مسلم السرداح : الحمار والملك و أنا

moslem sirdah 5حين كنا صغارا كنا نعرف عراكا بريئا بالأيدي . نتصالح بعده مباشرة . وحين صرت بالابتدائية برز صراع آخر هو صراع الحاجة الى الملابس والأقلام ولقمة العيش وحين صرت في المتوسطة وكنت أرى والدي يعود متعبا بملابسه الزرقاء المبللة بالعرق عرفت ان صراعا طبقيا ، لا هدنة فيه ، يجري مجرى الغبار في العاصفة .  ولما صرت في الإعدادية  ورأيت كيف يعيش أبناء البرجوازيين ، عرفت إن تماسيحا تمتص فائض القيمة من عرق  أبي .

رأيت الحياة  آلة حمقاء ضخمة تضرّس بأسنانها من تقابله من التعساء حتى اذا ما قابلتْ أحدا في اللحظة التي ينضب وقود محركها ، سمّي محظوظا .

نحتاج من الموارد بما يساوي أضعاف مجرة درب التبانة لنعيد أجساد من ماتوا منذ البداية وحتى النهاية .

حين خاطب الرشيد هرون السحابة ” أمطري حيث شئت ، فان خراجك عائدٌ لي ” هل كان يدور في خلده في لحظة زهوه تلك ان في السحابة  صواعق محرقة .
يقال عن الذكي انه راجح العقل . لو كانت مشكلة الذكاء في الوزن لكان مخ  الحمار  أرجح من وزن مخ الإنسان العالم .من قصص “الربيع العراقي” ان احدهم حين سَرَق بعربته وحماره ماشاء له اشترى بيتا وسيارة . وكرد للجميل وضع الحمار في غرفة مكيفة ووضع أنواع العلف والماء النقي تحته مكافأة له ووفاء على ما أوصله اليه من غنى . فما كان من الحمار المترف الا ان راح يعضّ ويرفس ظنا منه ان في الأمر مؤامرة ضده .

قالوا للحمار اتاك ولد قال كل واحد منا يشيل حمله .

حين ماتت أتان الملك ( انثى الحمار )  ، خرج الناس جميعهم لتشييعها . وحين مات الملك  ، لم يخرج لتشييعه احد . ما حدا بالملوك  المتأخرين الى ان يقلبوا الطاولة فيوّرثوا العرش  حميرا من صلبهم .

قيل ان ملكا أراد العرّافون له ان يعرف مدى حظه فالقى بخاتمه في البحر ، كما طلبوا منه . وبعد ثلاثة ايام وجدوا الخاتم في بطن سمكة جُلبت لغداء الملك ، فانبئوه بضخامة حظه . ان الايام الثلاثة كافية لتفسخ جثة الملك . هذا ما كشفه العرّافون فيما بعد .

انا خرجت من رحم  ام ّرائعة كما خرج الملك . ونلت شهادة دراسية كما نال الملك . وكنت فقير الحال  كما لم يكن الملك . وكان الملك معشوقا كما لم اكن انا . ولكني عشت عاشقا من القلب للقلب كما لم يكن الملك .

حين شاخ الملك لم تجرؤ امرأة واحدة من عشيراته على مصارحته بحقيقة ما آل اليه  من عجز جنسي . ولكن امرأة سليطة اللسان أفشت السر بين معاشر الحمير ،  علم الملك ذلك من مصادره الخاصة فأمر بقتل كل حمير المملكة . ولان الحمير وسيلة العمل الرئيسية في كل وقت ، فقد حصل كساد اقتصادي واخلاقي في المملكة . ادى ذلك الى سقوط  الملك  .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.