نصرت مردان : وداعا سيلوبي ! (3)

nasrat mardanلم يحلق الخيال طويلا في هذه الرواية

ناظم

كان ممتدا على ظهره وقد أسند ذراعه الأيمن على عينيه،  محاولاأن يكتم ضحكة عاصفة، وهو يتذكر اليوم الذي سقط فيه قط من السماء على ظهر أبيه ، الذي كان يصلي في حوش الدار.
في ذلك اليوم كان ينتظر القط الذي التهم حماماته الوديعة ، والتي اعتاد أن يعتني بها ويتفحصها عدة مرات في اليوم ، رغم تبرم والده من فعلته هذه ، خوفا أن يعير ابنه بأنه ( مطيرجي ) ، وبأنه يتلصص من سطح الدار التي تقع فيه أعشاش الحمام على حرمة الجيران.
لكن وداعة وهدوء والده دفعه إلى الالتصاق بهواية تربية الحمام ، وتبادلها مع أقرانه ، وتأمله لها لساعات طويلة ، وهي تطير في أديم السماء الزرقاء دون حدود .
لكنه اكتشف يوما أن بعض طيوره قد اختفت فجأة من العش ،فكظم غيظه ، وقرر الانتقام من وليد ابن شكر الأخرس ، المعروف في الحي بحرامي الحمام . وكان قد سمع من أصدقائه انه يتحين الفرص لسرقة حمامه بهدف بيعها في مكان بعيد عن حيهم أو يبادلها بحمام آخر . لأنه كان أيضا يهوى الحمام.
فكر طويلا في الليل عن الأسلوب الذي عليه أن يتبعه للانتقام من وليد ابن شكر الأخرس ، لأنه كان موقنا انه وراء اختفاء بعض طيوره . هل يمسك به ويشبعه ضربا وسط الحي ؟

صورة الغلاف : الكاتب مع عائلته وبعض اللاجئين في معسكر سيلوبي
صورة الغلاف : الكاتب مع عائلته وبعض اللاجئين في معسكر سيلوبي

لم يتحمس للفكرة فهو أضخم منه لذلك يلقب من قبل صبية الحي بلقب البغل . أفضل  طريقة للانتقام منه ، أن يستعمل نفس اسلوبه الدنيء وسرقة حمامته البيضاء المنطقة بالسواد ، والتي تشتهر باسم ( أورفلي ) .
ابتسم في داخله لهذه الفكرة التي ستجعل البغل مرجلا يغلي من الغضب. واحدة بواحدة. فكر بسرور كيف أنه سيظل لفترة طويلة حائرا في أمره لمعرفة الذي سرق حمامه المفضل. وهو لن يشك به قط لعدم وجود سابقة له في سرقة طيور الحمام من بيوت أصدقائه.
كانت الشمس على وشك المغيب عندما بدأ ينظر من السطح حيث تقع أعشاش طيوره الى فناء الدار .
كان والده يستعد لأداء الصلاة، وكان صوت المؤذن يمتد فوق سماء البيوت المتلاصقة المحيطة القريبة من الجامع. فجأة رأى قطا اسود يندفع خلسة الى داخل قفص طيوره العزيزة . لم يجد نفسه إلا منطلقا بأقصى سرعة كالمجنون ليدخل القفص بعد دخول القط الشرس إليه . دخل القفص واقفل الباب خلفه، ترك القط محاولة اصطياد طيور الحمام وبدأ يبحث عن منفذ ليخرج منه من القفص. استطاع أن يفوت هذه الفرصة على القط بعد أن قبض عليه من بلعومه محاولا خنقه. لكنه خرج من القفص والقط يحاول جاهدا أن يتحرر من قبضته ويهرب ، لكنه ترك رقبته قابضا على ذيله حيث أخذ يهزه فوق رأسه عدة مرات ثم قذف به من السطح إلى فناء الدار لتتكسر عظامه بعد ان يصطدم بفناء الدار الإسمنتي ، لكن القط الماكر ، دار حول نفسه في الهواء ليسقط بشدة فوق ظهر والده ، الذي كان في حالة سجود ، فأنشب أظافره الحادة فوق ظهره ، وهو يطلق صرخة مرعبة فوق ظهر والده المسكين ، الذي ارتعب من سقوط قط اسود من السماء فوق ظهره أثناء الصلاة .
أخفى نفسه حتى لا يراه والده ، وهو يحاول أن يكظم ضحكة عنيفة كانت على وشك أن تنطلق من مخبأه في السطح ليسمعها بيوت الجيران القريبة من منزلهم. بينما بقي والده ينظر إلى السماء بدهشة، ليجد تفسيرا معقولا لسقوط قط متوحش من السماء،  أنشب مخالبه الوحشية على ظهره على حين غرة.

نهض ناظم صارخا في العشرين شخصا الذين يشاركونه الغرفة ، قائلا:
ـ من هو المسؤول عن الطبخ اليوم ؟
لم يرد عليه أحد.هنا نهض وقال بلهجة آمرة ، وظل ابتسامة ترتسم على أطراف فمه .
ـ أزل ، أشوفك اليوم مع البامية على التمن .
قال آخر:
ـ وأنا عليّ غسل المواعين .
أحاط حمدي رقبته بذراعيه بمودة :
ـ أما أنت، فأنت شيخنا.. تأمر ونحن نطيع .
قال حميد في فراشه، آه لو يوزعون لنا في المعسكر نساء من المطاط، كالموجودة في أوربا !
ـ  عهد في ذمتي، حينما تطأ قدماي أوربا ،أول مكان أقصده هو المبغى .
ردد ناظم بغضب:
ـ عيب عليكم يا شباب بيننا عوائل محترمه هنا في المعسكر.
ـ حاشا أن نتحدث عنهن ! كلهن شقيقاتنا..لكننا نتحدث عن المبغى الأوربي.
ـ هل البغي الأوربية لها قواد حسب الأصول ،مثل قواد سعاد تاكسي ؟
ـ يا أخي مجرد ما أن تصل هناك سيتلقفنك هن..قالقوادة مهنة بائرة هناك.عاشت الحرية !
بان الانزعاج على وجه ناظم :
ـ وحق كل المقدسات سأترك هذه الغرفة إذا لم تتوقفوا عن هذه الترهات ؟
قهقه مكرم ضاحكا وهو يمسد شاربه الستاليني ،قائلا له :
ـ وحق كل المقدسات لن تترك هذه الغرفة !.. أين ستجد كل هذا الدلال ؟!.
نظر ناظم الى وجهه مبتسما ، وهو يقول :
ـ والله يا مكرم لو كانت موسكو تقبل استقبال اللاجئين فأفضل مكان لك بعد معسكر سيلوبي ، هو بلاد الرفاق .
أطلق مكرم واحدة من ضحكاته المجلجة ، قائلا:
ـ ياريت !.

