محمود سعيد : الحب والمظاهرة

mahmood saeed 4طُرق الباب، وعندما خرجت. قال لي فجأة وهو يمدّ ذراعية على طولهما: أنا أسعد النّاس منذ هذا اليوم. حققت معها أكبر نصر في حياتي. سنذهب إلى السّينما.
ذلك يعني أنه يدعوني. وعندما قال معها يقصد عنبر التّي جننته، وجعلته يهيم كالمجنون، وينال الضّرب واللكمات، ويغيـّر لأجلها اسمه. أما معنى النّصر فيعني أنه نال شيئاً عظيماً سيبوح لي به اليوم، وعليّ أن لا أعجل، فخير طريقة مع عبد الوهاب تركه يسترسل على هواه، ويفضي بما في داخله. ثم التّفت إليّ وهو في غاية الفرح ونحن نتجه شرقاً إلى السّرجخانة حيث دكان أبيه: سأمرّ على أبي لآخذ منه ما يكفي للفلم والعشاء. ما رأيك؟
– لا مانع عندي. لكني لا أستطيع التّأخُر أكثر من الثّامنة مساءً .
– سنرجع قبل ذلك الوقت.
ثم أخرج من جيبه ستين فلساً قال: هاك. ضعها في جيبك.
-لماذا؟
سيفتشني أبي. أعطاني صباحاً مئة فلس. سيسألني كم بقي معك؟
كان لازم وحيد أبويه. لا أخ ولا أخت. كنت أتحاشى التّدخل في شؤون أصدقائي الشّخصية، لكني كنت أعرف أن أباه لا يردّ له طلباً قط. ضحكت: أنت محظوظ. ابتسم بزهوٍ. كان يعرف أن يوميّتي عشرين فلساً فقط.
وضعت الفلوس في جيبي.وصف عبد الوهاب أجواء الطّريق الذي يقود إلى حيث التقاها. كنت متشوّقاً لأسمع ماذا قالتّ له. لكنّه مهّد لذلك بوصف السّماء الصّافية، النّسيم العذب. العصافير وزقزقتها. كان حديثه شيّقاً رائعاً، لكنّنا وفي أوّل خطوة من باب لكش حيث يبدأ سوق القصابين الجديد سمعنا هتافات المتظاهرين تشقّ عنان السّماء أمام مركز الشّرطة العام في باب الطّوب. شاهدنا كتلاً بشريّة لا حصر لها متجمّعة هناك أمامنا على بعد بضع مئات من الأمتار، معظم المحلّات أغلقت أبوابها في الشّارع. توقّفت الحركة، لا عربة خيل، لا سيّارة. بشر فقط يهتفون: يسقط عبد الإله. يسقط نوري السّعيد. تسقط بريطانيا. أوقفوا تدمير حياة الطّلاب. لا حياة من دون تأميم النّفط.
كانت تلك أضخم مظاهرة أراها في حياتي حتى ذلك الوقت، فقد شاركتُ بمظاهرة أخرى صغيرة قبل سنتين وأنا لا أدري لماذا شاركت وكيف! كان عمري آنذاك ثلاث عشرة سنة، وخرجنا من المدرسة ونحن نردد تسقط معاهدة بورت سماوث.1 يسقط نوري السّعيد، ومعظمنا لا يعرف شيئاً عن المعاهدة، لكنّا كنا نعرف من هو نوري السّعيد، إذ يتناقل الكبار الكثير عن تبعيّته لبريطانيا العظمى. ولم نبتعد سوى مئة متر باتجاه مركز الشّرطة العام حتى رأينا الشّرطة تحيط بنا من كل جانب، وتبدأ بضرب الكبار منا، فمنهم من ولى الأدبار، ومنهم من سِيق بالقوة نحو المدرسة. وعندما رجعنا أبقانا المدير المتجهّم السّاخط علينا وعلى تصرفنا الطّائش. فأهاننا، وهددنا، وضرب بخيزرانته القوية القصيرة ثلاثة طلاب، أدماهم في رؤوسهم. لكنّه اكتفى بشي أيدينا نحن الطّلاب الصّغار أمثالي بضربة خيزرانة قوية على راحة يدينا كليهما، فجعلنا نقفز ألماً، وتدمع أعيننا. وساعده بالضّرب غير واحد من المدرّسين. وعندما دخلنا غرفة الدّرس أوقفنا مدرّس اللغة العربية يعقوب يوسف حنا، وأهاننا مرّة ثانية. وكرّر ضرب كلّ واحد منا بضع ضربات على الراحتين كليهما. وسجلّ أسماءنا في دفتر صغير أخرجه من جيب سترته القهوائيّة المقحلة. فحزن زميلي بول نيسان المسيحي لذلك حزناً شديداً، وعندما سألته عن السّبب قال: إنّ ذلك سيقضي على مستقبله. فسيسلِّم الأستاذ يعقوب يوسف حنا الأسماء إلى شركة النّفط، كي توضع في القائمة السّوداء.
-وليضعوها في القائمة السّوداء! ثم ماذا؟
-أنت لا تعرف مستقبلك قطّ. شركة النّفط تدفع راتباً للموظف يعادل خمسة أضعاف ما تدفعه الحكومة. يعني أن أيّاً منا لا يستطيع أن يصبح موظفاً في شركة النّفط في العراق بعد الآن.
هتفت به: كيف تعلم ذلك؟
-أراه كل أسبوع يجتمع مع المستر ww doll مسؤول التّوظيف في شركة نفط عين زالة، بعد قداس الأحد.
-ربما صديقه.
-نعم صديقه. لكنّه جنّده للتجسّس. يعرف الكثير ممن يحضرون القداس أنه ينقل الأخبار لصالح الشّركة. لكنّهم يتودّدون له لتعيين أولادهم فيها، لأنّها تدفع راتباً هائلاً.
لم أهتم لذلك فقد كان التّفكير في العمل بعد التّخرج أبعد من أن يشغل عقلي الصّغير آنذاك.
معظم المتظاهرين رجال، شباب، أكبر منا، لكنّي رأيت من هم في سنّنا ولا يتجاوزون الخامسة عشرة. كان علينا أن نشقّ الجمع الهائل لنذهب إلى محل والدّ عبد الوهاب في السّرجخانة. اقترحت عليه طريقاً بديلاً لا يمّر في تجمع المظاهرة الكبير المتزاحم، فمن الصّعب اختراق ذلك الحشد الهائل. لكنّه أصرّ على أن نمرّ من طرف المظاهرة: ماذا عندنا. لنسمع ما يقوله هؤلاء العجايا. هناك متّسع من الوقت. في الأقل نسمع الهتافات.
أزعجني نعته “عجايا” للمتظاهرين، تساءلت متضايقاً: لماذا عجايا؟ يريدون التّغيير.
فرّد بنبرة تحدّ: أيقدرون على الحكومة؟
– لا. لكنهم يعلنون رأيهم.
–  إذاً شاركهم.
