شوقي يوسف بهنام : أدونيس وجنون الاستذآب ؛ رؤية نفسية

shawki yuosif 5لا انوي ، هنا ، ان أقدم مسحا نظريا لموضوع تحول كائن إلى صورة كائن  أخر  تختلف في بنيتها عن الصورة الاصلية  للكائن الأصلي أو ما يسمى بالمسخ وفق تعبيرات الفلكلور والانثروبولوجيا . سأكتفي ، فقط ، ببعض التعريفات الأساسية له . وفي البدء سأورد المفردات الأجنبية للتعبير عنه .
1- مسخ : حول   الصورة ، غيرَ  المظهر to metamorphose ، transform  .
2- مسخ : شوه to disfigure ، deform ، deface ، misshape ، distort ، mar  .
3- مسخ : انتقال روح الانسان إلى حيوان يناسبه metamorpsychosis .
يعتبر الجوهري وهو واحد من الباحثين الذين كتبوا في الجوانب النظرية في علم الفلكلور : المسخ بأنه احد مظاهر الفعل السحري (1) . أما سليم فيعرفه على النحو التالي ” مسخ ؛ الاعتقاد الذي ساد بين الانسان القديم ويسود حتى الآن بين بعض الشعوب البدائية ، بأن بعض المعبودات ، أو الأشخاص ، أو الحيوانات ، تستطيع ان تحّول نفسها إلي أشكال أخرى . ويقترن المسخ دائما بالسحر ” (2) وفي مجال adonis 4الطب النفسي يتخذ هذا الفعل طابعا مرضيا فيأخذ شكل الذهان psychosis أو المرض العقلي . فيعتبره الحفني على  انه نوع من الهوس وهو على هذه الصورة ” هوس ذئبي Lycomania , Lycanthropy  جنون يصورَّ للمريض انه ذئب أو قد تحول إلى ذئب ، وقد يعتقد المريض بالفصام ان بوسعه ان ينقلب حيوانا ، أو يمسخ الآخرين حيوانات ، ويطلق على هذيانه من هذا النوع اسم هذيان الانسلاخ ، أو المسخ ، أو التحول delirium of metamorpsychosis  (3) . ولا بأس ان نعرج قليلا إلى المفهوم الإسلامي لهذه الظاهرة ، على اعتبار ان أدونيس ينتمي  إلى دائرة هذا المفهوم . يقدم  شبل في معجمه عن الرموز الإسلامية تعريفا  يستند إلى النص القرآني عن مفهوم المسخ فيقول ” غالبا ما يتحدث القرآن عن مسخ كائنات بشرية حيوانات نجسة ( خنزير : المائدة : 60 ؛ قرود : البقرة : 56 ؛ المائدة : 60 ؛ الأعراف : 116 ؛ أنعام : الفرقان : 44 ) . والسبب هو ان الحيوانات ، لعجزها عن فهم سر الوحي ، ليست أهلا ً لتمتد لتمثل بين الكائنات التي يحافظ الله عليها . لكن هذا المسخ إنما هو مجازي فقط لأن القرآن يمن برحمته على جميع مخلوقات الله دون استثناء ، وقد  ذكر ذلك في كثير من الآيات حيث يقابل الانسان بالحيوان : البقرة 65 ؛ المائدة : 60 ؛ الأعراف : 179 ؛ الأنفال : 22 ؛ الفرقان : 44 . (4) .  وفي هذا الإطار يورد صاحب المعجم نفسه المنظور الإسلامي ( الشعبي ) عن الذئب فيقول :- لا شأن لهذا الحيوان في ميثولوجيا الرعب الإسلامية كما هي حاله في أوربا الشمالية . إن صورته في العالم العربي غامضة : هي في وقت واحد سلبية ” قصص الأطفال ) وعديمة القيمة . وتجدر الإشارة إلى صورة الذئب التوراتي المفترس الذي ورد ذكره في القرآن ؛   [يوسف : 17 ] . ولكن كثيرا ما يخلط المؤرخون بين الأنواع : إنهم يتحدثون عن ذئب كما يتحدثون عن ابن آوى أو ثعلب . وفضلا عن أن رائحة كريهة تنبعث من الثعلب فإنه يمثل غالبا كحيوان صغير محتال يتملص ، دائما ، في القصص ، من المآزق دون أدنى صعوبة . وابن آوى خداع وجبان . يؤّمن طعامه بإلقاء القبض على طائر قليل الفطنة والحذر . ومن الناحية السحرية الدينية يؤدي الذئب دورا معروفا بالرغم من أنه يظل على خلفية المسرح ، كونه ليس حيوانا من البلدان الحارة . وبمقابل ذلك لقد احتفظ بأهمية ملحوظة في الميثولوجيا التركية المغولية لما قبل الإسلام . (5)
لا نريد الدخول في قضية المسخ بأي مفهوم يتعلق بمنظور ديني معين أو محدد أو مناقشته . وطالما حددنا منهجنا منذ البدء فلا بد  من الانطلاق منه . ما يعنينا من أمر أدونيس ، في هذا المجال ؛ هو نص صغير جدا يحمل في طياته أو في أعماقه رغبة دفينة ، إذا صح التعبير ، من شأنها تغيير صورة العالم لدى أدونيس . أدونيس لا يرغب في الوجود في هذا العالم وبشكله الراهن وبكل متناقضاته وهمومه وأحزانه . أدونيس يريد ان يلتهم العالم أو يغرز أنيابه في جسده المتعب لكي يتقيأه على صورة عالم افضل . العالم كما يريده هو لا غيره . لنصغ إلى نص أدونيس الصغير هذا حيث  يقول الشاعر :-

