حسين سرمك حسن : حميد الربيعي في “سفر الثعابين”؛ سِفر الخيبة والإنبعاث (1)

hussein sarmak# تمهيد :

يمكن تصنيف رواية القاص والروائي “حميد الربيعي” على أنها من جنس “الرواية القصيرة” (بالإنجليزية: Novelette) أو الأقصوصة الطويلة، وهي الرواية التي يترواح عدد كلماتها ما بين 10.000 كلمة و 20.000 كلمة ، أو أكثر من ذلك تبعاً لعدد كلماتها (أو عدد صفحاتها) . فإذا كانت من نوع الرواية الصغيرة غلبت عليها تقنية الرواية ، وإذا كانت من نوع الأقصوصة الطويلة غلبت عليها تقنية الأقصوصة . ومن أحسن الأمثلة على الرواية القصيرة (موت في البندقية) (عام 1912) للكاتب الألماني توماس مان ، و(الشيخ والبحر) (عام 1952) للكاتب الأميركي أرنست همنغواي.
وقد حدّد الدكتور أبو المعاطي الرمادي خصائصها في أطروحته التي نال بها درجة الدكتوراة في عام 2003م ، وهي:
–    حجم متوسط لا يمكن النظر إليه على أنه حجم لقصة قصيرة ، ولا يمكن النظر إليه على أنه حجم لرواية طويلة ، وهو حجم غير محكوم بعدد محدد من الكلمات .
–    استهلال ذو طبيعة خاصة : فتميل الروايات القصيرة للاستهلالات المركزة المكثفة ؛ بسبب اعتمادها على شخصية محورية واحدة ، وحدث محوري واحد ، ولا يتعدى استهلالها الفقرة الأولى ، وأحيانا السطر الأول ، ويتميز بشيوع الحس الكوميدي ، أو التراجيدى ، والتأريخ للبطل والمكان .
–    لغة مكثفة تقترب بالسرد من الشعر .
hamid alrubaie 2–    ازدواجية الدلالة ، فالكاتب لا يُصرّح بل يلمح ، ويترك الكثير لعقلية المتلقى الاستشفافية ، ودائما لسرده أكثر من دلالة .
–    بطل محوري واحد : تقوم الرواية القصيرة على أكتاف بطل محوري واحد ، وبقية الشخصيات فيها ملحقة بالمركز .
–    حدث مركزي واحد : تقوم الرواية القصيرة على حدث مركزي واحد يستقطب كل مكونات العمل .
–    وجهة نظر خاصة للواقع : تميل الروايات القصيرة إلى تحويل مدركات الواقع البسيطة إلى فعل مرئي محسوس ، وتغلب المألوف واليومي والنادر والثانوي على الأساسي والمباشر.
–    وصف موجز : تعتمد الرواية القصيرة على الوصف الموجز الفعال .
–    ملمح السخرية : من العلامات المميزة للرواية القصيرة ملمح السخرية ، ويكون أحيانا بأسلوب الاستفزاز ، وأحيانا بالرسم الكاريكاتيري، وبالمواقف الكوميدية ، والتعليقات المضحكة .
–    فضاء خاص يتسم بالمحدودية ، يستمد رحابته المكانية والزمانية من القفزات والوثبات الناتجة عن توارد الخواطر .
–    إثارة الأسئلة : النص الروائي القصير يثير كمّاً من الأسئلة دون الاهتمام بطرح أية إجابات .
kh sifr althabinوعدد كلمات رواية “سِفر الثعابين” هو (11377) كلمة تقريبا . ورغم توفّر الكثير من الشروط الدقيقة التي أوردها الباحث السابق ، فإن هناك شروطاً أخرى لم  تتوفّر في حين أن نقصانات واضحة ، وأحيانا فادحة ، على المستوى اللغوي والتصويري والفنّي والبنائي المتعلقة بالفن السردي عموما ، يمسك بها الناقد المحلل ، وتؤثر في التقييم النهائي للرواية ، ومدى توفّرها على اشتراطات الفن السردي الناجح . وفي وقفتنا التحليلية هذه ينبغي أن لا تنسينا الإشتراطات السابقة الجهد المميز الذي بذله الروائي في التوظيف الخلّاق لموضوعات مهمة مثل القهر السلطوي والطغيان وانسحاق الإنسان ، الغياب والإنتظار والإنبعاث ، “أسطرة” إرادة الإنسان المقاوم وسلوكه .. وغيرها . مثلما نجح – من الناحية الفنّية – في توظيف آليات الإرتجاعات الفنّية ، وتعددية الأصوات ، والحوارات الداخلية ، لعبة الإيهام ، والتصوير الفني .. وغيرها ، مما سنتوقف عنده تفصيلياً في هذه الدراسة .