-لا أعرف معنى الكثير من الشّعارات التّي يطلقونها وإلا شاركتهم.
كان مفهوماً لديّ ما معنى ” يسقط عبد الإله. يسقط نوري السّعيد. تسقط بريطانيا.” لكنّي لا أعرف معنى: “أوقفوا تدمير حياة الطّلاب1-.” أما شعار تأميم النّفط فهو غير عمليّ جداً، وبخاصة بعدما تناقلت الأخبار ما حلّ بمصدّق. وكيف اشتعلت إيران فوضىّ ومذابحاً، وكيف اختلط فيها الحابل بالنّابل، بالرّغم من أنّ الكبار في السّوق يتداولون مقولة صديق شنشل كحقيقة ثابتة: لو يؤمّم النّفط العراقي فسيصيب كلّ فرد منه دينار كامل في الشّهر. كان رفع الشّعار بالنّسبة لي مفاجأة لم أتوقّعها. هذا يعني أن هناك الكثير من الأمور السّياسية يجب علي أن أطلع عليها. كل هذا والهتافات تترى بقوّة وعنف وتهزّ الكون: يسقط نور السّعيد، تسقط الوزارة العميلة. تسقط يا تسقط، يا تسقط.
ثم سمعنا مكبّر صوت مدوٍ ينبعث من مركز الشّرطة العام. مكبّر قويّ يستطيع أن يوصل الصّوت إلى نحو كيلو متر أو أكثر: رجاءً أخوان. كفى تظاهراً، هذه فوضى. رجاء انفضّوا، اذهبوا إلى بيوتكم، توقّفوا عن التّظاهر. قطعتم الشّوارع، دعوا النّاس البسيطين يذهبون إلى بيوتهم ليرتاحوا، وليروا أطفالهم.
لكنّ المتظاهرين لم يأبهوا للنّداء. بل اشتد سعار الهتافات. وأخذ بعض المتظاهرين يردّ على رجاء مكبّر الصّوت المدوي بـ”العفط” والسّب المقذع: يا ابن القحبة. يا ابن الحرام. يا ابن قحبة نوري السّعيد. يا ديوث. بينما كان الآخرون يضحكون.
بعد قليل عاد مكبّر الصّوت المدوّي: يا إخوان رجاءً رجاءً رجاءً اسمعوا لصوت العقل. تفرّقوا.
– طيط.. طيط. نوري السّعيد طيط. يسقط نوري السّعيد. طيط.
ولست أدري كيف استطاع أحدهم أن يأتي بمزمار، وأخذ ينفخ ليخرج كلمة: طيط بشكل موسيقيّ. فأخذ قسم من المتظاهرين يقول: نوري السّعيد ويجيبهم صاحب المزمار بـ طيط. يسقط الوصي. طيط. تسقط بريطانيا. طيط. ثم يشتعل الهتاف والزّمر والطّيط، والمرح.
طفق عبد الوهاب يضحك من كلّ قلبه. ربما ساعد النّصر الذي حصل عليه اليوم مع عنبر هذا اليوم على انطلاق مرحه. قال لي: دعنا نغنّي.
-لا نضيع الوقت. لنذهب إلى أبيك. ولنغنِ في طريق الرّجعة.
-لا. سأغنّي الآن.
-ماذا نغنّي؟
-أخذ يقلِّد عبد الوهاب: عندما يأتي المساء ويسقط حبيبي نوري السّعيد. طيط
-عندما يأتي المساء ويسقط حبيبي الوصي.. طيط..
-عندما يأتي المساء وتسقط بريطانيا العظمى..طيط.
ولست أدري كيف سمعه بضعة أشخاص كانوا قربنا فاندفع أحدهم وذهب إلى قلب المظاهرة، ثم جاء ومعه عملاق أشقر مفتول العضلات في الثّلاثين من عمره، هتف به بصوت جهوري: كيف يا رفيقي لم نجدك قبل الآن؟
ثم هجم عليه وحمله على كتفه وابتعد عني، فأصبح عبد الوهاب مرئياً من قبل عشرات آلاف المشتركين في المظاهرة جميعهم. توقّف العملاق على بعد بضعة أمتار من بوابة مركز الشّرطة العام. بعد ذلك، هتف العملاق بصوته الجهوري: سماع. سماع رجاءً.
صمت الجميع. ثم تكلّم مع عبد الوهاب بضع كلمات لم أسمعها لأني كنت بعيداً. فأخذ عبد الوهاب يغني بصوته الجميل: عندما يأتي المساء ويسقط حبيبي نوري السّعيد. فأكمل العملاق: يحتفل الشّعب بالنّصر.
أعاد عبد الوهاب: يحتفل الشّعب بالنّصر.
فصفق الحاضرون، ورد صاحب المزمار بمقطع موسيقي يشبه مئة بالمئة طيط.
ثم تعالتّ ردة المئات: طيط.
عندما يأتي المساء ويسقط حبيبي نوري السّعيد.
طيط.
عندما يأتي المساء وتسقط بريطانيا العظمى.
طيط.
أصبحت المظاهرة باكتشاف مواهب عبد الوهاب الغنائيّة الفنيّة ثوريّة مسليّة ومثيرة، ولربما أصبح عبد الوهاب من دون إرادته، ومن حيث لا يدري أول قائد فنيّ لمظاهرة سياسيّة ممتعة في التّاريخ. لكن مكبّر الصّوت قطع علينا متعتنا: يا إخوان. يا إخوان. سأنذركم إن لم تتفرّقوا. سنرميكم بالرّصاص. سنعدّ حتى العاشرة. إن لم تتفرّقوا في الرّقم العاشر فسنرميكم بالرّصاص الحيّ. ولقد أعذر من أنذر. لذا أنصحكم بالتّفرّق. رجاء تفرّقوا. رجاءً. لكن ردّ المتظاهرين لم يكن غير: طيط . حبيبي نوري السّعيد طيط.
واحد. طيط.
اثنان. طيط.
ثلاثة. طيط. ….
عشرة طيط.
تفرقوا. طيط.
سنرمي. طيط.
ثم تفجر فجأة في الجو صوت الرّصاص المدّوي. كان أول من سقط وهو يغني عبد الوهاب. أين أصابته الرّصاصة؟ لا أدري. كان ظهره إلي. لكني رأيته يسقط من على كتف العملاق، والعملاق ينحني ويسقط معه. هل قتل أيضاً؟ لا أدري.
ثم احترقت السّاحة بالرّصاص والفوضى والدّم والتّدافع والصّراخ والاستغاثة والسّب والتّوجع. الرّصاص يتفرقع. الأجساد تتساقط. ركض، تدافع، وطء على الأجساد. صراخ. بكاء.
