نصرت مردان : سيلوبي (4/ الأخيرة)

nasrat mardanلم يحلق الخيال طويلا في هذه الرواية

    أزل

كانت الليلة الأخيرة لأزل في المعسكر، والذي كان من ضمن المقبولين من قبل الدولة الأمريكية مع شقيقه ناظم. وقد تأهبت ردهة العزاب من اللاجئين البعيدة بخمسين مترا عن الخيام التي تقيم فيها العوائل. لهذه الليلة .ومن حسنات الردهة أن فيها كهرباء ، عكس الخيام التي كانت  يضاء فيها الظلام بمصابيح اللوكس.
يقيم في الردهة  أكثر من عشرين شخصا من اللاجئين من مختلف المشارب. وكانت لاتهدأ فيها الثرثرة والنقاش والضحك وأحيانا الحزن والقلق والانتظار ، وأصوات الغناء.
كان أزل يبدو سعيدا ، لا أثر في وجهه للسنوات الثمان التعيسة التي قضاها في سجن (أبو غريب). سنوات ثمان ظلت محفورة في أعماقه ، وتلافيف ذاكرته ، وسردابها.
كان قد أعتاد على مناظر الموت ،وهو يختطف بعض زملائه في الجبهة ، في لحظات خاطفة بسرعة خاطفة  في الخندق التي كانوا يحتمون فيها من الرصاص والشظايا والقنابل. مع الأيام لم يعد الموت مرعبا له بل بات دائما اقرب إليه من حيل الوريد. كان يجد في إجازاته السلوى بزيارة حانات بغداد مع عدنان أخلص أصدقاءه. وهو صديق طفولته وصباه ، الذي كان يبوح له بكل ما في سريرته من أسرار عاطفية ، ومن غضب وسخط على الحرب التي لا تنتهي مع إيران.
في مساء جمع بينهما في إحدى إجازاته كالعادة حانة بغدادية. تشعب بهما الحديث من كل جانب ، وزادتها النكات التي كانت تنطلق منهما على حد سواء الجو أنسا وبهجة ، إلى أن عرض التلفزيون برنامج (صور من المعركة) تظهر فيها الدبابات العراقية ، مع صوت المذيع وهو يمتدح أداء هذه الدبابات في ساحة النصر والوغى. حيث علّق أزل على ذلك بفم أعوجه السكر المبين :
ـ عدنان .. تعرف ، لقد سمعت في تعليق بأن الدبابات التركية أحدث طرازا من الدبابات العراقية !.

صورة الغلاف : الكاتب مع عائلته وبعض اللاجئين في معسكر سيلوبي
صورة الغلاف : الكاتب مع عائلته وبعض اللاجئين في معسكر سيلوبي

