حسين سرمك حسن : حميد الربيعي في “سفر الثعابين” : سِفر الخيبة والإنبعاث (3/الأخيرة)

hussein sarmak 5# ثعبان القمع العسكري :

وعلى ورقة ثانية يأتي استخدام رمز “الثعبان” موفقاً ودقيقاً حين يمثّل (يرمز) لأوامر القائد العسكري المتجبّر بعصا غليظة ، يبرز طرفها كثعبان ، وثمّة أرقام كثيرة تظلل أسفل اللوحة ، هي بمثابة أسماء الجنود المرهوبين من اوامر النقل التي تُتلى عليهم من العصا (ص 45) .
وعلى صفحة تالية ، يخطّط لسرب طويل من المصفحات ، وبوابة معسكر هو الوحدة التموينية لقاطع العمليات في غرب السليمانية . أي أن اسم الوحدة العسكرية الذي قد لا يغيّر كثيرا في مسار الأحداث نعرفه وبدقة ، أمّا أسماء الشخصيات التي من لحم ودم وعواطف فلا نعرفها .
وحين يصل وحدته العسكرية ، يُصاب بالرعب . لماذا ؟
(ذاك أن قائد المنطقة استدعاه ، خاصة إذا ما وضع في ذهنه ما يُقال عن سطوة PENTAX DIGITAL CAMERAولواطة هؤلاء ، القوّادون يختارون أجمل الغلمان للعمل في غرف القادة – ص 46) .
ولكن الكاتب لم يقدم لنا اي معلومة ولو بسيطة عن “جمال” سالم . على العكس من ذلك ، كان يؤكد أنه قصير القامة ، وأن ابنة المختار كانت تصفه بـ “الشيطان الصغير” !
الآن يقف سالم أمام آمر الوحدة العسكرية الذي يصفه الكاتب بالقول :
(فوق الخمسين تجاوز عمره . لكن خدّيه يتقطران دماً وحيوية . مرتجفاً بالكاد تصطك ساقاه من البرد – ص 47) .
ولم أستطع تحديد من هو الذي يرتجف ، بسبب غرابة تركيب الجملة . وسوف أتوقف عند التراكيب الغريبة للكثير من الجمل لاحقا ً . لكن الآن نقف أمام إشكالية جديدة . ففي بداية الرواية أخبرنا الكاتب بأن سالماً رفض أمر عميد معهد الفنون الجميلة بلبس السفاري الزيتوني ، وغادر العاصمة الكئيبة لاجئا إلى كردستان . أمّا الآن ، فإن الكاتب يخبرنا بأن سالماً يقف أمام الآمر العسكري الذي يقرأ عليه “التهم” من إضبارته العسكرية :
(تلا عليه ما في ملفه ، أي منها تقوده إلى التهلكة.
– فعلاً صنعتُ تمثالاً أمام جرف الشط ، ورفضت اللباس السفاري .. و ..
– أنت وقح – ص 47 ) .
فاي الموقفين نصدّق ؟
kh sifr althabinولكن لنتفحّص ردّة فعل الآمر ، المتسلّط المستبد ، على جندي تحدى السلطة وخرج على تعاليمها أيام كان طالباً ، وها هو يتحدّاها ويتحدّاه ، جنديّاً ، بالإعتراف الجسور بالتهم الموجهة إليه والمحفوظة في إضبارته . إن الآمر يدعو الجندي للعب “الطاولي” . هكذا ببساطة وبلا مقدّمات . إن القصة القصيرة بفعل تكثيفها الزمني قد لا تتيح فرصة للكاتب لتبرير الأفعال وتوفير شروط مصداقيتها ، لكن الرواية توفّر ذلك بقعل امتدادها الزمني . وينبغي على الروائي ألا يكون عجولا في المواقف التي تتطلب بناء وصبرا :
(- أنت وقح .
يضرب الطاولة أمامه ، يفتح فوقها علبة نرد :
–    تعال نلعب .
