الرئيسية » نقد » ادب » مقداد مسعود : عبد الله كوران من خلال عبد الوهاب البياتي؛ أتصالية الضديد

مقداد مسعود : عبد الله كوران من خلال عبد الوهاب البياتي؛ أتصالية الضديد

mokdad masood 4-1-
انتخبُ من (النار والكلمات) أحدى المجموعات الشعرية للبياتي..قصيدة
(إلى عبد الله كوران)..وكوران من الأسماء الشاهقة في سماء الشعر العراقي/ الكوردي،ويتألق أسمه في( النار والكلمات) ضمن ثريا من أعلام الأدب العالمي: أرنست همنغواي/ بول أيلوار/جواد سليم/ الموسيقار بروكوفيف/ صلاح جاهين/ ناظم حكمت/ المتنبي/مالك حداد/ وهذا التألق ينبع من مكانة الشاعر كوران التي تضوعت في الآفاق،مكانته في الشعر والنضال ،ويدل في الوقت نفسه على آصرة ناصعة بين شاعريين عراقيين هما: المهدي(البياتي) والمهدى إليه(كوران)
-2-
الإهداء له وظيفة مزدوجة ،الاولى  يشغل (ثريا النص) كما علمنا محمودنا عبد الوهاب ،بخصوص العنونة،اذ ليس هناك عنونة تسبق الإهداء،أما الوظيفة الثانية فهي الاهداء،فالقصيدة معرّفة من خلال المهداة إليه (الى عبد الله كوران)..
والقصيدة هي:
الثلج في جبال كردستان
يذوب
والربيع في الوديان
والكلمات ملح خبز الحب والأغانabdullah koranيمد منها ألف جسرٍ عبر ليل الموت والفقدان
يزهر في حروفها بستان
يذيب في لهيبها المسوخ فجر الكادح الفنان
يولد شعبٌ،يولد الانسان
فلتصعدي القمة ياعروسة الشعر وياقوافيّ الاحزان
ولتعبري البحار والأزمان
ولتدركي الفجر الذي يطلع في جبال كردستان
هناك في القمة حيث الثلج والنيران
هناك عرّى صدره للشمس والعقبان
شاعرنا كوران
من أجل أن يولد شعب ،يولد الانسان
-3-
وسنعمل على فهم القصيدة بالمجاورة الطباعية ،قصيدة (إلى عبد الله كوران) مثبتة في ص458 تليها قصيدة عنوانها( إلى شاعر عدو) ص459.. والقصيدة هي
الكلمات تصنع السماء والأشجار
والحزن والأشعار والأمطار
الكلمات النار
لكنما الاحجار
تبقى على الرصيف
تبقى أبداً أحجار
يلعب فيها الشاعر الأعمى
ويبني حوله جدار
رأيتها،رأيته
مهرجا في السوق محمولا على الأكتاف في غاشية النهار
تبيعه،يبعها
من يشتري الأحجار؟
غير الملوك المفلسين وذوي العاهات والأصفار
رأيتهم يصفقون: إنه معجزة الزمان
كيف وَلَدَ الجدار؟
فأرا كهذا الفار
يقرض،ماذا؟
أيها الشعر تمهل! وأنتحب ياعار!
يقرض لحم الميتين
يقرض الاشعار..