لا يتذكر حتى الآن بماذا أجابه عدنان ، لكنه لم ينس كيف أن رجالا مسلحون اقتحموا عليه البيت وهو نصف نائم. ليقتادوه مذعورا معهم ، تسبقهم عويل أمه وتوسلاته.
بعد أيام من الخوف والقلق والحيرة قضاها في معتقل الأمن العامة، استدعوه للتحقيق. وطلبوا منه أن يخلع ملابسه كاملة، ثم سألوه سؤالا غريبا:
ـ ما علاقتك بتركيا ؟.
كان يعيش في داخل لجة من القلق والذعر، لكنه رغم ذلك تمكن من أن يقول:
ـ إنني لم أزرها قط ..
رد عليه المحقق بصوت فيه تهديد ووعيد:
ـ إذن كيف علمت أن طراز دباباتها أفضل من طراز دبابات الجيش العراقي ؟
وقع السؤال عليه وقوع الإعصار الذي لا يبقي ولا يذر. وأحس أنه قارب النهاية. وان حياته التي لم تتنه تحت وابل من القصف والرصاص وصواريخ النيران في الجبهة ، ستنتهي حتما هنا في زاوية من زوايا سجنه الرهيب.
حدثت معجزة ووجد نفسه يجيب :
ـ لا علم لي بذلك على الإطلاق يا سيدي !.
ازداد المحقق جنونا :
ـ حيوان .. يعني أنك لم تقل مثل هذا الكلام !.
كان متأكدا أنه لم يقل لأحد كائن من كان مثل هذا الكلام.
ـ والله العظيم يا سيدي .. لم أقل ذلك أبدا.
أعتدل المحقق في مكانه، وضغط على مسجل، وهو يقول له :
ـ إذا اسمع ذلك بأذنيك أيها الحقير !
بعد صمت قصير استمع إلى صوته :
ـ عدنان .. تعرف ، لقد سمعت بأن الدبابات التركية أحدث طرازا من الدبابات العراقية !.
هبط فجأة على روحه في لحظة، مليون غراب أسود ، فأسودت روحه ، وخيم عليها سواد لا نور فيه. سمع مع كلامه أصوات الملاعق وقرع الكؤوس في جلستهما بالنادي عندما قال فمه المشؤوم هذا الكلام.
إذن هو عدنان ، الصديق الصدوق ، صديق الطفولة ، ورفيق البوح ، وشقاوة الشباب.
أحس بالصفع والركل تهبط عليه من كل مكان .
سمع صوت المحقق وهو يسأله بين وابل الضربات التي تنال منه:
ـ من أين لك هذه المعلومة يا كلب ؟!
رغم الضربات التي كانت تنهال عليه ، وجد نفسه يتمكن من الرد:
ـ لقد قراءتها في مكان ما .. جريدة يا سيدي ، أو مجلة عربية يا سيدي ، والله العظيم.
وسقط على الأرض مغشيا عليه بعد أحس بضربة هراوة على قمة رأسه. وقبل أن يسقط
كان عدنان يروي من المسجل النكتة التي ضحك لها كثيرا في تلك الليلة.
تتالت على حياته أيام سوداء، بعد أن حكم عليه بالسجن لثماني سنوات، قضاها بالكامل بأيامها، ولياليها ، بشتائها ،وصيفها ، وخريفها ، وربيعها. ورغم صدور عدة قرارت بالعفو العام عن المعتقلين السياسيين ، إلا أن أي من تلك القرارات لم تشمله. وكان نصيبه ان يخرج من جحيم (أبو غريب) بعد حرب الخليج.
عاد أزل بروحه وأحاسيسه إلى القاعة حيث صخب زملاءه. كان  الدرويش قد اخرج من تحت سريره قنينة ويسكي ابتاعاها من سوق سيلوبي ، خصيصا لهذه المناسبة ،وهو يقول لموفق :
ـ عندما لا يكون هناك مشروب تدعي بأنك تستطيع تناول قنينة من الويسكي في نصف ساعة ..! هذه القنينة هدية مني لك كي تثبت ادعائك، الذي أتمنى أن يكون صحيحا.
نظر إليه موفق نظرة الواثق من نفسه ووضع القنينة أمامه ، كما أحضر آخرون زجاجات خمر وبيرة مع كمية هائلة من السلطة.
كرع موفق كأسه الأولى بسرعة فائقة ، بينما جلس أزل قرب الدرويش ، وهو يقول لمكرم:
ـ مع الأسف حبيبي مكرم لا توجد عندنا فودكا !
رد عليه أكرم مداعبا :
ـ ومن أين لمتخلفين مثلكم أن يفهم روح مشروب الرفاق ؟.. يكفيكم شرب العرق وسماع يوسف عمر .
ارتفعت القهقهات ، وأردف مكرم قائلا :
ـ لكنني على استعداد أن اشرب قدحا من العرق بمناسبة انعتاق أخي أزل من رجس هذا المعسكر!
كان ناظم جالسا على سريره متأملا الجميع ، قال له سعدي البغدادي :
ـ اقترب منا ياشيخنا .. واشرب كأسا على نخب أخيك أزل ، الذي سيصبح بعد سنوات هناك أزل الأمريكي !
علق عليه نظام قائلا:
ـ على وزن حسون الأمريكي !
رد ناظم مبتسما:
ـ أنا اكره الشرب، لكنني احترم الشاربين.
ارتفعت عاصفة من التصفيق استحسانا لكلامه.
ـ فعلا أنت شيخ يا ناظم..شيخ حقيقي !
رد موفق بلسان معوج بتأثير الكأس الثانية من الويسكي :
ـ بل قل عنه ملك ..!
كان الدرويش ينظر بدقة إلى وجه موفق ، الذي بدا يتحول إلى ما يشبه حبة البنجر في احمراره.
أخرج أبو روميو قيثارته الأثيرة وبدأ بالعزف عليها، محاولا أن وبفشل بالغ أن يعزف ، المقدمة الموسيقية المعروفة لأغنية فريد ألأطرش الشهيرة ( الربيع).
قال له مكرم متهكما :
ـ يبدو يا أبو روميو انك لم تعتد العزف بالكيتار إلا على الكلمات الارتجالية التي تلحنها أمام خيمتك ، وكلها هجوم على الأمم المتحدة التي لا تستعجل على تسفيرك إلى جنات كندا.
رد عليه أبو روميو ضاحكا، وهو يرفع نخبه على شرف أزل:
ـ قسما بالمسيح إن ملاحظتك في مكانها !.
كان وجه موفق قد تحول إلى لون قان، يكاد الدم ينفذ من مسماته. لم يتمكن أن يكمل كأسه الثالثة. نظر ببله واضح إلى وجه الحاضرين، وكأنه لا يعرف أحدا منهم. وكانوا يكتمون ضحكاتهم  بصعوبة بالغة، وهم يرونه صريع الويسكي. ثم امتد على فراشه وكأن شيئا لم يكن. ليغط في ثوان في نوم عميق، ضحك له الحاضرون، معلقين:
ـ سقوط أول شهيد للويسكي في معسكر سيلوبي !
ـ طرزان سيلوبي .. يقضي نحبه مخمورا  !.
في هذه اللحظة أقترب ناظم من شقيقه أزل مقبلا وجنتيه، وهو يقول:
ـ يعز عليّ كثيرا يا أوزبيو أن تفارقني غدأ !
كان ناظم معتادا على تدليل أخيه أزل بأسم لاعب الكرة البرازيلي المعروف أوزبيو.

*  *   *

مع شروق شمس النهار ، استيقظ أزل مبكرا ، وبدأ يعيد النظر ربما للمرة العاشرة في حقيبته التي سترافقه إلى شيكاغو. كان يفعل ذلك مرددا بينه وبين نفسه : ” وأخيرا ستنطوي في حياتي صفحة معسكر سيلوبي إلى الأبد.. ثمة حياة جديدة تنتظرني هناك ، وأنا أنتظرها بفارغ الصبر “.
* * *