بوغت بالطلب ، لكنه شعر بالإسترخاء :
–    لا تخف ، أنت ندٌ لي – ص 47).
وفي هذا اللقاء الأول ، رمى الآمر سالماً بوسادة ثقيلة أصابت خاصرته ، ومنذ ذلك اليوم بدأ يعاني من الم خاصرته الذي يصعد باتجاه صدره . وفي تلك الليلة ألقي في السجن .
كل هذه الذكريات المريرة استعادها سالم ، وهو يخطط الوجوه والأرقام على الورق . والآن يتحوّل إلى “التنفيذ” ، حيث وضع التخطيطات جانباً ، وبدأ يصب السائل المصهور من البوتقة في قوالب مصغرة شكّلت “ملحمة لأقزام يتحركون من أول اللوحة إلى نهايتها – ص 48) .
ثم يقوم بتصرّف يمكن أن تختلف عليه الأحكام . فقد بدأ تساقط المطر متسقاً مع تمنياته ، وما كان منه إلا أن يخلع ملابسه ، ويقف عارياً أمام الأفق .

# اللغة العربية .. فطرة :

سأتوقف الآن عند المقطع الذي يلي هذا الموقف ، ليكون مدخلي لتأمّل التركيبات اللغوية الغريبة ، كما وعدت القارىء الكريم قبل قليل ، وساضع تعليقاتي وتساؤلاتي على تراكيب الجمل وارتباطاتها بين قوسين :
(- ملعون الكلب الذي يجرح القطيع .
تلك الصرخة ليست بالجديدة ، إذ طالما رددها في شوارع المدينة . كانوا يبصرونه مشدوهين (من هم ؟) . في مرّة أطلقها عبر نافذة ، من تلك التي بمستوى الأرض (أين ؟ وأي مرة ؟ وأين النافذة . أعرف أنها في سراديب النجف) ، أبصر الدخان فقاربها (من هي ؟) مع مدينته (من هي ؟) . دخلها خلسة (من هي ؟) ، كالتكية يرتفع صوتُ (لمن ومن أين ؟ وهل مشبّه الصوت بالتكية عادة أم بمشبه به مقارب ؟) فيرنو الباقي إلى الصمت (منَ الباقي ؟ أصوات أم اشخاص ؟ وهل الصمت مجسّم فيرنون إليه أم مجرّد ؟) .
يُكمل آخر من حيث توقف السابق (والصمت أين أصبح ؟) ، كل صوت يتلو مقطعاً من ملحمة (أي ملحمة ؟ وبما أنها نكرة فهل الميدان مفتوح لتلاوة الملاحم ؟) .
تبدأ المراسيم بالنقر ، درويش على دفٍ كبير يدق (أليس الأجمل : يدق درويش على دف كبير ، أو درويش يدق على دف كبير ؟) الراقصون ينزلون تباعاً . كلّما ازدان النقر رقّة ، ازداد هياج الرقص (أليس هياج الدراويش يزداد مع هياج دقّهم على الدفوف ؟ ) .
بدخوله تبدأ السيرة (من هو ؟ وأي سيرة ؟) ، كالتعويذة تسري بين الحاضرين – ص 48 و49 ) .
وحين اقتبست هذا المقطع ، فلأنني وجدت صياغات تشبهه أو قريبة منه في مواضع كثيرة من الرواية ، تُربك عملية التلقي التي اعتدنا عليها . على سبيل المثال ، إن السمة الغالبة على الجملة العربية هي أنها جملة فعلية (ذهب زكي إلى المدرسة ) ، أما الجملة الإنكليزية فسمتها الأساسية هي أنها جملة إسمية –zeki went to the school . فلماذا نقول : إلى المدرسة ذهب زكي ، أو زكي ذهب إلى المدرسة ، بل لماذا نُربك بنيتها المعروفة المستقرة ونجعلها : ذهب إلى المدرسة زكي . خذ هذه الشواهد :
– درويش على دفّ كبير يدق . والأسلم من وجهة نظري القول : (درويش يدق على دفّ كبير)
– تحت خوذة كان الجندي يبرز (كان الجندي يبرز تحت خوذة أو الخوذة)
– السماء خلف غيوم سوداء تحجب (السماء تحجب خلف غيوم سود)
– فوق البغال الصناديق تُحمل  (الصناديق تُحمل فوق البغال).
