د. عبد الله ابراهيم : النقد الجامعي

abdullah ibrahim 5كثيرا ما وجّه لي السؤال الآتي خلال العقدين الماضيين: ما رأيك بالنقد الجامعي؟ وغالبا ما كان جوابي: إن كان المقصود بالنقد الجامعي ذلك النقد الذي يقوم على خطة بحث محكمة، ورؤية حيّة للظاهرة الأدبية، ومنهج نقدي واضح، وتحقيق نتائج دقيقة تعتمد على مكاسب الحداثة النقدية، ولغة مرنة تجمع بين الوصف والتحليل والتأويل، فأنا أثني على هذا الضرب من النقد، وأرغب فيه، وأشجعه، وأنتظره، وأدّعي أنني أمارسه منذ أكثر من ربع قرن في الكتابة والتدريس الجامعي.
ولكن الأمر ليس كذلك، والوصف ناقص بجملته إذا ما جرى رصد حال النقد الجامعي؛ فالدرس النقدي في معظم الجامعات العربية انحدر إلى الدرك الأسفل، وأصبح شرحا مدرسيا لا صلة له بالاجتهاد النقدي الذي ينبغي له، وهو أبعد ما يكون عن القدرة على الغوص في العالم الافتراضي للنصوص الأدبية واستنطاقها، إنما هو مهنة من لا مهنة لهم من حملة الشهادات العليا في أقسام الأدب في الجامعات العربية، فتوهم كثيرون منهم أنهم من جهابذة النقاد، وينبغي أن يتصاغر أمامهم أرسطو، والقرطاجني، وطه حسين، وتودوروف، ومنْ هم في رتبتهم من القدماء والمحدثين، وصارت الملتقيات النقدية في معظم الجامعات العربية مكانا لأنصاف الموهوبين من مدرّسي النقد الذين يتكدّسون على منابر الحديث، ويغالون في ادعاءات إنشائية مبهمة لا علاقة لها بالنقد، وأقرب ما تكون للرطانة، وبذلك انحسر النقد الذي يقوم على فرضيات متماسكة، ومفاهيم واضحة، ومنهج نقدي كفء، وحلّ محله التواء في اللغة، وغلو في الادعاء، فضلا عن السطو، والمحاكاة، والأخذ عن مصادر غير موثوقة. وفي حدود اهتمامي بالدراسات السردية التي أحضر كثيرا من ملتقياتها أواجه باجترار لمصطلحات غامضة لم يقع فهم سياقاتها، وعجز عن استكناه النصوص السردية، وانحسار للكفاءة النقدية التي تستخلص القيم الفنية من الكتابة الإبداعية.
وبالإجمال إن كان هذا هو النقد الجامعي فلا حاجة للأدب به لأنه عالة عليه، إنما الأدب بحاجة إلى ممارسات نقدية تحايث النصوص، وتستنطقها، وتقوم بتحليل مستوياتها الأسلوبية والبنيوية والدلالية، وأجد في ذلك ندرة مثيرة للسخط، وباعثة على الاحباط، فلا أعثر على هذا الضرب من الممارسة النقدية إلا بأقل درجة ممكنة.
ويعود ذلك، في تقديري، إلى أمرين، أولهما: عدم اتساق الممارسة النقدية في الثقافة العربية، بما يجعل من تطورها التاريخي اطرادا يفضي بها لأن تكون لصيقة بالنصوص الأدبية، فينتهي بها ذلك إلى انتاج معرفة ثقافية من تلك النصوص، وثانيهما: محاكاة المناهج الغربية الحديثة بطريقة لم تأخذ في الحسبان سياقاتها الثقافية الأصلية، فنزعتها عن تلك السياقات، واقحمتها في سياق الثقافة العربية بطريقة لم تثمر عن نتائج فاعلة كما حدث لها في سياق الثقافة الأصلية، فكان أن غاب التفاعل بين الاتجاهين، بل انهما تصادما في رؤيتهما للأدب، واختلفا كليا حول كثير من المفاهيم، وانطوى كل منهما على زعم يبطل الآخر.
يحدث كل ذلك في الثقافات التابعة التي لم تطوّر تصوّرا حول مفهوم الأدب، ولم تتأثر إيجابيا بالثقافات الأخرى، ولهذا شهدنا منذ نحو قرن من الزمان صراعا لم يهدأ حول شرعية الممارسة النقدية في الثقافة العربية القديمة والحديثة. ومع كل ذلك فمن الخطأ الأخذ بمبدأ إنكار قيمة الظاهرة النقدية في الادب العربي وقد ناف عمرها على ألف عام، ولكن ليس من الصحيح القول إنها بلغت مستوياتها المُرضية في الوصف والتحليل والتأويل، وما يؤخذ على النقد العربي انه استعار من الآخر كثيرا من لوازمه بدل أن يبتكرها، ويتصل كل هذا بالتبعية للخطاب الغربي، ولا أرى جدوى من البحث في ضرورة ظهور نظرية نقدية عربية إنما أفضل على ذلك تعميق وعي النقاد العرب بأدبهم، والأخذ بالاعتبار سياقاته الثقافية في درسه وتحليله.
اعتكف النقد الجامعي على مهمة التعريف والتلخيص، وشغل، أكثر ما شغل، بأمرين: نسبة النصوص الأدبية إلى أصحابها، وظروف انتاجها، والتعريف بعصورها، وتسجيل جملة من الحواشي والانطباعات عنها، هذا من جهة، ثم، من جهة ثانية، تلخيص المناهج النقدية الغربية بطريقة مخلة، بما في ذلك انتزاع المفاهيم من سياقاتها الثقافة، وكل منهما لم ينتج معرفة نقدية تؤتي ثمارها في الدرس الأدبي، وإلى كل ذلك فما زالت معظم الجامعات تتردد في الاعتراف بقيمة النقد باعتباره مدشّنا للاتجاهات الأدبية، وموسّعا لمفهوم الأدب ووظيفته، ناهيك عن دوره في تحرير الآداب القومية من المسلّمات السياسية والدينية، وغابت عن تلك الجامعات الخطط التعليمية التي تجعل من النقد موضوعا معمّقا للدرس بمستويه النظري والتطبيقي.
توفرت لي فرص لزيارة كثير من الأقسام الأدبية في الجامعات العربية ووجدت الدرس النقدي فيها يفتقر للحوافز على مستوى الممارسين له، ومستوى التقدير العلمي للاتجاهات الجديدة فيه، فحذار من نقد أصبح مهنة جامعية وابتعد عن كونه أداة استكشاف للظاهرة الأدبية.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. هايل علي المذابي : لحية وبيادة!!.

شيئان قيّمان في الوطن العربي: اللحية والبزة العسكرية!! كانت اللحى في أزمنة غابرة مبعثاً للطمأنينة …

| هاتف بشبوش : آلان ديلون وعلي الوردي ..

مات زير النساء وجميل الستينات والسبعينات الممثل الشهير (آلان ديلون ) بطريقة الموت الرحيم ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.