في الصباح نهض كل النائمين في الردهة ، كان أخرهم طرزان سيلوبي موفق ، الذي صرعه الويسكي ليلة أمس، وألقاه في الفراش بضربة قاضية.
كانت الحافلة التي ستنقل اللاجئين إلى أنقرة ، واقفة أمام مكتب مسؤول منظمة الهجرة الدولية. كان الجو صحوا ، والسماء صافية زرقاء ، تبدو كبحر في السماء.
أخذ المشمولون بالسفر ضمن هذه الوجبة يحضرون إلى المكان الذي تقف فيه الحافلة، مرتدين أجمل ثيابهم ن وكأنهم ليسوا أولئك الذي كانوا حتى الأمس القريب يصارعون أنفسهم في بحار من القلق والحيرة والانتظار.
تقاطر إلى المكان معظم اللاجئين ليكونوا في وداع المسافرين. كانت الوجوه تبتسم والضحكات ترتفع، بينما قسم من الشباب يرقصون الدبكة في حبور. وكان مثل هذا الجو الاحتفالي معتادا لدى سفر كل وجبة .
كان من بين الحاضرين حاجي رسول وأولاده الخمسة وأحفاده، وجميع أفراد ردهة العزاب، وافراد من الذين يقيمون في الخيام.
قال نظام وهو يلف ذراعه بود على رقبة أزل ، ويقول له مازحا :
ـ إياك يا أزل وعصابات المافيا التي نراها في الأفلام م في شيكاغو ، مدينتك الجديدة..!.
رد عليه أزل :
ـ لا تقلق سأعيش هناك كالخروف المطيع.. من البيت للكباريه ، ومن الكباريه للبيت!.
أشار مهدي إلى حاجي رسول ،وهو يقول ساخرا:
ـ أليس حراما أن يسافر هذا إلى أمريكا.. وأبقى أنا في انتظار دولة تعطف عليّ ؟!
قال  الدرويش :
ـ أقسم أن حاجي حاجي يحمل معه لا أقل مما من ألفين دولار.. ألم يحتكر مع أولاده بيع قوالب الثلج في الصيف، إضافة إلى عملهم في تفريغ حمولات الطحين من السيارات العائدة من دهوك ، وتحميلها إلى شاحنات أخرى في طريقها إلى مختلف المدن التركية.
كان الذين كتب عليهم الانتظار يشعرون بنوع من الحسد تجاه الذين كتب عليهم الفرج ، والنجاة ، بعد أن كتب عليهم الانتظار لفترة أخرى في المعسكر. أيام لها لون الرماد ، وطعم الحنظل.
كانت شميران تبدو سعيدة للغاية، وهي تبدو إلى جانب أمها كظل صغير. وأخيرا حان وقت الانعتاق، والسفر إلى كندا مع أسرتها ، حيث ستلتقي بأخيها المقيم هناك منذ سنوات.كانت تريد أن تسبق الزمان ، وأن تطير إلى هناك ، حيث تنتظرها حياة جديدة ،لربما ستحمل الكثير من السعادة إلى حياتها ، وتقطع دابر الأيام المريرة التي عاشتها حتى الآن. هناك حيث الطب في تقدم ، لربما سيضيف عدة سنتمترات إلى قامتها التي تأبى أن تطول.
قال لها سعد البغدادي مداعبا :
ـ لربما سنصبح جيرانا في كندا يا شميران!.
أقترب أزل من شقيقه ناظم، وهو ينظر إليه بحنو:
ـ لا تهتم كثيرا سيأتيك الدور حتما ، سأكون أول من يستقبلك في شيكاغو. إياك أن تهتم بشيء.
في هذه اللحظة كان الكركوكي يتقدم مع وابنه الذي يعاني من مشاكل في القلب، نحو الجمع.حياهم ووقف مع زوجته إلى جانب أزل ، واخذ يهنئه بالسفر والانعتاق من ظلال المعسكر الذي من حياتهم شهورا وسنينا.
قبلّ أزل الولد الصغير وربت على خده بإشفاق ظاهر.
اشتدت الحركة بين الحاضرين بعد أن طلب مسؤول المعسكر من المسافرين أن يصعدوا إلى الحافلة. تعانق المسافرون مع من سيبقون في المعسكر لأجل غير معلوم.
انهمرت الدموع من عيون النساء في لحظات الوداع المؤثرة. وتعانق الرجال بحرارة. عندما رأى أزل الدموع في عيني أخيه ناظم وبعض أصدقائه، لم يستطع أن يحبس دموعه، وهو يصعد إلى الحافلة، حيث وصله صوت شقيقه وهو يقول له بأسى:
ـ الله معك أوزبيو !
في تلك اللحظة كان مظفر، يقف بعيدا عن الحشد،أمام الغرفة التي تبرع بها مدير فندق المعسكر له ،مع طاولة للعب البلياردو، ليكسب منه قوت يومه ،ينظر بحسد بالغ إلى المسافرين، شاتما حظه بأقذع العبارات، لأنه لم يجد حتى الآن دولة ترضى باستقباله ، بسبب قيام شقيق زوجته المقيم في السويد بجريمة قتل عراقي اثر مشاحنة بينهما  هناك، حيث يقبع بسببها في السجن.
وفي الحقيقة كان يجلد ذاته مرارا لذكره أثناء التحقيق معه لحظة مراجعته لمكتب اللاجئين، عن وجود قريب له في السويد. بعد فترة ليست طويلة اكتشف انه بذلك ارتكب بذلك خطأ عمره. حيث رفضت السويد طلبه بسبب قريبه، وليتها اكتفت بذلك، بل أنها عممت هذه المعلومة عنه إلى كل بلدان الاتحاد الأوربي التي تقبل استقبال اللاجئين. وهو معتاد ليل نهار أن يهين زوجته بأقذع الألفاظ، ويحملها بسبب أخيها جريرة بقائهم حتى الآن دون قبول.

بعد اسبوعين حمل مهدي رسالة من أزل الى ناظم.وكان من المعتاد أن يحمل الذي يمر بدائرة البريد ، عند زيارته للسوق في مرة جميع الرسائل المرسلة الى المعسكر لإيصالها الى أصحابها.
فتح ناظم الرسالة التي كان ينتظرها بلهفة ، وقد تجمع حوله كل من نظام وجنكيز وإسماعيل يدفعهم الفضول لمعرفة فحوى الرسالة.
لم يحتو مظروف الرسالة الا على صورة لأزل ، وهو يقف أمام سيارة وقد كتب وراءها عدة أسطر، يقول فيها انه وصل شيكاغو بسلام ، ويسكن البيت الذي يظهر في الصورة ، وانه اشترى سيارة بأول مبلغ تم دفع إليه على سبيل المساعدة.
اشتاط ناظم غضبا :
ـ الأحمق يتباهى بسيارته ، بينما انا هنا أحتاج الى دولار واحد. لقد وعدني بأنه سيساعدني حال وصوله الى أمريكا.. وهو يعرف حالتي هنا جيدا. أنظروا إليه كيف يبتسم مختالا بسيارته..!