– الذي بعده يجلس يقف منشداً (الذي يجلس بعده يقف منشدا)
– طاولة قليلا عن الأرض ترتفع (طاولة ترتفع قليلا عن الأرض أو ترتفع عن الأرض قليلا)
– أدوات الحلاقة إلى العين الجارية يحملها
– سلسلة طويلة من الوصايا كأن الصديق آلة تسجيل يلقيها
– مما أجفله وجعله يكره الوقت الذي بالنرد غلب آمره
– ترفس أطرافه في الهواء معلّقة ، كان قد صدته صخرة في عرض الطريق منتصبة
– لكنّه أصابه المسّ وكأن عقرباً داس !
– كان عند قارعة الطريق يقف !
.. وغيرها الكثير .
# لعبة إيهام موفّقة :

ومع استدعاء ذكرى المنقبة بمصوّتيها العشرة ، وتخيّله دخوله وطواف الدراويش ، يقدّم حميد الربيعي لعبة إيهام في غاية البراعة ، يتنقل فيها بين الواقع والخيال ، وبين الماضي والحاضر ، انتقالا تلقائيا وسلساً وغير مفتعل ، يصوّر عبره محنته الراهنة التي طرحها الكاتب على لسان الحدّاد بصورة استباقية :
(بدخوله تبدأ السيرة .. عشرة الحاضرون وبه يفتتحون كل أمسية منقبة المدائح ، الذي على اليسار يبدأ ثم تطوف ..
–    كان يحمل المؤونة لرفاقه ، يا عيني .
الذي بعده يجلس يقف منشدا :
–    صناديقه وبغاله اجتازت الشلال
أكمل التالي :
–    جرح الكتف انفتق ، أراد أن يستريح فاتخذ قمة جبل
الثالث ينهض مباشرة :
–    تحته يزحف رتل ، مجنزرة في المقدّمة ومجنزرة في المؤخرة ، بينهما صف طويل
لم يصدّق . فرك عينيه علّه يرى وهما ً .
مازالت المنقبة تدور :
– حمل سلاحه على الجرح وأطلقها قذيفة نحو أول الرتل والثانية إلى النهاية ، فأعطب رتل الزيتوني .
– حاصرهم بين آليتين معطّلتين ، بهدوء كان يصطادهم ، الواحد تلو الآخر .
اختلفت نبرة من نهض :
–    عند رفاقه ، في مقر الأنصار ألقى حمولته ، صناديق مكسّرة بوغتوا من خلوّها .
الذي يليه بصوت جوهري أعلن :
–    يقدّم إلى المحاكمة لخيانته الأمانة ومخالفة التعليمات بجلب صناديق فارغة – ص 49 و50) .
لقد اتضحت أبعاد محنة سالم الآن ، فقد استخدم السلاح الذي جلبه بمهمته الخطيرة في تدمير قوة حكومية معادية حاولت أن تهاجم مقر الأنصار ، وعاد بالصناديق فارغة . مبادرة مهمة بل عظيمة ، لكنها خارج السياقات العملياتية كا يقال عادة . اعتبروا مبادرته التعرّضية التي أجهض ودمّر بها محاولة القضاء على مقر رفاقه فعلا فرديّا ومخالفا للتعليمات ! وها هو يداري جراح الخيبة بالترياق المجرّب : الفن . صبّ جدارية مثّل فيها الجندي والعصا والثعبان والرتل ، واستعصى عليه التشكيل النهائي لـ “الطفل” .. الطفل الذي كانه والذي يرفض أن ينضجه إلى الشاب الذي تمرّد فتجرع مرارات العذاب والمطاردات والتخوين . يريد إبقاءه طفلا للبراءة منطلقا ببهجة في الحارات أو مستقراً بحنو وإلفة على كتف أمّه . لكنه الآن يحرق ناره بنار الفرن (ص 51) فتخنقه الهموم وتركبه الأحزان . يقرّر الخروج متعطّشاً لرؤية أصدقائه ، تاركاً (أبواب الدكّان مشرعة ، ضامناً أن الكلاب السائبة تحرسه – ص 52) . ولا أعلم كيف تحرس الكلاب السائبة دكّاناً !