تتكوّن الرواية (90 صفحة) من خمسة أقسام هي :
1-    الأحراش
2-    الموكب
3-    الثعابين
4-    سِفر
5-    المطاف
ولنضع في أذهاننا أن تقسيم أي عمل روائي ينبغي أن يخضع لضرورات فنّية وفكرية ، وأن لا يأتي عشوائيا . وقد وظّف الروائي موضوعة ملازمة لهذه التقسيمات ، تتمثل في التنويع على أوتار الضمائر الساردة من ضمير الغائب في القسم الأول ، إلى ضمير الغائب وضمير المتكلم للجماعة ثم الغائب في القسم الثاني ، إلى ضمير الغائب في القسمين الثالث والرابع ، ثم ضمير المتكلم الأنثى (بنت المختار) في القسم الخامس ، فعودة إلى ضمير الغائب في القسم الأخير ، وهو “المطاف” الذي يتكوّن من صفحتين فقط .

# أحراش الحداثة السردية :

يستهل الروائي روايته بوصف حالة التشوّش التي تلف بطله الذي لن نعرف اسمه حتى القسم الخامس – على الصفحة 71  تحديدا – ، وقد استيقظ منهكا يوجعه ألم خاصرته المزمن :
(من عالم آخر يُقدم ، كان نائما واستيقظ . أحسّ برعشة تسري في الخاصرة ومن ثمّ تمتد إلى الصدر . حاول وقتها النهوض فلم يقوَ . بقي ساكناً لحظات . كانت الظلمة تسد المنافذ ، فتحة صغيرة دون السقف تبعث خيطا رفيعا – الصفحة الأولى من الرواية سردياً والخامسة طباعياً) .
ولمن يتمسكون بالأطروحة التي ترى أن الإستهلال يضيء النص السردي ، ويكشف مساراته  الرئيسية ، أقول إن هذه فكرة مبتسرة لا يمكن أن تثبت إلا على عدد قليل جدا واستثنائي من النصوص ، وإن الرؤية الصحيحة هي التي ترى أن دور أيّ مكوّن من مكونات النص – الإستهلال أو العنوان مثلا – لا تتحدد قيمته في كشف دلالات النص مسبقا ، بل تالياً بعد ان نكمل قراءة النص وتحليله ، ونضعه في إطار “الصورة الكلّية” له . وإلا ما الذي يقدمه لك استهلال هذه الرواية غير معلومة مجتزئة وغائمة عن شخص مربك في مكان شبه مظلم . وعلى هذا الإستهلال يمكن أن تنسج خيوط ألف حكاية . قد تكون هذه الأطروحة مناسبة لدعاة منهج لاستجابة القارى – reader responce ، مفتوح وغير منضبط ، يشيد فيه القارىء حكايات قد تكون مناقضة لقصد الكاتب على نواة الإستهلال . ولكن المؤلف لا يموت وهو الذي سينسج خيوط حكايته الخاصة ، والخاصة جدا به من “عقدة” استهلاله هذه التي لا يعرفها أحد إلا هو ، معتمدا على نواياه – intentions المبيّتة هو نفسه . فمهما حاول البنيون أو التفكيكيكيون و نقاد استجابة القارىء اللعب على أوتار التأويل ، ولعبة فصل الدال عن المدلول .. إلخ ، فإن ما يمكن لأي أحد حتى لو كان من سكّان المريخ أن يلاحظه هو تماثل المعنى الشديد ويقينيّته . فلو قرأ مليون قارىء الرواية الجاسوسية ذاتها (مثل العميل رقم 7 لإيان فليمنغ) لافترض كل واحد منهم أنها قصة عن الجواسيس . ولن يخطىء أحد منهم فيخلط بينها وبين كتاب في الكيمياء الكهربائية . أمّا لو كان المعنى نتاجاً للتأويل لتوقّعنا أن نجد بعض النقاد ممن يرون أن “الدكتور لا” كتيّب في الكيمياء الكهربائية ،  وأن جيمس بوند اسم مادة كيمياوية . وما يمكن للمريخي أن يقوله هو أن للنصوص سمة مميزة تتمثل في أن لها معان متقنة ومحددة مرتبطة بها ، وأن هذا واحد من الأشياء التي تميزها عن الأشياء الثقافية الأخرى ، مثل أحجار البناء والناس ، التي ليس لها مثل هذه المعاني . ويبدو أن المعنى – والكلام للناقد والفيلسوف ليوناردو جاكسون – المتاح للعموم في نص من النصوص يحدده موضوعيا ترتيب محدّد للكلمات التس يشتمل عليها هذا النص ، واللغة التي كُتب بها ، والأعراف التي تقرر كيفية قراءته ، والإحالات اسياقية (إلى أوضاع واقعية ، أو إلى نصوص أخرى) التي يمطن لهذا النص أن يطلقها في أزمنة محددة وفي سياقات قراءة محدّدة . (أحد الأمثلة على سياق من “سياقات القراءة” هو استشارة دليل الهاتف ، ومثال آخر هو فراءة المرء قصيدة من أجل المتعة) . وعليه يمكننا أن نصرف النظر ودون ضرر عن ذلك التناول الذي يرى أن كل قراءة هي تأويل وحسب ، وأن ما من قراءة موثوقة أكثر من غيرها ، كما لو أن من الممكن ومن المشروع أن نقرأ “مرتفعات وزرنج” بوصفها دراسة رصينة في الحبّ السحاقي في الصين في القرن الرابع عشر . فهذه النظرة إلى التأويل هي طريقة الشخص ذي العقل الكسول في التأكيد على أن ما من شيء مهم لكي يتم تفسيره . ووفق هذا المفهوم ستبقى هذه الرواية “سفر الثعابين” رواية “ما” خطط له القاص “حميد الربيعي” وليس أحداً سواه . أما تأويل “قصده” وفق مخزونات وخلفية القارىء الثقافية فهو ممكن وفق حدود معيّنة وليست مفتوحة بالطرقة الدردية أو طريقة استجابة القارىء ابدا . ومناسبة هذا القول هو ما قرأته من تأويلات لهذه الرواية ما أنزل الله بها من سلطان ، وكلها تتدرّع بمبررات الحداثة النقدية والسردية بصورة مباشرة أو غير مباشرة .
# مضاعفات التماهي المفرط .. الغرق في التفصيلات:

ولو مضينا بضع خطوات أخرى مع الكاتب بعد استهلال روايته ، فلن يعطينا هذا التقدم ضمانات لفهم شامل كامل :
(السقف ، الذي هو حجارة محفورة بعدة مواضع وفيها بعض الرسومات والخطوط المتقاطعة (..) لابدّ أن الشمس قد ارتفعت بعض الشىء عن طرف الجبل . استكمل نهوضه ، الآلام تحوّل لحظتها إلى أنّات تخرج من حنجرة جافّة – ص 6 و7) .
فما زلنا بعد صفحة كاملة بعيدين بعدا تاما عن تأسيس أي تصوّر مستقبلي للقادم مما صمّمه الكاتب من وقائع لروايته .
ولا أعلم – كما قلتُ – لماذا أخقى الكاتب إسم بطله – ونحن لن نستطيع أيضا معرفة أن من  يتحدث عنه الإستهلال هو “بطل” الرواية إلا بعد مراحل من القراءة – حتى الصفحة 71 حيث جعل إبنة المختار التي أحبته “تفشي” اسمه : “سلام ابو الخير” . فهذا التعطيل لم يحقّق أي إضافة على المستوى الفنّي . بل على العكس مما توقّعه الكاتب فقد أضعف الصلة السردية والنفسية بين القارىء والحكاية . كما أنه يُربك الناقد في تحديد توصيف لهذا “الشخص”  المجهول الإسم الذي يتحدث عنه عبر أربعة اقسام . إن تحديد إسم الشخصية أو إخفاؤه أو تعطيله ، يجب أن يأتي وفق “قصدية” تحقق أهدافا مضافة للكاتب خصوصا في الروايات البوليسية . وإذا طرح لنا الكاتب إسم بطله ، فإنه سيساهم في تعزيز ملامح هويته واستكمالها بما يؤسّس صلة اقوى به من قبلنا كمتلقين . وعليه فأنا ؛ الناقد ، من سيتعمّد كشف الإسم واستخدامه منذ البداية ، لأن أي سبيل آخر سيُربك تحليلنا لوقائع الرواية ، وسيتعبنا من الناحية الإقتصادية اللغوية والفسيولوجية .