رعد ووسام والسنونو

كانت الشمس تلقي بنيران الجحيم بكل حرية على كل مكان. وكانت الخيام تبدو لا حول ولا قوة لها أمام جبروت قيظ الظهيرة، حتى العصافير فضلت اللجوء إلى الظلال اليتيمة لجدران مبنى الفندق أو ظلال المرافق العامة.
كان هذا القيظ الكافر بدون أي شك من يضاعف من انفعالات وعصبية رمزي ورعد وجنكيز، وهم في طريق عودتهم خائبين من اتصالهم التليفوني بمكتب الهجرة في أنقرة للمرة الألف، بعد سؤالهم عن حدوث أي تغيير في أوضاعهم ، وفيما إذا قد حل دورهم في الهجرة إلى أوطانهم الجديدة على الرغم من أن مسؤول المعسكر أردوغان قد أكد للجميع مرارا وتكرارا في عدم اتصالهم بالمكتب الرئيسي لمكتب الهجرة في أنقرة ، وبأن المنظمة ستقوم بإبلاغ إدارة معسكر سيلوبي بأي قرار حول أي لا جيء سلبا كان أم إيجابا.
كان الجميع يعودون  بعد هذه الاتصالات وأعماقهم تغلي بالمزيد من السخط والغضب على كل من ينتمي إلى الأمم المتحدة ،ابتداء من السيد كوفي عنان وحتى آخر فراش في معسكر سيلوبي.
قال رعد متحسرا :
ـ ما الذي أتى بنا إلى هذا الجحر ! ..
كان جنكيز لا يرتاح له بعد أن أشاع عنه وليد بأنه شخص مشبوه، وأنه كان يبلغ الأمن التركي عن اللاجئين العراقيين الذين كانوا يقيمون بطريقة غير شرعية في أنقرة. وقد أتم محبو النميمة والقال والقيل من لا جيء المعسكر ، في أنه كان مسؤولا أمنيا  في العراق، وأنه فرّ منها لقضايا غش واختلاس، لذلك فهويتجول بسيارة تابعة لصاحب الفندق في بعض الأمسيات داخل المعسكر مع رمزي ومعهما قناني البيرة، أو يقف بنفس السيارة في زاوية بعيدة عن الخيام، وهو يستمع إلى أغان عراقية للمطرب المقام يوسف عمر من آلة التسجيل من الأغاني التي اعتاد السكارى في العراق عامة ، أن يخدروا أعصابهم على إيقاعها.
لم يكن رمزي يبالي بالإشاعات المتطايرة عن رعد فهو كان في معظم الأحوال رفيقه في الكأس والطاس، حيث اعتاد بعد الكأس الرابعة على ارتجال قصائد وهو يعلك الكلمات في فمه بأبيات غير مفهمومة على أساس إنها من الشعر الشعبي ، وكان رعد في تلك اللحظات التي يتطوح فيها عقله يمنة وبسرة ، من أكثر الذين يصدقون بأن رمزي يرتجل شعرا. بينما يسيطر غيره من الجالسين بمعجزة على عواصف من الضحك تكاد تنفجر في أعماقهم ، وكانوا غالبا مايغادرون الجلسة لدقائق لتفريغ شحنات ضحكاتهم، بحجة أنهم يقضون حاجاتهم.

* * *

وسام، هو أصغر أبناء رعد أو كما يقال آخر العنقود بعد ثلاثة صبية وبنت واحدة. يشتهر رغم صغر سنه بين أطفال اللاجئين في العسكر بوقاحته وسلاطة لسانه، وتوزيعه الشتائم الجنسية المقذعة التي يوزعها يمينا ويسارا دون أدنى شعور بالخوف. وقد أشعل له أبوه فيه وهج الوقاحة وقلة الأدب.بالإضافة إلى كل ذلك ، كان لا يتردد من أن يقذف البشر أحيانا والكلاب الشريدة والطيور بحصوة في مصيادته التي لا تفارقه.
وفي حقيقة الأمر فهو صبي وسيم للغاية، له شعر طويل كشعر الفتيات. وعندما كان البعض يعاكسونه بقولهم:
ـ أنت ولد لو إبنيّه ؟
كان يزداد وقاحة وهو يصرخ في وجه من يعاكسه كاشفا عن عضوه الصغير الذي بحجم حبة تمر:
ـ وهذا ؟ ..ما هذا ؟ ..هل هو كـ ..أمك؟!
لم يكن بقية إخوته بنفس وقاحته وقلة أدبه، بل كان الوحيد في العائلة الذي يمتلك كل هذه الصلاحية في استعمال كل مفردات الشتائم الجنسية ، نظرا للحصانة التي كان يتمتع بها من قبل والده ،الذي كان يبدو سعيدا للغاية من قلة الأدب  التي يظهرها صغيره دون خوف أو وجل.

* * *
كان السنونو، المنطلق من عشه في جدار الفندق ، يطير بخفة ورشاقة ، راسمة موجات رائعة من فنون التحليق  في الطيران عاليا ثم الهبوط فجأة نحو الأرض حتى يخيل للمرء أنه على وشك الاصطدام بها والسقوط صريعا ، ليعود إلى الارتفاع في آخر لحظة في منظر يستحق التأمل والإعجاب في نفس اللحظة ، ليظهر بعد فترة ،وهو يطير مع سرب من طيور السنونو ،التي لا يعرف أحد أين تقع أعشاشها، ومكان انطلاقتها في سماء المعسكر وأرضه.
كان وسام الشرير، يحاول دائما اصطياد طائر السنونو، لكنه كان يصاب دائما بالخيبة والفشل المرير،أمام المهارات البهلوانية لهذا الطائر الصغير، فيصاب بغضب هستيري، ويروح بإطلاق شتائمه التي اعتاد عليها اللاجئون في المعسكر صغارا وكبارا، على هذه الطيور الوديعة ، التي كانت تنجح في كل مرة في توسيع مساحة الخيبة في أعماقه الصغيرة.
في يوم ما ارتفعت منه صرخ فرح طاغية ، هرع معها نحو أبيه، الذي كان في ثرثرة حامية مع بعض اللاجئين حول أحوال العسكر واحتمالات الهجرة إلى بلاد الله الواسعة في الغرب.
وقف وسام أمام أبيه ، بعد ان ألقى بطائر السنونو الصريع ن الذي استطاع إصابة رقبته بواحدة من حجارته الشريرة :
ـ شوف بابا ..لقد نجحت في اصطياد واحد من أبناء القحبة !
كالعادة داعب الأب رأسه الصغير مقبّلا وجنتيه ،تاركا إياه ليعيش فرحة انتصاره على السنونو، يتعقبه جوقة من أطفال المعسكر ،وكل منهم يود أن يرى الطائر الصريع.
قال الدرويش الذي كان يتابع بعينيه الصغيرتين اللتين كانتا تتقطران أسى وحزنا، مخاطبا رعد:
ـ لعلمك يا أخي ، السنونو طائر مبارك ووديع ، وينهي معظم الشيوخ وزعماء الطرق الدينية عن قتله واصطياده !
ضحك رعد مستهزئا ،وهو ينظر إلى الدرويش:
ـ ها .. هل بدأت تحن من جديد للماضي ؟!.. صعب يا صاحبي أن يترك المرء ما تعود عليه سنوات طوال !
كان البقية من الجالسين قربهما قد بدؤوا في الإنصات إليهما ،بعد أن دبّ فيهم الملل من تعداد أسماء الدول التي سيسافرون إليها، حيث سيتحررون نهائيا إلى كل ما يمت من صلة في حياتهم وذكرياتهم في هذه البقعة المنسيّة على مقربة من الحدود العراقية.
قال الدرويش :
حبيبي أنا لا أمزح معك ..لقد سمعت ذلك من العديد من رجال الدين..حتى انهم يقولون بأن ثمة آية قرآنية مكتوبة تحت جناح السنونو..ويقال أن أذى سيلحق بكل من يصطاد هذه الطيور أو يقتلها.
لم يغير رعد بدوره اسلوبه الساخر:
ـ يعني شنو ؟ .. رب العالمين سيبقيني وعائلتي في هذا الوحل ، من أجل طائر حقير!.. ماهذه الخرافة يا درويش؟!.. لقد كنت أظن انك شفيت من الخرافات، لكنك كما يبدو لا تزال في الاتجاه المعاكس !.
أجابه الدرويش وهو يحاول أن يخفف لهجته:
ـ أخي أنا مجرد أنقل لك ما سمعت..الله أعلم بالحقيقية.