قرّر السير في أزقة المدينة ، مادامت غافية في أحضان الصبح . ولكن في أحد المنعطفات ، باغته ملثم بطعنة قاتلة من (مدية كأنها نصل – ص 52) . والمدية هي الشفرة الكبيرة ، وكل مدية أو سيف أو رمح له نصل فهو الحديدة القاطعة من هذه الأدوات الجارحة وليس مكوّنا مستقلاً !
هوى سالم مرتطما بالأرض بعنف ، ملتمّاً على نفسه يضغط بقوة يائسة لإيقاف صنبور الدم الذي فتحته الطعنة التي مزّقت احشاءه بلا رحمة . وفي رحلة تذكّرنا برحلة (سانتياغو نصّار) بطل رواية ماركيز “أحداث موت معلن” ، الممزق بطعنات إثنين من أخوة حبيبته ، وهو يدور على الأبواب ، حاملا أحشاءه ببرازها المندلق بين يديه ، مع الفارق طبعاً ، حيث تستولي على ذهن سالم ، وهو يسير على الخط الفاصل بين الحياة والموت ، تساؤلات عن الفناء ولعبة الحياة والموت وسنوات العمر الضائعة ، وحيث لا يجد “الطفل” الكبير من ملجأ ، وهو يلتم بين شدقي الموت ، غير الرحم الأمومي المنعم :
(ترنح ، لكنه استند إلى حائط ، الأحشاء تتسربل خلفه ، يحملها بين راحتيه ، يبصر أن لا ثمة قمر فيها ، استغرب لم الوقت صباحا ، هل بهكذا سرعة تغيم الحياة ؟ (…) ترى كم تطول هذه اللحظة ؟ هل حقّاً سيغمض عينيه وبعدها العتمة الأبدية ؟ ما لون الموت ؟ أيأتي قاتما أم يمرّ خاطفاً دون أن يُدرك ؟ سنوات العمر الممتدة من المواكب التي تغادر الفسحة إلى الجبال الشاهقة والضباب ؟
–    أمّاه ..
رعشات تمرق بأطرافه ، يرتعش فيهوي ممدداً فوق الرصيف . الدم يعبر العلوّ ويسيل إلى الشارع ، يغسل الطرقات من الأتربة  يتدفّق سريعاً وهارباً – ص 53 و54 ) .
وفي وصفه لحركة سالم شبه المحتضرة ، قال الكاتب بأن أحشاءه “تتسربل” خلفه . تسربل بـ “السربال “، وهو قميص أو نحوه : لبسه، وتسربل بالسِّربالِ مُطاوع سربلَ :  لبِسَه ” ما زلت أرميهم بثغرة نحره … ولَبَانه حتَّى تسربل بالدَّمِ : حتَّى تغطَّى بسربال من الدَّم ” ، و تسربَل بالمجد : تجلَّل به .
أما في ختام هذا المقطع فقد قال بأن الدم يعبر العلوّ ، ولا أعلم شيئا مادّيا يُعبر واسمه “العلوّ” .
وحين أتحدث عن جوانب الضعف والهنات اللغوية نحوا وإملاءً وبناءً ، فأنا لا أقصد الإستخدام الشعري في العمل السردي الذي حذّرتُ من الإفراط فيه مرارا وتكراراً ، والذي تجده في مواضع كثيرة من الرواية أيضا منها – على سبيل المثال لا الحصر – هذا الصوت الآمر الذي يزعق طالباً جلب القاتل الذي طعن سالم حيّاً . فاي قارىء سيتوقع أن صاحب هذا الصوت الزاعق ، المتحمّس للثأر لسالم ، سيُنزل به قصاصا عادلا ومعقولا على جريمته النكراء هذه ، وإذا به يقول :
(- أريد القاتل حيّاً . إنبشوا الأرض عنه ، إكسروا المخافر ، أريده حيّاً ينحني ، يطبع قبلة على جبين الجريح الذي غام في وجعه – ص 55) .