مكرم

كان لا يضحك إلا إذا سمع صوت (بودغورني ) ورفاقه يضحكون . كان يبدو كانسان آلي ، جسده هنا ، وعاطفته هناك ، حيث رفاقه العظام .
كم كان يأسف عندما لم يكن يجد في حانات المدينة وباراتها مشروب الفودكا ، ليجلس ويشرب من هذا المشروب الأممي ، الذي يفضله رفاقه العظام هناك !
كان سخطه وغضبه بل خيبة أمله تبلغ منتهاه حينما لا يجد إلا (العرق ) الذي يشربه كل من هب ودب.
كان سروره بالغا حينما أحضر له يوما أحد رفاقه الذين عادوا من احتفال للشبيبة في ألمانيا الديمقراطية زجاجة من المشروب الحلم : زجاجة فودكا .
حمل الزجاجة التي حرص أن يحملها بعناية داخل كيس وضعه في جيب سترته الداخلي ، لتكون قريبة من قلبه .وكأنه بذلك وبدون شعور يريد ان يسمع نبضات قلبه للزجاجة ، التي طالما عبها ويعبها رفاقه العظام هناك .أحس بدفء القنينة وكأنها كائن حي له أحاسيس نابضة .  ظل يستعجل خطاه ليصل إلى البيت .
كان يبدو له وكأن المسافة التي يقطعها كل يوم ، ليصل إلى البيت قد طالت وطالت في ذلك المساء . كم كان يود أن يطير في تلك اللحظة فوق الشوارع والأزقة والبيوت ، ليحط على سطح بيتهم ثم ينزل السلالم على عجل ليتحقق اللقاء الموعود الذي طالما تمناه . لحظة تذوق هذا المشروب المفضل لدى رفاقه العظام ،المحفورة صورهم في ذاكرته وهم يكرعون في كؤوس صغيرة الفودكا دفعة واحدة قبل ان يضعوا تواقيعهم على محاضر الاتفاقيات الدولية التي لها هدف واحد لا يتغير ألا وهو : إشاعة السلام في العالم اجمع وحماية حقوق الشغيلة .
كم كانت تعجبه هذه المناظر التي كان يعتبرها، مفخرة من مفاخر الحزب الذي ينتمي إليه !. وكم كانت صور النساء والرجال المبتسمين دائما ، والتي تتصدر دائما غلاف ( المجلة السوفيتية ) تبهره .
كان مصمما لو ساعده الحظ على أن يتزوج واحدة منهن ، لتسطع بسمتها في حياته ، ولتقطع البسمة البشوشة دائما ، ظلام حياته وخيباتها .
عندما كان يتأمل تلك الوجوه الصبوحة ، الوضاءة ، المتألقة بالابتسامات دائما ، كان يرد إلى ذهنه وبشكل لا إرادي وجه زوجة أخيه النكدة التي لا تبتسم إلا في السنة حسنة كما يقال ، ووجه أمه المكفهر ، التي تعودت أن تأمر فتطاع من قبل الجميع حتى من قبل أبيه المغلوب على أمره أمامها . وكان لا يمنع نفسه من السؤال أحيانا : ماالذي قاد هذا الرجل الوديع إلى الزواج منها ؟
كان هو النقطة الضعف الوحيدة في حياتها . وكانت نقطة الضعف هذه تتجلى في وضعها نقودا في جيبه، كلما وجدته خاويا.
كانت أمه قد تعودت أن ترى ابنها الأكبر يعود كل مساء إلى البيت، وهو شبه غائب عن الوعي. لم تكن تتحدث معه ، بعد أن رأت ان تقريعها له لم يعد يجدي معه.
كان أخوه يأتي ويسقط كالميت على فراشه ، دون ان يسمع بكاء زوجته وشكواها من سوء الحظ وقلة البخت .
كانت أمه تكتفي بالصمت حينما كان يجلس ليشرب في غرفته ، وتحمل له أحيانا بوجهها المكفهر الملبد بالغيوم قطعا من اللحم الذي تخفيه في زاوية من زوايا المجمدة ، كي لا تصل إليه يد عروستها التي كانت في حالة نفور دائم معها ، رغم انها خالتها .
أخيرا وصل البيت دفع الباب بلهفة متوجها إلى غرفته. أخرج القنينة من جيب سترته الداخلي ووضعها على مكتبه الذي تراكمت عليه الكتب والأوراق.
بدأ يتأمل القنينة كما يتأمل رجل خرج من السجن لتوه أول امرأة في الشارع ، بعد سنوات طويلة قضاها خلف القضبان . نظرة تعكس جوعه الأبدي والإنساني، الذي كان سببا في إخراج أبينا آدم من الفردوس .
زفر زفرة طويلة لأنه لم يستطع أن يقرأ ما هو مكتوب على القنينة. توجه إلى المطبخ وأخذ قدحا . أثناء عودته شاهد أمه :
ـ كيف حالك يا أمي ؟
ردت عليه وهي تحدجه بنظرة ذات معنى ، بعد أن رأت القدح في يده :
ـ بخير مادمت أنت بخير !
وضع القدح إلى جانب القنينة. فكر أن يحضر بعض الفواكه أو يعد سلطة، كما هي عادته دائما عند شربه العرق بين فترة وأخرى. لكنه توقف فجأة ، متذكرا ان الرفاق العظام في حفلات توقيع الاتفاقيات الدولية ، يكرعون الأنخاب دفعة واحدة دون ( مزة ) .
لا بد إذا أن يجاري طقوسهم. فالفودكا حاضرة ، وصورة الرفاق متقدة في ذهنه . عاد إلى المطبخ ثانية لإحضار القدح . عندما تهيأ لالتقاطه من الرف ، تذكر فجأة ان الرفاق العظام يشربون الفودكا في كؤوس صغيرة . توقف برهة ، ثم انشرح وجهه فقد وجد الحل . هذه الليلة العظيمة لا يمكن أن يفسدها أمر تافه كهذا . مد يده بحبور وتناول قدح (الاستكان) الذي اعتادوا أن يشربوا فيه الشاي .
عاد إلى غرفته وأغلق الباب . كم تمنى لو كانت لديه أغان بالروسية تمجد العمال والفلاحين ليستمع إليها وهو يكرع كؤوس الفودكا . فالليلة لا يريد ان يستمع إلى يوسف عمر ، الذي اعتاد أن يشرب العرق على أنغام أغانيه . الليلة ليلة استثنائية ، انها ليلة اللقاء الأول مع الفودكا .
فتح القنينة وسكب بهدوء وعناية في قدح الشاي . رآه ينسكب رائقا ، ذا بريق خاص . ملأ القدح حتى نهايته . ثم رفعه ونظر صوب كتب الرفاق العظام التي غيرت حياته، وكأنه يشرب نخبهم.
كرع القدح دفعة واحدة ، كما يفعل الرفاق في مراسيم التوقيع على معاهدات السلم العالمي والاتفاقيات الدولية .
أحس بنار كاوية، تحرق كل خلية في جدران بلعومه ثم تمتد من هناك إلى أعمق نقطة في معدته. دمعت عيناه وأحس بحماوة تبدأ  من رأسه  لتنشر في وجهه .
استغرب كيف أن رفاقه يشربون كؤوسهم بهدوء، وكأنهم يشربون الماء، بينما هو يحس وكأن لهبا من نار قد هبط إلى أعماقه فجأة.
لا يدري كم من الزمن مر على صدمته من النخب الأول من الفودكا . لكن هذا الزمن كان كافيا ليشعر بنوع من الرضى والنشوة والانطلاق في دمه وكيانه .
أحس أنه ظلم الفودكا ، فالسبب ليس هذا المشروب الراقي ، بل معدته وأمعاءه التي تعودت على شرب العرق الملعون .
كلما توالت الأقداح ، كان حجم الرضا والحبور يزداد في أعماقه ، ودرجة السخونة التي تلف جسمه في ارتفاع مضطرد .
فتح النافذة ،واطل منها على بيوت الحي ، التي بدأت تستعد للنوم ،ووداع الظلام . تنفس بعمق الهواء العليل وسط ظلمة الليل .
عاد إلى مكانه، لكنه أحس أنه يترنح ، تماما مثل ترنحه بعد تناول الكؤوس الأخيرة من العرق .
عاد وجلس وملأ قدحه الأخير . تأمل بأسف القنينة الفارغة. استغرب كيف انه لم يشعر بأن نهاية القنينة قد دنت بهذه السرعة ؟
أحس بالغرفة تميد ، وراحت كتبته تميل كالأرجوحة يمنة ويسرة . كانت الغرفة تعود إلى حالتها الاعتيادية ،حينما يغمض إحدى عينيه كما يفعل عند نهاية شربه للعرق بعدما سمع بذلك من صديق له .
كان الوقت متأخرا ، حينما دوى في أرجاء البيت التي انطفأت أضواؤه ، وغرق في ظلام دامس في انتظار النهار ، صوته وهو يتقيأ بصوت عال سمعه حتى الجيران في بيوتهم . وربما لعنه من كان لا يزال يقظا من أصحابها .