* * *
مر ذلك النهار بهدوء، مستسلما في النهاية لليل الدامس،. وكان يمكن للنهار الجديد أن يكون في رتابة النهارات الأخرى، لو لم ينتبه الدرويش الذي كان يذرع ساحة المعسكر مع الكركوكي إلى حالة رعد ،وهو في حالة اضطراب واضح. توقف عندهما وهو في حالة شرود بيّن.
سأله الكركوكي عما ألمّ به، وقلب حاله. قال رعد وهو يشعل بيده مرتجفة سيكارته :
ـ لولا هذا القفص الذي نحن فيه لقتلته ..
لم يسألاه عن اسم ضحيته المفترضة ، فهما يعلمان انه بعد ليلة سكر وما أكثرها، يظل عصبي المزاج في صباح اليوم التالي ، يستنزل اللعنات على مخلوقات الله في المعسكر بدءا من المشرف أردوغان وحتى سعيد النادل في فندق المعسكر.
واصل حديثه وكأنهما سألاه عن اسم ضحيته هذه المرة:
ـ منذ أمس أرسلت آلالاف اللعنات على الدكتور آيدن، الذي نسلم له أرواحنا باعتباره طبيب المعسكر عند المرض.. لقد كاد الأحمق ان يتسبب في قتل قرة عيني وسام..فبعد ان نهض من نومه مرتعبا،وقد داهمته حمى ، وكأن في صدره فرن.. اعتقدنا انه أصيب بالعمى، وبدا بعينيه المنتفختين وكأنه طفل من أطفال الاسكيمو ..
ـ وما ذنب الدكتور آيدن في ذلك ؟
قال بسخريته المعهودة من كل شيء:
ـ دكتور !..دكتور ماذا ؟ لا اختصاص ولا بطيخ ، فلم يمض على تخرجه إلا أشهر، وهو لا يزال طبيب ممارس..الم تلاحظوا أنه لا يكتب في وصفاته إلا أبر البنسلين؟!.. ألم يكد حاجي رسول أن  يصاب بالشلل بعد دزينة من أبر البنسلين الذي أوصى به دكتور آخر الزمان؟..
ـ وما علاقة المحروس وسام بالبنسلين ؟
ـ لقد رافقته أمه إلى غرفة الطبابة في المعسكر، حيث زرقه آيدن الزفت كالعادة بالبنسلين !
ـ ربما كان يعاني من الحساسية؟
ـ أليس المفروض بالطبيب أن يتأكد من ذلك ؟
أجابه الدرويش بصوت خفيض وكأنه يتحسب لانفعاله المتوقع:
ـ ومن أين لك أن تعلم أن ما أصابه كان بسبب زرقة الإبرة ؟
اشتاط رعد غضبا كما توقع:
ـ وماذا غير ذلك ؟
ابتسم الدرويش بخبث وهو يعلم علم اليقين بأنه سيحترق غضبا:
ـ هل نسيت طائر السنونو يا أبا وسام ؟!
في هذه اللحظة انطلق نداء من مكبر الصوت في غرفة مسؤول منظمة الأمم المتحدة في المعسكر :
ـ سيتم في الساعة الرابعة من هذا اليوم توزيع الأرزاق، وعلى المختارين الحضور في الساعة المذكورة لاستلام حصصهم.
وتلاه إعلان ثان، أنصت له الجميع بكل جوارحهم، لأنه كان يضم أسماء الذين سيغادرون المعسكر في الوجبة الجديدة.
مع الإعلان عن كل اسم، كانت الزغاريد وأصوات الفرح والصفير، تنطلق من الخيام التي يقيم فيها أصحاب الحظ السعيد الذي سينطلقون بعد اسبوع الى أوطانهم الجديدة.
فجأة قفز رعد كالمجنون عندما سمع اسمه في القائمة المعلنة. عانق الدرويش والكركوكي بجنون ، وبدأ يمطرهما بوابل من القبل.
كان يبدو كالمجنون وهو يرى أبناؤه باستثناء وسام يهرعون نحوه.
قبلهم وداعب رؤوسهم بحنان.
التفت في تلك اللحظة الى الدرويش ساخرا :
ـ لو كنت أعلم لطلبت من وسام أن يصرع طائر السنونو المبارك منذ زمن طويل !.. فعلا أن  أنه طائر سعد.
كان الدرويش يشاركانه سعده وفرحه. قال الكركوكي مداعبا :
ـ والدكتور آيدن، ما رأيك فيه الآن ؟.
أطلق ضحكة مجلجلة :
ـ أحسن طبيب في الشرق الأوسط !.
ثم صاح بأعلى صوته :
ـ نحن قادمون يا سدني !