تخاذلت رجلاي والسّاحة تخلو من أمامي، والرّصاص ينهمر لا على التّمييز. وأصواته الرّهيبة تمزق هدوء الكون. ولو بقيت في مكاني لقتلتُ مع عبد الوهاب بالتّأكيد. لكن رجلاً أسمر يبدو من ملابسه الأنيقة، وربطة عنقه الحمراء أنه متعلّم، كان في نحو الأربعين من عمره، يجري بكل ما تسمح له قواه في الاتجاه الذي أقف فيه مذهولاً مصدوماً لا أعرف كيف أتصرف وأنا أفكّر في عبد الوهاب الذي أسكتته رصاصة قاتلة. مرّ من جانبي. وهوى بكفه على كتفي وبقوة أفقدتني تماسكي، كدت أسقط، أمسك بي من سترتي وسحبني معه وهو يقول: اركض معي. أ شدُهتَ؟ أ تريد أن تموت؟
فجأة عاد إلي رشدي. وأخذت أركض وراءه حتى أخفتنا العطفة الضّيقة المجاورة. ثم توقف وهو يلهث ووجهه مصفرٌ كالكركم، قال: اركض بقدر ما تستطيع، فستنتشر الشّرطة وتقبض على كلّ من تجده حتى لو كان فأراً. إن أمسكوا بك أنهوا مستقبلك. سيعذبونك، سيطلبون منك أن تعترف على من معك أو تموت: اركض.
-ركض، وركضت.
نجوت. لكن صورة عبد الوهاب لم تفارق عيني. أيمكن أن ينتهي هكذا في أحب يوم لديه؟
“أنا أسعد النّاس منذ هذا اليوم. حققت معها أكبر نصر في حياتي. سنذهب إلى السّينما.”
ترى أمات؟ لم أستطع التّفكير في ذلك. أخذت أخادع نفسي. ربما هو جريح. سيشفى. سيتزوج عنبر. سيحقق كل أحلامه. لكن ماذا عليّ أن أفعل؟ هل يجب عليّ أن اخبر أهله بما حدث؟ لم أدرِ. لم أستطع أن أجد حلّاً. لا أستطيع أن أكون ناقل خبر سيئ قط.
وصلت باب لكش، منطقة أمينة. بعيدة عن مسرح الأحداث. النّاس متجمعون، ثلاث ثلاث، أربع أربع، خمس خمس. مذهولون . مصدومون. يلعنون نوري السّعيد. الوصي عبد الإله. صالح جبر. العمري. لكني لم أستطع أن أصل إلى البيت.
رأيت صبياً حافياً أصغر مني بنحو سنتين، يرتدي جلباباً من الخام الأسمر البالي، ويشدّ حبلاً من القنب الأصفر في وسطه. يركب على حمار صغير أحمر، ويقود حماراً مماثلاً آخر، فلحقت به وسالته إن كان سيذهب إلى باب الطّوب، فهزّ رأسه بالإيجاب. قلت له: إن أعطيتك عشر فلوس هل تسمح لي بالرّكوب على الحمار الآخر إلى هناك؟
ضحك فجأة: هيا.
أوقف الحمار، وحالما امتطيته وكزه بعصاه فانطلق تحتي. فغمرتني رائحة البصل والخضار، وبدا أن الصّبي ينقل الخضار من المزارع إلى الدّكاكين. تلك كانت أفضل وسيلة استطاع رأسي الصّغير أن يصل إليها. فالشّرطة لا يمكن أن تعتقل شخصاً لم يشترك في المظاهرة. وإلا ما ركب حماراً لإيصال الخضرة. كنت أريد أن أرى عبد الوهاب ولو من بعيد، وأعرف ما حلّ به.
التّفت الصّبي إليّ وهو يسأل: أ يعجبك ركب الحمار؟
لم أجبه. هززت رأسي فقط. كان الهم قد ألجمّ لساني، وفي بداية سوق قصابي باب لكش، سمعت من يناديني بقوة. التّفت رأيت حازم واقفاً في باب محل النّجارة، تحت الرّقعة الجميلة التّي خطتطها. كان يضحك وهو يشير علي أن أذهب إليه. اغتصبت ابتسامة. أشرت له بحركة من يدي: أن يصبر قليلاً، سأرجع. ولما كان معظم النّاس قد توقفوا عن العمل. فقد وقفوا أمام أبواب دكاكينهم والتّعاسة والألم يمزقان سحناتهم على الضّحايا الذين سقطوا برصاص الشّرطة. كان الشّارع أمام مركز الشّرطة خالياً، ووقف عشرات الشّرطة مدججين بالبنادق الإنكليزية الطّويلة وقد ثبتوا برؤوسها الحراب لتبدو أطول من معظمهم. كانوا يقفون  متباعدين، بين الواحد والآخر بضعة أمتار. وحينما رأوا الحمارين يتجهان نحوهم، استدار أحد عرفاء الشّرطة وكان أدكن البشرة، صرخ ونحن على بعد نحو ثلاثة أمتار: قفوا. أين تتصورون أنفسكم ذاهبين. ممنوع من هنا. ارجعوا. الطّريق مسدود.
لكن الصّبي لم يستطع إيقاف الحمار إلا على بعد متر من الشّرطي، ترجل وترجلت. وحدقت. بالشّارع. كانت هناك بضع سيارات إسعاف. أما إسفلت الشّارع فكان خالياً من أي جثة.
تأكدت أن عبد الوهاب في واحدة من سيارات الإسعاف تلك، ولما كنا نسير ونحن نحمل معنا دائماً هوية الطّلاب فسيعرفون من تفتيش جيوب الضّحايا من هو وسينقلون الخبر إلى أهله.
قال لي الصّبي: سأرجع وأذهب من طريق آخر إلى الجسر الحديدي. أتأتي معي؟
-شكرا. هذا كافٍ.
بقي عبد الوهاب في أعماقي مدة طويلة كأي عزيز تنتهي حياته بمأساة، وقاومت ذكراه الطّيبة عفن النّسيان بقوة، لم أستطع نسيان ما طلبه مني مرّة حتى الآن. طلب مني ما رأيته آنذاك مستحيلاً؟ لا أدري متى كان ذلك! ربما في حزيران أو تموز من السّنة الماضية. قال لي وهو يركز عينيه في عيني: أتأتي معي إلى مديرية النّفوس لتغيير أسمي؟
نزل عليّ النّبأ نزول الصّاعقة. جمدت في مكاني.
كنا نجحنا في الصّف الثّاني المتوسط، أي أن أعمارنا لم تكن تتجاوز الأربع عشرة. ولم يدر بخلدي قط أن يحاول امرؤ تغيير اسمه لأي سبب كان. جمدت في مكاني، حدقت في عينيه: لماذا؟
-يعجبني.
ابتسمت: إلى ماذا؟
-عبد الوهاب؟ أ عندك اعتراض؟
فوجئت. ضحكت. صحيح أنه يحب عبد الوهاب، وأنه يجيد تقليده إجادة تامة، لكنه لم يشر إلى ذلك من قبل. لا بل لم يلمح إليه.
ضحكتُ: لا.
-لماذا تضحك إذاً.
– فاجأتني.