ويواصل الكاتب وصف معاناة بطله في كهفه الجبلي شبه المظلم هذا ، وكيف صارت حنجرته ورماً متكوّرا في منتصف المسافة (أي مسافة ؟!) ويوحي منظرها بالجوع ، وتصدر أصواتاً مبهمة ، يستغربها في البداية ، لكنه يقطعها حينما يحاول تنظيف حنجرته بسعلة قويّة) “تتشظأ” معها بقع من  البلغم المجنون بتبغ أسود – ص 6) .
وقد بحثت في الكثير من القواميس عن الفعل “تتشظأ” فلم أجده . وحين ألاحق أدق الهنات والأخطاء والثغرات اللغوية ، فليس من منطلق أنني “سيبويه” جديد ، فمعلوماتي اللغوية قد لا تتجاوز معلومات صديقي العزيز حميد الربيعي ، ولكن لأن التقويم اللغوي هو جزء أساسي من العملية النقدية حسب استطاعة الناقد ، ولأن عملية التوصيل تستند إليها بصورة مباشرة وكلّية ، مثلما هي أداة الكاتب المركزية في التعبير عن أفكاره ورؤاه .
وعبر لمسات بسيطة ، يحاول الكاتب تقديم جانب من سلوكيات سالم وانشغالاته الشخصية اليومية ، ومنها أنه يدخن بشراهة من كيس يحتفظ به معلقا برقبته “كيس التبغ حينما يكون خالياً ، يتحوّل لكارثة – ص 6” ، وأنه اعتاد على تدخين أوراق التبغ وغيره التي يقطفها . لكن لا يجوز تحت هذا الغطاء أن نضخّم الأمور البسيطة مثلما فعل الكاتب في الحديث عن “المشكلة الحقيقية التي تؤرّق سالم باستمرار، وهي أين يضع ورق اللف ؟ – ص 7” في استطالة سردية لا ضرورة لها :
(أين يضع ورق اللف ؟ يحتار وتربكه الإختيارات تحت ، في الصدر ، يتعرق ، كون صدره غابة شعر يمتد فوق ملتقى الفخذين .. بيد عند الصدر يقفز بكل الإتجاهات ، فيبدو دغلا كثيفاً – ص 7) .
كانت جدّتي تدخّن اللف وتضع دفتر ورق اللف “البافرة” في الكيس نفسه . فما هي المشكلة ؟
إن “تماهي – identification” الكاتب المفرط أحيانا مع بطله يخلق لديه نزوعا لتضخيم أفعاله ، وتحميل أقل تصرفاته بمعان واسعة ومعقدة غير قائمة فيها أصلا . وقد يغيّب هذا التماهي المفرط انتباهته عن الإلتفات إلى “أداة” التعبير عن تلك الأفعال والتصرفات وهي اللغة واشتراطاتها ، فنجد حميدا يقول : “بيد عند الصدر” . وبيد إسم بمعنى “غير” ملازم للإضافة إلى أنّ ومعموليها مثل : فلان كثير المال ، بيد أنه بخيل .
ومثل ذلك تقوله عن تمريره أصابعه فوق شعر صدره ، وكيف تسري رعشة باردة ، وأنه لا يلجأ لهذه العادة في كثير من الأحيان .. إذن هي ليست عادة ، فما الداعي لذكرها . وكذلك عن رائحة الإبط . فالأهم ونحن في وقفة “تعارف” إذا جاز التعبير ، يعرّفنا فيها الكاتب ببطله أن تُعطى السمات والملامح المركزية التي سيكون لها أثر في رسم صورته وترسيخها في ذهن القارىء مثل خفّته وقفزه كالغزال بين الصخور وأشجار الغابات المتشابكة ، أو خشيته من الجندرمة الأتراك وجشعهم وشراهتهم ، وغيرها من السمات والملامح المركزية التي ستكون نوى أو قواعد – حسب أهميتها – لإشادة وقائع وسلوكيات وثيمات عليها تغني العملية الحكائية ، وتثري مسيرة البطل ومعلومات القارىء عنه .