***
كان رأسه ثقيلا والعرق يغرق وجهه ، عند توجهه إلى المقهى ليلتقي مع صاحبه أبو عدنان . وهو معلم يجله لأنه إنسان مرح وبسيط ،ذرب اللسان رغم انه يفتقر إلى الثقافة السياسية . وكان أبو عدنان يعرف لقاءه بالفودكا ، فقد حدثه عنه قبل أن يتوجه إلى صديقه العائد من ألمانيا الشرقية .
قال له أبو عدنان :
ـ ها ..بشر ! كيف وجدت الفودكا ؟
تردد لحظة في أن يقول له الحقيقة ؟ لكنه في النهاية أبى إلا أن يعترف بها :
ـ زقنبوت !
ضحك أبو عدنان بصوت عال ، كاشفا عن أسنانه التي اصفرت من فرط التدخين . وكان من الندماء المحبين لشرب العرق كل مساء :
ـ شرابنا زقنبوت عراقي .. شرابكم زقنبوت روسي . يعني زقنبوت في زقنبوت !
ابتسم بمرارة عندما قفزت إلى ذاكرته هذه الحادثة التي تعود إلى سنوات بدت له مغرقة في القدم.وكأنها لا تمت بصلة إلى حياته حينما لجأ مع رفاقه إلى الجبل محتضنا مثلهم سلاحه،وهو يحمل في ذاته ان السلاح أقرب طريق للانتصار على النظام .
كانت الجبال تبدأ بالارتفاع فجأة ،ليجد نفسه بعد فترة وسط أكام جيلية متقاربة لا عدد لها ، تبدو كالتيه حين تقطعها مجار وعيون تفوق الحصر.حيث تبدو المرتفعات في بعض المناطق جبسية وصلصالية وصخرية.
كم كان الجانب الطيني يبدو اسمرا باهت، يبعث على الكآبة! ..لكن الربيع سرعان ما كان يكسو سطحها بعشب أثيث ،كثيف مزدهرا بأنواع لا تحصى ولا تعد من الزهر البري.
كانت الثلوج تغطي قمم معظم الجبال لثلاثة أشهر في العام.وكان فيضان الينابيع والعيون في موسم الشتاء بعد زخات مطر قوية ، تملأ السهول والوديان بالمستنقعات.
قضى سنوات طويلة في حشد مضطرب من شواهد الجبال يمتد إلى كل الجهات، ومن كتل مهيبة من الجرف الصخرية والقبب المندمجة. كان هذا المنظر البهيج يفتح في الصدور ينابيع الفكر والتأمل وتسلمه إلى البهجة المطلقة.لا يزال يتذكر ما شاهده هناك من أزهار السوسن الخريفية الرائعة الألوان ،التي لا يتوقع أن يكون هناك ما يفوقها سحرا وروعة .
أصبحت هذه المناظر بعد طول معايشة، اعتيادية.فالجبل والنهر والشجر والكهوف، تصبح جزءا من الإنسان خاصة حينما يعيش معها طويلا. خاصة كلما ازداد تحول الأيام إلى أشهر ،والأشهر إلى سنوات هناك ، بات كل ما يمكن أن يبهر عقل وخيال وعواطف المرء  أمرا عاديا ومألوفا بالنسبة له. فالجبل حينما تنام في سفوحه وكهوفه لسنوات عشر كسنواته هو هناك ، يفقد سحره.حيث يتحول إلى مجرد كتلة من الصخور والسفوح .وخرير الينابيع الذي يبدو رقراقا وخلابا ، يهيج العقل والعاطفة والذاكرة ، يصبح بعد أن يعتاد المرء عليه ويصغي إلى خريره ليل نهار مجرد صوت رتيب . كما أن الأشجار والنباتات والزهور البرية تفقد بدورها شذاها وسحرها وفتنتها، خاصة عندما ترى العين موتها وبعثها من جديد عشرات المرات،كما رأها هو في تلك السنوات الطوال.هناك أدرك أن السأم والضجر يمكن أن يتغلغلا إلى  النفس،حتى في أعماق الفردوس.
لقد رأى بعينيه طوال سنواته العشر هناك ،موت الأزهار والأشجار والنباتات البرية والبشر.كانت الأشجار والنباتات البرية ما تلبث أن تعود إلى الحياة بعد دورة من الصمت والخمول والموت المؤقت.أما رفاقه الذين رحلوا فلم يعودوا إلى الحياة قط .كانوا أقل حظا من الأشجار والنباتات البرية.
كان يرى عجزه وخذلانه البشري ،وهو يرى رفاقه يسقطون ، ويمضون في لحظة، وتمضي وتتلاشى معهم أحلامهم الثورية ،وأحلامهم كبشر عاديين، تاركين خلفهم حسراتهم وأشواقهم التي لن يعرف بها أحد بعد رحيلهم.
وسط صفحة الفردوس هذه ، كم قاده السأم والضجر والانتظار الممل للنصر الذي لم يتحقق بعد ،من على فوهة البنادق،إلى ألعاب صبيانية يستغرب الآن منها.لكنه يدرك أن الوحدة والعزلة هو أكثر إيلاما للمرء من أي شيء آخر ،حتى لو كان ساهرا في قمم الجبال ،محتضنا بندقيته منتظرا أن تأتي الأيام بما يتمناه مع رفاقه:الهدف الذي من أجله صعد إلى الجبل وانضم مع الأنصار إلى البيشمركة،لإيمانهم أن السلاح هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق النصر.
لكن الأيام طالت .تدرجت من سلم الزمن الأيام والشهر والسنوات بسرعة يستغرب لها حتى الآن .
دفعته الوحدة والضجر ،وخاصة في أيام الربيع ، حيث تنشر شمسه، الحياة والدفء في سفوح الجبال والسهول والوديان، إلى مراقبة أسراب النمل وهي في طريقها إلى بيوتها .كان يحلو له في  هذه الساعات أن يرافق مع أسراب النمل إلى بيوتها،وأن يجلس لساعات طويلة وهو يمد قشه إلى بيوت النمل ليخرج عددا منه ثم يختار اثنين مها ويقربهما من بعض،حيث يشتبكان طويلا في عراك مرير ، ينتهي إما بمحاولة فرار احدهما أو فوز الآخر عليه باقتطاعه جزءا من جسم غريمه.
كانت لعبة قد اعتاد عليها منذ صباه ،وخاصة عندما كان يبصر نملا في زاوية من فناء دارهم الواسع، دارهم الذي احتوته واحتوت نزقه ،دارهم التي أصبحت أثرا بعد عين.
كان ينتشي عند عراك النمل، ويظل يتأمل نتائج الصراع لفترة طويلة ، مستعيدا بذلك أيامه عندما كان يعيش في المنزل مع عائلته ،عائلته التي تحملت من أجله الكثير،والتي ظلت لمدة عشر سنوات تشيع عنه لمن يسأل عنه سبب اختفائه المفاجيء ما يبين ليلة وضحاها ،بأنه يدرس الدكتوراه في رومانيا.
لكم ضحك في سره ،حينما كان يتذكر تلك الأيام والكذبة التي اضطرت عائلته إلى إطلاقها للجم الألسن ،وإبعاد شبهات السلطة وطغيانها عنها.
يستغرب الآن فعلا ولا يجد تفسيرا لاستمراره وبقائه عشرة أعوام متواصلة في الجبل كرفيق للسلاح والجبال والأنهار والوديان، مترقبا بحذر السفوح والسهول ومتأملا العدو ،الذي أتى مع رفاقه لإلحاق الهزيمة به .
دكتوراه في متابعة النمل، والتيه في الجبال،والنوم صيفا في العراء،وفي الكهوف في الشتاء ! ..وان ينسى فلن ينسى قط المرات التي اضطر فيها خشية من التجمد من اللجوء للنوم في تلك الكهوف التي كان الرعاة يجمعون فيها الخرفان والماعز.كم من مرة بحث عن الدفء في النوم معها متحملا روائحهم الكريهة ،كي لا يموت متجمدا في الخارج؟.
خلال السنوات العشر، ترك العديد من رفاقه الجبل، بعد أن أيقنوا أن الأماني والأحلام لا تتحقق دائما.وان العدو الذي ظنوا أنهم سيسحقونه ويحققون النصر تلو النصر عليه، مسلح ومعبأ لكي يصدهم بشتى صنوف السلاح.لكنه تشبث بالبقاء . لكنه لا يزال يتذكر كيف ان من ظنهم ذوو إرادة حديدية وعزيمة لا تلين ،كانوا أول من اختفوا عن الأنظار ،بعد انتشار إشاعة على ان الجنود سيستخدمون ضدهم غازات سامة.
في غمضة عين اختفى المئات ممن كانوا يراهم أصحاب القضية .لكنه أبى وتكابر .كان يرى تراجعه مناقضا  لثوريته .كان يريد أن يثبت لنفسه وللآخرين انه أكثر صلابة في ثوريته وإصراره على الكفاح المسلح.لكنه وبعد انسحاب القوات الحكومية من مدينة أربيل ،رأى انفراط عقد رفاقه . أخذ كل منهم يبحث عن ملجأ له في الدول الأوربية ، بعد أن أعلنت هذه الدول عن قبولها للاجئين العراقيين.
قررت القيادة انه لم يعد هناك من موجب للبقاء في الجبل ، وأن أي رفيق في حل من هذا الأمر.فلم يعد هناك جيش يواجهونه بعد انسحابه من معظم المنطقة الشمالية.
كانت تركيا أقرب نقطة بالنسبة إليهم ،فوصلوا إليها عبر الجبال .كانوا حفنة من الرفاق وجدوا أنفسهم بعد سنوات من حياة الجبل في قلب مدينة أنقرة.
يتذكر كيف كان يحدق بالمارة، وكأنهم يعرفون أنهم غرباء عنها. لفت انتباهه انه ورفاقه يمشون في شوارع أنقرة ،التي قدموا إليها لمراجعة مفوضية اللاجئين ، في خط مستقيم يتبع احدهما الآخر ، كما كانوا يفعلون في الممرات الجبلية،حسب التعليمات المبلغة لهم من قبل آمريهم.
يتذكر كيف التفت ضاحكا إلى رفاقه :
ـ يا جماعة نحن الآن في أنقرة، في شارع يعج بالمارة، فلماذا نسير بصف متراص وكأننا لا زلنا في الجبل؟
أطلق رفاقه قهقهة متشابهة لقهقهته وهم يتبعون أحد رفاقهم الذي استقبلهم في أنقرة، وهو يقودهم إلى حيث مقر المفوضية، لتقديم طلب اللجوء.
خرج مكرم ليشتري علبة سكائر من الكشك الذي أقامه جعفر ، ليبيع فيه السكائر وحلوى وفتيل فوانيس اللوكس. مرت من أمامه سعاد، وهي تلقي بظلها الجميل على أسفلت الطريق الذي كان يحترق تحت الشمس.