كان الزّمن آنئذ زمناً تنافسياً. وعندما فكرت في الدّافع لم أجد أي تفسير غير حسم التّنافس لصالح جهة ما. ففي كل حقل من حقول الفن يتربع على قمته اثنان متنافسان، في حقل الشّعر العراقي كان أعظم شاعرين: الرّصافي والزّهاوي. وفي الشّعر المصري أحمد شوقي وحافظ إبراهيم. وفي الغناء المصري كان هناك عبد الوهاب وفريد الأطرش، ومن النّساء أم كلثوم وأسمهان، وفي الغناء العراقي: الكنبنجي وناظم الغزالي. وفي النّساء زكية جورج وسليمة مراد، وفي الرّقص تحية كاريوكا وسامية جمال. وفي التّمثيل العربي عماد حمدي ومحسن سرحان، وفي الأحزاب السّياسية الحزب الوطني الدّيمقراطي، وحزب الاستقلال. وفي الرّموز السّياسية المؤيدة للملكية نوري السّعيد وصالح جبر الخ. وربما كان النّاس في مدينتي مفطورون على الخلاف. فكنت ترى النّقاش دائماً وأبداً محتدماً بين مؤيدي أحد هؤلاء على الآخر.
ابن خالتّي عبد السّتار يحب عبد الوهاب، وصديقي غانم يحب فريد الأطرش. صديقي لازم يحب عبد الوهاب وصديقنا مال الله ابن العربنجي يحب فريد الأطرش، وعندما كانا يلتقيان كان النّقاش يحتدم بينهما كل مرّة حتى يكادا يتعاركان.
ظننت أن لازم أراد تغيير اسمه إلى عبد الوهاب ليثبت عملياً ترجيح كفة عبد الوهاب، وليلقي ثقلاً على تفضيله، وربما ليكون هو الوحيد الذي يغير اسمه في المدينة بينما لا يوجد من محبي فريد الأطرش من يتنازل عن اسمه ليرجح كفته، لكني كنت مخطئاً فقد كانت القضية أعمق بكثير من ذلك. اعترف لي أن السّبب في التّغيير أنه وقع في حب فتاة جميلة، وأنه طفق يعترض طريقها من لحظة خروجها من البيت وحتى المدرسة، لكنه لا يعاكسها. ولا يلقي بأي كلمة في طريقها. كانت تهمله. تعامله كأنه غير موجود. وبعد بضعة أشهر من التّتبع المضني رمت وهي تسير ورقة مطوية. التّقط الورقة وهو أسعد شخص في الوجود. أخذ يرقص، كان يظن أن في الورقة اعترافاً بحبه، أو كلمة غزل. لكنه وجد فيها هذا السّؤال فقط: ما اسمك؟
فاتبع الطّريقة نفسها، لكنه خجل أن يذكر أن اسمه لازم. كتب في ورقة رماها أمامها: اسمي عبد الوهاب. وأنت ما اسمك؟
لم تذكر اسمها، قالتّ له في ورقتها الطّائرة في المرة التّالية، إنها فرحت لأن اسمه عبد الوهاب فهي من المعجبين بعبد الوهاب وتفضله على فريد الأطرش كثيراً.
جاءني فرحاً قال لي: سأغني لها أغاني عبد الوهاب. وظل يمني النّفس بوصول رسالة أخرى، ولم يطل انتظاره فقد علم من الورقة الثّانية التّي رمتها أمامه والتّي طلبت منه أن لا يخبر أحداً بها أن اسمها عنبر.
طوى الورقة وهو يكاد يجن من الفرحة. وجدته ينتظرني بعد الدّوام. أمسك يدي سحبني، قال بفرح: إني أطير..
– دعني أطير معك.
-أغمض عينيك.
أغمضتهما.
-افتحهما.
فتحتهما، كان أمام عيني ورقة فيها كلمة واحدة :عنبر. بحبر أزرق. وحروف صغيرة، وفهمت أنه اسمها، الاسم جميل جداً وأسمع به أول مرّة في حياتي كاسم لأنثى، وفاجأني كما حدث لي عندما سمعت اسم سَلَم أول مرة.
قهقه من كل قلبه: هيا. أنت مدعوٌّ إلى فلم.
– ما زال هناك وقت.
ينتهي الدّوام السّاعة الرّابعة بعد الظهر، ووقت عرض الفلم السّاعة السّادسة والنّصف. جاء معي، وضعت كتبي في البيت ثم ذهب بي إلى حديقة الشّهداء. كان يتمتع بصوت جميل يتيح له تقليد عبد الوهاب بشكل دقيق، وكان يفضل بضعة أغانٍ على غيرها منها الأغنية الرّائعة: عندما يأتي المساء ونجوم الليل تنثر، ثم الجندول، فقصيدة عزيز صدقي الرّقيقة الحزينة:
يا منيةَ النّفس ما نفسي بناجية        وقد عصفتِ بها نأياً وأحزانا.
ثم سجى الليل. ولما أذيعت أغنية جبل التّوباذ حفظها لازم في يوم واحد وأخذ يغنيها لي ونحن راجعان من مدرستنا البعيدة إلى بيتينا. وفي حديقة الشّهداء القريبة إلى السّينما طفق يشنّف أذنيّ ببضع أغانٍ لعبد الوهاب. بعد ذلك ذهبنا إلى سينما الملك فيصل الثّاني في شارع حلب، وكانت تعرض فلماً بعنوان لم أعد طفلاً لكريكوري بيك. كانت الأفلام الأمريكية آنذاك مذهلة بإخراجها وبتلوينها الرّائع “تكنيك كلر”
طفق لازم يهرب من المدرسة في فرصة الدّرس الرّابع، ليضع الرّسائل في طريق عنبر. لأن دوام مدرسة عنبر ينتهي قبل مدرستنا بعشر دقائق. ولست أدري كيف استطاع أن يقنع الفراش المراقب بالسّماح له بالخروج قبل حصة كاملة. لكني علمتُ بعدئذ أنه كان يعطي الفراش خلسة في كل فرصة سيجارة. بالرّغم من أنه لم يكن يدخن. كان يشتري السّجاير للفراش. ثم حدثت الكارثة فجأة. نقل الفراش. وجاء آخر، طويل، عملاق، قوي البنية، مفتول العضلات والشّارب، مكفهر الملامح. حاول عبد الوهاب استمالتّه. قدم له سيجارة. تناول الفراش السّجارة، وفركها بأصابعه فتناثر تبغها، ثم رمى ما تبقى منها على الأرض ووطأها بقوة، بعد ذاك حدّق بعبد الوهاب وبتركيز وهو يكزّ على أسنانه: إن حاولت رشوتي مرّة أخرى بسيجارة فسأورثها وأدخلها في عينك اليسرى وأجعلك أعور كنفرتيتي1 ثم أرفعك بيد واحدة وأرميك أمام المدير.
ثم بصق بصرخة قوية رجّـت وجه لازم: انقلع.
بعد رفض الفراش العملاق للرشوة نقَلَ لازم نفسه إلى متوسطة مسائية. فأصبح لديه متسع من الوقت لاعتراض عنبر.