وهو عقاب “شعري” كما هو واضح .
ويختم الربيعي هذا القسم ، بتداعيات هاذية ، يطلقها سالم الطعين والممزق بصورة تحفظ وحدة وتسلسل حلقات الأفكار التي بدأت من العنوان “الثعابين” .. الثعابين التي ابتلعت اقمار حياتنا وآمالنا :
(- سنعالجك . كن مطمئناً .
ما زالت السماء تدور في عينيه . لا تدعو الثعابين تأكل القرص . كنّا صبيانا نحمل الدفوف . نخرج الحيّات . نشقّ جوفها . نحرج قرص القمر – ص 55 و56) .
# ذكريات الكهف المعذّبة :
حمل القسم الرابع من الرواية عنوان “أزمر” ، وهي سلسلة جبلية معروفة في السليمانية ، وعبرها ستنقل سالم الجريح مجموعة من رفاقه ، لتأمين مكان يختفي فيه ريثما يشفى . ووسط صعوبات كثيرة بعضها مميت ، ووسط احتفاء الناس ببطولته ، يوصله رفاقه إلى ملاذ آمن ، هو كهف كان قد شاهده من قبل . وتداعياته في هذا الكهف هي التي استهل بها حميد روايته في قسم “الأحراش” . وقبل أن يعودوا يخبره أحدهم بأنه قد تمّ فصله من قبل الهيئة القيادية .
وفي الكهف ، يستدعي ذكريات موجعة أخرى ، ذاقها على يدي آمر الوحدة الظالم المتعجرف ، ومنها أمر غريب ولا يُصدّق ، وهو تكليفه بأن يتحوّل إلى راعي . لكن يرعى أي شيء ؟ يرعى “الدببة” بعد أن أعطاه الآمر كتيباً صغيراً : كيف تعتني بالدب في خمسة أيام ؟ . ولا أدري هل هي نكتة هذه ، يطلقها حميد وسط أجواء الرواية الجادة واحداثها المتوترة ؟ إنها نكتة افسدت هذه الأجواء الجادّة المشحونة ، فقد خدمنا في الجيش لأكثر من ربع قرن ، ولم نسمع عن وحدة عسكرية عراقية تربّي الدببة لا في الشمال ولا في الجنوب ! وقد اعتبرتُ نفسي مخطئا ، واتصلت بأصدقاء شيوعيين – إثنان منهم روائيان معروفان جدا – سبق أن قاتلوا في صفوف الأنصار في الثمانينيات ، وبعدد من العسكريين الذين أدوا الخدمة العسكرية في الشمال ، فأنكروا وجود تربية للدببة في القطعات المسلحة في الشمال مهما كان نوعها !
كما لم أستطع استيعاب “تراشق” سالم وآمر الوحدة بالوسائد .. هو يضرب الآمر بالمخدّة ، والآمر يحتمي بشرشف المنام الأبيض الشفّاف ، ويصيح :
-إهدأ قليلاً ، لنتفاهم ! (ص 65) .
خصوصا وأن الكاتب قد قدّم لنا ، سابقا ، لمحة عن التاريخ السري للآمر وأمثاله بأنه لواطي يختار أجمل الجنود لخدمته !! فأوقعنا في إشكال لا مبرّر له في محاولة تفسير هذه “الميانة” والعلاقة الغير طبيعية بين سالم والآمر .