# ضرورات إشباع الموقف السردي :

وفي قصّه لجانب من سلوك وملامح شخصية سالم في هذا القسم ، نلاحظ أمراً آخر يُضعف وحدة المسار السردي ، وذلك حين “يتنقّل” الروائي من موقف إلى آخر أو ثيمة إلى أخرى . علينا أن نُشبع أي فكرة يتناولها الكاتب مرتبطة بحالة معينة قبل أن نتركها معلقة و نافصة في ذهن القارىء . وينبغي أن لا “نقطّع” جسد الحوادث فنشوّهها . تحدّث الكاتب عن شراهة سالم في تدخين الأوراق ، وكيف يقطفها من المزارع والطرقات . ثم تحوّل إلى الحديث عن كيس التبغ ، والكارثة التي تحلّ حينما يكون خاليا ، وإذا به يعود فورا إلى الأوراق ، وكيف لا يتركها مسحوقة بيده طويلا .. إلخ ، ثم عاد إلى الكيس الأصفر .. ثم معضلة أين يضع ورق اللف . لكن الإشارة امتدت إلى الكلام على شعر الصدر ! ثم تأتي قفزة إلى وصول سالم إلى الأطراف الجنوبية أو الغربية من الأناضول .. فعودة إلى شعيرات الصدر والإبط .. وهكذا لا نستكمل ملامح موضوع معين حتى نقفز منه إلى آخر ، لنعود إليه بعد قليل ، وهذا نهج يربك استجابة القارىء ويشوّش الإنسيابية القرائية .
ثم يخبرنا الكاتب بمعلومة عن مهمات سالم ، فيقسمها إلى قسمين : شاقة مثل نقل الجرحى والمصابين بأمراض معدية ، وسهلة كنقل أسلحة مخزونة في بلد آخر ! ولا أعلم كيف يكون تهريب أسلحة من بلد إلى آخر يسيرا ؟! قد يكون التبرير هو أنه مهرّب محترف . لكن الروائي نفسه سوف يصف لنا بعد قليل – وبقدرة ممتازة – حدثا خطيرا يحبس أنفاسنا ، ويثبت بما لا يقبل اللبس ، مدى خطورة تهريب السلاح في العملية التي يقوم بها سالم لاحقاً .
نفس عملية “تقطيع” جسد الحوادث ستحصل الآن ، والكاتب يحكي لنا موقفا يستعيده سالم حين حسب “الذي” بين الأشجار جندياً من الجندرمة ، فبقى يومين وليلة يراقب المكان ، ويحاول أن يصيب صاحب الجسد المختبىء برصاصة . يقطع المعلومة ليذكّرنا بأن فاضل يقدّر ابعاد الجسد ، لأنه درس ذلك في معهد الفنون الجميلة ، ليتخرج نحاتا ، ولكن العميد طرده لأنه رفض ارتداء السفاري الزيتوني .. إلخ ليعود إلى الموقف المتوتر والمقلق الذي عاشه سالم ، والذي ظهر فيه أخيرا أن”الجسم” المختبىء لم يكن لجندي جندرمة . وهل يُعقل أن تطارد “شيئاً” منذ أيام كما يقول الكاتب ولا تعرف ما هو ؟!! ثم يقطع الحدث ويتحدث عن جشع الجندرمة ثم كيف أن صياداً عجوزاً قتل أربعة جنود منهم ، وأن اسمه لم يُنس في البلدان الثلاثة ، ومازالت الناس تطلقه على أسر المنطقة (لكن من هو ؟ وما هي المنطقة ؟ فهذا ما لا يخبرنا به الكاتب برغم أهميته في تاصيل “واقعية” حكايته) ليعود ويخبرنا أن الشيء المطارد كان ” دبّاً ” ذا رائحة كريهة . وعندما يصف حركة هذا الشيء الملغز يقول : “فالدبيب قريبا من الأرض يحدو – ص 10” . وهو تعبير متناقض حيث أن الدبيب هو الزحف الهادىء أو المشي ببطء في حين أن الحداء يناقضه (حدا الحادي رفع صوته بالحُداء ، وحدا الإبلَ / حدا بالإبل : ساقَها وهو يغنِّي لها ؛ ليحثَّها على السّير( .
# المكان هو وعاء الزمان :

وعلى امتداد هذا القسم ، بل طوال هذه الرواية ، يزاوج الكاتب بين وقائع الزمن الحاضر والزمن الماضي عبر تقنية “الإرتجاعات – flashbacks ” الفنّية ، بالحركة الذهابيابية بين وضع سالم في الكهف ، وهو يعاني من ألم خاصرته المزمن وتوجّسه من غارات الطائرات المقاتلة التي أصاب واحدة منها ذات مرة ، وبين ذكريات المهمة الخطيرة التي كُلّف بإنجازها ، والمتمثلة بنقل السلاح بين دولتين لم نعرف اسميهما – ولا نعرف السبب الذي يجعل الكاتب يتكتم عليهما وقد حدد لنا ساحة عمله في كردستان ، وخصوصا هو يكتب روايته في الكويت في عام 1986 وينشرها في دمشق في عام 2012 بعد زوال الرقابة والطغيان – وتجواله في المدينة التي لم نعرف اسمها في هذه الصفخات أيضا ، في حين أن مرجعية المكان هي من أدق المرجعيات السردية ، لأن المكان هو وعاء الزمان ، والحدّاد الذي سيقوده إبن أخته إلى تجّار السلاح والذخيرة التي يحتاجها رفاقه خلال أسبوع ؛ رفاقه الذين وعدوه (فور انتهاء المهمة بإجازة طويلة ، لم يحلم بها سابقا ، ولم يحلم بها الآن ، الإجازة للعلاج ، وإن رغب فللدراسة ، الخيار له – ص 15) .