ثم تطور الحب بين لازم وعنبر بتطور الرّسائل. وحينما انتهت السّنة وظهرت نتائج امتحانات المتوسطة أخبرته بمشاريعها للمستقبل، قالتّ له إنها نجحت في امتحان الدّراسة المتوسطة، وستقدم أوراقها للانتساب إلى دورة مدتها سنتين تؤهل المتقدمين إليها ليكونوا موظفين في البنوك. وإن كان جاداً فليوطن نفسه لخطبتها بعد إنتهاء الدّورة.  كاد يجن ثانية من الفرح، وبدأ يعدّ العدة لتغيير اسمه رسميّاً، فمن المستحيل أن تكتشف عنبر أن اسمه لازم وقد ادّعى أنه عبد الوهاب: سأظهر في نظرها كذاباً. لا يمكن أن تحترم المرأة رجلاً كذاباً.
رافقته إلى دائرة الأحوال الشّخصية، وكانت تسمى حينئذ “دار النّفوس” وأنا غير مقتنع تماماً بالقضية. أنظر أنا إلى الأسماء كلها بحيادية.
كان أمامنا نحو عشرين مراجعاً، وحينما وصلنا الدّور وجدنا موظفاً في نحو الأربعين من عمره، تتكدس على منضدته القديمة مئات المعاملات، والأوراق، ونسخ الكاربون الأسود، والمحابر، والدّنابيس، (ما أزال أتذكر ذلك الموظف إلى حدّ الآن. كان يضع قلم “قوبيا” على أذنه، وبيده قلم ثانٍ، وأصابعه ملطخة بحبر القوبيا. وعندما كان يكتبُ أي وثيقة أو معاملة كان يضع الكاربون تحتها ليستخرج نسخة أخرى من الكتابة. لغرض الحفظ في سجلات إضافية. كان الجو في الغرفة والممر حاراً جداً، والنّاس يتصببون عرقاً. وكانت هناك مروحة سقفية مزعجة الصّوت فوق رأس الموظف. تدور من غير فائدة، فالهواء الذي تدفعه ساخن جداً وجاف وغير منعش إطلاقاً. وبعد أكثر من ساعة وصلنا الدّور. فرفع الموظف عينيه المتعبتين إلى عيني لازم مستفسراً. من دون أن يتكلم، فقال له لازم: أريد تبديل أسمي.
رد الموظف: لازم “تبدلو”؟
-نعم لازم.
-ما اسمك الحالي؟
-لازم.
رمى الموظف قلم القوبيا، وحدّق بلازم، وبدا عليه الضّيق، ربما من تأثير الجو السّاخن الذي لا يحتمل: يا ابني، يا ابني. ما اسمك الحالي؟
-لازم.
زفر الموظف وهو يحاول تهدئة نفسه: لا حول ولا قوة إلا بالله. “لازم” تقول لي ما اسمك؟
فتدخلت أنا: يا “عمّا” اسمه لازم، وهو يريد تغييره.
بُهت الرّجل، جمد لحظة، ظهر على تقاطيعه المرهقة بشدة، أنه بدأ يفكّر في الأمر، ثم ابتسم بعد ثوانٍ، فأدركت أنّه فهم الموضوع: لماذا تريد تغييره؟
-لا يعجبني.
ضحك الموظف، وضحك الواقفون وراءنا كلهم. تمنيت لخجلي أن تبتلعني الأرض.
قال الموظف وهو مازال يبتسم، ربما رأى الوضع مسلّياً: ليس هذا بسبب. كثير من النّاس لا تعجبهم أسماؤهم.
توقف لحظة وقد ابتهجت أساريره: يا لازم تغيير الاسم ليس بلازم.
ضحك بعض الواقفين من تركيب العبارة. احتدّ لازم وهو يؤكد على كلمته: لازم.
بدأ الضّحك من جديد:يا ابني “ماكو” لازم؟
أصرّ لازم بشجاعة: نعم أكو لازم، لازم أغيره.
كان لازم أسمر البشرة، ولشدة انفعاله فقد تدفقت الدّماء إلى وجنتيه فأصبح وجهه بلون الشّوندر الجاف، وضاقت عيناه من الاحتدام، فرّق له الموظف: حسناً تغيره إلى ماذا؟
– إلى محمد عبد الوهاب.
ضجّ المراجعون من خلفنا ضاحكين وبصخب. أخذ أحدهم يغني: ما قال لي وقلت له.
فرد عليه الثّاني: يا فهيم هذه ليست أغنية عبد الوهاب. إنها أغنية فريد الأطرش.
طفق ثالثّ يغني: يا وردة الحب الصّافي.
علّق أكثر من واحد: نعم. هذه أغنية عبد الوهاب. ارتفع الهرج، علا غير صوت بغير أغنية لعبد الوهاب. كثرت التّعليقات. الضّحكات.
صرخ الموظف بحدة وهو ينظر إليهم وقد بلغ الغضب به منتهاه: رجاء كفى، قليل من الخجل. هذه دائرة حكومية. دعونا نعمل..
صمت الجميع، التّفت الموظف إلينا: “لست أدري أيسمح القانون تسجيل اسم من ثلاث كلمات أم لا‍‍! ينصُ القانون على كلمتين كحد أعلى.
ما الفرق بين كلمتين أو ثلاث؟
سأل لازم ذلك باقتناع.
-قضية قانونية، ليست قضية منطق. عليّ أن أتأكد.
-متى تتأكد؟
كان الطّابور وراءنا يزداد، وتزداد معه التّعليقات، وعلقّ أحدهم من وراءنا: الموضوع سخيف، ولا يحتاج لإضاعة وقت الموظفين والمراجعين.
أيّده الكثير من الواقفين في الدّور.
نهض الموظف من فوق كرسيه الخيزران المخروقة، وذهب إلى صدر الغرفة، وأخرج كتاباً. فتحه على ورقة معينة، وأخذ يقرأ لبضع ثوانٍ، ثم جاء بعدئذ. حدّق بلازم وهو يهزّ رأسه: لا أظن.
-أيوجد في القانون ما يمنع ذلك؟
-ليس عندي وقت كافٍ لقراءته كله. لكن من المؤكد أنه لا مانع من تسجيل اسم من كلمتين فقط.
ضغطت على ساعد لازم ليقبل، فوافق: “مليح”. “عبد الوهاب” فقط.
ابتسم الموظف وهو يتنفّس بارتياح: الآن نعم. لكن تقديم الاسم لا يتم هنا. عليك أن تذهب إلى المحكمة، وتستصحب معك موافقة مكتوبة من والدّك على التّغيير، فأنت ما زلت تحت سن البلوغ.
فقهقه الجميع من وراءنا شامتين بنا، وانسحبنا وأنا أكاد أموت من الخجل. لكن لازم هتف وهو ينظر إلي: كيف يعلم أنني دون سن البلوغ؟ أستطيع أن أتزوج عشر نساء.