أَلضّحى محترق الوجه شريد ’
وأنا موت ’ القمر ْ

تحت وجهي جرَس’ الليل انكسَر ْ ،

وأنا الذئب الإلهي ّ الجديد ’ .

( الآثار الكاملة ، مجلد1 ، ص 418 )

************
ماذا يعني احتراق الوجه المشرد ؟ انه الوجه الممسوخ الذي لم يعد مستعدا لملاقاة العالم بهذا الوجه ولذلك احترق  ، ولذلك ايضا  أصبح شريدا .. هائما على وجه .. تائها في صحارى هذا العالم المقفرة . كل تلك المعاناة  كانت من اجل الضحى الجديد !!  . نحن إذن أمام حالة ذهان بلغة الطب النفسي . وكلنا يستذكر حالة الرجل الذئب  ”  كما حللها فرويد . وسوف اكتفي بالمقدمة التي دبجها أستاذنا الجليل ” مصطفى زيور ” الرائد العربي للتحليل النفسي ؛ حيث يقول ” تعد  “حالة رجل الذئاب ” أروع حالات هذا المجلد- يقصد كتاب خمسة حالات من التحليل النفسي – جميعا من حيث عمق التحليل وبراعة فرويد في استقصاء المصادر اللاشعورية المتشابكة الضاربة بجذورها في أعمق الطبقات النفسية التي تمثل انطباعات الشهور الأولى من الحياة .. تلك التي لا تستطيع الذاكرة أن تصل إليها من حيث انها لم تكن قد ارتبطت بالكلم ، فلا سبيل إليها إلا من خلال الأحلام وخاصة الباكرة مها ، ثم من انبثا قات من مستوى المتخيل التي تفصح عن نفسها في جزء من التورية والإضمار وما إليهما أعني لغة الأعراض العصابية .
بلغت خطورة عصاب هذا المرض حدا جعله لا يقوى على مواجهة أبسط متطلبات الحياة . . وجدير بالذكر ان هذه الحالة تزودنا ، فضلا عن ذلك ، بما يلقي الضوء على صلات العصاب بالذهان ، وما يمكننا من استخلاص نظرية في طبيعة الذهان . ذلك ان ” رجل الذئاب ” عانى بعد اثنتا عشرة سنة من شفائه من أعراض تواضع أطباء النفس على إدراجها في فئة الذهان ”  (6)  . ذلك كان قسم من التصدير الذي قدمه أستاذنا (زيور) حول هذه الحالة . وتفاصيل الحالة موجودة في المرجع أعلاه .  وعلى صعيد آخر كرس ” كولن ولسن ” في كتابه ” الإنسان وقواه الخفية ” فصلا بعنوان ” جنون الاستذآب ” استعرض فيه تاريخ ظهور الممارسات السحرية في الغرب  (7) . وقد تبنى  ” ولسن ” الرأي الذي طرحه ” روبرت ايزلر ” والذي ينتمي إلى مدرسة  ” يونج ”  في كتابه ” الإنسان متحولا ذئبا ” عام 1944 . ففي هذا الكتاب ، يطرح ” ايزلر”  رأيا شيقا يقول فيه ان الإنسان كان في مرحلة ما ، قردا نباتيا مسالما ، يعيش على الجذور والثمار البرية . ولكن الإنسان أيضا مخلوق يميل إلى المحاكاة ، وفي معركته ضد الحيوانات المتوحشة ، وهي صراع حياة أو موت ، بدأ يكتسب عامدا ما تتميز به الحيوانات المفترسة من قسوة وشهوة إلى الدماء . والمظهر الحديث لهذا الميل المكتسب القديم ، هو الإعجاب المستتر الذي يتخلله الخوف الذي يكنه الكثيرون من الناس للمجرمين ، وبوجه خاص للمجرمين الذين يتميزون بالعنف . إنهم يشعرون بان القساة المتميزين بالعنف من الناس ، يحتاجون إلى ” ان نعرف عنهم شيئا وان أنجع وسيلة لمعرفة شيء عنهم هو ان نولد قدرا من التعاطف إزاءهم . (8) المهم ، هنا ، ليس الدخول في تفاصيل هذا الاضطراب بل هو ان نرى لماذا كان ادونيس قد تمنى ان يكون ذئبا بل لماذا اعتقد بالفعل انه كذلك ؟؟ ان الصبح الجديد الذي يحلم به ادونيس لم يأت بعد. وعندما يموت القمر يموت ذلك الجرم الذي يضيء العالم في وحشة الليل وعتمته فيصبح الليل ليلا بلا ضياء . ما علاقة موت القمر بتحول ادونيس إلى ذئب ؟؟   