وفي هذا القسم أيضاً ، يعود الكاتب لتذكيرنا ، بأن سالم قد نحت تمثالا قبالة جرف النهر . وبما أن واحدة من التهم التي ضمتها إضبارته ، واستعرضها آمر الوحدة أمامه ، هي قيامه بنحت هذا التمثال ، فمعنى ذلك أن هذا التمثال مرفوض من قبل السلطة الغاشمة . لكن لمن ؟ ستنتهي الرواية ولن نعرف من هو صاحب التمثال (برغم أنني أتوقع ماهيته كناقد) الذي زغردت أخته حين أكمله ؛ أخته التي قالت لرجال الزيتوني بجسارة إن أخاها ينحت التمثال على الجرف فاذهبوا إليه ، فأي روح رياضية يمتلكون ؟ :
( في مدينته كما في الجبال هذه ، كان مشردا . ثمة امنيات تقبع في الجوف ، يؤجلها عل الزمن القادم يتيح فرصة ، أمه تسأل :”متى تعود؟” وقد أحست بأنها الأخيرة التي تراه فيها ، لقد داهمها مريدو السفاري ليلتها ، بينما أخته  تجاسرت وأخبرتهم أن أخاها يصنع تمثالا قرب الجرف – ص 32 و33) .
وقبيل ختام هذا الفصل ، يحاول الروائي لمّ خيوط مسارات ما مرّ بنا من وقائع حكاية سالم في حزمة واحدة ، وذلك من خلال مزج المتخيل بالواقعي ، والذكرى بالراهن ، وعبر استثمار آية قرآنية معروفة من سورة “النور” :
(يا لخراب المدن ! دب في جوفه حيّة ، الحية في داخلها قمر ، كمثل مشكاة فيها مصباح – ص 69 ) .
ومن جديد كان ما ابتلعه الدب ثعبانا وليس حيّة ، كما أن الصورتين غير متطابقتين ولا متناسبتين ، فالدب ابتلع حية ، وبذلك اجتمع رمزان سلبيان ، والحية ابتلعت رمزا إيجابيا هو القمر ، فأشاعت الظلام والوحشة ، أمّا نور الله المبارك الكوني فهو (نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {سورة النور – الآية 35} .
# سفر الخيبة والإنبعاث :

حمل القسم الخامس عنوان “سفر” بلا تحريك حروف الكلمة ، فلا تعرف هل هي سِفر بكسر السين أم سَفَر بفتحها . وأنا أعرف أنها “سِفر” بكسر السين اتساقاً مع العنوان : “سِفر الثعابين” . ولكن دعوني أولاً أثبّت المعنى القاموسي والتداولي لكلمة سِفر ، ثم نمضي مع وقائع هذا القسم لنرى طبيعة العلاقة بين العنوان والمتن .  السِّفْرُ : الكتابُ أَو الكتاب الكبير . وفي التنزيل العزيز : الجمعة آية 5  “كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً . و السِّفْرُ جزءٌ من أَجزاء التوراةِ . والجمع :  أسفار  .
وفي السطر الأول من القسم نقرأ :
(إسمه سلام ابو الخير ، لستُ غريبة عنه – ص 71)
أي أن القارىء انتظر إحدى وسبعين صفحة ليطلعه الكاتب على إسم بطله ، وهي ليست معلومة تُعطّل لتمثل مفاجأة سردية بأي حال من الأحوال . وإذا كان اسمه حسين سرمك حسن .. ما الذي سيحصل ؟
والراوي المتكلم هنا ، هي إبنة المختار التي تتحدث عن تعلقها بسالم ، منذ أن دلق اللهيب بين فخذيها في الأيام الأولى .
ولم يخلو السرد من مبالغات وإفراطات منها ما هو شعري مثل حديث الفتاة عن “الحلم الذي يلتصق بالشرشف” (ص 71) ، ومنها ما هو اجتماعي مثل تشجيع الأب المختار لابنته لأن تأخذ سالم بالحضن وتطفىء شوقها ، وهو لا يمت لها بصلة اجتماعية بعد (ص 72) .
وحين تندهش البنت من جرأة أبيها تقول :
(أشعر لحظتها أنّ كل الشرايين تطبل زموراً لمقدمه – ص 73) .