ثم طلب مني أن أرافقه إلى المحكمة، فرفضت، قلت له: كفى أن يضحك علينا بعض النّاس لا كلهم. لكني غيرت رأيي بعدئذ. فذهبت معه إلى “حلال مشاكل العائلة” ابن عم أمي المحامي جلال القبطان. كنت أعرف مكتبه في الدّواسة، وعندما دخلنا غرفته كان في إغفاءة القيلولة وقد وضع ساقيه على منضدة المكتب فوق الملفات وأوراق الدّعاوى. كان يتصبب عرقاً تحت المروحة السّقفية. قربه صينية صغيرة فيها بقايا بصل وكرافس وسماق، وصحن أكبر قليلاً من صحن الشّاي، فعلمت أنه تغدى كباب.
فتح عينيه حالما دخلنا بينما بقيت رجلاه على المنضدة: خير.
أخبرته بمشكلة لازم. وقلت له إن أباه لا يمانع في تغيير اسمه لكنه لا يستطيع أن يأتي إلى المحكمة لأنه مريض.
قال وهو يدعك وجهه طارداً للنعاس: عليه أن يجلب استمارة معينة من المحكمة، ويوقع الأب فيها، تحت بند يقول أنه لا مانع لديه من تغيير اسم ابنه، وأنه لا يستطيع  حضور المحكمة لأنه مريض.
وطلب بعض الوثائق الأخرى. وحينما خرجنا قال لي: أنت ورطتني وعليك أن تخرجني من الورطة. أبي لا يمكن أن يوقّع. وأنا لا أجيد تقليد التّوقيع. أنت خطاط عليك تقليد توقيع أبي.
لم أناقشه. كان وحيد والديه وكنت أظن أنه لو صارح أمه بطلبه لاستطاعت أن تقنع أباه. لكني لم أطل الكلام. احترمت قراره. خضعت لإرادته وقمت بتزوير أول وثيقة رسمية في حياتي، وقلبي يدّق. وفي المحكمة فاجأتنا مصادفة لو لم يروها كاتب المحكمة، النّحيل. الذي يرتدي سترة مستعملة ذات مربعات واسعة مرقع عكساها بقطعة من الجلد، تباع في سوق “اللنكة أو البالات” وهو يشير إلى الأوراق لما صدقناها قط. قال: أنت ثاني واحد في حياتي أراه يغير اسمه من لازم إلى عبد الوهاب. تناول ملفاً كان أمامه. البارحة فقط عرضنا القضية على الحاكم.”القاضي” ومن اسم أبيه، تمكنت من تشخيصه، فقد كان في نفس عمري وعمر لازم، وكان زميلي في مدرسة الخالدّية قبل أن أنهي الابتدائية. أعرفه حق المعرفة، وأعرف دكان أبيه في سوق السّراي، وأعرف أخاه مفيد. فدارت بي الدّنيا لحظات لأشياء كثيرة لم أكن أتوقّعها قط.
خرج عبد الوهاب منتصراً في أول أهم معركة في حياته. بالرّغم من خسارته معركة ثانوية. فقد تسرب نبأ ملاحقة عنبر إلى ابن عمها. ولست أدري أكان تصرفه غيرة محضة موجودة عند جيلنا كله، أم كانت نوعاً من الطّموح في الزّواج منها!
كان يسير وراءها ببضعة أمتار فقط عندما اعترضه شاب أصغر منا بسنة تقريباً ومعه ثلاثة آخرين. سألوه عن وجهته. وقبل أن يجيب. وجّه له أحدهم لكمة على أنفه، ثم انهالوا عليه جميعاً باللكم والضّرب. فأثار ذلك انتباه عنبر. فهرعت إليهم. وحاولت إنقاذه وهي تصرخ. فعلم أنهم ربما كانوا أقرباء لها. واضطر للذهاب إلى المستوصف. وكان من المعمول به آنذاك أن يمتنع المستوصف أو المستشفى من معالجة أي معتدىً عليه إن لم يأتِ بورقة من الشّرطة تثبت أنه أقام دعوى على من اعتدى عليه. وفي مركز الشّرطة قال عبد الوهاب إن المعتدين كانوا أربعة وسجل دعوىً على مجهولين.
بقي عبد الوهاب في البيت نحو ثلاثة أيام، كانت أمه الحزينة تعتني به. خرج إلى الشّارع بعدئذ وقبل أن تزول جروح وأورام الضّربة لأنه لم يتحمل عدم رؤيتها. طفق يتصرف بحذر شديد. ما إن يرى أي شخص في العطفة حتى يشلع “يهرب”، وكنت أرى حزنه الشّديد عندما يفشل في رؤيتها، وأثرَّ ذلك على دراسته وصحته كثيراً فقد هزل من التّفكير والقلق وخوف أن يعتدي عليه شخص ما مرّة أخرى. كاد يقتله الأرق لأن صورتها تملأ عليه ليله وفضاءه وأحلامه. باتت تلك الفترة أسوأ فترة في حياته. وكنت أحزن عليه كثيراً. وفي مرّة قلت له: حاول أن تصبِّر نفسك وإلا ستموت.
قال وهو يتألم: أموت إن لم أرها.
ثم أخذني مرّة لأراها. وقفنا في ظل عطفة، وكان يتلفت يميناً وشمالاً كل ثانية، لا تستقر عيناه على شيء، ولشدة قلقه وطنت نفسي على “علقة” ممتازة.
ردّد غير مرّة: قف ورائي، لا تدعها تشوفك. لا أريد أن تكتشف أنني أفرّج النّاس عليها. لعلها تظن أني أفضحها. وشُفْ إن جاء أحد من الخلف ليغدر بنا.
وعندما لاحت من بعيد كانت تلتف بعباءتها حتى لا يكاد المرء يرى سوى عينيها. قلت له بعدئذ من دون شعور: ماذا ترى منها لتذوب حباً.
لم يردّ عليّ. أغمض عينيه وفتحهما وكأنه يقول: انتظر؟
كان الوقت نهاية الخريف. أول الدّوام.
ما أعظم الحب! ما أعظم التّغيير الذي يحدثه في الإنسان!
هلّـت عنبر من بعيد فزقزقت العصافير في وجدانه. تفجّرت احتفالات ومهرجانات هائلة. دماء تتدفق في كلّ خلية من خلايا وجهه. عينان تلمعان فتضيئان الدّنيا. برزت أمامي الأعين المتوهجة بالحياة والعنفوان لسَلَم وسميّة والمرحومة الحسناء مادلين.
لم تعد الدّنيا نفس الدّنيا. أصبحت جنّة. لم يعد عبد الوهاب عبد الوهاب. من أمامي ذاب. لم يعد له وجود. تلاشى. انتصب مكانه كائن أرق من النّسيم وأصفى من عين الدّيك. لم تعد الكائنات نفس الكائنات أصبحت ذات ألوان سحريّة. كلّ ما في الدّنيا تغيّر انقلب إلى فردوس.
طفق يغني بصوت وطيء: الميّة تروي العطشان.
