشابهة في الحالتين:
أَبِنتَ الدَهرِ عِندي كُلُّ بِنتٍ فَكَيفَ وَصَلتِ أَنتِ مِنَ الزِحامِ      /       جَرَحتِ مُجَرَّحاً لَم يَبقَ فيهِ مَكانٌ لِلسُيوفِ وَلا السِهامِ
اما المعوّض الوحيد عن بسمة حال فقدانها فهو ( بلدي).
واذن يقف الراوي موقفه الخاص من مثل تلكم العلاقات العاطفية  في الغربة ويشبهها بالحمى او النزوة التي تبقى عالقة كضيف ثم سرعان ما تزول .. فالحب خارج الوطن لا يستقيم عوده كونه يقف على ارض رخوة  كما تجلى في الزمنين الماضي والحاضر.
أي تماه  في الحب هذا الذي لا يسدّ رؤية كل الموجودات عدا ذلك الحب ؟ ( ان خسرتك ربحت العراق)ص165 – المحك الذي أسست له الرواية.ذلك الربح الأكبر الذي تترى له بقية ارباح العالم ليس ببعيد عن الأرض التي نقف عليها الآن جميعا.
هناك دوما انزلاق وتحوّل بقصدية واضحة للأنزياح الى موضوعة  الوطن، فلا تفاعل ممكن ان يقوم بمسوغ واقعي وطبيعي مستقر عدا ما يتوافر على ارضية صلبة. وبتوصيف أخّاذ يصف الراوي على لسان البطل تناثر جسمه ذرات واشلاء في شوارع عمّان ثم يجمعها في ( المساء تحت الغطاء الذي يلفني في الغرفة – الكهف) ص126
لقد اتسمت الرواية بمستوى عال في السرد بثنائية من لغة النثر والشعر. والروائي المعموري  يخوض غمار التجديد باعتماد قانون ارخميدس وتطويعه في سرديته ثم يخرج عليه بثنائية ديالكتيكية تعطي مردودها الدلالي للقناعة بما يريد أن يوصله من رسالة. فعبر مشاهده الشعرية ولوحاته الأنطباعية ( اللقاء بين حازم وبسمة في المسرح الروماني ) واحيانا القاسية والدرامية بل الوحشية ( مشهد حازم المحشور بين قمارة الشاحنة وجسدها تحت وابل رشاش النفط الأسود  اثناء هروبه عبر حدود  طريبيل) فهو يحث لغته التصويرية على التناغم بموازاة السرد الروائي فلا يغدو سرده مملا على الأطلاق بل يغوي القاريء للحاق بما سيتمخض من نتائج فيشيع في نفسه جمالية الأستكشاف ، كما وينقلنا ايضا الى حالة التزاوج بين لغة المثقف ولغة/ لهجة الناس البسطاء ( بائع اليانصيب ) كمثال.
في تعريف للـ ” حب” من على لسان الفتاة (بسمة) تقول: ” الحب.. منحة إلهية، أو هو فرصة تمنحها السماء لبعض البشر كي يعيشوا حياةً رائعة، ولا بد من استغلالها، ينبغي ان لا يتفنن الأنسان بأهدارها، لأنه سيعيش بقية حياته في حالة ندم إن هو أضاعها.” ص135
تعريف يختمر في الذهن ويتفرّد في التفكّر بتلك الحياة الممنوحة سلفا كهدية للأنسان الذي ينبغي أن لا – يتفنن في هدرها –،  انزياح بدلالة افتعاله ( اي الأنسان)  للحروب !
لقد جاءت لغة الرواية شفيفة تمازج ما بين الحس الشعري والنثر كذلك جُبلت على عذوية وفصاحة (طلاوة) مميزة ،  متماهية لتمثّل للقاريء تلك اللحظات الحميمية التي تعزز من كبرياء انتمائه لثيمة الوطن، بل صرنا نسمع الصرخة المدوّية لأنسان مقموع بكلمات وتوصيفات غاية في البساطة دون غث الأطناب والتدوير الممل .
انها بحق عمل روائي آسر  يستعرض واقعا يشخّص الروائي اسبابه دون مسمى مباشر داعياً الى ثباتٍ ناهضٍ لمطمحٍ يثقّف لموضوعة الأعتزاز واستكشافِ كلّ ما هو جميل في كنف الوطن العراق.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.