سعاد

اعتدت وأنا أجمع حبات اللفت من حقلنا الممتد على الجبل مثل جناح نسر،أن أرى الرجال المدججين بالسلاح الذين كنت اسمع قصصا لا تنتهي في ليال القرية وصباحاتها من الرجال والنساء .
كان ثمة شوق سري جارف يخضر في أعماقي، إلى رؤية هؤلاء الرجال عن قرب، ثم ما لبث أن تحول إلى فكرة استولت على تفكيري وعقلي وجسدي الغض ذي الستة عشرة ربيعا . كان الحقل هو المكان الذي قررت فيه تغيير مجرى حياتي التي كانت تغيير قدرها ومجراها في علم الغيب حتى تلك اللحظة. كنت صبية غريرة غادرت مقاعد المدرسة ، صبية كان صدرها يتكور للتو كبرتقالة خجولة..
أخفيت الفكرة في دهاليز روحي ومغاليقها، وقررت مع ابن عمي الصعود إلى الجبل لأكون قريبا من الرجال الذين كبرت على أساطيرهم. لم أنس أن أضع ملابسي في صرة صغيرة، وفي جنح الظلام ودعت أمي التي كانت وحدها تعلم بقراري.
ظللت أمشي مع ابن عمي دون هوادة في جنح الظلام، ولم نشعر إلا بعد ساعات طويلة من المشي بالنهار وهو يطل علينا من خلف ذرى الجبال .
في اليوم الثاني من وصولي وضعوا رشاشة كلاشينكوف في يدي . بعد اسبوعين من وصولي سمعت أن أبي بعث إلى قيادة الحزب مهددا طالبا إعادتي وإلا سيقوم بإبلاغ السلطات عن أعوان الحزب في القرية . كم غضبت يومها على أبي ،فأنا لن أتحمل حياتي الأسرية الهادئة مرة أخرى ! أصررت على البقاء مهما كان الثمن.
أول حزن حقيقي عشته في الجبل كان يوم مقتل ابن عمي، الذي قضى نحبه بعد انفجار لغم أرضي تحت قدمه فمزقته إربا. لقد تجمد عقلي ومشاعري لحظتها ، وكان من الممكن ان أبقى كذلك لولا يد أحد الرفاق التي انتشلتني من اللحظة التي نسيت فيها لفترة المكان والزمان .
كان أملي الوحيد منذ وصولي هو رؤية القائد، الذي كنا جميعا نتحدث عنه بقدسية. سيطرت الفكرة علي تماما بحيث لم أعد أستطيع عنه فكاكا. كنت في شوق جارف مشوب برهبة إلى رؤيته لأتطلع عن قرب إلى قامته المهيبة .
لقد رفعته في ذاتي إلى مصاف الأنبياء ،سيما أنهم كانوا يتحدثون عنه وكأنه نبي أو نصف إله . شخصية اسطورية يجسد كل معاني البطولة والشجاعة والشرف والشهامة والإباء في شخصه .
كنت أصدق كل ما يقال عنه لأنه كان ببساطة بطل كل الأساطير والحكايات التي تربيت على سماعه.
كان شيئا مصيريا لي أن أراه، و لو لمرة واحدة في حياتي، كانت في قلبي لهفة كبيرة لرؤية محيا الزعيم، زعيم أحلامي المزدحمة بالأبطال الأسطوريين.
ثمة فضول كان يجتاحني ويزلزل كياني لمعرفة هل أن القائد يمشي مثلنا ؟ ويغضب ويحب مثلنا أيضا نحن المتولهين به وبنضاله ؟
مستحيل ! .. فالزعيم الملهم أبعد مما أن يتصوره خيالي الضحل والمحدود . فهو مثل النسر في قمم الجبال الشماء. يطل علينا من عليّ . يرانا من عرينه وعرشه ولا نراه . يعرف عنا كل شيء ، ولا نعرف عنه نحن شيئا ، لأن أبصارنا لا تستطيع أن تبلغ قمته قط .
لكن تلك اللحظة الحاسمة حلت، وكنت أظنها لن تحل أبدا !
كنت أعيش في أقصى مديات الخيال والحلم . هل صحيح سأحظي برؤياه ؟ ! .. هل سيطل على مجموعتنا كما تم إبلاغنا ؟ محال محال .
كنت أخشى أن يغمى عليً في تلك اللحظة التي ستختلط فيها الحقيقة بالإعجاز ، لحظة رؤيتي للزعيم بكل مهابته أمامي وجها لوجه ! فقد سمعت من العديدين أن كثيرين لم يتحملوا بهاء هذه اللحظة الساطعة والمشرقة فأغمي لحظة إطلالته عليهم .
لم يلبث أن أتت تلك اللحظة التي توقف فيها الزمن، وشلت عقارب الساعة من الحركة. حضر الزعيم برفقة فريق من أفراد الحماية المدججين بالأسلحة الرشاشة . استغربت . لماذا يطل علينا نحن أنصاره ومريديه ومحبيه في الجبل ، الذي لايضم غيرنا ؟  .. كنا قد اصطفننا في صف واحد مثل خط مستقيم في بطن الوادي .
لم أجد غضاضة في أن أتجرع كأس الخيبة في حياتي في الجبل ،في تلك اللحظة التي طالما انتظرتها ، وهي لحظة إطلالة الزعيم واشراقته علينا .
أصبت بخيبة أمل عندما رأيته أمامي بشحمه ولحمه. لم يكن كما كان البطل الاسطوري الذي هدهدته في خيالي ،وأضفت عليه صفات التقديس والفرادة والبهاء .
زاد حجم الخيبة في روحي عندما وقف أمامي مصافحا. بعد أن همس في تلك اللحظة أحد أفراد حمايته في أذنه، تغيرت سحنته وهو يقول لي بوجه عابس اظلم من الانفعال:
ـ أبوك رجل سافل وعميل حقير ، وبيتكم مقر لأعداء الثورة وسوف نهدمه على رؤوس  خونة الثورة .. ثورتنا المظفرة !.
عكس ماقد يخيل للبعض لم اغضب ، ولم اثر في أعماقي أو أتأثر بل هزت ريح فرح طاغ أعماقي الغضة. المهم ان الزعيم المفدى يعرفني ويعرف أسرتي .
وقف الزعيم فترة قصيرة يتأمل تدريباتنا . كان تهديده لوالدي بمثابة وسام لي ، ولو طلب مني لحظتها أن أصفي عائلتي لأطعت أوامره ولنفذتها وأنا مغمضة العينين من النشوة ، ولأطلقت لحظتها وبدون تردد زخات من الرصاص لأنه عدو الثورة كما قال الزعيم ، والزعماء لايكذبون .
عرفت في الأيام التالية طعم الدم والبارود  بعد الدخول في اشتباكات مسلحة ضد الجيش الذي كنا نتصادم معه كلما قابلنا أفرادا منهم.  لاأدري كم شخصا قتلت ؟ وهل قتلت أحدا حقا ؟.. في تلك السنوات لم أهتم بذلك . فهم يستحقون القتل وطريق الثورة ليس مكللا بالزهور والرياحين. حسبما ماكان يردد ذلك كالببغاء مسؤولنا ، فطريق الثورة مفروش بالعذابات والدم والنضال ، وكل شيء يهون في سبيل الثورة والقائد والحزب .
هناك عرفت أن لكل شيء حدود. . وإننا لا نملك الا السير في فسحة الحرية الضيقة التي يتركها لنا مسؤولونا وقيادة الحزب . في البداية لم أكن أعي ذلك . كنت أنطلق بجموح الفرس في مناقشاتنا التي لا تنتهي مع الرفاق. حينما حكم عليّ بالسجن الانفرادي علمت أن حريتي يحددها الحزب ، وان عليّ أن انظر إلى كل شيء بعيون الحزب وقائده لا بعينيّ أنا .
كان المقاتلون يمتنعون عن الحديث لكل من يحكم عليه بالسجن الانفرادي لفترة معينة من الوقت عقابا له على عدم التزامه بتعليمات الحزب.
سئمت من تعاملهم الذي ينحصر مع المقاتلات في تلبية الأوامر واحتياجات الرفاق المقاتلين :
ـ رفيقة دنيا .. احضري الشيء الفلاني !
ـ رفيقة نادية .. انقلي مع رفيقاتك هذا الكيس إلى المستودع !
ـ رفيقة فاطمة .. اشتركي اليوم في إعداد الطبخ !