وحينما اقتربتْ. أصبحتْ على بعد نحو مترين فرّجت العباءة في أعلى وجهها فسطعت عينان حوراوان واسعتان ساحرتان رائعتان قادرتان لا على إغراق عبد الوهاب في سحرها بل الدّنيا كلّها بما فيها.
أغمض عبد الوهاب عينيه، لم أر نفَسَاً يصعد وينزل. لم أر ملامح بشرية. استحال من أمامي إلى تمثال جامد لا يتحرّك. ثم فتحهما بعد ثوانٍ، قال بصوت وطيء كأنه الأنين: أرأيت؟
– نعم.
لم أتنبّه إلى أنها رمت شيئاً. لكنه وقد اعتاد أسلوبها، قال لي بعد نحو دقيقة إذ تأكد أنها لابد رمت ورقة في مسارها: تعال.
مشيت معه. وبالفعل وجدنا ورقة صغيرة ملفوفة لا تزيد على طول إنج، خطفها وقال لي: أسرع.
ركض. فشاركته الرّكض. حتى إذ وصلنا شارعاً عاماً.
انتظرته ليقول لي ما في الورقة  التّي تكلمتْ عنها عنبر، لكنه لم يخبرني آنذاك. ربما لأنه كان منفعلاً بشكل لا يمكنه من السّيطرة على كلماته. كشف لي الأمر عندما رأيته بعد يومين.
طلبت منه أن تراه حيث كانت محاضرات الدّورة تجري بعد الدّوام العادي في الثّانوية الشّرقية في محلة النّبي شيث قبل أن تنقل إلى مكانها الجديد مقابل النّادي العسكري. عندئذ قاده طلبها للخطبة إلى تلمس طريقه نحو المستقبل: ماذا سأكون. كيف سأتقدم لها إن لم أضمن مستقبلي؟ هل سأعيش عالة على أهلي؟ لا. ليس مثلي من يفعل ذلك.
ذهب إلى الثّانوية. قابل المسؤول عن الدّورة قبل أن يأتي الطّلاب. وبعد أن سمع بفوائد العمل في البنوك رأى اختيارها موفقاً. فالبنوك موجودة في المدن الكبيرة، وهذا يعني أن لا “بهذلة” في القرى والأرياف كالمعلم والعسكري. وهي تدفع ثلاثة عشر راتباً لا اثني عشر. والدّوام فيها جيد للتبريد التّي توفره في الصّيف والتّدفئة المناسبة في الشّتاء. لذا جاء قراره بالانتساب لدورة موظفي المصارف باتاً. إضافة إلى أنه سيتمكن من رؤية عنبر كما هي من دون عباءة على رحلات الصّف.
“سأملأ عيني منها قدر استطاعتي. سنجد طريقة للتحاور. سأتقدم لخطبتها رسمياً. سنتزوج بعد التّعيين مباشرة. وعدني أبي. أيوجد أكبر من هذا النّصر؟”
-لا.
ثم أمسك بزيقي: انتبه إليّ؟
ضحكت: أنا منتبه قل.
-كم طفلاً تتمنى أن يولد لك إن تزوجت؟
-لقد جننت!
-لا، لم أجن. مسألة طبيعية. قل لي كم طفلاً؟
ابتسمت: لم أفكّر  في الأمر.
-حسناً فكّر في الأمر الآن.
-ولا طفل. لا أحب أن يكون لي أطفال.
-لماذا؟
– أنا مع المعري. الحياة بلا أطفال أمر أكثر إنسانيّة. لم أحدثّك كيف يعذبني المكلوب؟ أخشى أن يكون ابني فقيراً يرى أشياء لا يستطيع أن يتمتع بها. لا أريد لأبني أن يصبح مثل المكلوب يسرق النّاس ويعتدي عليهم بشتى الوسائل، ولا أريد أن يعتدي عليه الآخرون. أحبّ الأطفال. لا أريد أن أقذفهم إلى دنيا لا أمان لها.
فعبس بوجهي، صرخ: أنت غير طبيعي. القراءة أفسدتك. كفى فلسفة.
ابتسمت: أنت طلبت مني رأيي.
-حسناً. دعنا منك. أنا أريد اثني عشر طفلاً بالتّمام والكمال.
ضحكت بقوة: اثنا عشر طفلاً. لماذا؟
– أنا وحيد أبويّ. إن متّ انقطع نسلهما من الدّنيا. لو كان عندهم ولد آخر فسيخفّف ذلك من مصيبتهم.
فتضايقت: أوه.. كم أنت متشائم! من أين تأتي بهذه الأفكار التّافهة. لو كل النّاس فكروا مثلك. ما عاشوا.”
أرقت في ليلة المظاهرة طويلاً. لم أستطع النّوم بسهولة. ترى هل كان يتوقع موته؟ لست أدري متى غفوت، لكني استيقظت مضعضع الحواس. وعندما انتهى دوام المدرسة في اليوم التّالي ذهبت إلى السّرجخانة فرأيت دكان والدّه مغلقاً.  جاره في الثّلاثين، يبيع لوازم خياطة، ونقش، وشرائط حريرية من الإبريسم، وأنواعاً كثيرة من النّمنم، وبكرات الخيوط وأشياء أخرى كثيرة، ويضع أمام عينيه عدسات ثخينة، يبدو في داخل زجاجها غير دائرة مختلفة الأحجام. قال: لا أدري. لم يفتح اليوم. فعلمت أنّهم عرفوا بالحادثة.
اندفعت الدّموع إلى عيني. وأردت أن أتأكد فسرت إلى محلة النّبي جرجيس وحينما دلفت إلى العطفة سمعت صوت الحافظ صلاح الدّين يتلو القرآن بصوته الحزين العذب. فأجهشت بالبكاء. لكني لم أجرؤ على دخول مجلس الفاتحة. بل رجعت إلى البيت.
أنبني ضميري كثيراً بعد انقضاء الفاتحة. فهرعت إلى بيت عبد الوهاب. رأيت الباب مغلقاً. لم أتجرأ على طرقه. رأيت صبياً بنفس عمري. سألته إن كان يعرف في أي مقبرة دفن عبد الوهاب؟ فأكّد: أنه دفن في مقبرة العائلة في باب سنجار. شكرته وتوجهت باتجاه المقبرة. لكنه استوقفني سألني: أتعرف في أي ناحية من المقبرة؟
-لا.
– المقبرة كبيرة. لن تتعرف وحدك على القبر.
-أتعرفه أنت؟
فتح عينيه:كيف؟ أنا شاركت بحمل التّابوت؟
-أهو صديقك؟
-قريبه. وأنت؟
– صديقي.
-لكني لم أرك في الفاتحة‍
دمعت عيناي: لو حضرت لبكيت أمام الجميع، إنّه أقرب أصدقائي.
تهدّج صوتي، لم أستطيع السّيطرة على نفسي.
– لا عليك. أنا كذلك أبكي بسرعة.
مسح دموعه: أنا مُعْتِب ابن خالتّه.