هناك جنون يسمى بجنون القمر . ويعرف الحفني هذا النوع من الجنون كما يلي ” .. ويقال له القمِر ( بكسر القاف ) ، و (الهلة ) أيضا ، وهو ضرب من الهوس يتوافق واكتمال القمر بدرا ً أو بزوغ الهلال . والقـَمِر ( بفتح القاف وكسر الميم ) lunatic هو المجنون جنونا قـِمريا ، وكان الاعتقاد قديما أن للقمر تأثيرات على بعض العقول كتأثيراته القابضة والباسطة على البحار ، والمسماة بحركة المد والجزر ، فمثل ذلك يحدث في العقول ففي المد القمري تنجذب العقول وتختل عند أول ظهور للقمر وعند اكتماله ، ويقال للمجنون حينئذ أنه مجذوب ، أي مشدود إلى القمر وثبت بالدراسات أن للقمر هذا المفعول ، وأن هوس القتل أو جنونه من الاضطرابات العقلية التي تزيد وطأتها إما مع اكتمال القمر أو بزوغ الهلال ، أو أنها تزيد خلال الأربع والعشرين ساعة قبل وبعد بزوغ الهلال (Lieber et al : Homicides and the Lunar Cycle) ، ويقال لنوبة الهوس تهل مع هلة القمر أنها ’جنة قمرية ، أو قمرة lune  ، وقد يقال للجنون القمري أنه الداء القمري lunatismus أوlunatism   ، ويقصدون به هذا الجنون الذي تختلف أحواله مع الدورة القمرية ، أو يقصدون به سير النائم أو التجوال النومي الذي لا يكون إلا في الليالي المقمرة . وكثيرا ما يستخدم اصطلاح الجنون القمري بمعنى الجنون إطلاقا insanity فيقال moral lunacy   بمعنى الجنون الأخلاقي ، وهو بهذا المعنى يستخدمونه في الطب الشرعي أمام المحاكم التي موضوع قضاياها سلامة عقل المتهم ومسئوليته عن تصرفاته أخلاقيا وجنائيا ومدنيا (9)   وللقمر كذلك رمزيات متعددة  ودورا في طقوس الميثولوجيات   حيث يستعرض سيرينج هذه الأدوار على النحو الآتي ”  القمر بامتياز هو كوكب إيقاعات الحياة ؛ فهو يولد ، ينمو ، يتناقص ، يموت (خلال ثلاثة أيام ) ثم يعاود الولادة . رمزيته تمتد لكل ما يسيطر عليه أو يبدو أنه مسيطرا عليه : المياه ، المطر ، النبات ، الخصوبة  ، دورة الطمث النسوية ، وأخيرا الوقت . ويقدر ان التقويم القمري المبني على أوجه القمر سبق في كل مكان التقويم الشمسي . .. في ميزوبوتاميا (  حضارة وادي الرافدين ) ، الإله الكبير ” سين ” اله القمر ، هو في الوقت نفسه اله للمياه وتوجد مثل هذه الوظيفة المزدوجة في كل مكان حتى لدى الآميرندين . ويلعب القمر دورا كبيرا في هطول الأمطار في نظر الفلاحين . ويستند هؤلاء على المظاهر القمرية ليقرروا البدء بهذه الأعمال أو تلك ، وكما كان في الماضي فهو على الأغلب كذلك الآن . أليس من المدهش أيضا ، انه فيما سلف كان ظهور الزراعة منسوبا لقمر مؤله : ففي كوريا بصورة خاصة ، آن الربة- القمر ، هي التي علمت البشر زراعة الأرض . .. ان موت وبعث القمر يفسر الدور الذي يلعبه في الحفلات التكريسية للمجتمعات البدائية ، وفي التلقين الا وزيري (نسبة لأوزيرس ) ؛ ففي طقوس هذا الأخير ، كان الإله – الموت الذي هو شكل أول هلال من القمر   (10)   ،…  نعم ادونيس  يستغل موت القمر .. بل هو موت القمر بالذات لكي يكون وحيدا فريدا في هذا العالم ..   حتى جرس الليل هو الآخر انكسر تحت وجه ادونيس ولذلك خيم الصمت وامتلأ الوجود كله بالعتمة والخرس . لم يبق غير كائن واحد يتجول في ليل هذا العالم المعتم ، هو هذا الكائن الغريب المتحول .. الممسوخ .. المسحور .. ذو العينين البراقتين  الذي غير من جرس الليل إلى عواء الهي !!!! لكي يستفيق الناس من سبات ليلهم الممل  . لا أستطيع ان أقول غير هذا لأن ادونيس تمنى ان يكون ذئبا لكي يلتهم العالم القديم ويتقيأ عالما جديدا  يستطيع ان يكون هو فيه  أقوى الذئاب واعتاها ..   لأنه هو الذئب الإلهي  الجديد !!!! .