في يوم رفعت راية التمرد .طلبت منهم أن يشركوني في القتال. هددتهم بأنني سأطلق النار على رأسي وأنتحر أمامهم لأنني لم التحق بالثورة لأجل العناية بالمقاتلين فقط. سلمت طلبي إلى رفيق بدا متعاطفا معي لتسليمها إلى القيادة.الا أنه بدلا من ذلك سلمها إلى مسؤوله . بعد أيام تم استدعائي من مجموعتي اثر اتصال لاسلكي.
تعرضت إلى تأنيب وتوبيخ لتجاوزي المراجع الحزبية . بدأ  أمر حظيرتي بتعنيفي وزجري ، لينتهي الأمر بمنعي من الاختلاط بالمقاتلين لمدة اسبوعين. لم يحدثني خلال هذه الفترة أحد. أجبرت على تناول الطعام على انفراد . تم استدعائي في نهاية العزل القسري . طلبوا مني وبأسلوب مهذب أن ألتزم بالتعليمات، معربين عن افتخارهم بي كرفيقة ومقاتلة.
طوال هذه الفترة أحسست بأنني من كوكب آخر ، لاأنتمي إلى هذا العالم الذي تشرق عليه الشمس وتغيب عنه في ميقات معلوم. كنت وحيدة . لا أحد يسأل عني . لاخبر ولارسالة . . ولو فكرت بالهرب فالى أين أتجه وعيون المقاتلين في كل مكان ؟
فقدت رغبتي في دخول صدام مسلح بعد إصابتي إصابة بليغة خضعت بسببها لعملية جراحية على يد أطباء الحزب من المقاتلين. تحولت بعد شفائي إلى العمل في إذاعة الحزب.
مع الزمن أدركت أن البيت الذي يقيم فيه الزعيم يطلق عليه اسم ( بيت الإعداد). ومما زاد من استغرابي ، اختيار الحسناوات من المقاتلات للعمل في هذا البيت. فالزعيم كما علمت فيما بعد يهوى الشقراوات، ويسمي الواحدة منهن (حسناء الجبل).
في يوم تم استدعائي إليه . طلبت مني المشرفة على الشؤون الخاصة بالقائد بأن المطلوب مني هو تدليك جسم القائد. دخلت هيابة إلى الغرفة التي سأكون فيها وجها لوجه مع الرمز الذي كانت كل حنايا قلبي توق لرؤيته عن كثب.
كان جالسا مثل أي إقطاعي ( لا ادري لماذا انتابني هذا الشعور لحظتها) على مقعده واضعا قدميه في إناء مملوء بالماء الدافئ. فهمت ماهو المطلوب مني . لم يكلمني . جلست ودلكت قدميه فترة من الوقت قبل أن يقول لي ” كفى”. بدأ يعنفني لأنني غير ماهرة في التدليك. ثم مالبث أن امتد على السرير طالبا مني أن أدلك جسمه . فهمت مايطلبه مني بعد أن رأيت  مظاهر الشهوة في عينيه وبين فخذيه .
قال لي :
ـ اخلعي ملابسك !
رضخت لأمره . بقيت بملابسي الداخلية .
نهرني بصوت آمر :
ـ تخلصي منها أيضا !
شعرت بالرعب عندما نهض وبدأ باحتوائي بين ذراعيه، بدون شعور ضربته على صدره. فوجئت به يصفعني بهياج وهو يهينني ويشتمني :
” منحطة، سافلة، سخيفة ! .. أريد أن أحررك من مخلفات التقاليد البالية التي لا تزال تتحكم بك.. أريد أن أساعدك في تحطيم أغلال جسدك “. . ثم صرخ في وجهي بعنف : ” انقلعي !.. ستظلين مجرد عبدة !” . كانت هذه تجربتي الأولى في ( بيت الإعداد).
عند خروجي من غرفته، استدعيت إلى اجتماع نسوي للإعداد النفسي.  لم أتمالك نفسي من البكاء. نهرتني إحدى الحاضرات ، كان يبدو عليها وكأنها مسؤولة عن قسم ( حرملك) القائد :
ـ القائد يريد تحريرنا ..الاتريدين التحرر ؟ .. خطأك بأنك تنظرين إليه نفس نظرتك الى أي رجل عادي . لا تنسي بأنه الزعيم ! .. انه القائد النبي الذي قدم لكسر أغلالنا ! ” .
في المساء استدعاني ثانية إلى غرفته . في هذه المرة كنت مستسلمة تماما . لم يكن ثمة احد أشكو إليه  معاناتي وقلة حيلتي . لم أجد نفسي قريبة من فكرة الموت أكثر من تلك المرة. فضّ بكارتي في ذلك المساء الذي استدعاني بعده مرتين. لم ينس تحذيري في آخر مرة:
ـ إياك من ممارسة الحب مع رجل آخر ! .. من يتم إعدادها هنا تكون خاصتي وعليها أن تبقى كذلك .. هل فهمتِ ؟
كان الحب محظورا على المقاتلين . كانت أي علاقة ، يخالف الانضباط الحزبي ، ويؤثر سلبا على الروح النضالية والقتالية التي يجب أن يتحلى بها المقاتلون. فهم هنا للقتال وليس للحب .
كان يتم تنفيذ حكم الإعدام بدون رحمة بالنساء اللاتي يطعن قلوبهن. وكان من الغريب أن يتم التنفيذ على يد حظيرة متطوعة جلها من النساء.
كم من رفيق وصم بلقب ( خائن) لأنه سمع نداء قلبه وأحبّ في هذه الجبال الغارقة وسط الصمت والرهبة والترقب. هذه الجبال التي لجأ إليها صبيا أو صبية غريرة مثلي.
كانت بصيرة ابنة أحد الإقطاعيين . لجأت الى الجبل وعمرها 14 عاما . حاولت الفرار عند بلوغها السادسة عشرة ، الا أن أمرها انكشف قبل تطبيق قرارها . تقرر إعدامها رميا بالرصاص وأرغمت على أن تحفر قبرها بيدها. كان ذلك في يوم من أيام تموز القائظة . عندما سئلت عن طلبها الأخير صرخت بأعلى صوتها :
ـ يسقط الزعيم ..!
أطلقت الرفيقة  عشتار النار على ساقيها وعندما سقطت في الحفرة أجهزت عليها بقية المقاتلات ، حطمن رأسها رجما بالحجارة الى أن لفظت أنفاسها الأخيرة في الحفرة التي حفرتها بنفسها. وكان سبب القتل رجما لتعذيبها فترة أطول قبل أن تموت بسبب تطاولها على الزعيم والقائد الملهم.
لاتزال ثمة أيام ماثلة في ذهني وبصري وبصيرتي . ومنها فرار  المقاتلة أيام ، بعد انكشاف علاقتها بوصفي . فرت لتنقذ حياتها . عندما بلغت صخرة قرب نهر، نزلت وأخذت تغسل وجهها. لم يكن ثمة من يسمعها. يسمع أنين روحها المعذبة في تلك اللحظة الموحشة المفعمة بالرعب والترقب غير النهر الذي كان ينساب بهدوء غير عابيء بما سيحدث على ضفافه بعد فترة.
وقفت أيام عندما رأتنا .تأملت وجوهنا وهي تمسك في يدها بقنبلة. توقفت أمام حبيبها الجبان فترة طويلة قبل أن تقول:
ـ لاتقتربوا مني ! ..لا أريد أن الحق أذى بأحد.
ثم فجرت القنبلة وتمزقت أشلاؤها ، وحمل النهر جزءا من جسدها .
بعد هذه الجريمة عقد اجتماع أعلن فيه أن أيام ، استغلت أنوثتها للتغرير بالرفيق وصفي الذي لايشك أحد حسب رأي القيادة في إخلاصه للثورة والقائد. وكم شعرت بالحقد والضغينة عليه وأنا أرى خسته وجبنه وهو يقول عنها :
ـ أجل لقد غررت بي . كانت مجرد شيطانة حاولت ردعي عن طريق الثورة . استسمح القيادة الحكيمة إعطائي فرصة لإصلاح نفسي واستعادة روح الثورة.
قوبلت كلماته بالتصفيق من قبل الرفاق ، وكوفيء من قبل الحزب لممارسته النقد الذاتي الثوري واعترافه بخطئه بمنحه  مسدسا شخصيا مع ترقية الى منصب أعلى .
منذ ذلك اليوم قررت أن لا أبقى في تنظيم ليس فيه مكان للحب، مكان ترجم فيه العواطف، ويغتال فيه الحب. قررت أن لا أعيش البقية الباقية من حياتي كدمية آلية مهمتها الطاعة والخضوع فقط. فلم أعد تلك الصبية الغرة التي تستهويها أساطير البطولة،