سار بالقرب مني: أتعرف صديقه الخطاط؟
-لماذا؟
-كثيراً ما حدّثني عنه إنه يحبّه. أنا أيضاً أخط.
-أتريد أن تتعرف إلى صديقه؟
-يا ليت! أتوق لأريه ما أخطه لأنه كما يقول المرحوم أحسن خطاط ممتاز لعله يوجهني.
-أنا هو.
– أنت؟
توقف، عانقني، شدّ على يدي.
– لقد حزرت أنك هو. لأنك بكيت. كنت أتوقع مجيئك.
-لا أستطيع أن أسيطر على نفسي.
زرنا المقبرة، وكان من المستحيل عليّ لو لم يكن متعب معي أن أعرف القبر، بالرّغم من اختلاف ترابه عن القبور الأخرى لأنه أكثر رطوبة منها.
أضاف عبد الوهاب جرحاً آخر يكلم مشاعري ويصيبني بكآبة عميقة لم استطع التّخلص منها إلا بعد مدة طويلة.
في سنة 1981 بعد نحو عشرين سنة من ذلك التاريخ دخلت مصرف الرّشيد المقابل لسوق الشّورجة في بغداد، وكنت أعتزم السّفر، ولابد من تحويل بعض النّقود إلى عملة صعبة أجنبية، وكان لا بدّ من توقيع مدير التّحويل. وقفت بالدّور. أمامي بضعة أشخاص. وكانت هناك منضدة عليها رقعة نحاسية مكتوب فوقها بخط نسخي جميل اسم مدير التّحويل: عنبر عبد المنعم. لم يعنِ الاسم لي أيّ شيء أوّل الأمر. لكنّ شيئاً ما أشبه بشعاع كهربي انتشله بعد ثوانٍ من الأعماق. ربما لندرة مستعمليه! هناك شيء ما. من؟ متى؟ كيف؟ لا أدري. خرجتُ من الصّف، حدقت بالسّيدة المدير، فلم أر إلا سترة خضراء بلون الفستق من القطيفة الفاخرة، وشعراً قهوائياً عميقاً خالياً يحجب الملامح، كانت منحنية تقرأ كل معاملة بدقّة ثم توقّع بعدئذ. وعندما جاء دوري ورفعتْ إليّ عينيها عاد بي الزّمن أكثر من عقدين لأرى لا عيني المديرة بل عيني عنبر التّي كان عبد الوهاب ينتظرها في ذلك اليوم، عينان حوراوان واسعتان ساحرتان رائعتان تسعان الدّنيا بما فيها، فتفجّر بشيء من اللهيب ذلك الشّعاع الذي ضرب أعماقي قبل دقائق ليضيء زاوية ألم قديمة قابعة في ثنايا النّسيان. نعم هي نفسها لا غيرها؟ أنا متأكد الآن. هل تزوجت؟ ألها أولاد؟ هل أسألها؟ لا. كيف أسألها؟ ماذا أقول لها، أأقول: أنا صديق عبد الوهاب؟ أنا الوحيد الذي رآها معه في يوم ما. الوحيد الذي سرّه عبد الوهاب بأدّق أسراره! أأستطيع أن ألقي عليها هذا السّؤال: أما زلتِ تحبين المطرب عبد الوهاب؟ لا إنه سؤال تافه. ولا شك أنها لاحظت احتدام مشاعري مرسومة على تقاطيعي فتلألأت نظرتان حادتان في مقلتيها برهة كومض بريق في ليل خريفي منذر بالصواعق، وكأنها تسألني أيوجد شيء؟ لكن مهنيّة العمل تغلّبت أخيراً، فمدّت يدها بالأوراق بعد أن وقعتها مع ابتسامة مجاملة جميلة كان عبد الوهاب على استعداد للتضحية بالغالي والنفيس كي يراها مطبوعة على ملامحها.
خرجت وأنا أغوص في الذكرى فومض في ذهني أن أسأل أيّ موظف في البنك إن كانت من الموصل أم لا؟ فهو سؤال لا يثير شبهة. رجعت إلى المصرف فلمحت شاباً في العشرينات يقف وحده خلف الحاجز المرمر. ويكتب في دفتر ما، توقفت قربه وأنا أشير إلى غرفة مدير التّحويل عما خطر في بالي، فهزّ رأسه وهو ينظر إلي: نعم. من الموصل. نُقلت قبل أشهر. إنها سيدة رائعة عظيمة. شكرته وأنا أغادر المصرف وأئِد أسئلة أخرى حاولت الخروج من قمقم النّسيان المهجور. لكني لم أهدأ ذلك اليوم ولا اليوم الذي تلاه، كنت أشبه بمن أصابته دُمَّلة مزعجة في ذقنه تجبره على حكّها باستمرار. فقد خطر ببالي أنه من الواجب أن تعرفَ، وهو حبها الأول، كل شيء عنه. عن عذابه في الحبّ. عن الصّعوبات التّي عاناها في الخروج من المدرسة، وانتقاله إلى الدّراسة المسائية، ورغبته في التّقديم إلى الدّورة نفسها. عن رغبته باثني عشر ولداً، عن. عن. عن. كلّ الأشياء التّي لا تعرفها عنه. لكنّي لم أتوصل إلى وسيلة، حتى أنني قررت وأنا تحت تأثير الشّراب أن أكتب لها رسالة غفل من العنوان ثمّ استبعدت الأمر. برزت إلى السّطح بضع أفكار أخرى لاقت المصير نفسه، لكن الدّمَّلة مهما كبرت تشفى بمرور الزّمن، ولا يبقى منها سوى الذكرى.

هوامش :
1- معاهدة مذلّة للعراق تكرّس التّبعيّة الاستعماريّة ولا تترك أيّ حيز للعراقيّين يتمتّعون فيه بوطنهم وثرواتهم.
2-علمت فيما بعد ان كلّيتي الطّب والصّيدلية اتخذتا قراراً بفصل من يرسب سنة واحدة فقط.
3-ولست أدري كيف جعل الفراش تلك الحسناء الرّائعة نفرتيتي عوراء؟ وفي العين اليسرى بالتّحديد! وبالرّغم من أنني رأيت نسخة من تمثالها الجميل في متحف برلين بعد أربعين سنة كاملة “1991” ورأيته نسخة ثانية منه في المتحف المصري سنة 1996عندما ذهبت لتسلم جائزة نادي القصة، إلا أنني كنت أنسى أن أدقق في عينيها لأكتشف عوارها كما ادعى الفراش أم لا، وهل كان اعورارها في عينها اليسرى بالذات!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| كفاح الزهاوي : مجلس العظماء.

    دخلت قاعة التهريج، رأيت القرود مجتمعين، متوضئين وملء أشداقهم أصداء ضحكات هازئة تتعالى مستهينة …

| حسين أحمد : ذكريات مرَة – المهجع رقم ( 3 )  ..!!

     يبدو للنزيل الحديث وللوهلة الأولى إنه عالم آخر مغاير عن الحياة الطبيعية العامة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.