ثم يخبرنا القاص بمعلومة سيتركها مستقبلا وهي أن سالم (قبل أن يدخل القرية احتار بالنقود . الحدّاد رفض استلامها :
–    هنالك ، عليك تقديمها .
حفر في الطرف الثاني للجدول الموصل إلى القرى وخبأ المال ، ثم واصل طريقه إلى بيت المختار ، يعدّه مقراً في سفراته ويبعد عنه العيون – ص 15) .
على الكاتب أن لا يترك المعلومات المهمة معلّقة أو يغفلها لاحقا . وبالمناسبة فالجدول ليس له طرفان أول وثان ، بل ضفتان .
لقد خبّأ سالم المال وذهب إلى بيت المختار . وهناك يقتحم الخيّالة البيت . أي خيالة ؟ ويتبعون أي جهة ؟ لا نعلم ذلك .
هنا تتصرّف بنت المختار بمبادرة حازمة ، حيث تسحبه إلى غرفة فارغة ليس فيها سوى سرير ، وكأنها معدّة لهذه اللحظة ، وتتعرى وسط شجار والدتها مع الرجال الاربعة ، وهي تصيح بهم :
–    إبنتي مع خطيبها (ص 16) .
وهي مبادرة مكملة من الأم في الوقت الذي خلعت فيه ابنتها ملابسها ، والتحمت بسالم على السرير . وهنا يقدّم لنا الكاتب وصفا لا معقولا :
(قبل الصراخ تعرّت ، ملابسها متناثرة في الغرفة وتشعر بثقل جسده فوقها ، العرق بدأ يختلط ، ثم أمسكت ما انتصب لتوغله بين فخذيها ، طقطق شيء ، إلتفتت صوب الباب حينما اقتحمه الرجال . لكنها ظلّت متواصلة معه ، تراجعوا مخلفين الباب مفتوحا ، الذي انتصب [= أي قضيب سالم] ما يزال رطباً وصلباً لحظة نهوضه ، سحبت البندقية من تحت جسدها ، أمّها عند الباب تقول :
-حسناً فعلتِ . لقد ذهبوا .
على السرير مسترخية ، تومىء تريد الفستان – ص 16) .
هل يُعقل أن رجلا يوشك أن يُعتقل من قبل أربعة رجال قساة ، وتحاول فتاة إنقاذه ، ويستطيع قضيبه الإنتصاب ؟ ثم هل لدى الفتاة وقت ورغبة واستعداد لإمساك قصيبه المنتصب ، وإدخاله بين فخذيها وهي في هذا الموقف المرعب ؟ هل سيعتب عليها الرجال الأربعة إذا لم تدخل قضيب خطيبها بين فخذيها ؟
ثم لاحظ الغلطة المهلكة : فالأم تقول للرجال المقتحمين أن ابنتها مع خطيبها . فهل يعقل أن الخطيب ينام مع خطيبته عارياً ويمارس معها الجنس ؟ أم هذه من وظائف وحقوق الزوج ؟ لو قالت الأم : زوجها ، لكان الأمر مبرّراً .
في الصباح ، قاده قريب الحدّاد لمقابلة تجّار السلاح . يقول الكاتب : (سكنا في مقهى شعبيّة – ص 17) . وفي المقهى نجلس ولا نسكن . والمقهى مذكّر مثل مرمى وملهى ومبكى على وزن (مفعل) . ثم تتم عملية استلام السلاح وتسليم النقود بيسر ، ويستعد سالم لرحلة العودة التي ستستمر لثلاثة ايام . ولا أعلم كيف يتم تكليف شخص بعملية تهريب سلاح شاقة جدا وخطيرة ، وتتم على البغال كما سنرى ، وهو مريض يعاني من الم مزمن ومتعب في الخاصرة يقطّع أنفاسه ؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.