كانت النسوة في معسكر سيلوبي يستمعن إليها ، وكأنها كائن قادم من كوكب آخر. تروي تفاصيل غريبة عنهن جميعا.
علقت سهيلة على حديثها قائلة :
ـ قصة لا تصدق، أمن المعقول أن تكون هذه الأحداث حقيقية ؟..
لم ترد عليها بل فضلت أن تطيل النظر في عينيها، قبل أن تقول:
ـ المهم إنني هنا.. أنتظر مثلكن بأمل حياة جديدة في وطني الجديد. حياة جديدة لم أعشها ..وليست لها أدنى صلة بما عشته.
كان النهار قد انتصف، غادرت النسوة خيمة سعاد، وهن يثرثرن عن قصتها الغريبة التي بدت لهن خيالية. قالت أم روميو:
ـ انه سيناريو معد بإتقان للحصول على قبول من الأمم المتحدة. وقد نجحت في ذلك بدليل انها معنا هنا في المعسكر.
قالت أم أميرة :
ـ من يدري ربما ستسبقنا جميعا في السفر !.
بينما أطلقت نرمين ضحكة عالية ،وهي تقول :
ـ فيلم هندي .. أحسست وأنا أسمعها وكأنني أتفرج على فيلم هندي.. لا تنسين كم ينسج البعض من قصص درامية تفوق الأفلام الهندية عند مراجعته لمكتب الأمم المتحدة للحصول على قرار بالموافقة.
حتى تلك اللحظة لم تكن روناك قد وصلت بعد الى المعسكر.