  الكركوكي والمازوت

سمع في لجة الليل الصامت، الدامس وهو غارق في نومه المتأرجح بين الأحلام والكوابيس، صوتا يناديه في مقبرة (بابا فتحي) التي يرقد فيها والداه. كان الصوت أليفا إلى نفسه.
وجد نفسه داخل المقبرة التي ما أن دخلها حتى وجدها منيرة بقمر ساطع في سماء صافية. كان الضوء يضفي على الجو نوعا من السكينة التي تحتاجها الروح منذ ميلادها وحتى رحيلها. المنظر الذي وجد نفسه في وسطها كان خرافيا ،آسرا ، استثنائيا، واحتفاليا.
كانت القبور مفتوحة، والموتى خارج قبورهم، مرتدين ملابس أنيقة، جالسين على مقربة منها، ينتظرون أقاربهم وأحبائهم وأبنائهم.
وجد والديه جالسين على مقربة من قبريهما. سمع صوت أمه تناديه. كان نفس الصوت الذي سمعه قبل قليل.  احتضن كل منهما بشوق. انفجرت من عينيه اللتين نسيتا البكاء، سيولا من الدموع المدرارة التي تلاحقت قطراتها حتى وصلت الى ذقنه . لم يجد في نفسه مقدرة السؤال عما يحدث من حدث مهول، عصي على الفهم والتفسير، يقف أمامه العقل والمنطق في لجة من الحيرة.
ما أثار استغرابه ، أن جميع الموتى بدوا وكأنهم يعيشون حدثا اعتياديا. وحده بينهم كان يعاني من ذهول السؤال والتساؤل أمام هذه المعجزة. كان الجميع يدركون بأنهم موتى ، وأن القبور باتت بيوتهم وأوطانهم الى الأبد.
قال له والده وهو ينظر إليه بحنان :
ـ لماذا تذرف كل هذه الدموع يا ولدي ؟.
اكتفى بالصمت. كان عاجزا عن الكلام أمام هذا النظر الغرائبي، أن يفسر لوالده الطيب ، سبب تدفق دموعه بهذه الغزارة ، لكنه ألفى نفسه يقول:
ـ كلما أمر من أمام مقهى ( أحمد جاسم) أتذكرك يا أبي .. لكم كنت تحب هذا المقهى المتواضع ـ القديم!.
طوال هذه اللحظات لم تترك أمه يده. كانت تشاركه البكاء بهدوء. ود أن يقول لها بأنها لا تزال حية ونابضة في أرجاء البيت، الذي كانت هي ملكتها بدون منازع. سمعها تسأله:
ـ هل أنجبت زوجتك لك ولدا ؟.
هزّ رأسه بالإيجاب وهو يقبل يدها بلهفة.
لم تكن المقبرة التي زارها عشرات المرات لقراءة الفاتحة على ضريح والديه، تلك المقبرة الموحشة التي تحيط  بها الأشواك والأعشاب البرية من كل نوع وجنس. وكان حارس المقبرة يقوم في أيام الصيف بإزالتها من جذورها التي تموت فيها الخضرة عن بعض القبور فقط التي يتلقى من أصحابها قليلا من المال، بينما يترك بقية القبور تعبث بها الأشواك يمنة ويسرة، طولا وعرضا.. ولكن كيف اكتسح بساط الخضرة التي يشاهدها الآن على كل سنتمتر من أرض المقبرة التي كانت تبدو موحشة
بأشواكها وأعشابها البرية الغريبة.
كانت أصوات الفرح البشري ترتفع على صوت كركرات وهمهمات سعيدة صاعدة بشكل بهيج مثل زهرات زاهية من كل نوع من جانب الموتى وزوارهم.
فجأة أحس بالعتاب في نبرة والده وهو يقول :
ـ في العام الماضي مثل هذا اليوم انتظرناك طويلا.
سمع والدته تقول له وكأنها تدافع عنه أمامه كعادتها:
ـ ربما كان مشغولا ..فكما تعلم فهو حاذق وماهر في أن يشغل ذهنه بأمور لا نفهمها نحن..
كان يخشى أن يسألهما عن أحوالهما، لعلمه ان القبر هو أتعس نهاية لبني البشر..فكيف له أن يسأل مثل هذا السؤال غير المناسب في هذه اللحظات الفريدة، المترعة ببهائها ؟.
كان حفيف الأشجار يبدو مموسقا أمام جلال مايشاهده.
كانت غرفة حارس المقبرة تبدو مضاءة ، لمم يكن بالحارس الأحدب الذي اعتاد على رؤيته أثناء زيارته للمقبرة في بعض المناسبات. كان الحارس بدوره يبدو مسرورا للجو الاحتفالي الغريب التي لم ترها عين ، ولم تسمع به أُذن من قبل.
عندما انطلق صوت الأذان من عشرات الجوامع والمساجد القريبة من المقبرة في آن واحد ، ليضيف على منظر احتفالية القبور جلالا آخر ، وبهاءا أكثر سحرا. بدا وكأن يدا سحرية ضغطت على زر غير مرئي، ليختفي فجأة البهاء وضوء القمر الألق ، المنير الذي كان يغرق المقبرة بهالات ساطعة من النور ، ليشاهد نفسه جالسا وسط عتمة المقبرة.حيث لا نأمة ولا صوت.
كانت أبواب الظلام مفتوحة على مصراعيها في المقبرة. لم يجد الى جانبه أحدأ. اختفت أصوات الكركرات والضحكات المترعة بفرحة لقاء الموتى مع زوارهم.
هل عادوا الى قبورهم مجددا ؟
لم يعد يبصر أمامه شيئا.كان وحده في صحراء من الظلام. أخذ يصرخ بأعلى صوته. كان مرعوبا من العتمة التي هبطت فجأة ، ومسحت من المقبرة كل مظاهر الفرح والضياء والنور ، التي كانت ساردة بجناحيها في هذا المكان. واصل الصراخ في الجو المرعب الذي تغيرت حاله بين انتباهة عين واغماضتها.
وجد نفسه يصرخ مرعوبا مثلما ينادي طفل ضائع في سوق مزدحم على أمه:
ـ أمي !.. أين أنت يا أمي ؟!.
أحس بصوت يشبه صوت زوجته ينادي عليه.
فتح عينيه في ظلام الخيمة. فتح عينيه على صوتها .أحس بسخونة في رأسه الذي كان ينز عرقا غزيرا.
ـ صاحب العمل ينتظرك..
أشعلت زوجته مصباح اللوكس الذي زودت إدارة المعسكر كل خيمة لإنارتها. ألقى نظرة على ساعته. كانت تشير الى الرابعة صباحا. لم يكن النهار قد تحرر بعد من سطوة الظلام.
سمع صوت ديك بعيد يأتيه من مكان ما.