الهوامش :-
1-    د . الجوهري ، 1980 ، علم الفلكلور ، دار المعارف ، مصر ، ج2 ، ص 281 .
2-    د. سليم ، شاكر مصطفى ، 1981 ، قاموس الانثروبولوجيا ، جامعة الكويت ، ط1 ، ص 628 .
3-    د . الحفني ، عبد المنعم ، 1999 ، موسوعة الطب النفسي ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ،   ط 2 ، مجلد 2 ، ص 696 .
4-    شبل ، مالك ، 2000 ، معجم الرموز الإسلامية  ،  ترجمة : أنطوان الهاشم ، دار الجيل ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ص 300 .
5-    شبل ، نفس المرجع ، ص 133 .
6-     أ- فرويد ، سيجموند ، 1972 ،  خمس حالات من التحليل النفسي ، ترجمة : د. صلاح مخيمر – عبده ميخائيل رزق ، تقديم : د. مصطفى زيور ، مكتبة الانجلو المصرية ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، مجلد 2 ، 653-654 .
ب- د . الحفني ، عبد المنعم ، 1995 ، المعجم الموسوعي للتحليل النفسي ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، ج . م . ع ، ص 259 – 261

7-     ولسن  ، كولن ، 1980 ، الإنسان وقواه الخفية ؛ ترجمة : سامي خشبة ، دار الآداب ، بيروت ، لبنان ، ط3 ، ص 343 – 390 .
8-    ولسن ، المصدر نفسه  ، ص 375 .
9-    د . الحفني ، عبد المنعم ، 2003 ، موسوعة الطب النفسي ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، ج .م .ع ، المجلد الأول ، ص 464 -465 .
10-أ ، سيرينج ، فيليب ، 1992، الرموز في الفن والأديان والحياة ، ترجمة : عبد الهادي عباس ، دار دمشق ، سورية ، ط1 ، ص 382-383.
ب – كوكبة من المؤلفين ، 2007 ، القمر : أساطير وطقوس ، ترجمة وتقديم وتعليق : أ .د . محمد خير محمود ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ط 1 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| غانم عمران المعموري : الانتقاء المحسوب للأحداث في رواية ( الخدم في إجازة ) للروائي العراقي عبد الزهرة عمارة.

يلجأ بعض الكُتّاب إلى وضعِ استهلالاً يمثَّل تجسيداً لصورة دراميّة مشهديّة و حَرَكيّة فاعلة تُشكّل …

| د. جعفر كمال : التَّجَلّْي الذَّاتِي مبدؤه التَّتْمِيْم الحسيّ عند: الشاعرة اللبنانية مي زيادة.

حياة ميّ زيادة والتّعريف بها: هي الأديبة الفلسطينيّة اللّبنانيّة مي زيادة، إحدى الشّخصيّات التي ظهرت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.