روناك

وصلت في عتمة الظلام إلى المعسكر ، تعبة مثل عصفور أنهكه الطيران ، لتشرق في الصباح مثل شمس لا تعرف المغيب في قلوب اللاجئين ، وفي أحاسيسهم ولهيب شهواتهم. المستعرة.
بعد أيام ألقت عن كاهلها كل إمارات التعب.
أقام الشباب خيمتها في غمضة عين ، كما قاموا بنقل حصتها من الأرزاق التموينية التي توزع على اللاجئين إلى خيمتها التي بدأت تقيم فيها.
أحاطت بها النساء الثرثارات يسألن بالتفصيل عن حياتها وتفاصيل لجوئها إلى المعسكر.
ألقت نظرة على الخيام اللصيقة ببعضها كأعضاء من جسد مكدود ، ينتظر الصباح والليل كل يوم بصمت يحف به صوت الآذان وتغاريد العصافير البرية التي تغير أماكنها باستمرار بطيران قصير المدى، وعواء الكلاب ، ورائحة الخمر التي تطير من بعض الخيام في المساء بين أغاني يوسف عمر أو أم كلثوم  ،لترسم بذلك حدود الطقس القائم الذي يتكرر يوميا لهذا المعسكر البعيد عن الأعين والأسماع .
امتدت على فراشها الأرضي ،وهي تسحب أنفاسا عميقة من سيكارتها. مستعيدة لقطات متسارعة من حياتها.
والدها مازال يصرخ ، متحينا أدنى فرصة لينهال على أمها بالسباب والضرب في نهاية الأمر، ليصرخ بعدها في وجوه الجميع. كانت تخشى كثيرا هذه اللحظات، وتعمل على تهدئته بتقبيل يده بيد مرتجفة، وعينين تبدو دموعهما كنهر لا يعرف مجراه.
كان يؤمن بأن المرأة عورة، وأن مكانها هو بيت زوجها ومن ثم القبر، والمهمة الوحيدة لها في الحياة هو إنجاب الأطفال.
متعتها الوحيدة كانت مشاهدة الأفلام التلفزيونية .ولحسن الحظ كان أبوها ينام مبكرا ، لذلك كانت تتابع بلهفة وقلب تخترقه الشهوة المشاهد العاطفية في تلك الأفلام ،وخاصة اللقطات الحميمة بين البطل والبطلة التي تنتهي بالقبل الدافئة.
كانت النهارات بالنسبة لها مثل اسطوانة مشروخة تكرر نفسها برتابة مملة ، لكنها الآن تأمل في غد مرتع بالأحلام ، وبكل مايتمناه قلبها الجريح ، الذي لم يخفق إلا لزوجها رؤوف الذي تركته في دهوك على أمل أن يلتحق بها فيما بعد في ملاذ الغربة ، بعد قبولها كلاجئة.
خلال وجودها في (أنقرة )كانت مشاعرها مرتبكة، لا تعرف الوقوف في محطة واحدة.بل كانت في قطار منطلق في قلب الليل البهيم نحو محطات مجهولة، ستكون إحداها من نصيبها. حيث ستعيش كإنسانة ،دون أن يتدخل مخلوق مهما كان اسمه في حياتها، ليحطم البقية الباقية من آمالها التي ترغب فيه بالانعتاق ، والوصول إلى أقصى درجات الحلم والطمأنينة.
خلال أيام عرفت روناك قصة أغلب اللاجئين في المعسكر. علمت أن جنكيز هو مؤذن الجامع ، وأن مظفر إنسان خبيث يعرف من أين تؤكل الكتف ، وأنه زار حتى سفارة إسرائيل في أنقرة للحصول على لجوء الا انه باء بالفشل. كما علمت أن أبو روميو نقيب سابق في الجيش ، وأن أميرة مجنونة، وقد ازداد عقلها شرودا بعد سفر شقيقها الى كندا ،وبقائها وحيدة مع أمها في المعسكر ، وأن فرهاد الأربيلي قد حضر مع الحاجة العوراء في نفس اليوم. وأن سهيلة الأرملة تدعي أنها اضطرت الى ترك زوجها في العراق ، والرجل الذي يزورها شهريا في المعسكر على اعتبار أنه عم أطفالها ، إنما هو زوجها الذي لم يقبل طلبه من قبل مكتب اللاجئين  وبأنه سيلتحق بسهيلة وأولادها عند سفرهم إلى كندا. كذلك عرفت روناك من ثرثرة النساء أن سعد البغدادي هو أكثر شباب المعسكر وسامة وخلقا.
بدأت بالتنزه مع صديقاتها ، أو بالجلوس معهن على التلة القريبة المطلة على الشارع العام التي تمر منها سيارات الحمل والنقل العائدة أو الذاهبة صوب الحدود العراقية. كانت تشعر بمشاعر متناقضة، وبدبيب قليها وقد ازداد خفقانا. كانت أصوات الكلاب تأتيها أليفة في هذه البرية التي يغمرها السكون  مع صوت خفقات أجنحة العصافير والطيور البرية.
في يوم التقت بالصدفة مع سعد البغدادي.
كانت تنتظر دورها لملء دلوها بالماء، ولم يكن أمامها الا شاب فارع الطول ، وسيم بكل المقاييس.
عندما حان دوره ، التفت إليها قائلا :
ـ تفضلي رجاءا.. فأنا لست على عجل من أمري.
عندما بدأت بملء الدلو، فوجئت بقوله:
ـ أظن أنكِ الأخت روناك ..
التفت إليه بوجه باسم وهي تجيبه بالإيجاب.
ـ لقد سمعت بوصولك من الشباب .أهلا وسهلا بكِ..أنا سعد البغدادي.
لسبب مجهول توردت خداها رغما عنها، وهي تقول له:
ـ أهلا وسهلا ..
إذن هذا هو سعد الذي سمعت عنه من ثرثرة النساء وعن وسامته. حقا أنه أوسم الشباب هنا.
اتجهت بصمت نحو خيمتها بعد أن ملأت الدلو ، وسمعته وهو يقول لها :
ـ تحتاجين إلى مساعدة ؟
هزت رأسها بالنفي.
أدمنت منذ اليوم على التفكير بسعد البغدادي. بدا لها مختلفا تماما عن الآخرين، وسامته ونظافة مظهره التي كما كان يبدو يهتم بها كثيرا.
كما أصبحت نرمين التي كانت مرشحة للسفر الى لندن مع زوجها وابنها الصغير بسبب وجود أشقاء لها هناك ، والتي كانت تقيم في خيمة ملاصقة لخيمتها ، أقرب من جميع النساء الى قلبها.
كانت الحكومة الاسترالية قبلت بملفها، بينما سعد ينتظر دوره للسفر إلى كندا كما علمت بذلك فيما بعد، لكنها كانت تدعو في سرها، أن لا يتم ذلك قريبا.
كانت تبدو وكأن بها مس من الجنون..لولا هذا الجنون كيف لها أن تفسر شوقها الدائم في أن تكون معه ، في هذا المعسكرـ السجن ، في ساعة متأخرة من الليل ، يخرج فيها هو من ردهة العزاب ، بينما تنتظره هي خلف جدار مكتب اردوغان ، الذي يصبح خاليا بعد الساعة السادسة مساء. يتحدثان همسا ، وتتلامس أيديهما وسط سكون لا يخل به إلا نقيق الضفادع، من بركة آسنة أمام المرحاض، ونباح الكلاب التي تأتي من القرى المجاورة.
في إحدى هذه اللقاءات قبلها من شفتيها ، أحست بعدها أنها لا يمكن أن تتركه أو تنساه مهما كانت النتائج. ومع كل لقاء مختلس ، كانت صورة زوجها رؤوف تشحب أكثر فأكثر في ذاكرتها..
كانت تصارح نرمين بكل لقاءاتها المختلسة ، بمشاعرها الحبيسة في أعماقها .قالت لها ،انه قدر لا بد منه. طلبت منها نرمين أن تكون على حذر فكل مافي المعسكر عيون وآذان تهوى التقاط شوارد الآخرين. و كانت لا تنسى أن تذكرها أحيانا بأنها متزوجة.
كلما ذكرتها نرمين بهذه الحقيقة ، كانت صورة زوجها تتضاءل في ذاكرتها ، وتحس انه بات شخصا غريبا عنها. وأن هذا الهيام الذي أخذ بتلابيب روحها وعواطفها، ينتشر كاللهب في أعماقها.وان طعم قبلتهما الأولى لا تزال طرية، وندية على شفتيها.
وفي الحقيقة كان اللغط بدا ينتشر في المعسكر حول حبهما ، الذي بدا ينمو كزهرة الختمي في بستان روحيهما.
في لقائهما عند تلة المعسكر، بدا يومها سعد البغدادي شارد الذهن ، تبدو عليه سحابات من الهموم والتفكير. قبل أن تسأله فوجئت به يسألها :
ـ روناك هل أنتِ متزوجة ؟.
كانت تعلم بأنه سيأتي يوم يعرف فيه بكونها متزوجة.  ردت عليه بهدوء مشوب ببوادر انفعال:
ـ وماذا في ذلك؟.. كنت سأقول لك ذلك من تلقاء نفسي.
فجأة انتزعت خاتم زواجها من جيب بنطالها قائلة له بنبرة عالية :
ـ إليك بالخاتم الذي يقف حجرة عثرة في سبيل حبنا !.
وألقت بالخاتم بين كومة من الأشواك التي كانت تقاوم ريح تحاول اقتلاعها.
أمسك بيديها وبدأ يمطرها بالقبل دون أدنى اهتمام بالمكان وبالآخرين.
قبلت هي أيضا يديه اللتين أمسكت بهما. مسح دموعها ثم لعق الدمعات من أصابعه التي ابتلت بالدموع.
أجمل أيامهما على الإطلاق كان يوم ما قاما بالذهاب معا إلى سوق سيلوبي. بعد ان سبقها سعد البغدادي ، وبقي ينتظرها في  مدخل السوق. ولم تكن في سيلوبي في واقع الحال إلا شارع واحد يتوسط السوق، إضافة إلى الطريق الرئيسي الممتد حتى نقطة الحدود المشتركة في منطقة إبراهيم الخليل.
بدا كمراهقين في الشارع وكأنهما يلتقيان لقاءهما الأول. كانا يستعجلان الزمن ، لذلك دخلا محلا لبيع الحلويات. كانا يبدوان وكأنهما يريان بعضهما لأول مرة.
طلب سعد طبقين من حلوى القطايف. كانت ابتسامتها تفضح مدى سعادتها.
قال لها سعد:
ـ وأخيرا يا عزيزتي ها نحن نلتقي في مكان يليق بالبشر.
نظرت إليه طويلة بوجهها الباسم الجميل، وهي تقول له مداعبة:
ـ لماذا ظهرت أمامي هنا ، في هذه البرية القفراء التي اسمها معسكر سيلوبي ؟.
ـ نفس السؤال أوجهه إليك: لماذا ظهرت في حياتي في محطتي الأخيرة. كان يمكن أن نلتقي قبل سنوات طويلة في أي بقعة بالعراق.
قالت له بدلال واضح :
ـ ألست ممتنا من تعارفنا ؟
قال لها: بل قولي من حبنا .
قال لها كل مافي قلبه. قال انها الزهرة التي ظهرت في صحراء حياته، بعد مطر ربيعي نزل بردا وسلاما على روحه وعقله وعواطفه.حدثها عن أمه التي تركها وحدها في بغداد على أن يبعث لها بنقود لتعيش حياة كريمة في البقية الباقية من عمرها.
قال لها، أن قلبه ظل يتيما، ظامئا للحب والشفقة دائما. حدثها عن الأيام التي قضاها في (أبو غريب) مع أمه المسكينة بعد القبض عليهما كوسيلة للضغط على أخيه الذي كان قد فرّ الى السويد منذ  سنوات ، كي يعود ويسلم نفسه للسلطات. حدثها عن أيامه ولياليه الطويلات في السجن، والتي ظنّ أنها لن تنتهي أبدأ. حدثها عن بكائه في السجن كالأطفال وهو يتذكر أمه الصابرة التي لم تعش يوما هنيئا في حياتها.
قال لها، انه يكره السياسة، ولم يشعر بأي تعاطف تجاه أي حزب مفضلا دائما أن يعيش في ظل حريته التي كان يراها أقدس من أفكار حزبية. قال لها ، أنه رغم ذلك تعاطف دائما مع الفقراء والمهمشين ، وفتح لهم نوافذ قلبه وروحه. وأنه وجد الآن فيها مرفأ للاستراحة والسكينة.
لم تحدثه عن أبيها ولا عن زوجها، كانت تستمع إليه بكل جوارحها. كانت لا تريد أن تفقد متعة اللحظات الدافئة التي تعيشها.
غيرت مجرى الحديث بسؤاله عن موعد هجرته الى كندا ، فقال لها أنه ليس ببعيد ، وأنه لا يريد التفكير بذلك الآن. سمعته يقول لها:
ـ وأنا من يدري متى سأسافر الى استراليا ؟
قال لها ضاحكا :
ـ حبيبتي هل تعلمين طول المسافة بين كندا وأستراليا؟
قلبت شفتيها الورديتين دون ان ترد عليه.
قال لها مبتسما:
ـ 16 ألف كيلو متر يا حبيبتي !..
ـ والله كلش قريب !
ضحكا معا ، قال لها محاولا طمأنتها :
ـ لكن خفقات قلبينا ستقرب المسافة حتما الى أن نستقر معا في واحدة من البلدين، حيث لا فراق ولا بعاد ولا هجر ولا حساد ولا عواذل ..
ـ ماهذه أغنية جديدة لأم كلثوم !.
ضحكا بملء فميهما.
سبقته في العودة الى المعسكر ، بينما فضل هو أن يتأخر منعا للقيل والقال حيث أخذ يتجول في السوق الذي كان فيه مطعمان ، مطعم عادي وآخر للكباب والمشويات مع مكتبة صغيرة تصل إليه الصحف اليومية في منتصف النهار ، حيث يكون الزحام على أشده أمامها آنذاك انتظارا لوصول تلك الصحف. وعلى الطريق رئيسي ثمة فندق وسوق بقالة كبير وواسع ، وفي احد مداخل الشارع يقع دائرة البريد. مع عدد ملفت من مصلحي الأحذية، بعضهم يعمل في دكاكين خاصة ، وآخرون يفترشون الرصيف.
بعد أن روت روناك،  لنرمين تفاصيل لقائها بسعدي في سوق سيلوبي . قالت لها انها تريد تغيير بلد اللجوء من استراليا الى كندا . كانت لا تريد لهذا الحب أن ينتهي بسبب المسافات، متمنية أن يعيشا معا. كانت تثق بقلبها وعواطفها. لم يطرأ على بالها ولو للحظة احتمال أنه قد يكون مخادعا ، يستغل عواطفها ، ثم ما يلبث أن ينساها عندما يخطو أولى خطواته في وطنه الجديد : كندا.
في الصباح توجهت الى مكتب أردوغان في المعسكر. كان جالسا أمام حاسوبه وهو يرتشف الشاي على مهل.سألته هل يمكن لها أن تختار العيش في كندا بدلا من استراليا.
لم يسألها أردوغان عن سبب سؤالها ولا مبرراته ، بل أجاب عليها بشكل شبه آلي:
ـ  لا يملك اللاجيء حق اختيار الدولة المضيفة ،بل يتم تقديم ملفه من قبلنا الى دولة جديدة في حال رفض طلبه لأي سبب من الأسباب من قبل تلك الدولة التي سبق لها قبول ملفه.
أرادت الخروج ، لكنها توقفت هنيهة بعد أن وجد أن أردوغان ما زال يتحدث .
ـ مثلا عائلة الكركوكي عندما حضرت الى هنا ، كان من المقرر لها أن تسافر الى استراليا بعد 15 يوما من وصولها مع أول وجبة .. لكن استراليا ما لبثت بعد ثبات إصابة ولدهم بأحد الأمراض القلبية أن رفضت قبولهم ، وأعادت لنا ملفهم ،  لعدم رغبتها في تحمل تكاليف العملية الجراحية الضرورية للولد الصغير، فاضطررنا الى تقديم ملف الكركوكي الى السويد التي رفضتهم لمرتين متتاليتين ، ونحن الآن نبحث عن دولة جديدة لهم.
كانت لا تريد أن تسبق الأحداث. قررت أن تدع الأمور تجري في مجراها بشكل طبيعي.