والزَّمُورُ هو الغلام الجميل . والجمع : زُمُرٌ . وأعتقد أن حميداً يقصد المزمار “آلة النفخ الموسيقية” .. وهذا لا يُطبل به .
وأعتقد أن الكثير من سقطات الكاتب اللغوية ، يعود إلى هذا الميل الملعون للشعرية المفرطة .. وأؤكد المفرطة ، لأن جرعات محسوبة منها وفي مواقف منتقاة ، هي مسألة ضرورية جداً . فهذا الميل المفرط يغيّب انتباهة الكاتب ، ويضعف تركيزه على الحدود التي تفصل بين الواقع والخيال ، وتجعله يستسهل مديات استخدام المفردة ، وتوصله إلى حدود لا عقلانية لا تصلح لفن السرد . تصف إبنة المختار نغمة صوت سالم المحببة جدا إليها فتقول :
(هي نغمة محبّبة إلي جداً ، وأفرح بعدم استعمالها مع الآخرين ، يخصني بصوت شذري دون العالمين أجمع – ص 73) .
وهنا يثور سؤال حتمي : هل هناك صوت شذري ؟ وآخر بلون آخر مثلاً ؟
وفي استعادتها للقائها الأول بسالم ، “الشيطان الصغير” كما تصفه ، سيلاحظ القارىء أمراً غريبا ، وهو أن سالم “المقاتل الثائر” دخل بيت المختار من الشباك ! لماذا ؟ لا نعلم . ولعب بنهدي إبنة المختار الغرة آنذاك . وقد فتحت الشباك ، ودخل وكأنه يدخل فندفاً :
–    مساء الخير .. آسف .. الوقت متأخر .
لم يرض أن أوقظ أبي .. رمى الحقيبة قرب مسند السرير .. بهدوء قال :
–    سأنام الليلة عندكِ .. في الصباح سنرى المختار .
(إذن هو يعلم أن للمختار بنتاً .. جاء إلى نافذتها ونام ليلة في سريرها)
.. أكثر من مرّة تمتد يده تحتضنني . وقد تمد لتقبض على النهد – ص 75 و76 ) .
وقد يحصل – وهذا مؤكد في مثل هذ الحالات التي يضع فيها مكر الغريزة غشاوته على عيني البصيرة – تواطؤ بين الكاتب والمتلقي ، تواطؤ يتستر خلف سلوك البطل الذي يبدو في ظاهره مبهراً ، حتى لو كان لا أخلاقيا . فوفق أيّ قيم ومقاييس ، يدخل شخص غريب من نافذة بيت ، إلى غرفة فتاة ، ويبدأ بمغازلتها ، والقبض على نهديها ؟ ثم كيف تفتح فتاة ، في قرية ، شباك غرفتها لأول طارق ، لشخصٍ لم تعرفه من قبل ، وينام على سريرها حتى الصباح ، ويداعب نهديها ، وهي لا تعرفه أبداً ؟
من الناحية الفنية ، قد تُغري الحركة الدرامية المحتدمة والمثيرة الكاتب وتستدرجه ، خصوصا عندما يدفع به تماهيه المفرط بعيدا ، ليتجاوز دائرة الحضور الشخصي للبطل المتخيّل والمصنوع ، ليحضر بنفسه على خشبة النص ، مزحوماً بحفزاته واندفاعاته اللائبة ، ليأخذ دور البطل الذي يخرق التابو .
وشخص يقوم بمثل هذا التصرّف الشائن ، لا يمكن أن يكون ثائراً ومقاتلا وأسطورة كما يحاول الكاتب تصويره .