* * *

حينما صعد الى السيارة التي  أخذت تسير ببطء وهدوء ،وكأنها تحرص على عدم إزعاج الآخرين الذي يغطون بنوم عميق في خيامهم ، حالمين بالحياة والعيش في أوطان بعيدة لا مكان فيها للحرب والتسلط والظلم والكوابيس .وربما كانت أرواحهم ساعتها ترفرف في فضاء تلك الأوطان.
بدأت علاقة الكركوكي بالعمل في المحطة البدائية  لتفريغ وشحن المازوت من الناقلات القادمة من العراق. بدأ بالعمل فيها بعد زيارة مهدي له في خيمته التي يقيم فيها مع زوجته وأبنائه الأربعة، عارضا عليه العمل معه بعد أن حل موعد سفر معاونه الى وطن جديد، مستسهلا له طبيعة العمل. وكان الكركوكي بأمس الحاجة الى مورد مهما كان ضئيلا ليسد حاجة أسرته ، وكان قد استدان من ناظم عدة مرات ، والذي كان بدوره يسهل له الحصول على قرض من بعض أصدقائه من الذين كانوا يعملون كحمالين في تفريغ الشاحنات العائدة من أحمالها كأكياس الطحين والرز والسكر . وفي الحقيقة عرض عليه هؤلاء مشاركتهم في العمل الا أنه لم يستطيع حمل الأكياس زنة 50 كغم.
كانت فرصة العمل كعامل في المحظة البدائية للغاية في تفريغ المازوت الى الحاويات ، ومن ثم شحنها لشاحنات أخرى لنقلها الى محطات في مدن تركية مختلفة.
كان العمل روتينيا ، لكن المزعج فيه عدم وجود ساعات محددة للعمل. لأن العمل كان مرتبطا بعودة الشاحنات المحملة بالمازوت من العراق، ولم يكن ذلك في ساعات معينة كأن تكون في الفجر كما هو الآن، أو في وقت متأخر من الليل.
كان العيد يوما عاديا على الجميع في المعسكر. كان يوما عاديا بالنسبة لهم كبقية الأيام. وحدهم الأطفال كانوا يرتدون ملابس عيد نظيفة ورخيصة. وكانت العوائل لا تملك الا الشاي وشيء من الكعك الرخيص تقدمهما لزوارها للتهنئة بحلول العيد.
ـ عيد مبارك.
كانوا يهنئون بعضهم البعض. وكان بعض الخبثاء يطلقون ضحكة عالية ، وهم يردون على مهنئيهم مزّورين الشعار الفلسطيني الذي كان على كل لسان ، وملء الأفواه  في زمن تليد:( عيدنا يوم عودتنا).
ـ عيدنا يوم خروجنا من هذا الجحيم!
كانت خيمة الكركوكي في واقع المر مزارا لأغلب اللاجئين لما كانوا يجدونه منه أو من زوجته من ود ومعاملة طيبة ، ومقاسمتهم في الكثير من الأحيان الغداء أو العشاء وأقداح الشاي.
رغم ذلك كان يبدو وكأنه أنه يعيش في جب.وظن بصدق وخاصة حينما غادر معظم اللاجئين معسكر سيلوبي الى أوطان بعيدة. بأن الخروج من جب يوسف بحاجة الى معجزة حقيقية ، وخاصة عندما أعادت ملفاتهم دول كأستراليا والسويد وأمريكا بسبب عدم تحمل مصاريف إجراء عملية لقلب ابنه المنهك، الذي كان يبدو بسبب معاناته من مرض القلب كصبي نحيف البنية ، قليل الحركة.
وفي لحظات الضعف الإنساني ، وإحساسه بالخيبة التي كانت تعرف طريقها بسهوله الى أعماقه. يصدق بأنه لم يعش قط تحت مطر كركوك ،ووحل أزقتها ، وحزن شوارعها ، وأنه لم يكن ذلك الصبي الذي أحبّ السينما وتولع بظلامها حين كان الليل يطل ، وتتفرج البيوت من نوافذها المضيئة الى عيون الظلام الدامس، انتظارا للمرة الألف لشمس نهار جديد، لا يغير عامة شيئا من حال الناس.
أجل كان يحس في تلك اللحظات بأن لم يكن قط ذلك الصبي الذي كان يقف مبهورا بدراجته العتيقة أمام المكتبات في حضرة الكتب ين يدي ديستويفسكي ، وأنطوان تشيخوف ، وغوغول ، وبوشكين ،ونجيب محفوظ ، وأساطير ألف ليلة وليلة ، والديوان الكبير لمولانا جلال الدين الرومي.
الصبي الذي عاش أتعس أيامه في درس الرياضيات في كل مراحله الدراسية. وكان يشرد أحيانا بخياله متخيلا ومفكرا بصدق فيما إذا تم تصوير حياته في فيلم سينمائي، فأي منطقة منها ستكون بالأسود والأبيض، وأيهما تستحق تصويرها بالألوان الزاهية؟

* * *

لاحظ الكركوكي بوجود أشخاص لم يرهم من قبل في المعسكر ، يشترون السكائر من بسطة جعفر. كانوا يتحدثون معه بالتركية بلكنة سكان المنطقة الشرقية ، وفوجيء بأنهم يتحدثون فيما بينهم بلغة عربية ، شديدة القرب من اللهجة العراقية.
احتار في أمرهم، ولم يتكتم على حيرته بل قام بسؤال جعفر عنهم فيما ذا كانوا لاجئين جدد .
ابتسم جعفر وهو يقول له:
ـ كلا انهم سواق الشاحنات التي تعمل على الخط التركي ـ العراقي.. انهم من منطقة (حران) الواقعة في مدينة (اورفة).
وكم كانت دهشته كبيرة عندما وجدهم أمامه، وهم ينتظرون دورهم لتفريغ المازوت من شاحناتهم الى الصهاريج الفارغة. وكان الابن الأكبر لرعد المدعو أسامة مستمرا في العمل، والذي قرر الاستمرار في العمل حتى يوم سفرهم استراليا ،وكان قد حلّ محل مهدي ال بعد انطلاقه الى كندا. وكان أسامة معتادا على العمل في شحن وتفريغ المازوت في فترات مختلفة، لذلك فقد كان يطيب له أن يدخل أحيانا في ثرثرات سخيفة ومزاح سمج وثقيل مع السواق.
كانت سحنات السواق رمادية غامقة، وكان مزاحهم ثقيلا كسحناتهم.
في فترة الاستراحة بدأ أسامة يواصل ثرثرته معهم، رغم أنهم كانوا يضمنون كلامهم أحيانا إيماءات جنسية بذيئة.
انتقل الحديث الذي لم يكن يجمعه رابط الى علاقات الزواج في منطقتهم. وبدأ كل منهم في المفاخرة بمهور بناتهم. هنا وجد الكركوكي نفسه وبعد أن شاهد آفة المهور في تلك المناطق ونتائجها المأساوية في بعض الأفلام التركية التي كان قد شاهدها في سينمات كركوك ، والتي كانت تدور أحداثها في الريف التركي حيث يعتبر الفقر واجهة الحياة الاجتماعية. ويقع على المحب المبتلي بقصة حب أن يسافر للعمل في إحدى المدن الكبيرة كإستانبول ،أو أنقرة ،أو إزمير للعمل فيها سنوات عدة كي يجمع خلالها المهر المطلوب ، الذي يقرب وصاله من حبيبته، كي يتمكنا من أن يضعا رأسيهما على وسادة واحدة طول العمر.
وجد نفسه يوجه سؤاله للجميع الذي كانوا يجلسون في ظل صهريج المازوت.
ـ ولماذا هذه المغالاة في المهور؟.
رد عليه أحدهم وكان عراقي السمات بامتياز:
ـ بهذه المهور نقوم بتزويج أبنائنا، ونستفيد منها أيضا.
في الوقت الذي توقعوا فيه أن يصمت كعادته، لأنه قليل الكلام عامة. طرح سؤالا آخر:
ـ وإذا كانت الفتاة تحب شابا آخر ، وترفض العريس الذي تختاره العائلة؟
أجابه أحدهم، كان في فمه سنتين ذهبيتين:
ـ هذا لن يحدث عندنا !
ألح الكركوكي بعناد:
ـ  لنفرض أنه حدث !
قال بلهجة قاطعة وجازمة وبدون حياء :
ـ في هذه الحالة نقطع كسها !
وغرق زملاؤه في محيط من الضحك العاصف، وعادوا يدخنون بشراهة، مستمعين باستمتاع ظاهر إلى الأغاني المنطلقة من شريط كاسيت من شاحنة أحدهم.
ـ يا حجي لا يبدو عليك انك من محترفي العمل في المازوت !
لم يرد على السائل. قال له آخر :
ـ حجي .. استمع الى هذه الأغنية التي ستحملك حتما إلى ذكرياتك في العراق !
انطلق صوت جنوبي، يشبه صوت الرادود في أيام محرم. كان صوتا غريبا بالنسبة إليه ، لم يسمعه على الإطلاق ، وهو الذي اعتاد منذ صباه على الغناء ،والولوج إلى عالم المغنين سماعا وأداءا.
كان سوّاق ( حرّان) يهزون رؤوسهم إعجابا.
ـ الا تعرفه ؟
هز رأسه سلبا.
ـ انه حسين انضباط.. الا تعرفه ؟..لعد أنت اشلون عراقي؟.
كان صوته يطلق كلاما غير مفهوم وكأنه يستغيث من بئر مهجورة.
وفي ذلك اليوم علم منهم أنهم ينتمون الى عشائر عربية لها جذورها في العراق كالجبور ،
والشّمر وغيرهما. لكنه استغرب أن يجدوا على أغاني لمطربين لم يسمع به لا الأنس ولا الجان في العراق.

يوم السفر

كان عدد الخيام يتناقص بعد سفر أصحابها الى دول جديدة. وكان الراحلون يسلمون بسرعة مذهلة،  إدارة المعسكر صباح سفرهم، الخيمة التي ظللتهم في المواسم الأربعة ، وكأنهم بذلك يحاولون التحرر من الرمز الذي يرتبط في ذاكرتهم بالمعسكر لأيام يودون نسيانها قبل أي شيء ، لأنها كانت شاهدة على أحزانهم وسخطهم ، والخيبات التي عاشوا في ظلالها عند الإعلان عن كل قائمة للسفر لم تكن تضم أسماءهم. كان المرء لا يكاد يصدق عند إزالة الخيام بأن عائلة كاملة اتخذت هذه المساحة بيتا لها ، وتقاسمت تحت سقفه أفراحها وأتراحها وأحلامها ، وتفاصيل الواقع اليومي، وحزنت وابتسمت لأحداث الأيام.
كما كان يتم في طقس التحرر ، تسليم قنينة صغيرة للغاز كانت تستعمل لمصباح اللوكس لإنارة الخيمة عند حلول الظلام ، وأخرى صغيرة أيضا تستعمل لإعداد الطعام. وكان مسك الختام في عملية التسليم ، إعادة البطانيات وأفرشة الإسفنج.
وكان في يوم السفر المشهود للوطن الجديد ، يحرص الرجال على حلاقة شعورهم وذقونهم، وارتداء ملابس جديدة كانوا يخفونها في حقائبهم،أو يشترون ملابس رخيصة من سوق سيلوبي.
وكانت النساء يرتدين ملابس زاهية ،ويحرصن على ارتداء كل مالديهن من مصوغات ذهبية ، و على طلاء وجوههن وشفاههن بألوان صارخة.

* * *

وأتى على الجميع اليوم الذي ظنوا أنه لن يأتي أبدا. رحلوا جميعا الواحد منهم تلو الآخر.  تاركين معسكر سيلوبي ، ليعيش المعسكر أيامه المقبلة بلا خيام، بلا لاجئين ، وسط هدوء تام.
كان الكركوكي آخر من غادر المعسكر الى سيلوبي مع أسرته بعد قرار دولة سويسرا بقبولهم ، وإعلان الصليب الأحمر موافقتها على تحمل نفقات العملية الجراحية لقلب ابنه العليل. كان الطقس يومها ينذر بمطر غزيز، حيث كانت الغيوم الرمادية تبدو في السماء مثل تلال بعيدة.
لم يكن ثمة أحد في وداعهم غير سائق مكتب اللاجئين ، الذي أوصلهم الى نقليات سيلوبي ، لينطلقوا منها في رحلة طويلة صوب العاصمة أنقرة، ومنها ليقلعوا بالطائرة الى استانبول، ومن هناك ينطلقون الى حيث وطنهم الجديد.
كانت الغيوم العائمة فوق المعسكر تحمل أمطارا جديدة ، أمطار كافية لتمسح ذكرى كل الذين رحلوا الى بلدان متفرقة. وليمسح الزمن من ذاكرتهم في أوطانهم الجديدة، بعد كذا من السنين، كل ما يمت بصلة الى بصمات الأيام التي كانت حبلى بالترقب والهواجس والأحزان، والحسد والغيرة والنميمة، وانتظار المجهول في معسكر سيلوبي، ليبقى كل منهم في وطنه الجديد،  في انتظار تاليات الأيام المتبقيات من  حياته في بلاد الغربة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.