عند عودتها الى المعسكر ،كانت نرمين في انتظارها . نقلت إليها كل ما قاله أردوغان. ولم تملك نرمين الا أن تقول لها:
ـ ما كان لك أن تدخلي في هذه المغامرة العاطفية وخيمة العواقب ، فهو على أبواب السفر الى كندا. كان من الأفضل أن تعيشي بهدوء لحين سفرك الى استراليا ، ومن ثم يلتحق بك رؤوف ..ما الداعي الى كل هذه العواصف التي وضعت فيه نفسك في وسطها ؟.
ـ تعالي قولي كل هذا الى قلبي ، اقنعيه !.. أعلم بأنني أمشي وسط ألغام، لكن ثمة رغبة مميتة في داخلي في أن امشي وسط هذا النهر الهائج حتى النهاية.
منذ ذلك اليوم بدأت روناك تمشي علانية مع سعد البغدادي في ساحة المعسكر أو صوب الفندق بين مئات العيون المتسائلة ، والتعليقات المتهامسة :
ـ يتصوران نفسيهما في باريس، وليس في معسكر للاجئين !.
الى أن حلّ ذلك اليوم الذي لم يمر بخاطر أحد. كان المساء على وشك أن يحل. كان مظفر يحلق ذقنه في دكان البليادرو الخالي من الزبائن. وكل من جنكيز ونظام وإسماعيل وناظم يتجولون دون هدف ، حينما حدث مايشبه الاقتحام من قبل سيارتين تابعتين للأمن التركي الى المعسكر ، وبالضبط الى مكان إقامة اللاجئين. نزل من السيارتين رجال مسلحين. وطلب من الجمع الذي احتشد يرقب بفضول ما يجري :
ـ أين تقيم روناك مجيد ؟.
ارتفع أكثر من أصبع وهو يشير الى الخيمة المطلوبة. أندفع رجلان من الأمن الى تلك الخيمة، ثم مالبثت أن ظهرت روناك معهما مصدومة ، تنظر الى الجمع المحتشد أمام خيمتها وكأنها تراهم لأول مرة. تقدم منها رئيس المجموعة قائلا لها بحزم جازم:
ـ لقد قرار بطردك من تركيا ، وإعادتك الى العراق!.
تمكنت من القول بحرقة بواسطة أحد اللاجئين ، والذي ترجم ما تقوله الى التركية:
ـ لكن لماذا .. لماذا ؟ ماهو ذنبي ؟!.. أنا لاجئة الأمم المتحدة ..أنا..
أدخلت في سيارة جيب عسكرية، والتي ما لبثت أن انطلقت صوب الحدود العراقية. التفتت روناك في السيارة تنظر الى الحاضرين باحثة عن سعد البغدادي ، بدأت السيارة تبتعد عنهم، بين أصوات البكاء من بعض النساء ، وأصوات التشفي من قبل البعض الآخر.
كان سعد البغدادي يقف في ذهول تام ، يراقب كل ما حدث بنوع من الخوف والقلق والأسف على مصير روناك. منذ تلك الفترة لم يتمن الا شيئا واحدا ، وهو أن يخرج من جحيم سيلوبي قبل لحظة.
رفع رعد صوته المخمور قليلا معلقا:
ـ وهكذا شاهدنا نهاية قصة حب، انتهت بطريقة درامية، هندية !
عاش المعسكر أياما في لغط دائم ، حول سبب إبعاد روناك من المعسكر ، وعن الشخص الذي يقف خلف هذا الحادث، والذي لم يشك أحد بانه يعيش ويتنفس معهم في المعسكر.

ليلة عاصفة

أصاب النسيم الهاب الذي هبط مع النهار إلى المعسكر مثل يد حانية ، جنونا لا حدود له في ظلمة الليل ، بعد أن تحول إلى عاصفة هوجاء حبلى بالأمطار ، بلغت من القسوة أن راحت تقتلع بعض الخيام. ارتفعت على أثرها أصوات الذين هبوا في ظلمة الليل كالمجانين يهرعون دون هدى.
أما الخيام التي قاومت جنون العاصفة، فقد غرقت أرضيها بمياه المطر، لتتحول أرضها الى بركة من الطين الممزوج بمياه بالمطر . كان ذلك يجري وسط ظلام دامس، وعتمة ليس لها قاع أو قعر ،حتى عواميد الكهرباء الطويلة والقليلة أغلقت عينيها وسلمت نفسها لضوضاء المكان.
استطاع البعض أن يحتمي بالفسحة الموجودة في المراحيض التي كانوا يرقدون في ظلالها حينما الحر يفل الحديد ظهرا، فيروحون يغطون في نوم عميق تحت ظلال المرحاض التي كانت تكسب المكان جوا من الطراوة والنداوة.
حتى أضواء الفندق كانت غارقة في حضن الظلام ، بحيث كانت تبدو مثل قلعة لا يشع فيها الا الظلمة والعتمة ،مثل جسد غريب يقف لوحده دون أن ينتمي إلى المكان.
ارتأى البعض البقاء تحت الخيام في انتظار أن يهدأ غضب العاصفة بعد أن يعود إلى صوابه.
الكل انتظر الصباح في مكانه داخل الخيام أو فسحة المراحيض.بدا لهم هذا الانتظار كانتظار قريب أو صديق ودود لهم.
كان المكان غارقا في الصمت، عدا الأصوات المنطلقة من الراديو تحت بعض الخيام، والتي كانت تحمل نبض الحياة إلى المكان الذي كان يرفع يده بالاستسلام المطلق لقوة الظلام والرعب كنتيجة اتحاد العاصفة مع المطر ليغير من طقس المكان وصورته.
” جينه لداركم يا أحباب جينه ..”
الأغنية تصاحبه صوت كلب وحيد في البرية المحيطة بالمعسكر.
دام هذا الوضع طويلا بالنسبة للبعض كالدهر ، وبالنسبة للبعض الآخر كان بمثابة هفوة للطبيعة سوف تؤل للهدوء بعد فترة.
في تلك اللحظات لم تعد الأذهان منشغلة في من سيصيبه سهم الحظ  في الانتقال من هذا المعسكر البائس إلى أية دولة في أرض الله الواسعة ، أو الحديث عن انحياز مسؤول مكتب اللاجئين في المعسكر أردوغان  لبعض اللاجئين لهذا السبب أو ذاك لمجرد أن الدور لم يشملهم في السفر.
لا يهم كم استمر حصار الظلام والمطر للمكان ، المهم أن الجميع فوجئوا في الصباح بالشمس وهي تؤكد هيبتها ، وتطل على المكان والزمان وهي في أوج زهوها وحيويتها ،  الذين اعتصموا داخل الخيمة فتحوها من الأسفل على الجهات الأربع ،واخرجوا منها أمتعتهم وفراشهم الذي طالتها يد المطر.
أما الذي لا ذوا بالمراحيض فقد عادوا ليعملوا على إصلاح خيامهم وإعادتها إلى سابق عهدها. وسط مستنقع من الطين بصبر وروح من التوكل.
إلا أن فجيعة حاجي رسول كانت أكبر من فجيعة الآخرين.فقد فوجيء بأن دجاجاته التي كان يعنى بها في داخل مساحة صغيرة من الأسلاك الشائكة وقطعة صفيح قرب خيمته قد اختفت رغما عنه .ورغم بحثه في طول وعرض المعسكر الا أنه لم يعثر عليها. وقد زادت حدة فجيعته بعد عثوره على بعض من ريشها مما دفعه إلى الشكوى بصوت عال :
ــ أن يأتي ثعلب جائع ويفترس دجاجاتي في مثل هذا الزمهرير فهذا شيء لا يصدق. هل للثعالب شجاعة إلى هذا الحد الذي لا يبالي فيه بالعواصف والأمطار ، أم أن لصا من هنا يعيش بين ظهرانينا له يد في هذا العمل الشنيع ، وفعلها دون شعور بالرحمة أو الشفقة ؟ .. ولكن أين يستطيع إخفائه وسط هذا المعسكر الذي يعج بكل لون من السرسرية ؟
تجمع الجميع حول أردوغان الذي أقبل بسيارته وهم جميعا ينظرون إليه لعلمهم بأنهم سيسمعون منه كلاما يزيح عن قلوبهم كآبة ليلة أمس .كانوا يبدون وسط الخيام الغارقة في الوحل مثل سكان ارض حل بها الزلزال.
قال لهم أردوغان :
ــ ستحضر سيارات محملة بالتراب لردم مخلفات من خراب، كما ستقوم بتوزيع فراش وبطانيات وأرزاق جديدة.
همس وليد ساخرا :
ــ يعني كالعادة ثلاث بيضات، رز أو برغل وسكر وربما سيدللوننا بدجاجة !.
نظر إليه جنكيز بعينين محمرتين :
ــ يا أخي ألا تحمد الله ولو لمرة واحدة في حياتك ؟.
عندما لاحت العربات المحملة بالتراب ، استعد الجميع لاستقبالها ، يخيم عليهم إحساس ممزوج باليأس والرجاء  في أعماقهم التي سوّدها الانتظار الممض للفرج.
انضم أزل طواعية لإصلاح ما أفسدته الأمطار ليلة أمس، بعد أن بشره مسؤول المعسكر أردوغان بأنه سيكون من ضمن المسافرين الولايات المتحدة الأمريكية بعد اسبوع .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.