ثم تاتي الطامة الكبرى المغلّفة بحماسة عجيبة . فنحن نتذكّر الموقف الذي اتصل فيه سالم بابنة المختار جنسيا في الغابة ، بالطريقة الغريبة ، وهما مربوطين إلى جسم البغل . لقد صارت هذه الحادثة الجنسية واحدة من ملامح “أسطورة” سالم الخارقة ، كما تقول إبنة المختار :
(تلك الممارسة الغرائبية صارت حكاية ، وطافت على القرى كلها . هي سردتها لصاحبتها . من فرط دهشتها بما حصل لم تستحي ، قصّت الحكاية كاملة ، ولأن الأخرى احتارت أيضا بالكيفية التي وقعت بها ، راحت الحكاية تتناقل حتى غدت اسطورة وأنت بطلها .
كل القرى التي وصلتها الاسطورة حمّلتني نساؤها السلام لك ، لم يصدقن أن من خلق ملحمة بهذا الجمال يطعنه ملثم – ص 84 ) .
وها نحن نقف أمام مفهوم جديد للملحمة ، يتمثل في أن يمارس الفرد الجنس مع صاحبته مربوطين إلى جسد بغل ! ونواجه فهما جديدا لرجولة المقاتل وشهامته .
وفي خضم انحياز الكاتب المفرط لبطله أيضا ، تتناقل الناس خبرا يشبه الشائعة في البداية . ثم يؤكده مقاتلون كثيرون لابنة المختار ، وهو ظهور المئات من المقاتلين على قمم الجبال 0″كأنهم دود يملأ الأعالي – ص 77″ . ثم ظهر أن سالم ، هو الذي كان ينحت هؤلاء المقاتلين من الصخر ، تماثيل يضعها على قمم الجبال ! ولسنا بحاجة لتعليق ، كقرّاء ونقّاد ، مسلّحين بخبرة عميقة وواسعة في مجال الرواية وبنائها ، لنقتنع بهذه القدرة الخرافية على نحت تماثيل المقاتلين ، وحملها إلى قمم الجبال ، وعجز السلطات الباغية عن اكتشاف أنها مجرّد تماثيل .
وفي العادة تلعب النوازع التبصصية أهمية كبيرة في تعزيز آليات السرد والإلتقاط الفريد والسريع والسرّاني في كثير من الأحوال لمتغيّرات في سلوك وطبيعة الشخصيّة الروائية ، أو البيئة المحيطة بها . و”عين” الروائي التي تلتقط مثل هذه المتغيّرات التي قد تكون خاطفة وسريعة ولا تتكرر ، هي عين استثنائية باهرة . وفي الكثير من الأحوال تثري هذه الإلتقاطات دلالات العمل الفني لأنها ، برغم بساطتها وسطحيّتها أحيانا ، تكون محمّلة بمعان رمزية وجمالية كبيرة . لكن الوجه الآخر السلبي – وهذه من طبائع الأشياء في الحياة عموما – قد يكمن في الفعل نفسه ، وذلك حين تقود هذه النزعة – ممتزجة مع دوافع استعرائية كامنة – الكاتب لاهثة للبحث عن الإشباع ، فتصبح مصيدة . يوافق الأب المختار على سفر ابنته الوحيدة للبحث عن سالم الذي أجج اشواقها وغاب ، فتلملم حاجياتها وتتهيّأ للرحلة :
(صرّة من ثوبين وقطع داخلية وسروال يحمل أثر اشتعال اللهيب ، ثمّة ثقب فيه يؤشر إلى ذاك الذي انتصب وحرقني بناره – ص 79 ) .
وفي حركة شبه نهائية موفّقة يختم بها هذا القسم ، يحوّل الكاتب بطله إلى “غائب منتظر” ، ترنو إلى ظهوره العيون المشبوحة التي ابيضّت من وطأة الإنتظار ، والأرواح الملتاعة بقسوة القهر والخذلان . وقد صمّم الكاتب هذا التحوّل مع مجيء الربيع ، فصل النماء والتجدّد .. وانبعاثة “دوموزي” الإله العراقي المنقذ رمز كل منتظر وأصله . إحتفاء عارم تحييه أسراب من الشباب يحملون الرايات الخضر الشبيهة برايات الشهيد العطشان التي كان سالم يستذكر مواكبها .. فصار رمزاً لها الآن .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.