-4-
albaiati 3سنعمل على تفعيل الاتصاليات الفرعية بين القصيدتين :
*إتصالية العنونة
قصيدة (الى عبدالله كوران)..يتكون العنوان من أسميّ علم ،يسبقهما حرف الجر (إلى) الذي يحدد الاهداء بالإسم الثنائي للشاعر..والإسم بحد ذاته يتشكل من ثنائية عربية : عبدالله / كوردية: كوران ..واسم الشاعر هنا لايحيل لسواه،كما ان الاسم هنا يعني أسم شاعر عراقي كوردي..
*القصيدة المجاورة ،نقرأ العنونة التالية(إلى شاعر عدو)..المشترك الاتصالي هنا:
*القصيدة مهداة الى شاعر،لكنه العلامة الفارقة للشاعر هي ،العداء
وتثبيت صفة(عدو) للشاعر الضديد، تمنح صفة موجبة للشاعر كوران
فهو الشاعر الصديق للشاعر البياتي..كما ان حذف الاسم وتثبيت الصفة فقط(شاعر)،يسهم ،ضمن الاتصال اللغوي في إخفاء التسمية،ويجعلنا في افق التعدد الاحتمالي للمعنى حيث تقوم الحاجة الى قرينة تدل على إرادة منها دون غيره/ص149/تمام حسان،كما ان الإخفاء التسموي ألصق بالطابع الأسلوبي الفردي،ويربط ذلك من جهة أخرى بدرجة الإعلامية في النص فأعلامية التسمية،قد تكون في الدرجة الدنيا، وحين نحذف حرف الجر(إلى)..نحصل على جملة من مبتدأ وخبر..والمبتدأ محذوف تقديره (هذا) وتكون الجملة..(هذا شاعر عدو)..والخبر هي مفردة( شاعر) أما
(عدو) فهي صفة
*تأريخ النشر: تشترك القصيدتان،بعدم تثبيت تاريخ كتابة القصيدة،كما هو الحال مع القصائد التي تسبقها مثل:أعتذار عن خطبة قصيرة/ حيث يثبت الشاعر في أسفل القصيدة،المكان والزمان/ ستوكهولم-8-6-1960../الحرف العائد/ موسكو 15-12-1960/ وتستمر القصائد بين موسكو ولندن وقصيدة واحدة في برلين الغربية في 1961 ومع (قصيدة إلى عبدالله كوران) نكون مع قصائد دون تاريخ نشر ودون تثبيت أمكنة؟
*فضاء قصيدة(إلى عبد الله كوران)
نحن أمام ،مشهد يقترب من لامرئية اليوتوبيا،ويكون الأقتراب عبر المخيال الشخصي/ الجمعي: تبدأ القصيدة بلقطة واسعة، من خلال جملة شعرية تركز على تحريك الجامد الابيض،وهي في تركيزها، تجعل الفعل في نهاية الجملة/ المفتتح في القصيدة:
(الثلج في جبال كردستان
يذوب)

نلاحظ ان للفعل يذوب اهمية مفتاحية في القصيدة، فمنه تتشقق
الافعال الآتية: يمد/ يزهر/ يذيب/ يولد/ فلتصعدي/ لتعبري/ لتدركي/ يطلع/
عرّى/ يولد / يولد..هذه الافعال كلها ذات محمول موجب الشحنة..وكل هذا التركيم الفعلي يوصلنا الى
:(هناك عرّى صدره للشمس والعقبان
شاعرنا كوران
من أجل أن يولد شعب  يولد الانسان)..
والسطر الاخير،في القصيدة مزدوج الوظيفة،فهو الضربة الاخيرة في القصيدة،ويشتغل على اتصالية الواحد/ الكثرة
(شاعر(نا) كوران)  هنا يمتهن الفداء..(عرى صدره للشمس والعقبان) وسبب التعرية..ان الضرورة الاجتماعية تقتضي ولادة جديدة
للانسان..فمن خلال النوع الحقيقي(الانسان) تولد الجموع الحقيقية (شعب)
والسطر الاخير،نجد خليته الموقوته في منتصف القصيدة بالشكل التالي
(يذيب في لهيبها المسوخ فجر الكادح الفنان يولد شعبُ،يولد الانسان)…أولا يحيلني فعل( يذيب ) الى فعل (يذوب) ..(الثلج في جبال كردستان يذوب) وهذا يعني ان الذوبان بالفعل وليس بالقوة كما الحال في
(يذيب) فهو مفعّل بالقوةكما ان(فجر الكادح الانسان) هو جزء من كلية إبداع جديد هي..(الفجر الذي يطلع في جبال كردستان)
*إتصالية الثلج/ الأحجار
في قصيدة(إلى عبدالله كوران) تشتغل سيرورة على ذوبان الثلج فمن خلال هذا الاشتعال الابيض المتسايل تنطلق أجمل الحركات في حياة كردستان
:الربيع/ الحب/ الاغان/ ..الخ،ومن خلال ذوبان الثلج يتم تأثيل الحياة الجديدة..
*في قصيدة(إلى شاعر عدو) تكون السيادة لل( الاحجار)..وماهية الاحجار  نكتشفها من خلال الضديد / مفتاح القصيدة:
(الكلمات تصنع السماء والاشجار
والحزن والاشعار والامطار
الكلمات النار
لكنما الاحجار/459)
و(لكن) هنا  وظيفتها ،أن تثبت لمابعدها حكما مخالفا لحكم ماقبلها،ولذلك لابد أن يتقدمها كلام مناقض لمابعدها )(2) والمتقدم وفق لكن كان مفتتح القصيدة،ثم تنعطف سيرورة القصيدة نحو جهة مخالفة لمفتتحها،ألا يمكن تسميتها بسيرورة الضديد ؟:
(لكنما الأحجار
تبقى على الرصيف
تبقى ابدا أحجار
يلعب فيها الشاعر الاعمى
ويبني حوله جدار
رأيتها،رأيته
مهرجا في السوق محمولا على الاكتاف في غاشية النهار
تبيعه،يبيعها
من يشتري الاحجار؟/459)
نلاحظ هنا التعرف من خلال الضديد، يندفع بأحاسيس إنفعالية مضطربة
فالشاعر يتورط بالبعد الواحد للمعنى،فالأحجار لايراه سوى أحجار فاقدة الوظيفة،في حين تشهد التظاهرات الوطنية،في العهد الملكي كانت الأحجار بمثابة ذخيرة حية بيد المتظاهرين،مقابل بنادق السلطة،إذن هي متحركة بالقوة وليست (تبقى على الرصيف)..والعمى في توصيف الشاعر ليست بالصفة التي تخدم السياق الشعري،خلافا لوظيفتها من خلال قصيدة( إلى خورخي لويس بورخس)…
(أعمىً،لكنك تُبصر في عين الكلماتْ
تتقرى باللمس المرآة
ورفوف الكتب الغرقى بالنور
ونار اللوحات
تُبصر –خلف قناع الاسطورة
أعمىً لكنك تُبصر
وجهي الآخر تحت قناع الموت
مَن منا الأعمى
في سجن الحرية؟/475-476ص)..
كما نلاحظ كيف،يشوه الشاعر حقيقة الشاعر الضديد من خلال قوله
(مهرجا في السوق) فالشاعر الذي يختلف معه البياتي يمسخه مهرجا؟!
والشارع يصبح سوقا؟!..كما ان في قوله(ذوي العاهات) تسيء دون ان يقصدها البياتي وهو الشاعر الذي كان يومها محسوبا على اليسار..
الى اليسار ذاته،من خلال ذلك الكتاب السيء الصيت للمفكر عباس محمود العقاد (الشيوعية مذهب ذوي العاهات)؟!.ثمة تساءل حول العنونة…
ماالذي يدفع شاعرا مثل عبد الوهاب البياتي الى توصيف زميل له
ب( العدو)؟
-5-
خلاصة: نلاحظ ان قصيدة البياتي المهداة الى الشاعر العراقي الكبير عبد الله كوران..كانت قصيدة أليفة وديعة ذات ابعاد جماليات وامضة
في حين كان البياتي في قصيدته الثانية،لايرى زميله الشاعر إلا من خلال حاجز معتم،فيه الكثير من اللا شاعرية..الأمر الذي جعل البياتي يجرد الشاعر من كل السجايا الانسانية،ويصنّف مناصيره ب: الملوك المفلسين/ ذوي العاهات/ الاصفار؟! ويبدو ان شاعرنا البياتي يومها كان مغمورا بالقسوة،أسوة بتلك المرحلة الشرسة من ستينات القرن الماضي،حيث الاحتراب والصطراع بين القوى الوطنية العراقية،التي ألبت التناقضات الثانوية،على التناقض الرئيسي..الذي كان يهدد جمهوريتنا الفتية..14تموز الخالدة…
*المقالة،منشورة في جريد(طريق الشعب) في 9/5/2013 ضمن الملف المعد،في الذكرى الخمسين لوفاة الشاعر العراقي عبد الله كوران..
*عبد الوهاب البياتي/ الاعمال الشعرية/1/دار الفارس للنشر والتوزيع/عمان/ ط1/1995
*عبد الوهاب البياتي/ الاعمال الشعرية/2/ الى بورخس/ ص475
*الاستاذ الدكتورتمام حسان/اجتهادات لغوية/عالم الكتب/ القاهرة/ط1 /2007
*بخصوص(لكن)/ المعجم الوسيط/الجزء الثاني/دارإحياء التراث العربي/ بيروت/ ص844

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *