خضيّر اللامي : حفيد الـ(بي بي سي) رواية ساخرة عن نكد هذا الزمان..

khdier_allameميسلون هادي، كما عرفتها في بداية حياتها الأدبية، وقرأتها في هذه الرواية ، كما في أعمالها الأخرى حكَاية من النادر ان نجد مثيلاً لها ، فهي بغدادية اصيلة ، تجيد النكتة العراقية كتابةً بامتياز ، كما رجل ، مع انها نشأت وترعرعت في بيئة برجوازية ، وسكنت في أرقى محلات بغداد ، وهي فضلاً عن ذلك ابنة ضابط كبير في الدولة العراقية في عهد عبد الكريم قاسم .
من أين جاءتها هذه الموهبة المتخصصة ، وهذه الحكايات التي لا تحكيها إلا امرأة عجوز تجاوزت الستين من عمرها؟. هذا التساؤل دفعني إلى كتابة هذا المقال الذي سأتناول فيه هذا الجانب الساخر من رواية (حفيد البي بي سي) ، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 2011 ، وهو جانب توزع في معظم متنها ، وسأترك تحليل الشخصيات والاحداث وبعض الجوانب الفنية الاخرى، على اهميتها، الى وقت آخر ومكان آخر.
كان مستهل الدخول في عالم رواية (حفيد البي بي سي) لميسلون هادي هو الاهداء الذي تفضلت به عليَّ ، وكما يلي : الى صديق عزيز من الزمن القديم …. اهديك ضحكة من القلب عن نكد هذا الزمان . هنا يلعب الاهداء دوره معي في سيمياء مجريات مسرود الرواية ، قد نضحك حتى نستلقي على ظهورنا مما تطرحه الساردة من لغة ساخرة وتهكمية حتى اللعنة ، بيد أن هذه السخرية مبطنة بأعمق عذاباتنا من نكد هذا الزمان . وثمة مفتاح آخر قدمته لنا الروائية قد يتماهى مع هذا الاهداء ، كضوء اخضر ينير لنا ما تبطنه تلك اللغة الساردة .. ” ليكون ظاهره لهوا للخواص maysaloon hadiوالعوام وباطنه رياضة للعقول الخاصة ..” على حد تعبير ابن المقفع من مقدمة (كليلة ودمنة) .
ومن يتصفح مفردات فصول الرواية يرى انها توميء الى أن الساردة، وقبل الدخول الى متن الرواية، تملك ثقافة شعبية او فولكورية واسعة نادراً ما نجدها لدى الروائيين المحدثين ولناخذ بعض الامثلة قبل ولوجنا في متن الرواية .. حية وبطنج ، لحية القاضي ، شعيط ومعيط وجرار الخيط ، حلبوصة كنت ، فحل التوت.. الخ..
كما ان الروائية ميسلون هادي ، اختارت غلاف الرواية بانتقائية ذكية ، ربما اقترحت على مصمم غلاف الرواية رسم لوحة لشخصيات الرواية تجعل المتلقى وقبل الدخول الى الرواية يتأمل كثيرا في وجوه تلك الشخصيات ، وربما ترتسم هوياتها في ذهنه ، مثل ملكة بريطانيا العظمى اليزابيث، ومايكرفون البي بي سي، وعبد الحليم حافظ ، وعبد السلام النابلسي ، وليلى مراد ، وجمال عبد الناصر، وعبد الكريم قاسم ، ومذيع البي بي سي ، وشهرزاد الشخصية الرئيسية . فمثل هذا الارتسام هو ما حدث معي فعلا ، ناهيك عن عنوان الرواية الذي يبدأ بكلمة حفيد لتكون اشارة واضحة الى ان الرواية تمتد عبر مرحلة معينة تتحدث فيها عن سيرة حياة شعب منذ مطلع عشرينيات القرن العشرين وتحديدا منذ الاحتلال الانجليزي للعراق ، كانت فيه شهرزاد شاهدا على الاحداث التي شكلت نسيج ولحمة شعب حتى زمن الاحتلال الاميركي 2003 . kh maysaloonنقف عند العنوان، وإلى حد ما الغلاف، هذه الوقفة ونحن نعرف أنه يشكل الطرقة الأولى على الباب ، للولوج في عوالم العمل الابداعي ، وربما ، أو من المؤكد سيحير السارد وقتا طويلا أو يؤرقه أياماً ولياليَ ، كي يرسي على اختيار العنوان المناسب لمتن النص . ولا شك أن العنوان يُعد جزءاً أساسياً من نسيج ومبنى العمل الروائي . في الوقت ذاته ، يقف القاريء طويلا أمامه قبل أن يطرق الطرقة الأولى لاعطائه الإشارة الضوئية للنص الأدبي ..
هذه إشارات او ايماءات تهدف منها الساردة الى أن الرواية لها وجهان أو نصان إن صح التعبير ،  وكما جاء في قول ابن المقفع ليكون ظاهره لهواً …. وباطنه رياضة للعقول … اذن ، لنبحر قليلا في اجواء هذه الرواية ، ولنذهب مع الساردة الى عوالمها التي عودتنا عليها في رواياتها الأخر .
كما قلنا في مستهل كلامنا هذا ، يبدو أن الساردة ، التي نرى أنها ميسلون هادي نفسها ، تملك حساً شعبياً عفوياً  ساخراً بالاشياء من الحياة وحتى من الأحداث الجسام التي مر بها العراق في تاريخه المعاصر ، يندر ان نجده لدى مجايليها من الروائيين والقصاصين . إن الروائية تقودنا تفصيلياً فعلاً ، بحسها الشعبي هذا ، وما تمتلكه من سخرية هادفة الى متن الرواية لتقدم من خلاله نصاً مكشوفاً للخواص والعوام على حد سواء ، بيد أن ثمة ميزة للخواص ، واعتقد أن هذا هو النص الآخر الذي أرادت أن توصله لنا تاركةً النص الظاهري إلى من لا يمكنه الغور.. إلى العوام من الناس . وهكذا ، فإن للناقد او القاريء المحترف نصه الخاص .
ربما أن سبر غور النص غير المرئي ، أو الوجه الآخر للرواية ، يعرض لنا مدى تفاعل وعذابات وإحباطات الساردة كما نحن حقبة من الزمن التي مر بها العراق ، بما في ذلك الزمن الحاضر بما شهده من حروب ، ومآسِ ، وكوارث ، وحصارات ، وسجون ، واحتلال ، ورفض الاخر ، وذبح بحد السيوف ، وتدمير بنية الشعب العراقي الطيب بكل أطيافه .. وما زالت كبوات مستمرة لا ندري في أي نفق نسير في دهاليزه !..
تفصح ميسلون هادي في مقابلة لها مع جريدة الصباح مؤخرا عن روايتها هذه وما تحمله من سخرية وتهكم وما ترمي من ورائه :
“ما ‏جعلني أنعطف إلى السخرية في ‏روايتي (حفيد البي بي سي) التي ‏تتصدى لتفكيك الواقع عن طريق ‏التهكم والسخرية. كان من المفاجئ ‏أن أكتب في السخرية، ولكني ‏شعرت بالملل من كل هذه المآسي ‏والأحزان سواء في رواياتي أو في ‏السرد العراقي بشكل عام، فتحديت ‏نفسي بهذا العمل بعد أن فرضت ‏شخصية الرقيب نفسها على ‏الرواية، فوجدت إنها تُكتب بشكل ‏ساخر منذ الصفحات الأولى… ‏ومن خلال تلك الشخصية وما ‏يحيط بها، سيعيش القارئ سخرية ‏لاذعة من الأحداث التي مر بها ‏العراق والوطن العربي خلال ‏نصف قرن من الزمان..”.
لكن الروائية ، وعلى غير عادتها في السرد الابداعي بما قرأناه في اعمالها الادبية الاخرى ، ضمّنت هذه الرواية احداثا تأريخية وآنية وظفتها بطريقة سردية تأريخية بحت ، بعيدا عن التناول الفني وخاصة في الجزء الأخير من الرواية ، حيث تناولت احداثاً عراقية وعربية وحتى عالمية مع تنصيص الأقوال وتوثيقها مما خلق في رأيي ترهلاً في جانت من الرواية لا مبرر له ، كما  افقد القاريء متعة الذائقة الفنية للوحتها  البي بي سي الرائعة كما جاء في  معظم صفحات الفصلين التاسع عشر والعشرين .. ومع هذا ، فإن الرواية تبقى مما يمكن أن نسميها رواية الكوميديا السوداء في نصها الآخر غير المكشوف .. وكان بودي أن أستشهد ببعض المقاطع الكوميدية للقاريء لولا أن الروائية ميسلون هادي قد سبقتني وأوضحت الهدف من كتابة هذه الرواية باسلوب كوميدي ساخر .. فلأتوقف هنا.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.