د. فاروق أوهان : هو الذي جاء إلى عالم فوهان؛ رواية ملحمية من أدب التداعي، والتخاطر (3)

farooq ohan 66
في عين الوقت الذي كان القائد ثروت يحلم في خيمته، كان شاهين بين الجنود، والمراتب نوّام آخر، حالم قد برمجة قدرته التي طورها في الإيحاء، والارسال. فقد بدأت محاولاته تأتي ثمارها، فبعد أن مارس الدخول في أحلام زملائه في الخيمة، أو في السرية، أو حتى هؤلاء في العاصمة، وأصدقائه، ورؤوسائه هنا في المعسكر، وبمساعدة روح نينار الهائمة، وبخاصة أحلام القائد ثروت، ما كان شاهين ليصدق ما يراه، وما باحته أسار هؤلاء من أسرار عذاباتهم، فقد سبر كل من شاهين ونينار أغوار المأزومين، ولكن أغرب ما لا يمكن أن يبوح به لأحد هو ما آلت إليه حالة القائد ثروت، لهذا يتحاشى شاهين المرور أمام خيمة الآمر، أو حتى النظر إلى عينيه، أو محادثة مراسله حنون، خوفاً من افتضاح أمر لا تحمد نتائج بوحه لها، ربما بهفوة منه، أو زلة من لسانه تؤدي به إلى هاوية عميقة، وموت محقق، ومن يدرى ربما يكون العكس، فقد يصبح شاهين ناصحاً للآمر  ومريديه أو نديمه، يتناجيان لوحدهما، من وحدتهما في خيمة القائد، بعيداً عن عيون حتى حنون. خصوصاً وإن ثروت ممن يهتمون بتعلم اللغات، وشاهين يتقن أكثر من واحدة، محلية أو أجنبية. ولربما يقوم ثروت بتبديل شاهين بحنون، ليقوم بمقامه حتى ولو لم يضمن ممارس هذا للتدليك.
شاهين هذا لا يتطفل على الأحلام، ولا يبوح بأي منها مهما كان، كالمحامي، والقسيس، لا يصنع للحالمين متع ليلية، غير أنه يساهم في تذليل المصاعب الممكنة، وغير المستعصية للحالم وهو مأزوم في كابوسه، كعلة ثروت، وغالباً ما يكون شاهين هو البطل في أحلام البعض، وفي النهار يقوم بتفسير الأحلام كأنه شخص آخر، فيفسر الأحلام التي خبرها مع الحالم، ومارستها من خلاله ليلتها. غير أنه يفتعل ممارسة قراءة كف الحالم، فيقلّب الكف بين يديه، ويقربه من عينيه تارة، أو أذنيه، أو يشمه بتأمل خاص، فيقرأ الخطوط، ويقلب الكف من جديد، ثم ينتقل إلى الحواجب، والرموش في خطوطها، وطرق تصفيفها. أما قراءة العيون فلها لون آخر من الجلسات، فقد امتاز شاهين في ابتداع ابتكارات خاصة لقراءة مرايا العيون، وتحذير أصحابها من غوائل الركض وراء ما توحيه عيون الآخرين، وأن يتوحد الواحد فيهم مع ذاته، وإلا كشفت نواياه الدفينة للغير، وبهذه الطريقة صار شاهين أكثر من مفسر أحلام، بل طبيباً نفسياً لهؤلاء، المتعلم منهم والأمي.
وفي أحيان كثيرة يتعمّد شاهين أن يرسم خطوط مسار أحلام بعض الذين لا يرتاح لهم، وعندما يفسرها لهم يُصر على التأثير عليهم. لكنه يتأثر بخجل، وتنكّر بعض ممن تعذبهم في مناماتهم، وممن يتنكرون لصدق ما يفسره لهم في أحلامهم التي شاركهم شاهين فيها، وساعدهم على الاستمتاع بها. كما يقوم شاهين بالتندر ببعض رموزها، فيجتذب الحالم الناكر، وربما يستفزه، على أن الناكر لتفاصيل حلمه غالباً ما يبقى صامتاً، مصراً على نكرانه، وتجاهله عما يتحدث عنه شاهين، رغم أنه يحس بأن شاهين نفسه يعرف أكثر مما يجب عنه، وعن أحلامه. ويحس كأن شاهين بذاته هو أحد أبطال حلمه، بل هو عنصر إيجابي في حلمه، يساعده على اجتياز كوابيسه، فيبدو شاهين كملاك رحمة، ومحامي دفاع في الحلم ضد كل العناصر المستفزة من أشباح، وشخصيات مفزعة تأتي من وراء خطوط الجبهة، شخصيات صاغتها المخيلة الجمعية الشعبية، رجال بلا رؤوس، وأذرع كالأجنحة، وأرجل كأطراف العناكب يحمل في مكان الرأس سناكي حادة تبرق مثل سكاكين الذبح في المسالخ فيرتعب الحالم، ويولول، حينذاك يظهر ما يمثل شاهين، ذلك الطائر المنقذ في الحلم، له شكل حمامة وديعة، أو ملاك، أو رجل صالح يبعد كل الشرور عن الحالم فتستقر نفسه، وما أن يخرج شاهين من حلمهم، حتى تجدهم يفاجأون بحلم الأجساد الموحلة التي تدوسها الدبابات، لكنها لا تموت، لأن أفواهها تنطق بحورات تدل على أن هذه الأرواح تدعو الحالم للخروج، والهرب من حروب التقتيل، والعبور إلى عالمهم الذي هربوا هم أيضاً إليه، وفي كثير من الأيام، وبخاصة تلك التي يكون الهدوء ساكن في الجبهة، والقمر ينير الجهات الأربع، يتلم بعض أفراد السرايا والفصائل الأخرى حول شاهين ليفتي في بعض أحلامهم المستعصية، والمتكررة، خاصة وأنهم سمعوا من أقرانهم بنصائح شاهين التي أتت ثمارها معهم.
فهذا طه يروي مفردات من حلمه المتكرر فيقول: وجدتني في سيارة أجرة، فيحييني جاري في المقعد، ويسألني عن أمي، وأخي، وأبي، ويعرف كنيتي، فأعجب لذاكرته المتوقدة، وأتسأل عنه، فينظر إلي بوجه جار أبي في السوق، يكلمني عن عملاء والدي، وجيرانه، وأسأله للمرة الثانية من هو، فيلتفت إلي بوجه مدير المدرسة ويشير إلى زملائي، وأعدائي، ويقهقه وهو ينزل من السيارة، وعندما بادرته بالسؤال عمن يكون، يكون قد ابتعد عن السيارة التي تواصل سيرها، ويبقى المدير يقهقه وكلما صغر بابتعاده، علا صوته، فماذا تعتقد، أقصد من هو هذا المجهول، وإلى ما هي إشاراته؟
وينظر شاهين في وجه طه متفرساً، وبهدوئه المعهود، يختصر الحلم بكلمات بليغة، وهي أن طه منشغل بأمور عائلته الحياتية، وتهمه مصلحة والده، ومستقبله بعد العودة، وينصحه بأن يسترخي في نومه، ومنامه من أسهل أنواع التنفيس.
ويقول مسعد، بأنه يحلم بقتل، أو دهس شخص لم يره بالسيارة، وتبدأ الشهادة بعفوية من زوجته . أو أمه .. فهو في الحلم لا يميز بين أمه، وزوجه، رغم أن أمه قد توفيت قبل زواجه، ولا تعرف إحداهما الأخرى، هما من مستحثات حلمه، ووليدتان من مخيلته، ويتذكر مسعد حلم يقظة يتكرر يومياً للمرة الألف وبتلذذ، فيقرأ أسماء زوجات من مروا بحياته، فيرى أنهن كلهن شبيهات أمهات زملائه، وهن شهود أبديات على أفعال أصدقائه أنفسهم حتى لو لم يدهسوا أحد، وينبري بالاستفهام من شاهين بقوله: فمن هم أصدقائي، وهل حقاً أنا مذنب بشيء اقترفته ولا أدري ما هو.
فيجيبه شاهين بعد صمت مرين: أنت تحمل نفسك طاقة لا حيلة لك فيها، ومسؤولية عن أمر تسبب من غير علمك، ربما تفكر بالأمور المعلقة التي تركتها وراءك، ولم تنجزها، وما صورة أمك في زوجتك، إلا الرقيب الداخلي الذي يؤنبك لطول فترة غيابك، ولكي تبرر عدم مسؤوليتك، تعقد مقارنة مع زملائك، وكأنهم هم أيضاً قد فعلوا ما فعلته، وأنك واحد من بين العشرات منهم.
ويحلم وهدان بأن سفيان ابن علي  زندي قد غُسل مخه لكي يقوم باغتيال وهدان نفسه، ولكن خليل إبراهيم يتدخل لكي يفهم سفيان بحقيقة ما هو مقدم عليه وإنه إذ يقدم على اغتيال صديق عمر والده، فهذا أمر ليس بمعقول، لأنه سوف يؤنب ضميره طوال حياته، لكنه عندما يفيق يتذكر بأن ليس لعلي زندي أولاد، وليس لسفيان وجود، فيشير شاهين إلى أ، وهدان دائم التفكير بعلة صديقه ويتمنى له الخلفة الصالحة، وأن سفيان نفسه سيكون لو ولد من الأتقياء.
ويرى زاهر في حلم مستمر أنه يفشل بالتمثيل الارتجالي كل مرّة، وتطلب منه لجنة المقابلة أن يعيد امتحان البكالوريا، فتفوته كثير من الإجابات التي يعرفها، ولكن الوقت لا يساعده، فينتهي الوقت ويقدم للمراقب الورقة بيضاء، وفيها كثير من السطور الممسوحة بالممحاة، فيشير شاهين إلى أن زهران تعوزه الجرأة في القرار، والتحرك في الوقت المناسب.
ويقول سلطان أنه كان برفقة محسن الحلو، وركبا سيارة بمقودين، يدير كل منهما واحد، ثم يدخلا مقهى كانا يزورانه، ولهما معارف كثر هناك، يلاحظ سلطان الكثيرون، ومنهم سليم الناصري. فيسلم عليه فلا يعرفه سليم، ألأن طباعه قد تغيرت. أم أن الحرب هي التي غيرتهم، وفعلاً يراهم قد تغيروا كثيراً، فهل تغيروا في الواقع كما يحدث في حُلمه. ويأتي صباح الراوي، ويسلّم على سلطان. فلا يعرفه فيذكّره صباح بأصدقائهما المشتركين، ولكن سلطان لا يسترجع، فما معنى هذه المعادلة؟ ويقوم شاهين بإرشاد سلطان لتمارين تنفس قبل النوم، وهي التمرين الثلاثي بين الشهيق، والتوقف، والزفير لثلاث مرات وهو في الفراش، ويشير إلى أن التفكير في الغير بهذه الظروف، تجعل العقل الباطن يرسم أبعاد مهادنة لمعاناة ما، فلكي تبرر لسليم نكرانه إياك، جعلت نفسك تنسى صباح، وهذه معادلة تصالحية، وأنت محظوظ لهذه النفسية التي تمتلكها.
وقال شاكر: عندما دخلت إلى كلية العلوم الإنسانية في جامعة إيتوفتش ليونارد، في بودابست يوم  الاثنين، لم أجد أحداً، فاممرات خالية، والسلالم تبرق درجاتها المرمرية لأن أحداً لم يطأ منذ أسبوع. وفي الحديقة فإن الطلاب لا يتكلمون العربية، ولا الإنجليزية، لهذا انتظرت كينغا، وأرباد، وبعد مرور ساعة، وجدت من المناسب التحرّك للسؤال لكن قدوم زولتان وقتها، وقرأته إعلان جعلني أذهب أقترب من لأرى ماذا ممكن أن أفهم، وكان الإعلان مكرراً بشكل عبثي تجريدي، خلته واحدة من الأمور التي تطبع من قبل الطلاب، وربما الأساتذة، ووجدت ربما هناك كلمة غير مفتوح “زارفا”.. وفي الوقت الذي لبست عدتي من الملابس لأخرج وجدت واحد ممن يتكلمون الإنجليزية، فأخذته للإعلان … فقال هذا تحذير من لمس المحولة الكهربائية. فيقهق شاهين ويقول: أنت ما تزال تسترجع أيام الدراسة، وتتبع سنن الأمور المرتبة، والمنظمة في بلد مستقر، تجاوز الحروب، ويسعى للتواصل مع العالم، رغم محدودية انتشار لغته، وصغر حجم البلد، أما الشعب فهو من الشعوب الغيورة، والمتوقدة في الإبداع، لا تفكر في الماضي، وعش أيامك هنا.
كان الليل هادئاً، ولم يكن هناك قبل تلك الليالي الربيعية في الموصل غير الهدوء في حي  المجموعة الثقافية، ومع اليوم السابع من شهر أبريل وفي تمام الرابعة صباحاً، لم ينم فوزي  ليله، في أول يوم إجازته، فقد صارت عادة غير محبذة له أن يسمع في الرابعة فجراً أنيناً، ومن ثم نحيب كأنه كابوس قاسِ يبدأ بالعويل، ولا ينتهي إلا بالنباح الذي يبدو رغم أنه أعلى من النحيب محبذاً لفوزي الراقد، وما أن تنتهي هذه الافتتاحية، ويعود فوزي لأحلامه الهنيئة حتى يرتفع الصوت من الجديد، وهكذا حتى الضحى، فيكتشف أن الصوت أنين لكلبة، فلا يعلق شاهين على هذا بشيء لأنه ليس بحلم.
ولقد ذاع صيت شاهين في المعسكر في البداية بين المراتب، والأفراد، حتى وصل إلى القادة، وعبر من محيط المعسكر، لكي تنتشر الشائعات عن إمكانيات خيالية يتمتع بها شاهين، أو أنه ممن يخاون الأرواح الخفية من الصالحين في الغالب وهؤلاء المختارون هم بلا أعمار، ولا تواريخ يأسرها الإنسان المتفوق، ويسخًرها لخدمته في أغراض سلمية، إذا ما كان العالم أميناً، خادماً للبشر، وهذه الأرواح لا توظف نفسها إلا لخدمة الخير، غير أن هناك أرواح ترتهن لأشخاص شرانيين من البشر فيكون الأمر مختلف تماماً، ويتصور البعض أن شاهين ممتهن للعرافة الخيرة فتقربت منه أعداد كبيرة من الأفراد، بينما تحاشاه الكثير غيرهم، لكن لا أحد من القادة تعرّض له، ربما لأن ما يسمعونه عن شاهين ليس أكثر من خيالات يصطنعها الأفراد من جراء أفعال الضغوط النفسية، والمكبوتات، فلا يعير القادة أهمية لها، حتى القائد ثروت، لم يكن ليفكر فيما لو استقدم شاهين نفسه لتفسير ما يعتمل بأحلامه، وما يتفاعل بداخله، ولكنه فضل الابتعاد قدر المستطاع عن اثارة حفيظة هذا الشاهين، والتعرّض له، خصوصاً وإن ثروت يخشى أن يكون لشاهين قدرات ماهرة، في تفسير حالته، وبهذا يفتضح أمره، ويصير إلى العدم، مستبعداً، أو متغاضياً عن كون شبيه شاهين يتطفل عليه في أحلامه، بل يصبح شريكاً مباشراً له، أو بطلاً يساعده على تخطي العقبات التي يتعرض لها حين تقمصه لشخصية نينار، وقد أغفل أن نينار في الحلم، تتوق لأن تنام مع شاهين الذي تراوده عنها، ويدور ثروت في دوّامة عسيرة من جديد، فيأرق في الليالي، أو تسرح نظراته وهو في مطعم المقر اللواء، وينسى إكمال الجُمل التي يكون قد بدأها، خاصة مع حنون، فيستنجد به بطريقة ذكية مستفسراً عن المكان الذي وصله في جملته، لذلك يستعين بقراءة ملاحظاته التي يدونها فيما لو تواجد مع الضباط، ولكنه في الروايات القديمة التي حفظها صمّ لا ينسها، بل يقوم بتكرار المقاطع، وكأنه أمام فصل من تلاميذ السنوات الأولى للدراسة، وربما يكون بإعادته للمقاطع هو تأكيد أنه لم ينس المقطع الذي رواه للحظات سبقت، وعندما تشتد عليه الحالة يمارس تلاوة الآيات، أو مراجعة روايات قرأها في السابق، فقط لكي تبعده عما هو فيه من حال في أحلام يقظته، لكنه يتوق بكل شوق لملامسة الحنش لو عاد للنوم معه من جديد.
إن من يريد أن يستفهم من شاهين بعد انتشار الشائعات عنه يجازف في القدوم إليه، فيتكتم البعض، ويأتي بعضهم تحت جنح الظلام، فيحارون في قدرة شاهين على فكك رموز استعصت على غيره في أحلامهم المتكررة، ولهذا اطمئن له من خالطه، وخصوصاً هؤلاء الذين يشكون في طوية الآخرين، كان شاهين يطمئنهم من جهة، ويبث الأفكار بحرص وعناية فائقين، فغالباً وعلى سبيل المثال لا يسمي الناصح اسم شاهين، خوفاً من مس يصيبه، لأن هذا الأرمني من أصحاب الكرامات كما يبدو، فيتحاشون اسمه، وإنما يسمونه المبّصر ابن الصائغ، ولا يحكي السائل عن حالته، وإنما يدعي أنها حالة تخص قريب، أو صديق له، أو جندي يخجل القدوم إليه، ويهاب الموقف، أو أن السائل يمدح الصائغ بكونه أحسن من ترجم حلم صديقه وأجاد تفسيره، فشفي من معاناته، وهذا الصديق هو الذي أشار إليه أن يستنصح الصائغ، ويحصل على كرامته.
وهكذا بقيت شهرة شاهين الصائغ سرية، كأنه قائد حزبي في الحركات الجوانية يراه الجميع، وينحنون له عندما يمر أمامهم، أو يتصادف مرورهم أمامه،، يعاشروه متظاهرين بأنهمم لا يعرفوه، بل إن الذين هم على اتصال به يتناسون، أو يتجاهلون أنهم يعرفون مقدرته هذه، إما خشية من افتضاح أمره، لأن السامع سيسألهم من أين لهم أن يعرفوا هذه المعلومات عن جندي مثلهم، أو خوفاً من أن تصلهم من شاهين نفسه أذية ما، بعد أن تخلّصوا من كوابيسهم، ولا يعرف أحد قط، مصدر هذه الكوابيس ومدعاتها، والتطلع فيها، رغم تشابه رموزه في كل الأحلام.
فمن أين للجميع أن يلتقوا على سرّ موحد، خاص بهم كلهم، ينشرونه علناً، إضافة لهذا من أين لهؤلاء أن يحدسوا قدرة شاهين هذه، ومع هذا فالاحتياطات التي تحّصن بها شاهين، بالتنكّر عند دخوله الأحلام، وعدم الادعاء بأية قدرة علنية يتباهى بها، مما زاده وقاراً، وصار بالنسبة للآخرين شبيهاً بالولي، أو القديس لا لشخصه الحقيقي، وإنما للشخصيات التي يتقمصها في أحلام الذين يزورهم، وهم غالباً نوعان: الذين يساعدهم، ويعطف عليهم لينفسوا عن ضيقهم، وهمومهم، ومعاناة الفراق، والغربة، وآخرون يكرههم، لافعالهم الشريرة في المعسكر بين زملائهم، هي التي تبغضهم لدى الآخرين، فصاروا علامة سيئة في مجتمع المعسكر، ومنهم هؤلاء المتملقين، والواشين عن زملائهم لروؤساء العرفاء، أو ممن يتحينون الفرص للايقاع بالجنود في مكائد، لكي لا يذهب من وشوا عنهم من زملائهم في إجازاتهم الدورية، فيستولي المنافق عليها ثمناُ لوشايته، أو ممن يشترونها ممن لا أهل بانتظاره، كثيرون هم الأشرار في أيام الحروب، وغالباً ما تتكون شخصيات انتهازية تعيش على هموم الناس، ومصائبهم.
إن شاهين يود أن يخلق من هؤلاء أمساخاً حقيقية ليست في الأحلام فقط، وإنما أيضاً في الواقع، وهذا ما لم يستطع شاهين حتى الآن تحقيقه إلا نادراً، لأن العملية ستتخذ مراحل طويلة، معالجات معقدة، وكثيرة بحاجة لمتسع من البحث الهادئ، والتجريب المتروي، والقرب من الفريسة، والقدرة على الاسقاطات النهارية عليها، وتغذية ذلك بالاشارات الليلية، أو ساعات أحلام اليقظة والسرحان، لذلك حاول شاهين قدر الإمكان اقحام الحلم المتكرر لأحلام، وأحلام يقظة أكثرهم، فصارو يرون الناس في السباخ يأكلون الرصاص، ويبتسمون للجنود وهم يغرسون سيوفهم في خواصرهه، يقوم البعض من السباخ فيشار إليهم بأن عليهم المرور بثغور لكي يصلوا لصانعي التوابيت الكرستالية، وينزل البعض في ثغور محاطة ببلور، ومصاعد كريستال، عليهم أن يجلسوا في ممر يتحرّك مثل دولاب الهواء، فيصلون لفتحة تقلهم إلى مصعد شفاف يركبون الممر، حتى يصلون إلى  منيف الزجّاج، وهو يدير دولابه، ويتطلع في فجوة الممر مبهوراً في غطاء التابوت الكرستالي النادر الذي جلبته الجثث معها، ويقيس لمرّات، ومرّات، لكنه لا يصدق قول الموتى المقنعة بأن هذا لملء الشراب، وليس لناؤوسهم.
في هذه الأثناء كان شاهين مشغولاً بصناعة حلم يقظته المتكرر، الذي يلح عليه منذ زمن طويل، وهو الآخر فريسة قوى تسيره، وتسيطر على تفكيره، ولكنها لم تتمكن من اختراقه بالكامل، جماعة غيبية أقوى من قدرات شاهين نفسه، يبدو أنه على اتصال غامض بهم، هم كما يعتقد شاهين إحدى الويلات التي ستحل به، وعليه، غير أن فضوله هو الذي يسحب قدمه في كل مرّة، وبحثه هو الذي يعّم عليه بالثبور، فقد رهن نفسه للتطوع لأية تجربة مادامت تكسبه خبرة غنية، وتزيد من معارفه، سواء من لدنه، أو من أية قوى أخرى تريد السيطرة عليه، وقد زاد اطمئنانه أن نينار نفسها هي إحدى الزائرات من قبل هؤلاء، وهي الوحيدة التي تتراءى له بشكلها الذي يعرفه، لكنها لا تتكلم كالعادة، وإنما تتخاطر معه بأسلوبهما الذي اعتاداه معاً في السابق من خلال الأفكار والممارسات التوروية، لهذا لم يعد شاهين يخشى شيئاً، وقد أدمن تكرار ممارسة التخاطر مع من عرفهم من هؤلاء الناس القادمون من ملايين السنين، عاشوا على هذه التربة، هؤلاء الذين شبههم أجدادنا، وأجداد أجدادنا بالآلهة المجنحة، هم ناس العراق القديم من أشنونا، وأريدو، ولارسا، ونيبور وغيرها، لهم آلهتهم مثل أنليل، وآنو، وإنكي، وإينآنا، ونينورتا، ما تزال أرواحهم ترفرف هنا، وتقود أجواق المستخارين لدى زرايف، ومنهم من أنصاف الألهة مثل غلغامش، ودوموزيه، وإنكيدو الذي زار العالم السفلي، وعاد فخبر غلغامش عنه، بقوله: إن هناك صنفان من الناس بعضهم مجللين بالرماد، وهم من الصامتين، وجوههم موحلة، ولا يسمع لهم صوت، ولا حظ لهم بالمأكولات، بينما لاحظ في الجانب الآخر أناس سعداء يشوون اللحوم، ويأكلون بلا شبع، لأن الشواء لم يكن له رائحة تذكر.
إن حلم شاهين الذي يتمتع به يختلف كثيراً عن حلم ثروت، وأحلام الرعاع من الجنود المساكين، أنه شيء آخر أغنى، وأكثر رقي، وسامي في معانيه الفكرية، والخيالات الماورائية، حلم لا يتقطع، ولكنه مستمر معه في المنام، وفي اليقظة، وبين إغفاءة وأخرى، أو بين يقظة وثانية، أو حتى عندما يستيقظ، وهنا وجه الغرابة وسرّها. أحلام شاهين أقرب للواقعية منها للأحلام، أن الأشخاص الذين يتراؤون له، يحس بهم بجانبه، ولكنه لا يراهم، ويتوهم في بعض الأحيان، أن يرى عين لوحدها، أو كف تمتد إليه، أو قدم تسبقه في المسير، سرعان ما تختفي بلحظة، فيستدرك شاهين ويعتبرها نوع من أنواع الهلوسة البصرية لما له من معرفة، ودراسات في علم النفس، وتوابعه من علوم، ومنها تفسير الأحلام، وأحلام اليقظة، وعكسها حالات الهلوسة البصرية، والهستيريا التي لا يمكنها أن تهيمن على حالة شاهين النفسية الراقية، هؤلاء تبنوا كل المهضومين في عالمنا ممن قتلوا غدراً، أو استشهدوا في مذابح جماعية من غير ذنب في الحروب التي لم يختاروها، فصاغوا لهم عالماً مثالياً لازالوا يعيشون فيه، وقد بنوا مجتمعهم المثالي فيه، من غير غدر، وشرور، بل مساواة، وخير وسلام للجميع.
إن الحلم الذي يراود شاهين أثناء اليقظة، والوعي الكاملين ليس كأحلام اليقظة المعروفة، وإنما تتفاعل أحداث الحلم، وتعتمل في داخل شاهين كالأصوات التي يسمعها، والأشخاص الذين يتصور أنه يعرفهم، فاعتاد على نغمة صوتهم، وطريقة سيرهم، فصاروا بالنسبة إليه أشخاص طبيعيون يتعايش معهم، ويتخاطب معهم من غير أن يفوه بكلمة، ورغم أن شاهين لا يهتم لو كانت هذه الأمور بأحداثها، وأشخاصها طبيعيون، أو مصطعنون من مخيلته نفسه، لكن الأصوات التي تصله، توحي إليه بأفكار جاهزة، وكأن شخص بالذات يحدثه، أو يستحثه لمهمة ما، أو حدث متوقع قادم، وبهذا تكون أحلام شاهين عبارة عن دروس تهيئة لمرحلة قادمة، أصعب، أو أكثر تقدماً، لأن هذه الروئ كما يحلو لشاهين أن يسميها مبتورة، ومبرمجة على قدر معين، فيها نهايات، وبدايات. تحقق الكثير منها لأنها ليست كتلك الأحلام المكتّضة بالرموز المتداخلة، والأفعال المتكررة بلا معنى، شيء واقعي بل أكثر واقعية من الحياة الطبيعية. فالوجوه التي تترائ له هي وجوه مُبتلة لفرد واحد ومتبدلة، ليس بإبدال الأقنعة، وإنما بتغير الملامح، وجوه لأفراد يأنس لها شاهين، لكنه لا يستطيع تميز هويتها الحقيقية لسرعة التبدل، ورغم أن شاهين تمرس كثيراً بالمهارات التي دّرب نفسه عليها، وزاولها على أشخاص معينين بالذات، من الرياضيات الشرقية القديمة، فقد استطاع شاهين أن يجد لكثير من الغوامض الحلمية حلولا معقولة، على الأقل بينه، وبين نفسه، لذلك يعمد شاهين لمناقشة، وتحليل أحلامه، ويصنفها حتى عندما يكون مستلقي في فراشه قبل مرحلة الاستيقاظ الكاملة، فيعدّل المنهاج، ويرتب السياق، ويعيد تنظيم سيناريو الحلم مهما كان صنفه، ويحيل رموزه إلى أولياته، فيضعها في قوائم مرموزاته، وبهذا يكون شاهين قد حقق أمرين في هذه التجارب، تعميق تجربته المهنية عملياً، وممارسة هواية لو لم يدرس علم النفس لتاه فيها، ولربما أصيب بالجنون لقدراته النادرة، والتي لو لجأ لعراف عادي، لأشبعه سياط لكي يخرج المآخي في داخله حتى يموت من الجلد. أو يجأ لمحلل قاموسي سيعّقد عليه أموره، ويوصله إلى مستشفى الأمراض النفسية.
إن أهم ما حققه شاهين حتى الآن، لا يعدو أكثر من متعة الهواية في استخدام زملائه من الجنود في تجاربه، وهم من طرفهم يشعرون براحة، ويبادلونه الود، خاصة في الأحلام التي يشاركهم فيها، فتجمّعت لدى شاهين معرفة تفسيرية عملية، بعد أن كانت قد حيرته النظريات النفسية في تعقيداتها من جهة، وتأكيداتها على نجاحات العلماء الذين يمارسون تجارب عملية، أكثر من غيرهم من جهة ثانية، فقد فهم شاهين كنه وفحوى أهمية التجريب. وعرف أن غالب الأحلام، إن لم يكن معظمها لدى هؤلاء العلماء النفسانيون اعتمدت على معاينات إكلينيكية لأطباء يختبرون مرضاهم، لكن بعض الأمثلة التي قرأها شاهين في كتبهم تنطبق أكثر على الأطباء أنفسهم أكثر عن مرضاهم بذاتهم، وتمنى شاهين أن يستطيع يوماً الاتصال بهؤلاء الذين ماتوا ليتحقق من نظريته هذه، وقد أصحبوا بمعزل عن أي حرج اجتماعي سيلاقونه، وبهذا يتأكد شاهين من أن علوم هؤلاء الأطباء لا تعدو أكثر عن روايات تسجيلية جميلة.
ويفكّر شاهين بنفسه: ما بال هذا الحلم يلّح عليه، إنه أقوى من الأصوات الكثيرة التي تصله دفعة واحدة، لكنه يميّزها، وصارت تشترك مع الأصوات الحقيقية، ولولا قدرته الفائقة على السيطرة في التركيز بين الداخل والخارج، بين الذات والأنا، بين الهو والآخر، بينه وبين نفسه، وذلك من خلال حوارات طالت التجارب فيها، ولو لا ما توصل إليه شاهين إلى مصالحة تامة بين الثنائي بداخله، ومراسه العالي في الفرز، وفصل الأمور بمخبرية راقية خبرها من دروس اليوغا لانتهى به الأمر في نظر الجميع إلى معتوه، يكلّم نفسه، أو يجيب على  من لا يسمعهم من المحيطين به. وتساءل شاهين في سرّه من جديد: ألست في طريقي إلى الجنون حقاً، ويجيبه صوت من الشخص الذي يتكرر نداءه له، ويرافقه بأغلب الأوقات، كظليل له مؤكداً لشاهين أنه مقبل على حياة جديدة أعلى مرتبة من مستوى البشر الذين حوله، فقد تم اختياره من بين ملايين الناس، وآلاف العلماء، ومئات العباقرة مرشحاً للعبور إلى عالم جديد لا يدخله غير العباقرة، وبين العبقرية والجنون خيط أحمر رفيع، فشاهين إذن مقبل على تأكيد العبقرية وليس الجنون، وهي حياة أعلى من مرتبة البشر على كوكب الأرض، مملكة يقودها العقل بقدراته التي لا يستخدمها إنسان الأرض الاعتيادي إلا جزءاً ضئيلاً منها، لا يمكن وضعه حتى في نسبة مئوية ما، صحيح أننا نعين المحتضرين، والشهداء، والمغدورين، لكننا بحاجة لعبقرية تصبح صلة الوصل بيننا، وبين القادمين الجدد، للتفاهم معهم، وتسهيل مهمامهم في الفترة الأولى على الأقل.
غير أن شاهين يبقى غير مقتنعاً بهذا الاتصال مع ظليله لأنه معتقد، بل ومتأكد من رقي مرتبة الشخص الثاني فيه عندما طور الكلام الداخلي بينه، وبين نفسه إلى حوار مسموع بين شخصيتين هما هو في الداخل، والخارج معاً، أفادته كثيراً في التوصل إلى قناعات، ونتائج مرضية كانت الحلول كثيرة التوفيق.
هذه الشخصيات الماورائية هي بالنسبة لشاهين شخصيات حقيقية، صارت مع الأيام رديفة له في أي مكان، ومعضلة يجوسها، وصارت مرشدته ليس في الأحلام، وإنما أيضاً في الحياة العامة، والسلوك اليومي، بعضها صار لها أسماء بأرقام، وحروف، من دون كلام، وإنما بالتخاطر عن بعد، وبالتداعي الحر عن قرب، في كثير من المرات تتسرب خلال الحلم المتكرر لكي توضح أبعاد ما جاء فيه بالشكل الجديد: أجساد أفريقية محروقة عارية لنساء تغطيها جلود الأبقار، تتمرّغ في الوحول، والجنود يغرسون سناكي بنادقهم فيها، الأجساد كالمطاط لا تؤثر السناكي فيها، يرتفع في وسط الأجساد طفلة حديثة الولادة تصرخ صرخة الحياة، وتقوم الجرافات بحمل الأجساد وهي تتحرك كأنها دمى مبرمجة، وتركبها كأفاريز على حافات الجدران، وما أن تستقر هناك تصبح تماثيل مستلقية على الظهر، وعيونها وأفواهها تتحرك. يقوم بعضهن، فيشار إليهن بأن عليهن المرور بأنفاق لكي يصلوا لصانعي التوابيت البلورية، وينزل البعض في حفر محاطة بخشب، وسلالم صفراء، عليهن أن يجلسن في قفص يتحرك مثل دولاب الهواء، فيصلن لفتحة تقلهن إلى سلم رمادي يركبن القفص، وينقلبن رأساً على عقب لكي تتعلق نهاية القفص بسلم له فتحة ثالثة فيها إطار خشبي بلون الورد، وفوقه أرض صخرية صقيلة يقف تاجر سولومو، وهو يدقق قائمة المخطوفين من العبيد تحت غطاء صندوق، أو باب، ويتطلع في الأفق مبهوراً، في غطاء التابوت الأبنوسي النادر الذي جلبته الجثث معها، ويقيس لمرّات، ومرّات، لكنه لا يصدق قول الموتى الدمى بأن هذا لباب معبد، وليس لناؤوسه.
ففي حلم شاهين لهذه الليلة، بل لهذا اليوم غرابته، ربما يكون بتفسير شاهين لحلمه هنا، الحدّ الحاسم في قرار ينازعه كثيراً، وربما العنصر المؤثر في قبول شاهين لأية نافذة تخرجه من مأزقه القائم. فعموماً فإن ما يراه شاهين في حلمه يستحق التعمّق فيه، والوقوف عنده كتجربة علمية لنظريات لا تضع يد المجرّب بنارها، وإنما هي في هذه الحالة نار سيصطلي بها صاحبها، أو برد وسلام له ولغيره من البشر، تماماً كالمتطّوع للذهاب في رحلة علمية على الأرض، أو في الفضاء الخارجي، هي عين التحوّل القادم، لأن شاهين يرى نفسه هو وزملائه، وهنا أصدقائه الذين يعرفهم في الجبهة جميعاً. كل هؤلاء يساقون معه إلى الإعدام، ولا يتذّكر شاهين بالضبط ما الطرق المستخدمة في إعدامه معهم، لكن ما يتكرر هو صورة أخرى لأشكال الموت، رغم أن حالات الإعدام ترتبط معه دائماً بخيالات عن المذابح التي حصلت لأهله، وأجداده الأرمن في بداية القرن الماضي في شبه جزيرة الأناضول على أيدي مغول العصر.
فقد كان يساقون أفواجاً خارج المدينة، وتجري عملية التقتيل، والذبح بشتى الوسائل الهمجية، بالسيوف، والبلطات، والسكاكين، وسناكي البنادق،، والمساقون يمشون في أرتال حثيثة الخطى بوقع السياط، ووخزات السناكي، تقطعت ثيابهم، فتعرت أجسادهم لتزيد شهوة المتفرجين الناقمين الشاميتين المعبأين بالحقد، والقسوة الدمويين. وإذا ما نجا المساقون من هؤلاء، لا ينجحون بالنجاة ممن ينتظروهم من أفواج أخرى في القرى، والبلدات التي سيمر المتبقي من الرتل عليها، وربما اشتهى البعض أخذ عينات لحمية من الرتل قبل فوات الآوان لشيها وإطعامها للمطعشين للدماء البشرية من وحوش عسكر المللي الهمج.
أما نهاية الأرتال ومطافها فحلقة إعدامات جماعية، وأكوام من أشلاء هنا، وهناك بعضها تحترق، وبعضها الآخر قد صار رماداً، والبقية متعفنة، وقد حطت عليها الجوارح، والتفت حولها آكلوا الجيف من الحيوانات والضباع، وسرت بينها الهوام، بينما تنهش الذئاب البشرية لحوم الفتيات الرقيقة ظلّت الحيوانات أرق، وأكثر رحمة منها وألطف في الغالب، لأنها تترك المكان حالما تحس بالشبع، وتذهب للعق دماء الجرحى ممن كان نصيبهم النوم تحت الجثث الأخرى، لم تكمل أيدي القتلة في إبرام صفقات الفناء معهم، وبالرغم من أن مساومات بيع الأنفس، وشراء نسمة الحياة كانت تمارس على وهب قطعة ذهب، أو محبس، أو مطمع في ثروة مخبأة في بلد المستضاف على وليمة الموت التي هو أحد عناصرها، ومع هذا لا يبقى إلا حبل العذابات الطويل بلا انتهاء، كان الجميع قد ربط مصيرهم منذ بداية السوقة، كما يدعونها/ أو السفرة حتى نهايتها، حين ذاك يلف المأجور الحبل على خصره ليعود به من حيث جاء كدليل على إنجاز المهمة، وليس كشاهد على الجرائم البشعة النكراء، لأن هؤلاء القتلة يتحيفون على ثمن حبل جديد كما يتحيفون على رصاصة تنهي عذابات من جدعت أنفه، وبترت أذناه، وتجرّحت خواصره، وبليت أقدامه.
فإذا ما مرّت الأيام على ذلك، وبرحيل قومندانات السوقة من كلاب السلطات العليا المأجورين، يتبرع أصحاب الذمم والمصلحين لدفن ما تبقى، بعد أن زال الخوف من بطش هؤلاء المرتزقة فيما لو خالف العامة أوامر الباب العالي الذين جاءوا باسمه زوراً. وتدفع بقايا الجثث إلى حفرة تردم على عجل، أما لو كان نصيب القتلة الذبح على فوهة بئر مهجورة، فهي خير ملاذ، ومدفنة غير متوقعة.
ها هي الأحداث تتراءى لشاهين كالصور المرتجعة من رحلة تاريخية، أشلاء في الوحل، ودماء متخثرة على الجلود، والأعشاب، والمياه، وأنين الجرحى العطاشى وقد هدهم الجوع، ومن فوهة بئر تطل رأس ابن عم أمه الذي كان صائغاً هو الآخر يتوسل لقمة خبز بدلاً من اللحوم المتفسخة التي امتلأت جوفه منها منذ أربعين يوماً، التهم خلالها ما لا يطاق منها، حتى التأم جرح رقبته النصف دائري، وها هو يسمع صوته، ليعيد له القصة التي سمعها منه شفاهاً عندما زارهم بعد الحادث بخمسين سنة، كان وقتها في زيارة ابنته التي تزوجها ابن خالة شاهين، فوصف العم أكوب كيف عاش من جراء غلطة ارتكبهتا يد متعجلة، مرّت بسكين مرتبكة على رقبته. ويترائ إلى بال شاهين مشهد ابن عم أمه الذي كان في الستة عشر من عمره، وهو يذبح على فوهة بئر، ولعجلة السفاح من الجلادين، لم يقطع قصبة أكوب الهوائية إلى الأخير، فسقط هذا في البئر فوق الجثث، وسقطت فوقه جثث أخرى، كان أكوب غائباً عن الوعي، ولما أفاق كان الدم قد تخثر في عنقه، وظل لأيام صائماً حتى اضطر لكي لا يموت جوعاً أن يتغذى على دماء، ولحوم أقرانه لأربعين يوماً بلياليها، حتى أنقذته عائلة رعاة، فأخذته، وداوته، وأطعمته حتى شفي، وعبر الحدود إلى الجنوب حيث قامشلي في سوريا، لينجوا من بقايا المغول.
وفكرّ شاهين وهو يقود حلمه، بأنه هو الآخر صائغ أباً عن جد، لا يصوغ الحلي، والمجوهرات بشكل أنيق، وفتان فحسب، وإنما يصوغ الأحلام، والقصص، والتفاسير، والأحاديث، لكنه استبعد أن يلاقي مصيراً كمصير أكوب ابن عم أمه، فرغم أنه شاهين يجيد النقش على الذهب، ويحليه بفنون الحرفة، ومهارتها، فهو يصوغ الكلمات، والأخيلة، والحكايات لمن يجالسه، فيقوم بدور النديم لكل مجلس، كانت العائلة قد كنته بنديم مجلسها، وعلى نطاق سوق الصاغة، ومن بعد مجتمع قسم الفلسفة في الجامعة من الذين تخرج معهم في كلية الآداب، لكن شاهين حاله الآن كحال أي جندي مشاة مقاتل، تجمع من خليط عجيب غريب من المجندين بين أمي، ونصف أمي، وجامعي من الريف والمدينة، ومن أقوام وطوائف متعددة.
ويتساءل شاهين ما فائدة أمثاله في كل هذا الخضم الذي يختاروه، وليس وراءه طائل، وهذه مطاحن ليس لها من فائدة غير أن يكون هو وأمثاله أرقاماً وراء متاريس النار، وحطباً في وقودها يملأون، ويفرغون البنادق المستهلكة دون جدوى، بينما يحيط بالمعسكرات، ثعالب المتعاملين ممن لا يعرفون غير تجارة الحروب، هؤلاء المتطفلين من حجوش، وسحالي حربائية التلون، يشترون ويبيعون الناس والعتاد على حد سواء، هم فقط يرضون رغبة نهمة، ويشبعون حاجة لا تنتهي، وشهوة حيوانية لا تلين، يبيعون لكل الأطراف كما يشترون منها وفي كل الأحوال، هم الرابحون لا غيرهم، سواء بريع البيع، أو بالغش وتزوير الأرقام، وأعدادها؛ هذه الخواطر تتوارد لدى الأفراد في كل حضيرة عسكرية، وفصيل، وسرية، وفوج، ولواء، وكتيبة، وجحفل، ولواء، وفرقة، وفيلق، و، و،، و، هؤلاء من تجار الحروب تجدهم في أغلب الظروف الصعبة من الرابحين، يغتالون الفرحة في وجه يتيم، ويسرقون اللقمة من فم ثكيل، ويكيلون بميزان مختل، نواياهم وأحلامهم وقيمهم. همهم منصب على قوالب الذهب، وبريقها الذي يعمي أبصارهم، وبصيرتهم، هؤلاء أهم اسباب الشر في عالمنا.
وترائ الحلم لشاهين بشكل جديد، فهنا يقبع ضحايا الأرمن النازحين في الأوحال، يشربون من نبع ماء صاف، والجنود يبولون في النبع، يقوم البعض من الأوحال فيشار إليهم بأن عليهم المرور بأنفاق لكي يصلوا لصانعي التوابيت الخردلية، وينزل البعض في حفر محاطة بزهور اللوز، وسلالم  من أغصان الجوز، عليهم أن يجلسوا في قفص يتحرّك مثل دولاب الهواء، ليصلوا إلى فتحة تقلهم إلى سلم من أشجار الورد يركبون القفص، وينقلبون رأساً على عقب لكي تتعلق نهاية القفص بسلم له فتحة ثالثة فيها إطار خشب البلوط، وفوقه أرض رملية صقيلة يقف فوقها ساق ماء قرب زير فارغة، ويتطلع في الزير مبهوراً، ويتناول بيده غطاء التابوت القرمزي النادر الذي جلبته الجثث معها، ويقيس لمرّات، ومرّات، لكنه لا يصدق قول الميت بأن هذا غطاء لزيره، وليس لناؤوسه.
7
إن الحلم المتكرر هذا غير تلك الأحلام كلها، لاعتبار أنه وفي خضم الكوابيس كلها يرى شاهين نفسه مع أصحابهم في ملابس مدنية، يأمرهم أصحاب الأوسمة أن يرتدوا ملابس عسكرية بمقاييس متنافرة فيلبس أحدهم ثياب الآخر. على الرغم من اختلاف في المقاييس: الطويل يلبس القصير، والقصير يلبس العريض، وهكذا.. ويسمع ضحكة أحد المتصابيئن من مخانيث الحرب يكركر ضحكة ليطلق كلمات تعبر عن عدم وجود فرق سواء لبس الجنود مقاييسهم أم غيروها لأنهم منتهين بعد أيام إلى حتفهم.
ورغم أن شاهين ما يزال يرى نفسه مدنياً بقدر المستطاع، فقد جيء به وبأصحابه عنوة إلى حرب غير شريفة، هي حجة لذبحه وزملائه بدلاً من إعدامهم، أو سجنهم تماماً كما كانت السلطات الملكية تفعل بخريجي الجامعات، والمعاهد العليا من داخل الوطن، وخارجه، وأصحاب المؤهلات العالية، فيسوقونهم إلى دورة تدريبية عسكرية في معسكر معزول في إحدى المناطق النائية، يسومونهم أقسى أنواع التدريبات المفتعلة، ويلقنونهم دروساً في العدائية، وكراهية كل ما هو إنساني، وبشري، دروس في احتقار الذات، والناس والاشمئزاز من كل ما درسوه من علوم، وما يفكرون في تطبيقه، وتطويره، فيتخرجون إما منصاعين لقبول أية وظيفة بعيدة عن التخصص الذي تخرجوا فيه، وهذا ما حصل، ويحصل بمرور الأيام، وتكرار الحروب من حرب إلى أخرى، وكأنها كوابيسه، وأقدار محتومة على العراقيين، انتهاء بالغزو المقيت، والاحتال الشنيع الذي يخيم على الوطن، لهذا يهرب ذوي الكفاءات، لأنهم مرشحون إما للموت في الحرب، أو للاغتيال، فخير لهم أن يذوقوا مرارة المنافي حتى ولو حصولوا على الإقامة الدائمة في البلد الأجنبي، يتحسرون حتى النفس الأخير على شمة واحدة لرائحة تراب زقاقهم في إحدى عصاري شهر آب اللهاب، ورشفة من ماء “تنككة” جرة في منتصف ليلة آبية على السطح بعد أكلة سمكة مسككوفة، وربعية عرق زحلاوي في أحد بارات أبي نؤاس أو نوادي الدوائر  والنقابات مثل: المحامين، والمهندسين، والمحاكم، والماء والكهرباء، والفنانين، والعدل وغيرها الكثير، نوادي تزين ليل بغداد، وتخرّج أفواج من السكارى يسرحون في صبحيات شوارعها المبكّرة، ومنها إلى ساحة التحرير حيث يلتم الشعراء والرسامون والموسيقيون والمسرحيون والروائيون، مع مهندسين وأطباء ومهن أخرى في لمة حول عربات المأكولات الخفيفة، مثل الحمص “اللبلبي” والباقلاء، وأشياش التكة، والكباب، والكبة المعلاق الأسود، يتسطرون على مساطب خشبية مهترئة، تعلو فيها جوقة أصوات المغنين، وفي أخرى صوت شاعر مثل الحصيري عبد الحميد، أو صوت روائي مثل العزاوي ساهر، أو فيلسوفان، وناقدا فن، صديقان مختلفين أبداً، الغساني أدور، والراوي ميسر، أما القيسي جبران فما زال يتعلق بأخواص النخيل من ملاعقها الذهبية كما يقول في إحدى قصائده العوجاء ويهرب الربيعي رحيم من جوقة الرسامين لينتظم في جوقة الروائيين، وهو يربط عنقة بربطة ملونة يقول أنها أحدث الصراعات، فينسى أنه قد اشتراها مع خليل جلال من سوق اللنكة للبضاعة المضغوطة، ونرى الناقد رجب طهماري قد ابتكر من قراءاته النقدية أمور تخص النقد الروائي الحديث، ولكن الراوي يحدثه عن ما بعد الحداثة وهكذا حتى يعلو صوت خليل جلال في جوق المسرحيين على جملة عفاط، و”زياكة” اختص بها، بعد نوبات شتم من جراء سكرة عارمة يشتم فيها أم حسن زوجه وعشيرتها، بينما علي أكبر يمارس حواره الهادئ في هذا الصخب بتأنق الأكاديمي، وكأنه لم يدلق بجوفه نصف لتر من العرق الزحلاوي، وفي جوقة الشباب، يمارس فيها جواد، وكروهي أستاذيتهما، هذا المهرجان يتكرر كل أول خميس من كل شهر، فالجيوب عامرة بالدراهم، ومعبأة بالدنانير رغم قلتها، بين ثلاثين للمعلم، وخمسين للصحفي، لكنها على كل حال مصروف  الشهر، قد يقضي البعض عليه في تلك الليلة، أو ليلة الجمعة، ويبقى طوال الشهر يستجدي لدين غير مرتجع من زملائه مثل وحيد جمعة.
بهذا التداعي يجد شاهين  نفسه ممدداً على الأرض مع زملائه الخريجين من دفعته، وممن تخرجوا في مختلف جامعات العالم جاءوا ليتقدموا بفكرهم، وأيديهم أرض وعقلية مستقبل بلادهم، فوهبوا أنفسهم مجتمعين هنا بلا موعد فقط من خلال إشارة حمراء في دفتر سوقهم للجندية، وحسب حروف أسمائهم الأبجدية، ها هي الجرافات تقترب، وتقترب، فتكبر، وتكبر، وتكبر، وتتضخم كأنها تملأ مساحات شاشة سينما النصر البغدادية، أو تلفزيون غرفته في الغربة، لكنه ومع التفاصيل الكثيرة في حلمه، لا يستطيع أن يعرف كيف ينسحقون تحت تلك الجرافات، وما هو مدى الألم الذي يقاسونه، أو يعانون منه، وهو واحد من المنسحقين تحت هذه الجرافات، وشاهد عليها، وحالم بمجموعها، كل ما في الأمر أنه معهم منطرح أرضاً بالطول كرهط في نسق عسكري، وإن الفجوة من هذا الموقف تحيره، فهو لا يجد نفسه فيهم، ولا معهم، ولا من خلالهم، ولكنه يجد نفسه فجأة نائم فوق إحدى الجرافات، وقد حملته فوقها، ساخراً من أنيابها، وزمجرة عجلاتها، وسخط الضابط الآمر المعتدي، وجوه هذا الآمر المختلفة لا يعرف لها قرار، متعددة، متكررة، متلونة، ومترددة، مصعوقة، خبيثة، مستحية، غبية، سلبية، هو وجه لوجوه ثعلبية ذئبية ضبعية أفعوانية جرذية، بشفاه ممطوطة، وأسنان سوداء، عيون جاحظة، وأنوف متورمة، وأذان مطوية إلى الداخل لا يسمعون، أو يرون، لكنهم ينطقون بآخر عبارات رددها القائد عن القائد الأعلى فالأعلى حتى القائد الأوحد، أبواق تكرر من غير فهم، واستيعاب، يعبرون عن سنن الديكتاتورية وعشوائياتها، هؤلاء هم لا يختلفون عن غزاة فلسطين في كل دورة اغتصاب، وابتلاع أرض، أو حصار تفرضه، أو جدار تبنيه أقنعتهم الحضارية، وكلامهم المزوّق في المحافل الدولية، لكنه مغمور بالسموم القاتلة، لأنهم يبغضون كل من ليس من عرقهم، وجنسهم، وما عليهم إلا أن يبيدوهم بأنواع لا تحصى من شتى الوسائل الوحشية.
في أحيان أخرى يرى شاهين نفسه يطير كهلامة فوق كل ما يجري، والجرافات تدوس الأجساد وكأنها تمشي على وسائد محشوة بالريش، أو أكياس مطاط منفوخة، أو سمندرات لا يطرأ على شكلها أي تغيير، تلمع من بريق الشمس كاسطوانات بلاستيكية لا يصيبها أذى، أو تتبدل حتى بمياه البحر، وتمر العربات مبتعدة لتصغر متلاشية، فتصغر وتصغر، تصغر، تصغر لتصبح كأنها لعب أطفال.
وكلما يصل شاهين إلى هذا الحد من الحلم، يشعر بنداءات متكررة تدعوه لذلك العالم، والهروب خارج المعسكر، وتنصحه بسلوك الدرب كذا، والدخول في المسرب كذا، والنزول بوادي كذا، وتسلق جبل كذا، ثم الوقوف أمام شجرة الحياة، والاغتسال من نبع الماء حيث ستنفتح له بوابة العبور.
ويتساءل شاهين في سرّه إلى متى، ومن أين هذه النداءات التي تبدو تارة واضحة دقيقة، وأخرى مشوشة، خصوصاً عندما يجد نفسه قد رفع فوق أصحابه بآلة عجيبة خارقة، أجل رفع شاهين لأكثر من مرّة فوق مستوى نظر زملائه الجنود كما يرتفع المتحالم في منامه ليشاهد كطائر السمّان، الهوة السحيقة أسفله، وهو يهبط، ويهبط، ويهبط، دون أن يقع، كما يقال أن هناك سقوط، أو سقوط، وسقط، يسقط بلقطات مقربة، مثل دمية القتيل في الأفلام التي تهوي إلى أسفل بلقطات متعددة، وبأحجام لقطات مختلفة، تكون قد رتبت بعناية فائقة لكي تبدو وزناً، وشكلاً، مشابهة لجسد الممثل الحقيقي، خصوصاً إذا ما بدا على الممثل في اللقطات الأخيرة آثار التمزّق والألم الحاد، ومن وضعية لا يتناسق فيها الجسد.
أما في الحلم فغير، لأن كل ما يوصف هنا يعرض بدقة متناهية على شاشة الحلم، يختصر، أو تبتر تتمة مشاهده النهائية عمداً، أنما في الحياة بالعكس فإن الأمور المختصرة، والتي لا تأخذ اهتماماً كبيراً، ولا وقتاً طويلاً، نجد أن ذلك يتخذ معاني جديدة وذات أهمية مبالغ فيها، قد يزاوله البعض لا إرادياً.
ويطير شاهين، ولا يرى النهاية، وإنما ينتقل إلى بداية جديدة من حلمه الذي يتحالم فيه، ومعه، ومنه، ويقوده في بعض المرات لقوى أخرى بدلاً عنه، حين يزوغ شاهين في حلمه، أو الأحلام التي يخترقها من غير ما تهدف إليه هذه القوى.
إن الأصوات لا تتغيّر، تغزل في أذنه كلام واقعي محبوك، منسوجة جمله وكلماته كأنه حوار مدروس لشخص، أو أشخاص قريبين منه، يعيشون بداخله، يعرفون ماضيه وحاضره، هواجسه وأماله، أمنياته وتاريخه، علاقاته وحتى رغباته التي ينفرد بها، ولا يبوح بها حتى لحبيبته أناهيد التي خطبها الحروب الطويلة، والمتكررة، حال عودته من الغربة، وقد نال شهادة الفلسفة العليا، وكثيراً ما يذكر المقرؤن في أذنه، أو يذكّرونه بأحداث وأسماء، وتواريخ نسيها هو نفسه؛ والأكثر غرابة من ذلك فإنهم يصفون بلد الاغتراب الذي يعيش فيه خاله الأكبر أخو سورين، والعاهة التي تلازمه كلما حاول بدء جملة في الحوار، وبكل تفاصيل أمكنة تواجد هذا العم، ونوع عمله، ودقائقه اليومية، لا يستطيع حتى خاله بذاته الكتابة له عنها بهذه السهولة، وهذا الوضوح، وعندما يسأل شاهين خاله باركيس عبر الهاتف، أو بالرسائل عن تلك الأخبار، والأشياء، فيحار باركيس كيف لشاهين أن يعرف كل هذه الأشياء عنه. حتى صار باركيس يعتقد بأن شاهين الذي عاش معه فترة خمس سنوات في نفس بلد الاغتراب، تعلم الكثير من الأمور التي من أهمها، الحذر في الكلام، من غير هذر، وثرثرة، والتوقف على أية علاقة يقيمها مع غريب أو جديد، ليعطي لنفسه الفرصة، للتأكد من عدم اندساس بصاص من السلطة، أو أن الصديق الجديد من عسسها، كان شاهين قد عمل قبل عودته لأرض الوطن في الجنوب لمدة سنة واحدة، تواصل مع خاله باركيس من خلال الهاتف، وبانتقاله إلى الوطن انقطعت العلاقة بينهما، وصار كل منهما يفكر في الآخر على طريقته.
إن سبب عودة شاهين للوطن بانقضاء السنة، هو لأنه وجد أن بقائه هناك غير مجدياً، لأنه لم يدرس لكي يستفيد من قدراته بلد غير بلده، لهذا شد الرحال إلى الوطن، تاركاً خلفه مختلف المغريات، وعاد ليخدم شعبه، لكن التجنيد كان له بالمرصاد، كان في حسابات شاهين أنها فترة لن تطول أكثر من سنة وستة أشهر كالمعتاد، وها هو يقضي أكثر من عقد من السنين دون أمل في التسريح أسوة بأقرانه الذين نسوا علومه التي درسوها، لأن الحروب بلا نهاية بل هي سلسلة ممتدة من واحدة إلى أخرى، وعليه إما أن ينهي حياته كبعض الذين انتحروا، أو أُغتيلوا، أو تنهيهم الحرب بنيرانها، فتكثر أحلام يقظة شاهين في أهله من جهة، وبعمه من جهة أخرى، وكثيراً ما ينسى الملعقة بيده وقد فتح فمه قبل أن يبتلع ما فيها، أو يسهى لمدة طويلة تجعل من في الفصيل يلقبونه بالعاشق الساهي، أو حجي صافن، أو أبو الهول، أو أبو صفنة البهلول. إن سبب وجود باركيس خال شاهين في المهجر، بل لنقل في المنفى، هو انتماؤه لحزب محظور في الوطن، وهو على قائمة المطلوبين، لهذا انقطع عن مراسلته حال عودته إلى الوطن.
إن الأعجب في حالة تخاطر الغرباء مع شاهين، وبثهم المعلومات، وما يعرفونه عنه، هو ذلك الوصف الدقيق عن خاله باركيس في البلد الشمالي وأحواله، إن هذا الذي تلقاه شاهين هذا اليوم، والدعوة الصريحة والواضحة له عن كيفية خروجه من المعسكر، قبل بزوغ فجر صباح الغد، ذّكرت شاهين وصف الداعي للطريق، وكيفية المرور بالدرب الذي سيسلكه، في طريق ملتوية منحدرة عبر المعسكر، ومحاذية لسفح جبل مطّل على الوادي السحيق، هو الوادي الذي يتحاشاه كل عارف لدربه، وأمكنة الألغام المزروعة حوله في طريق غير سالكة، وليست مخصصة لدخول المعسكر من قبل الأفراد المجازين، أو الذين ينقلون المؤن والماء والإسمنت، هي من الأمور التي أرعبت شاهين وجعلته يتداعى إلى اليوم الذي جاءهم ضابط التوجيه المعنوي لكي يسجل أصوات الجنود إلى ذويهم، وكان برفقته جندي مصور أول، ونائب عريف متخصص بالتسجيلات الصوتية وعملية المونتاج الآني، كيف كان يقودهم هو إلى الربايا المجاورة للمعسكر، وكان رئيس العرفاء الآلي قد تبرع هذه المرّة للقيام بالمهمة بالإضافة إليه، وهو نفسه الذي ساعد على زرع الألغام تحت أمرة ضابط ألغام متخصص من العاصمة، ولولا أن شاهين قد تخصص في الجيش في صنف الهندسة الكهربائية لما كان قام بهذه المهمات، وهي من أخطرها، فقد عرف اليوم درس لم ينساه رغم أن الذين معه فسّروا الذي حدث بأنها قدرة قادر، وأن تجاوزهم لها قد جعلهم يبدأون لحياة جديدة، أو أنهم ولدوا من جديد، فقد كان شاهين مسترسلاً في الحديث مع ضابط التوجه المعنوي، في شرح خصوصيات عمله، وكأن هاتفاً خارجياً قد فاجأه، فانشغل الجميع عن مراقبة الطريق لأن أحاديث شاهين الشيقة تطيّر عصافير الرؤوس، لكنها أيضاً كانت ستطيّر رؤوسهم وأشلاءهم، لولا انتباه رئيس العرفاء لحركة راصد لمعت بندقيته الآلية عن بعد في الجبل المقابل، فطلب الضابط منهم أن يجمدوا بلا حركة كل في مكانه، وأن يموهوا أنفسهم بما توفر لهم في البيئة التي حولهم من أغصان أشجار العفص، والجلو المحلي، لحظتها جفت العروق، وتوقف النبض، حالما صدر لهم الأمر بالعودة للحركة، فشعروا بالعطش الشديد فجأة، فارتموا على الأرض لا يدرون هل يفرحون، أم يحزنون، بل عليهم أن يبكوا من الفرح لتجدد حياتهم، وانبطحوا فوق بعضهم من غير تفريق بين الرتب والحواجز الرسمية، ولم يلبث الكل أن أطلقوا صرخات فرح، وضحك، ثم بكوا من جديد من فرط السعادة، فبدأوا يرون الدنيا بوجه جديد مشرق رغم كل ما يحيطهم، وبعد أن سحب الكل أنفاسه.
كان شاهين حتى في ذلك الجو بعيد كل البعد عن الواقع، ولم يدر لما انجذب للضابط، وشده ميل غريب إليه، لا لموقف الضابط في حسم الأمر وقتها، ولكن لإحساس لم يفهمه إلا فيما بعد عندما علم كنية الضابط، وتساءل محدثه بعجب أن الضابط الزائر من بلدته، وهو من خريجي الدراسات العليا، ليس له انتماء لحزب السلطة الأوحد، فكيف يحصل هذا، لا بد أنه من الضباط الاحتياط حاله كحال الجنود المكلّفين مثل شاهين، لهذا لم تدقق الهيئات العليا في القيادة العسكرية بانتماء، وعرق وجنس، ودين الاحتياط، ولكنهم يوضعون تحت رقابة صارمة، ولظروف الحرب لا يجدي أحد، ويفيد حتى تقديم البدل النقدي، كما يحصل في أوقات السلم، وهي نادرة في وطنه، ومع هذا بدا غريباً لشاهين وقتها، لأنه هو واحد ممن فرزوا بعد دورة كلية الاحتياط ليصنف جندي مكلّف، بينما استمر أفراد دورته كضباط، ومع هذا لم ينتبه وقتها، ولم يستهجن الأمر لأن مثائل له في أمكنة أخرى قد أفرزوا عندما عرف انتماءهم، وليس عرقهم، أو جنسهم، أو طائفتهم فقد حصل أن عاقب ابن دورته الذي تولى آمرية الفصيل عليه بأن نقل من سرية العاصمة إلى فوج في هذا المعسكر.
إن منام القيلولة لهذا اليوم، والذي أعيد فيه حلمه المتكرر من جديد يؤكد له أن ذلك لم يكن حلماً، وإنما هو هاجس لداعي يدعوه من وراء كل هذه التفاصيل، فقد تذّكر شاهين مع تداعيه،، أن وراء نجاتهم من القنّاص نوع من الإيحاء لرئيس العرفاء، جاء النداء كتحذير عال، وصارخ لم يكن شاهين وقتها يعير انتباهاً لتلك الظواهر التي ستتكرر كثيراً أمامه منذ الآن، في الدروب والمسالك بين الذهاب، والعودة من وإلى المعسكر، ومن وإلى الإجازة.
وغالباً ما كان وصول شاهين عند ينبوع عين شجرة الجوز، الذي أسماه رفاقه الجنود بعين ماء عذيب كنية، لحادثة رواها البعض عن غيرهم، بأن اسم الينبوع ابتكره الجنود بعد قتل الجندي عذيب برصاص راصد قنّاص، لكن بعض الجنود لا يؤمنون بذلك لأن الأخوة الذين يحاربون السلطة، ليسوا بهذا المستوى من الغدر والجبن لكي يقتلوا جندي مسكين عطشان من الدرب، جاء ليرتوي هنا، إنها إحدى مؤامرات الضباط الذين يغدرون بجنودهم الذين يخدمونه في الجبهة الخلفية، وفي مشاريع إنشائية، أو تجارية، ولا يعطوهم أجورهم، ولما تتراكم الديون، يغدر الضابط بالجندي من الخلف، أو في كمين خوفاً من مطالبته بأجوره، فيما لو تسرّح، أو انتهت الحرب.
إن العدو في الطرف الآخر ليس لهذا الجندي المسكين، وإنما للنظام الذي يعاني من قسوته كلا الأخوة في الطرفين، هنا بالسلاح، وبالداخل بالصمود، حتى هؤلاء المكلفون هم هنا بغير إرادتهم، فقد تنقضي سنوات على موعد تسريحهم وليس من أمر تسريح يصدر لأية وجبة، يعدون الأيام، والشهور، والسنين، بل إن بعضهم من ملله تطوع بعد أن تجاوزت مدة بقائه بلا تسريح العشر سنوات.
وهناك رأي آخر قائل بأن اسم الينبوع قد ابتكر لعذوبة الماء، وليس من أحد يعطيهم اسماً بديلاً له من هؤلاء الناس المفترض أنهم أصحاب الأرض، لأنهم فئات، فإما هاربون منها إلى المغاور والكهوف خوفاً من بطش العسكر، وانتهاك للعرض بعد اغتصاب الأرض والزرع، والمال. أو خائفون ينامون في النهار، ويعملون في الليل. أو مجانين امتهنوا حرفة الخبل في هذا الزمن الهابط، فإن نسي شاهين الكثير من الأحداث، لا ينسى أبدأً يوم اختاره آمر أحد الأفواج التي تجول متنقلاً فيها أثناء خدمته الطويلة، أن يقوم بأعمال خادم سفرة في مطعم الضباط، وعندها رأى الضباط يتضاحكون على مدعي للجنون، وهم يخيفونه باطلاق الرصاص على رجليه، بينما يتناولون الغذاء بلا أبالية، ويرمون بالعظام له، فيقوم السجين المدعي الجنون بتقليد الكلاب في تناول العظام وقضمها، حتى أنه كان يقوم بإصدار أصوات لكلاب مختلفة الأنواع، وفي مواقف متعددة، كأنه بذلك يدافع عن حرفة تقليد الكلاب في حياته من جهة، ويلتقط المعلومات بعيون راصدة، وربما بذاكرة متمرسة، وأعصاب عالية الضبط، فبين المزاح والموت شعرة لو تخطاها كلا الجانبين لأفرغت الرصاصات في رأس الكلب، أي السجين المجنون، وبعدها سرعان ما يربط السجين المعدوم من أقدامه ليرمى في الخارج للحيوانات الضارية التي غالباً لم يبق منها إلا الأكثر ألفة لوحشية العسكر، أما من ستر نفسه من الوحوش الأخرى فهاجر، وقد تصدّعت رأسه من صراخ القنابل وعواء المدافع، ونعيق الطائرات المنقضة على كل أخضر. وغالباً ما يختفي مدعي الجنون ليظهر معتوه ثان، ولكن بعد أن يقصف ذلك المعسكر وفي مواقع مهمة.
ولا تزال جملة عين عذيب مخطوطة على الصخرة الكبيرة باللون الأحمر، يعتقد الكثيرون أنه دم الشهيد المغتال، وربما بخط يده. وهناك من يدعي بأن ما يمثل دم الجندي عذيب هو دمغة كفه فقط. ويذهب غيرهم من الجنود إلى أن هذا أيضاً غير صحيح، لأنه غالباً ما يكون من فعل من يؤمن بالقدر، والسعي لتفاديه بالتعاويذ أيا كانت، غير أن الآخرين، وبخاصة من يطرأ على نفسيتهم، وربما مظهرهم بشكل مؤقت تغيير غير اعتيادي، فقد فزع مرة أحد الجنود وهو يرى إلى زميله الذي غسل يديه، أن كفي هذا تماهتا، وصار الجندي في نظره من دون كفين، ففزع الناظر وهرب، ولما وجد بعضهما بعد ساعة، تفاجئ بأن الأكف في مكانها وعلى حالها، فخاف أن يخبر زميله بما حصل، لخشية أن يتصوره صاحبه مخبولاً أو ممسوساً، لكنه أسر بتلك الحادثة لبقية زملائه، فصاروا يتطيرون ليس من فكرة الاغتسال، وإنما أيضاً من ذكر ذلك، فيستعيذون، ويبسملون، ويشيرون إلى أن مياه النبع قد امتزجت بدماء عذيب، وما تزال تظهر بقع حمراء من الدم بين الحين والآخر، كأنها طبقة الغشاوة التي تغلف عين المصاب بحمة، أو المضروب على رأسه إذ سرعان ما تزول الغشاوة بمجرد الانتباه والتركيز الشديدين إليها، وقد سعى بعض البنائين من الجنود الذين ما انفكوا ينقلون الإسمنت من أسفل الجبل إلى أعلى الربايا، فصنع هؤلاء حوضاً إسمنتياً مربع الشكل، كتبت على أضلاعه الأربعة حروف اسم الشهيد، أو الولي.
لكن الكثيرين ينفون الادعاء، رغم أنهم يؤكدون مشاهدتهم للشهيد، ويعروفون وحدته، وقريته، ونسبه، وعندما يحاول أحد التحقق من المعلومات، لا يجد إجابة من المدعين، ورغم كل هذا يخرج أحدهم ليقول: أنه من كتائب كانت متجحفلة مع اللواء، والبعض يقول: إنه كان جندياً في إحدى الربايا تجحفلت مع لواء آخر، ويؤكد بأنه قد شاهد، وعرف الشهيد، بينما يصر آخر على أن الشهيد من قريته، ويعرف أهله طمعاً في دعوة مستجابة. بينما يصر البعض معانداً الجميع، وينكر حتى صحة الاسم، ربما لإبعاد تشاؤم من باب الوقوع في نفس المصير، وهناك من يشمئز حتى من النظر إلى ماء العين، فيهرب من الموقع وهو شديد العطش، تعاف نفسه فكرة شرب مياه ممزوجة بدماء بشرية. ولا يتوقفون عند هذه النقطة، بل يكونوا قد تزودوا بالماء من نبع آخر أسفل الجبل أقل عذوبة، ولكنه على الأقل صاف لا شائعة حول امتزاجه حتى بدم طائر. إن حالات التطيير، ومزاولة طقوس خرافية ضدها، كشعل الشموع، ومسك الأذن، أو ضرب الناب، أو صب الرصاص في وعاء ماء فوق الرأس، وتفسير الأشكال المتصلبة كنوع من أنواع إبعاد العين، أو الشر عن الفرد المقصود، زاولها الجنود عند ذهابهم في إجازاتهم بأمر من نسائهم، أو أمهاتهم.
فمن يمكنه مقاومة شرب الماء حتى ولو كان تحت جثة دابة فطيسة قد تحللت فيه، إذا ما هده التعب، وأضناه العطش، وصلته نار شمس تموز الحارقة، وأنهكته الأثقال التي يحملها من سلاح وعتاد وأمتعة يجرجرها خلفه، لكن شرب الإنسان لدم أخيه الإنسان لا يمكن أن يفعلها جندي جاء إلى الحرب مجبراً، أو بقي مجنداً رغم أنفه، حتى مع دم عدوه الذي وضع هو قسراً في مواجهته من الطرف الآخر، كلا، وألف كلا، ولن يفعلها إلا حاقد، أو سادي، أو مريض نفسي ممن شوهت نفوسهم الحروب، فصاروا مصاصي دماء لا يرتون، هكذا فكّر شاهين في نفسه، وهو تفكير أغلب المضطرين على للتجنيد بدعوى الدفاع عن الوطن.
وانتبه شاهين من جديد إلى الهواتف التي تصله فوجد أن تحديد الوقت بالضبط، بالدقيقة، والموقع، ووصف الشواهد على الطريق لفتت نظره بكل حوافزه لدقتها، خصوصاً المكان، والإشارات الليلية، وما إلى ذلك مما يتبعها من تحذيرات لفواجع ستحدث بعد أيام، فيها إبادة للكل.
ويتراءى حلم اليقظة مرة أخرى لشاهين، فيقف لينتحي جانباً لكي لا يصاب بالدوار، فيرى االناس من شيلي في المستنقعات يشربون  من نبع ماء، والجنود يبولون في النبع، يقوم البعض من المستنقع فيشار إليهم بأن عليهم المرور بمغاور لكي يصلوا لصانعي التوابيت الخردلية، وينزل البعض في فوهات محاطة بزهور اللوز، ومنحدرات  من أغصان الجوز، عليهم أن يجلسوا في زنزانة تتحرّك مثل دولاب الهواء، فيصلون لفتحة تقلهم إلى منحدر من أشجار الورد يركبون الزنزانة، وينقلبون رأساً على عقب لكي تتعلق نهاية الزنزانة بمنحدر له فتحة ثالثة فيها إطار خشب البلوط، وفوقه أرض حديدية صقيلة يقف فوقها احد سقاة الماء قرب زير فارغة، وهو طاهر فيتطلع في الزير مبهوراً، ويتناول بيده غطاء التابوت القرمزي النادر الذي جلبته الجثث معها، ويقيس لمرّات، ومرّات، لكنه لا يصدق قول الموتى المكفنة بأن هذا غطاء لزيره، وليس لناؤوسهم.
هذه الأصوات التي تحاول أن تقنع شاهين من خلال الصوت الواحد الملحاح، يسمعه هو دائماً كأنما ينصت لصوت الشخص الثاني بداخله، هو صوت تدرّبه الكبير، لاختلط عليه مع صوت الداعي من خلال التكرار، إنه الصوت الذي يتمنى شاهين أن يوصله إلى القائد ثروت حمدي الذي يحاول جاهداً أن يقيم علاقة تخاطرية معه، خارج أداوره في الأحلام التي تراود ثروت كل ليلة.
لكن عملية كهذه كما يعرف لا يمكن أن تتم بنجاح إلا إذا كان المتخاطر معه على دراية، ووعي، وممارسة بها، حتى لو لم يعرف من هو المتخاطر معه، ولم يره سابقاً، لذلك يحضه الآخر دائماً للاسراع بايصال الرسالة إلى ثروت، لكي لا يشارك في المعركة القادمة، هكذا يعن على شاهين عندما يعجز عن تفسير ما يدور بداخله من أصوات ألفها، فصار يعزّي نفسه بما يقولون له في صمته، ثم لا يلبث أن يصحح أخطاءه، أو يغلّط نفسه فيعزي ذلك لكثرة اجتهاداته، وتخاريفه موقناً بأن كل ما يتصوره هو من صنع خياله الذي درّبه، ودعمه بقراءات كثيرة لقصص الخيال العلمي، وعلم النفس، والتعرّف على حواس الإنسان الإضافية ابتداءً من السادس عشرة فما بعد المائة بعد الألف، وبالمقابل هناك مهارته في الإرسال بالتخاطر “التللي بثيي”، وما إليها، فلطالما حاول شاهين أن يرى الأثر على قوّاده، وخصوصاً ثروت حمدي بعد محاولات جادة، ومجهدة، لأن شاهين لا يستطيع الاختلاء بنفسه في الخيمة لوحده كما يفعل في البيت، حيث تتوفر له الوسائل من وقت واسترخاء، ومرآة لا يعاني في إخفائها عن الأنظار. لذلك تنجح كثيراً محاولاته في المدينة أكثر من هنا، وكثيراً ما أوقع زملائه، وأصدقائه، وبعض أقاربه في احراجات مع أنفسهم يحارون في إخفاء نظراتهم المحرجة، عندما يوجههم صوب موضوع خارج إطار الواقع الاجتماعي المعاش أمام الناس، فيقعون تحت ضغط وضيق، يربكهم وهم يتهربون منه، غير منتبهين لقوة معرفة شاهين لدواخلهم، وقيادته لتصرفهم، ما لم يفسد ذلك أي طارئ دخيل.
لكن الجهد في المعسكر يذهب سدا رغم صرف أوقات كبيرة من المتوفر للتركيز على مخيلة ثروت، ومخه، وبالمخاطبة المتكررة. غير أن شاهين دائماً ما يسمع صوت دخيله الذي يزاحمه يضحك منه ساخراً، ويقول له بتهكّم الحكيم: لا بد لك من تمرين، ومراس، وصدق وإيمان، وتصميم أكيد لاختيار الساعة المناسبة التي يكون فيها ذهن القائد صافياً أو خالياً أو مسترخياً، أو ربما ملتقياً بنفس اتجاه تفكيرك لقد نجحت باختراق أحلام ثروت لأنك ذو موهبة، ومراس عاليين، أما هنا في مهمة التخاطر، فثروت لا بد أن يكون متجاوب معك في الثيمة التي ستطرحها عليه، تماماً كما هو متجاوب في موضوع نينار التي يدعي أنها تقلقه، ولكنه يستأنس للمغامرة معها رغم خطورتها عليه. إن تدربك بكل ما مرّ سيريك إلى أي مدى ستكون النتائج مقبولة، وبعدها ستزداد معرفتك، وتجربتك، فتتدرّج حتى تستطيع عندما تخاطب ثروت، أن تأمره ليأتي إليك، أو أن يعرفك من بين الجميع، مهما كان الجمع كبير.
أما شاهين فلا يركن إلى التخاطر، لأن المعلومة التي زوده إياها دخيله ليست بجديدة عليه، أو غريبة على معلوماته، أو على الأقل مشوّقة غير معروفة لديه، لذلك يرواد شاهين الشكك فيما لو كان هذا الذي يكلّمه، هو الثاني بداخله، أو دخيله الخارجي الذي اخترقه، وهو ذلك الجديد الذي يريد أن ينقله إلى عالم جديد، أو يريده أن يولد ولادة ثانية في عالم جديد. دخيل من نوع القوى الخارجية التي يريد لها أن تتفجر بداخله، وتخاطر مرة مع دخيله حول طريقة المرور العجيبة أمام عين عذيّب وشجرة الجوز العملاقة، فهل الغطس، والانغمار بالماء هما اللذين سوف يؤهلانه للدخول، وكيف ستفتح البوابة السحرية إلى عالم فوهان، أليس هناك وسيلة أخرى، فقد كان الأوائل يجوسون في الأعماق فينفذون إلى العوالم السحرية، أو تأخذهم مركبات تنفث فيهم عبر الأجرام إلى عوالم مجهولة، فيجيبه المتخاطر بفم جماعي، وهو يجاوره في السير كدخيل مرافق بأن الوسائل القديمة التي مارسها أجدادهم منذ آلاف السنين، كانت بواسطة المركبات الفلكية التي تستقر على مساطب فضائية على الأرض في أريدو، ثم بعلبك، ثم سيناء، ومن ثم في الجيزة. كان أجدادنا ينقلون المختارين إليهم مثل آدابا المختار من عصر السومريين، وآمون من الفراعنة، وإيليا في مركبات نارية ذوات أحصن فولاذية نارية، ومنذ أن اختفى كوكب الأجداد نيبيرو، وخرج عن مسار درب التبانة، فذهب من استطاع من أجدادنا بمركباتهم إليه قبل انزلاقه بفترة، أما الذين لم يتوفر لهم الحظ بالرحيل من أجدادنا، فقد بقوا وأعوانهم من الأرواح الخيرة، هؤلاء الأرباب من الدرجة الثانية، لم يستطيعوا اللحاق بأسايدهم للسرعة الفائقة في الهروب، ولقلة المركبات، وصغر حجمها، ظلوا هؤلاء متخفين، فصاروا في نظر العامة الدخلاء، والمآخي. أما نحن فقد أنشأوا لنا عالمنا المثالي عالم فوهان، وهو محاط بأسوار وهمية لا يستطيع الإنسان العادي رؤيتها أو اختراقها أو الوصول إليها مثل مملكة خمبابا في بلاد الأرز التي زارها غلغامش، وصنوه إنكيدو.
أما هنا فعالمنا المثالي له بوابات شاهقة، مثل هذه التي عند عين عذيّب على سفح جبل كورك، والتي ستراها لو اغتسلت بالماء بنية العبور قبل انتقالك إلى عالمنا وبدخولك البوابة سترى عالم فوهان، عالم العدل والمساواة واحتضان المغدورين من المعذبين والمحرومين في عالمكم، ومنهم من كان على شفا الموت فانقذناهم.
إن عالمنا لا يدخله غير المحتضرين، وهم كثيرون في عالمك هذه الأيام، أيام الحروب الطويلة، حروب من كل القارات، عالمنا عالم الإنسان بلا حدود، إنسان من أي جنس أو لون أو تفكير ومعتقد، إن الإنسان لدينا كنز لا ثمن يضاهيه، أما أنت فحالة خاصة، فنحن نبحث عنها لتكون وسيطنا المعاصر للتفاهم مع أهل عالمكم، وسنشرح المزيد لاحقاً قبل عبورك آتياً إلى عالم فوهان.

شاهد أيضاً

عيال الظالمي: نصوص

مَدِينٌ للبَردي لِحُصْرانِ القَصَبِ لِطينِ أكواخِنا القَديمةِ أَتَحَسّسُ وجهي في مرايا الرّيحِ لا لونُ أفاقَ …

سامية البحري: لست ربي

تصدير: في عصر تتناسل فيه الآلهة. . في عصر خرج علينا بعض المخلوقات التي تشبهنا …

مقالات عن وباء الكورونا ابداعا: (2) حافظوا على حياة أمّي
تأليف: غياني سكاراغاس
ترجمة: خضير اللامي

ثمة صبي في اليونان قد عاد إلى منزل أمه للعناية بها خلال إصابتها بوباء Coved …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *