نصرت مردان : وداعا سيلوبي !

nasrat mardanلم يحلق الخيال طويلا في هذه الرواية

الدرويش

دخل الدرويش إلى خيمته مترنما بأغنية شعبية، علقت بذاكرته منذ ذلك الزمن الجميل، الذي كان ينتمي إليه قبل قدومه إلى هذا المخيم اللعين. لام نفسه على تسمية زمن الكوابيس الذي خلفه بالزمن الجميل تلك، الكوابيس التي خلفت بصماتها القذرة والرهيبة على روحه وكيانه.
تمنى لو كان يملك دفا لينقر عليه بعض التواشيح التي يحفظها لعل بعض ما في كيانه من انكسار يزول إلى الأبد. كم قادته تلك النقرات التي كانت تبدأ هادئة مثل الهمهمة ثم تعلو رويدا رويدا حتى تصل إلى قمة ما بعدها قمة في النفس ، فتنطلق الأحاسيس من عقالها ، والمشاعر من سجنها نحو سماء لا تنتهي ، لتجري بين آلاف الكواكب والأجرام مثل ذرة في السماء ، تتلألأ مثل نجمة في ليل الصحراء لتكون دليلا لتائه يبحث عن طريق بين الكثبان الرملية التي لا تنتهي .
وضع قنينة الخمر تحت وسادته هامسا، مرحبا بها:
ـ مرحبا بك دائما .. واللعنة على حاجي رسول !
كان قد تعود على أن يغفو في القيلولة قليلا ، ثم ينهض ليذرع ساحة المعسكر جيئة وذهابا مع أصدقائه حتى حلول المساء ، يعود بعده إلى خيمته استعدادا لجلسة شرب مع رعد ورمزي في أغلب الأحيان أو يشرب لوحده ، حيث يكون ساعتها منغمسا في رحلة لا تنتهي مع ماضيه الذي تركه خلفه في مدينته كركوك .
بعد أن خلد للقيلولة، وجد نفسه داخل حلم مرعب، في طائرة تحترق في الجو. ازداد وجيب قلبه خفقانا عندما أحس بالدخان يتصاعد من مؤخرة الطائرة. أخذ يردد الصلوات والأدعية التي يحفظها عن ظهر قلب. ثم صرخ من أعماقه :
ـ انجدني يا سيد أحمد الطيار !
فجأة أحس بيد تربت على كتفه  داخل الطائرة ، عندما التفت ليرى صاحبها ، وجد إلى جانبه شيخا جليلا وقورا يخاطبه بصوت هاديء رزين ، نزل بردا وسلاما على نفسه التي كادت تهلك من الهلع .
ـ اطمئن يا ولدي . واصل طريقك على بركة الله .
أراد أن يلثم يد الشيخ المباركة ، لكنه لم يفعل . أيقن بإيمان راسخ لا يلين على أن الشيخ الجليل هو السيد أحمد الطيار، الذي اعتاد على زيارة مرقده الذي يقع بجوار مرقد السيد ( أبو علوك ) والذي يتبرك به عامة الناس. وكان الشائع أن السيد أحمد يغيث الملهوف ومن به كرب في غمضة عين وانتباهتها ، أينما كان الكرب ، غير معترف بالبعد الجغرافي للمكان الذي يستنجد به الملهوف ، لذلك أطلقوا علية لقب ـ الطيار ـ .
أحس بأن لهيب الخوف والهلع الذي مد لسانه إلى كل بقعة من أعماقه ، قد سكن وانطفأ فجأة ، تاركا مكانه لسكينة وهدوء لا مكان لمساحتها .

صورة الغلاف : الكاتب مع عائلته وبعض اللاجئين في معسكر سيلوبي
صورة الغلاف : الكاتب مع عائلته وبعض اللاجئين في معسكر سيلوبي

هبطت الطائرة المحترقة بسلام في مطار كركوك العسكري بين تصفيق حشد من الجماهير بينما الدخان لا يزال يتصاعد منها .
عندما تهيأ للنزول من الطائرة ، التفت قبل أن ينزل ليشكر الشيخ ، لكنه لم يجد أحدا الى جانبه . فقد اختفى الشيخ دون أن يمنحه فرصة شكره.
استفاق الدرويش من منامه ، متأملا سقف الخيمة لدقائق غير قليلة في محاولة منه ليستجمع ذاكرته التي شوشها الحلم . . كي يستعيد وعيه ، الذي نبهه بأنه لا يزال سجين معسكر سيلوبي ، ينتظر الخروج مع الآف اللاجئين من ذوي مشارب مختلفة ، لا يجمعهم الا خيط واحد ، وهو إنهم عراقيون يبحثون عن وطن .
كان أقسى ما يعانيه الدرويش ، هو شعوره بأن أعماقه يحوي كائنين منفصلين ، يعيشان جنبا الى جنب . احدهما يريد أن يعيش الحياة كما هي، وأخرى تحن إلى أيام الدروشة وحلقات الذكر.
وعلى الرغم من محاولته أن يكون أحد هذين الكائنين الا أنه لم يفلح في مسعاه . بدا محكوما عليه بهذا الانشطار بين الشخصيتين المتناقضتين ، رغم حبه للحياة ومباذلها ، ، لكنه في أعماقه لم يكن يرى حرجا في سلوكه هذا ، خاصة عندما كانت صور من يعرفهم من الدراويش تترى على ذاكرته ، من الذين كانوا يمارسون صنوفا من الإعجاز في حلقات الذكر ، تأبى العين أن تصدقها والعقل أن يستوعبها .
كان السيد الكبه جي ، لا يبدأ بعروضه قبل تناول نصف قنينة من الخمرة . فيروح بعده  يبتلع الموسى أو يقضم المصابيح الكهربائية دون أن يناله أذى . وكان لا يطعن نفسه بالآت جارحة إلا وهو في أقصى حدود النشوة، خاصة  عند استماعه الى أغاني أم كلثوم أمام رواد كازينو النصر الواقع  في شارع الجمهورية .
وهل ثمة في كركوك لا يعرف سرحان السرسري ، الذي يعتبره البعض أحد عملاء الأمن ،ومع ذلك كان يغمد السيف حتى قبضته في بطنه !
لقد وجد نفسه محاطا بالآف علامات الاستفهام عن حقيقة كرامة أمثال هؤلاء الدراويش ، الذين يحتفون بأمور الدنيا ومباهجها أكثر من انغماسهم في التصوف والدين.
وفي كل مرة ينغمس فيها بلجة هذه الأسئلة المحيرة ، يؤمن أنه من هذه الفصيلة فهو يحب الدين والدنيا . يشرب ويصلي . يستمع إلى الأغاني ويطرب لها ، ويرتجف خشوعا عند سماعه تلاوة من القرآن بصوت القاريء عبدالوهاب محمود. يحضر حفلات الأعراس ، التي تشتهر بها كركوك حيث يستمر الغناء والطرب حتى الصباح ، وحلقات الذكر في ليالي الجمعة.
كان يؤلمه أن من حواليه في هذا المعسكر الملعون ، لا يعرفون هذه الحقيقة . لأنهم لا يرون في الحياة والدين إلا لونا واحدا. الأسود أو الأبيض.. فلا مكان في ذاكرة هؤلاء لقوس قزح الألوان. لهذا فأنه يؤثر أن يعيش في شبه عزلة في المعسكر ، بعد أن ابتعد عنه من كان قد تقرب منه لهذا السبب أو ذاك ، خاصة بعد ان شاع تعاطيه للخمرة. ينام في القيلولة ، ويسكر في المساء مع نظام ورعد ورمزي الذين لا حديث لهم الا انتظار دورهم في الخروج من جحيم سيلوبي .
رغم هجره لحلقات الذكر منذ سنوات تمتد الى ما قبل خروجه من كركوك ، الا أنه أحيانا يحلو له أن يتذكر تفاصيل ما عاشه في تلك السنوات ، التي كان فيها مريدا لدى الشيخ .
في بعض المرات كان العزاء المقام في الجامع ، يتحول في يومه الثالث بعد دعوة الدراويش إليه الى حلقات للذكر . تبدأ بنقرات خفيفة ورشيقة على الدفوف في جامع الحاج محمد الواقع قرب ساحة الطيران أو جامع ( العرصة ) ، حيث تبدأ الترانيم والتراتيل مع تلاحق الضربات على الدفوف ، التي تتصاعد معها حالة الوجد لدى الدراويش ، وعندما يؤذن لهم صاحب الطريقة التي ينتسبون إليها ، يبدأ الدراويش بطعن أجسادهم بالسيوف والسكاكين ، وتشتد حمى الضرب عندما يصل المنشد إلى قوله :

جتي الغزالة تبجي( تبكي)              وللرسول تشتكي
والجمل يشكو لـ (طه)        من حمله وما شاله

وطه هو شيخ الطريقة ، عند ذكر اسمه تبلغ حالة الوجد ذروتها ، حتى تصل الى حالة هستيرية غامضة لا حدود لها . فيبدأ الدرويش بقضم زجاج المصابيح الكهربائية. وقد شاهد بأم عينيه مصلح السيارات عدنان ، وهو ينتزع سلك احد المصابيح ، ممسكا السلك بيده ، والمصباح في اليد الأخرى ، فيشتعل الضوء فيه . ولا ينحصر الأمر في حلقات الذكر بذلك بل تجز أعناق وتقطع رؤوس . ويبرع الكاكائية في تقديم مثل هذه العروض التي يحتار اللب في تفسيرها . في مثل هذه الحلقات ليس غريبا قيام درويش بدق سكين في رأس زميل له بمطرقة يحملها في يده ، فينزل بها دكا على السكين المغروسة في رأس زميله . حتى الصبية الصغار من الذين كانت تستهويهم مشاهدة هذه العروض.
كان الدراويش يقومون بعد استئذان السيد بغرز أسياخ في صدورهم وبطونهم وألسنتهم . بل أن ابن عمه الصغير الذي لا يعي الطرق الدينية ، تناول في واحدة من تلك العروض مصباحا كهربائيا وكأنه واحد من أمهر الدراويش الذين اعتادوا على القيام بمثل هذه الطقوس.
حينما كان الرؤوس تقطع ، وتثبت المسامير في الرؤوس ، ويطعن الجسد بالسيوف والخناجر ، لا تنهمر قطرة دم واحدة من جسد الدرويش . رغم أن الجميع يرون كيف تخترق أجساد الدراويش ، الذين تصل بهم حالة الوجد والانفصال عن واقع أجسادهم إلى حد الانغماس في بكاء كبكاء النساء عند مشاهدتهن تلك المشاهد من نوافذ بيوتهن المطلة على صحن المسجد ، وهن يرددن مع الحشد الهائج :

الله حي
لا اله
الا الله
في واحدة من حلقات الذكر التي أقيمت في حي ـ القصابخانه ـ فوجيء الجميع بالدم يتدفق على غير العادة من جسد أحد الدراويش كالنافورة ، لكن السيد سرعان ما هرع إليه السيد وغطاه بعباءته ثم التفت بغضب على الحاضرين قائلا :
ـ ليخرج من فيه جنب من الجامع !
فخرج شخصان منكسي الرؤؤس. وعندما رفع السيد عباءته من جسد الدرويش، توقف النزيف وكأنه لم يكن. وعاد الدرويش إلى طعن جسده بالسيف مجددا.
في نفس تلك الحلقة نهض عبدالقادر انضباط ، وهو رجل يعمل في أمرية الانضباط العسكري المواجه لقشلة كركوك . فوجيء الحضور به يخرج غدارته ، وأخذ يطلق النار على جسده من رشاسته ، جحظت عيون الحضور وهي ترى الرصاصات التي تصطدم بجسده تسقط تحت أقدام الجالسين المذعورين ، دون ان تتمكن واحدة منها من إلحاق الأذى بجسده النحيل . لم يكتف بذلك بل أخرج مسدسه، واخذ يطلق بين ذعر الحاضرين النار على رأسه ، فكان مصير الرصاصات مثل مصير زميلاتها . لم تخترق الرصاصات الرأس بل  ارتدت بعد اصطدامها برأسه لترتطم بالجدار ثم تسقط في باحة الجامع لا حول فيها ولا قوة .
لعل ولعه بالسادة والدراويش ومعجزاتهم قد بدأ منذ سن مبكرة ، فحدث أن غطت أثاليل كثيرة مقززة يديه ، ورغم ذهابه مع والدته الى العديد من الأطباء الا أن المراهم التي وصفوها له ، لم تجد نفعا . أوصى جار لهم والده بأن يأخذه الى الملا عابد ، الذي تملأ شهرته كركوك باعتباره حاذقا في كتابة التمائم والتعاويذ ، وإصلاح البين بين النساء وأزواجهن ، الذين بينهم صدود وجفاء . وكانت رقى الملا عابد تغير المرء من حال الى حال ، وتحول الزوج المتسلط ، الفظ الذي يعامل زوجته أسوأ معاملة الى حمل وديع ، لايرد أمرا لزوجته مهما كان هذا الأمر .
يقال ان الملا عابد الذي كان يمتاز بوجه حسن ، يشع منه الخشوع ، ويؤثر في نفوس ناظريه ، كان في الأصل يهوديا ثم اهتدى إلى الإسلام ، فأصبح أحسن من أهلها .
قدم الملا عابد له تميمة ، طالبا منه أن يدفنها في مكان ذي تربة رخوة ، رطبة . بعده ستختفي الثآليل من تلقاء نفسها ، وباختفائها ستختفي التميمة المدفونة في الحال ، ولن يعثر لها على أثر .
لاحظ أن قطرات الماء المنسكبة من حديقة دارهم ، تهيء أفضل مكان لدفن التميمة . بعد أيام اختفت الثآليل والدمل من يديه ، وعندما هرع للبحث عن التميمية المدفونة تحت الحنفية ، لم يعثر لها على أثر . فقد اختفت بدورها، كما قال له الشيخ عابد باختفاء الثآليل اللعينة من يديه .
وهو ان ينسى كل شيء فلن ينسى شجرة الدلب المزروعة على مدرج قلعة كركوك العتيدة ، فعندما بدأ عمال البلدية بقطع كافة الأشجار في المدرجات ، أخذت تلك الشجرة تنزف دما حقيقيا على اثر الضربات التي انهال بها عليها أحد العمال . وكأنها وريد يد مقطوعة لإنسان وجهت إليه طعنات قاتلة . عقدت الدهشة لسان العامل المسكين ، فألقى بالفأس من يده واخذ يكبر بصوت عال ، بينما كانت الدماء المنبثقة قد بدأت تنهمر بغزارة منحدرة من المدرج الذي فيه الشجرة نحو الشارع  ، منطلقة نحو المنحنى الذي يقع أمام سينما الخيام ، بحيث ان إطارات السيارات المارة من الشارع ، اصطبغت باللون الأحمر القاني .
حضر محافظ المدينة محمد حمزة ومعه فريق من رجال الإطفاء ، متأملين بأفواه عقدتها الدهشة ، المنظر الفريد الذي لا يخطر على بال مخلوق ، شجرة تنزف بغزارة بدماء بشرية .
لم ير المحافظ بدا بعد أن اصطبغ الشارع بالدماء ، من استدعاء السيد احمد ، وهو من أقارب السيد علاوي صاحب الكرامات التي تحفظها المدينة عن ظهر قلب .
نهر السيد عند حضوره الجميع، ولم يدر بالا بوجود المحافظ بين الجمع المحتشد ،ثم قال بعد أن تفحص الشجرة الجريحة التي اغمدوا في جذعها منشارا كهربائيا :
ـ تبا لكم ! الآ تعلمون بأن قبر حسقيال حفيد النبي دانيال الذي يقع مرقده في القلعة ، يقع تحت هذه الشجرة المباركة تماما ؟ !
وبكل هدوء انتزع السيد عمامته الخضراء، وربط بها جذع الشجرة المثلوم ، وبقدرة القادر الواحد الأحد ، توقف نزيف الشجرة بين تهليل وتكبير الجمع الذي احتشد في مكان الحادث ليرى هذا المنظر الفريد . وبكل هدوء استقل السيد سيارته، التي انطلقت من وسط الزحام الذي كان يتكاثر في مكان الحادث مع مرور الوقت.
رغم مشاركته في العديد من حلقات الذكر ، الذي تسبق طعن السيوف والسكاكين في أماكن لا تخطر على بال كم أجساد الدراويش ، الا أنه كان يقف عاجزا أمام هذا اللغز : تخاذل نصل السيوف والاطلاقات النارية من اختراق أجساد الدراويش ، أو إحداث أ ي جرح فيها حتى لو كان طفيفا !
كان مرد استغرابه ، تساوي جميع الدراويش في تخاذل النصول الجارحة من النيل منهم ، مؤمنا كان الدرويش أم كان عابثا لا هيا يعاقر الخمر والميسر ويرتكب الموبقات مثل محي الدين رابعة ، أشهر مسطول في محلة القلعة ، و الكبه جي الذي كان لا يطعن جسده الا وهو يستمع منتشيا  أغاني أم كلثوم ، وعشرات آخرين .
حيرته هذه قادته رويدا رويدا للابتعاد عن حلقات الذكر ، رغم احتفاظه في أعماقه بخشية الله . لكنه واصل معاقرته للخمرة ، وأيقن أن الشراب الذي طالما تغنى به المتصوفة والدراويش في قصائدهم ، إنما هو شراب عن حق وحقيق ، وليس مجرد معنى مجازي في أمور يصعب تفسيره .
منذ ذلك اليوم أيقن تماما أن على الإنسان أن يعيش دينه ودنياه في آن واحد . فهذه الطيبات التي خلقها الخالق على وجه الأرض، ليست للفرجة بل للشم والتقبيل والنشوة. رغم محطات اليقين هذه، ظل الكائن الثاني في أعماقه حيا، منطلقا يرافقه في حله وترحاله.
ألم يكن من أوشى به درويشا ، فاق في مهارته في الطعن بعد استئذان سيده عبدالله اوزون، أشهر درويش في حي القورية ؟
شرد ذهنه ، وانساب خياله كما يحدث دائما الى تلك الأيام المرعبة التي ظل فيها لسنوات متأرجحا بين الحياة والموت ، عاش فيها معاني الرعب والهلع وسط حقل ألغام لا يدري في أية لحظة سينفجر فيه لغم ليمزقه إربا ، ويقذف به قطع متناثرة من اللحم في كل الجهات .
تذكر كيف اعتاد أن يلتقي مع عبدالله الأسود طويلا في المقهى ، عند عودته في كل إجازة له من الجبهة التي حشر فيها  في قاطع العمليات في المحمرة ، في سنوات الجمر والخراب مع إيران .
كانا يمشيان لساعات طويلة في أزقة كركوك وحواريها ، يسلمان يمنة ويسرة على معارفهم وأصدقائهم عند مرور هم من شارع الجمهورية ، الذي كان يتحول في المساء إلى شارع مزدحم بالسيارات والمارة .
لم يكن يخفي عن عبدالله الأسود ضيقه وتبرمه بحياته العسكرية ، وهو يرى الموت كل يوم ، بل في كل لحظة قاب قوسين أو أدنى منه . كان زملاءه يتساقطون بين انتباهه عين واغماضتها في الخندق أمامه في حرب لم يجد لها تفسيرا مقنعا .
كان مستغربا ، كيف يتبادل الطرفان الدمار والخراب ، وهما يؤمنان بالسنة المحمدية وبالقرآن ، الذي ينهي عن العنف والقتال بين المسلمين ؟
لم يمن يعير اهتماما لفكرة عبدالله الأسود في تشجيعه الدائم له على الفرار من العسكرية في واحدة من إجازاته . أرعبته الفكرة ، كيف يتسنى له الهرب والى أين ؟ أتاه الجواب : إلى تركيا ففي بلدة (كويسنجق) ، هناك مهربين سيقودونك حتى الحدود . الاستسلام للإيرانيين محفوف بالمخاطر ، ولربما سترديه وهو يحاول الهرب إلى الخندق الإيراني المقابل ، رصاصة من فرق الإعدام المعدة لهذا  الغرض : قتل كل من يحاول الفرار قبل تحقيق مأربه بالفرار إلى الجانب الإيراني .
إذن كما قال له عبدالله الأسود ، أكثر البلدان أمانا للجوء والفرار هي تركيا .
ظل أرقا لليال عديدة ، يعد النجوم ، ويغرق في تفكير طويل . يفكر مثنى وثلاث ورباع بما همس به الأسود في أذنه ، لتنتشر منها إلى كل كيانه .
نجح عبدالله الأسود في إلقاء بذور التوتر والتوجس والقلق في روحه والرغبة في الخلاص نهائيا من هذه الجبهة اللعين ورؤية البشر وهم يقتلون يوميا ، حيث رائحة الدم في مكان . لم يعد يتحمل رؤية الأشلاء المتناثرة ، والأمخاخ المتطايرة هنا وهناك لبشر كانوا قبل القصف يضحكون أمامه أو يروون نكاتا له ، أو يتحدثون عن لقائهم بحبيباتهم في الإجازة ، أو يكتبون رسائل الى ذويهم ، يطلبون منهم الصبر في هذا الليل الطويل الدامس الذي حل بالوطن .
قبل يومين من انتهاء إجازته ، كان معا مع عبدالله الأسود كالعادة ، جالسين في بار ( عمر الخيام ) يستمعان الى أغنية أم كلثوم ( بعيد عنك حياتي عذاب ) . هناك في الحانة اتخذ قراره النهائي ، بعد أن وجد الأسود يفرش له طريق الفرار بالزهور والرياحين ، ويعطيه عنوان شخص يدعى ( كاكا سور )  والذي سيقوم بتهريبه عن طريق كويسنجق الى الحدود التركية مقابل ثلاثمائة دينار .
وجد نفسه يتخذ قرار لا رجعة فيه ، سيترك وراءه كل شيء ، مدينة كركوك بشوارعها وأناسها وباراتها وتكاياها وجوامعها ، لينطلق صوب حياة جديدة لا وجود للسلاح والحرب والخوف والذعر فيها .
أبلغ عبدالله الأسود انه سيستأجر سيارة أجرة لينطلق صباح الأيام غد إلى أربيل ومنها الى كويسنجق ، لينهي في حياته عصرا من القلق والخوف والعيش في رعب دائم في الخنادق . ان كل مكان في الوطن أصبح بمثابة جبهة قتال ينتصر فيه الباطل على الحق .
لا يزال يتذكر جليا وقوف سيارة الأجرة أما بيتهم ، أثناء قيام أخيه بحمل حقيبته الصغيرة ، التي لا تسترعي انتباه نقاط السيطرة المنتشرة بين كركوك و وأربيل ، من أن صاحبها ينوي الفرار من العراق .
قبّل يدي أمه الباكية قبل أن ينطلق بخطوات سريعة نحو السيارة. كان لا يتحمل مناظر الوداع ، ورؤية أمه في حالة من حالة يقطع نياط أقسى القلوب .
عندما جلس على المقعد، انتصبت أمامه فجأة سيارة قاطعة الطريق على السيارة التي يستقلها. هبط منها رجال بملابس مدنية يحملون المسدسات ، أحاطوا بالسيارة في غمضة عين .
لم يصدق هل أن ما يحدث أمامه حقيقة أم خيال. تمنى ان يكون كل ما يراه كابوسا ، كتلك الكوابيس التي اعتاد أن يفيق بعدها مذعورا في الجبهة .
أقترب منه أحدهم يحمل جهاز لا سلكي وهو يخاطب شخصا آخر :
ـ سيدي.. لقد أصبح الصيد في حوزتنا !.
أحس وكأنه أرنب مذعور ، يحيط به الصيادون من كل جانب ، لكنه رغم ذلك استجمع بقية من تماسك ليسألهم :
ـ خيرا يا إخوان ؟ ماذا حدث ؟ أنا لم أفعل شيئا . اعتقد بأنكم مخطئين .
نظر إليه صاحب اللاسلكي باستهزاء :
ـ نحن لا نغلط في العنوان يا أفندي !
ثم صرخ في وجهه :
ـ جبان ! جندي، وتريد الفرار من أداء الواجب المقدس في مثل هذه اللحظات المصيرية من حياة أمتنا ؟!
أحس بأن كل شيء قد انتهى، وان الشمس التي كانت في أوج بريقها ، أصبحت شاحبة بلا بريق، وكأنها ليمونة في السماء .
كانت الأيام التي تلت اعتقاله في ذلك اليوم المرعب، الذي اقتيد فيه مقيدا بالأغلال بين توسلات أمه ودموعها، التي لم تجد فتيلا ، أيام خيم فيها الرعب على أعماقه ، بدا فيها وكأنه يعيش الحلم واليقظة معا. وكم كانت دهشته عظيمة عندما اقتادوه بعد إحضاره مقيدا من يديه وقدميه ، عندما رأى عبدالله الأسود يقف أمام المحكمة شاهدا يؤكد أنه كان عازما على الفرار ، حيث أنه كان يؤكد ذلك له عند حضوره الى كركوك في كل إجازة ، وأنه ابلغه كذلك بأنه قد اتفق مع مهرب من كويسنجق ليوصله الى الحدود التركية ، ليتخلص بذلك والى الأبد بفراره من الحرب المقدسة المعلنة ضد الفرس المجوس .
كان هذا آخر ما يتوقعه أن يدينه أعز أصدقائه، ويحّمله كل ما أقترحه عليه هو !
مثل أمام الحاكم مسلم الجابري مع مجموعة من الشباب المقيدين بالأغلال .
قال لهم الجابري :
ـ رغم إنكم خونة، لكن المحكمة قررت تكليف محام للدفاع عنكم.
لم يصدق  ما يسمع . هل من المعقول ان النظام الدموي ، الذي حول الوطن الى بحيرة من الدماء،  وأرض خصبة للمقابر الجماعية ، ستقوم بتوكيل محام للدفاع عنهم ؟!
سرعان ما حضر المحامي ، الذي لم يرتح لمظهره وسحنته . فقد أخذ يتطلع إليهم بغطرسة ورح عدائية تكشف عن نفسها من نظرات عينيه الضيقتين .
بدأ المحامي بالمرافعة فورا دون أن يعرف أي شيء عن طبيعة التهم الموجهة الى المتهمين المغلولين في قفص الاتهام :
ـ سيدي رئيس المحكمة، الأعضاء المحترمين. لا يخفى عليكم ما يمر له وطننا العزيز من عدوان إيراني سافر على يد مجوس القرن العشرين . ونظرا لدقة الظروف التي يمر بها قطرنا المناضل ، اطلب من محكمتكم الموقرة بعدم الرأفة بهؤلاء المجرمين ، وإنزال أقصى العقوبات بهم ، ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه الإساءة إلى منجزات ثورة 17 ـ 30 تموز المباركة !
اعتدل الحاكم في جلسته، وبعد أن وجه أقذع الشتائم على الجميع، هددهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، حكم على الذين كانوا معه بعد أن ألقى نظرة قصيرة على ملف التهم الموجهة إليهم بمدد مختلفة، أقلها السجن لعشر سنوات. كان الحاكم قد أبقى النطق بقراره إلى النهاية:
ـ نظرا لمحاولة المجرم شاهين القصاب، الفرار من خدمة الوطن والشرف والكرامة في مثل هذه الظروف التي يتعرض فيه بلدنا الى عدوان تلاحق من  العدو الإيراني ، ونظرا لمحاولته اللجوء الى دولة أجنبية ، تقرر الحكم علية بالإعدام رميا بالرصاص !

لا يزال محفورا في ذاكرته ، كيف قذفوا به وسط الزنزانة التي كان فيها العشرات من المسجونين المحكومين بالإعدام ، وكيف تكور على نفسه مثل قنفذ مذعور لا يكلم أحدا لمدة اسبوع . مكتفيا بتأمل حواليه ، وكأن المعتقلين الذين كان معهم في نفس القاعة بلحاهم ورائحة العرق  النفاذة التي تفوح منهم في قيظ تموز ، مخلوقات تنتمي الى كوكب مجهول ، وتنتظر الإعدام في أية لحظة.
لا يزال يتذكر تفاصيل الذعر الذي كان يخفق بجناحية فوق رؤوس الجميع ، كلما سمعوا صرير الباب الحديدي، ينفتح ويطل منه عسكري متغطرس، مناديا على بعض الأسماء . كان أصحابها يودعون الجميع ، مرددين الآيات القرآنية وهم يتوجهون مع جلاديهم نحو غرفة الشنق .
لكن ذلك اليوم الذي يأبى مغادرة ذاكرته ، كان يوما لا يشبه يوما آخر . فهو يوم فاحت فيها رائحة الدم في القاعة .
كان كعادته متكورا كالقنفذ على نفسه ، يخشى حتى من الحديث مع بقية المحكومين الذين ينتظرون مثله الإعدام في أية لحظة . انفتح الباب الحديدي المشؤوم ، بدا صريره هذه المرة وكأنه أكثر طولا من المرات السابقة . أطل بعده عسكري ومعه خمسة من مساعديه ، ونادى على أحد الأسماء . لكنه فوجيء بأن معظم رفاقه في القاعة أحاطوا به ومنعوه من الذهاب . ارتفع أصوات التهديد والوعيد من العسكري ، الا ان المعتقلين لم يسلموا له الشخص الذي بدا وكأنه قائدهم ، مرددين الآيات وأصوات التكبير .
خرج العسكري وزمرته متذمرا ، ساخطا من هذا العصيان في القاعة ، الذي اعتاد أن يأمر فيها فيطاع .
بعد قليل صر الباب الحديد مرة أخرى ، ودخل عسكري برتبة رائد هائج كالثور ، محتقن الوجه ، يغطي الدم عينيه الصغيرتين اللتين تتقطران لؤما وخبثا وإجراما .
نظر إلى المعتصمين الذين كانوا يكبرون باستمرار، وكانوا قد تجمعوا جميعا في زاوية من القاعة. سأل الرائد من معه :
ـ هل هؤلاء المجرمون ، يتمردون على تنفيذ القرار ؟
أجابه أحد الجنود الذي كان معه بعد أداء التحية له :
ـ نعم سيدي !
بدون سابق إنذار أو أدنى تردد ، أطلق الرائد زخات سريعة من الرشاشة التي كانت في يده على المعتصمين خلف قائدهم . تساقطوا جميعا الواحد تلو الآخر . وكلما ازداد الرمي، أنفك الحصار من حول الزعيم فكان آخر الصرعى.
لا يزال يتذكر كيف تلاشى من الرعب في زاويته. كان الرعب يشع بأوسع معانيه من عينيه المذعورتين .
تكومت جثث رفاقه في القاعة الذين كانت قلوبهم تنبض بالحياة قبل لحظات.
سمع صوت الرائد يرعد صارخا على بقية المساجين :
ـ هيا  أيها السفلة ، اسحبوا جثثهم القذرة الى الساحة !
لا يتذكر كيف تمكن رغم الرعب الهائل في كل خلية من خلاياه ، من سحب الجثث الى باحة السجن . كانت كل جثة يتم سحبها ، تترك خلفها خطوطا وبحيرات من دماء دافئة .
أخذ الرائد يعد الجثث، كانت مائة وخمسون جثة بالتمام والكمال. لم يسمح  للمساجين  بالعودة الى القاعة ، بعد نقل الجثث ، بل اخذ يدور بينها ويطلب منهم ذكر اسم صاحب الجثة التي يعرفون صاحبها ، ليشطب من قائمة كان يحملها  في يده  أسماء المعتقلين في قاعة المحكومين بالإعدام .
بعد ساعات قام مع زملائه في القاعة بغسل الدماء ومسح آثارها. في زاويته تقيأ في ذلك اليوم كثيرا .
هناك فقد إحساسه بالزمن والمكان . ولم يعد يرى ضياء النهار ، لأن المصباح الباهت الذي كان يتوسط القاعة ، أصبح بديلا له وللآخرين عن الشمس . كان شمسا لا تغيب قط . في تلك الأيام السود ، كم تضرع الى الله ! .. تذكر ضراعاته الى السيد النعيمي الذي كان مريدا له ، وقام بالذكر والطعن تحت أمرته ، متشبثا بكراماته ومعجزاته ، التي تحققت في يوم لم يكن ينتظرها قط . صدر عفو عام بمناسبة عيد ميلاد الرئيس عن الهاربين من الخدمة العسكرية .
عاد الى مدينته ، لم يستطع أن يبقى في نور الشمس طويلا ، فقد كانت شمسه لأكثر من عام ذلك المصباح الأحمر الذي لم يكن يغيب .
علم عند عودته الى عائلته انها أقامت له العزاء بعد الحكم عليه بالإعدام ، وعدم السماح لأي فرد من أفراد أسرته بزيارته طوال سجنه .

بعد أيام فر تاركا كل شيء وراءه ، لينتظر الفرج في معسكر سيلوبي . وهاهو ينتظر دوره كالآخرين في حياة جديدة في وطن جديد ، لم يلد فيه.
وجد رمزي يطل برأسه وهو يقول له ضاحكا:
ــ ألم يحن موعد الإفطار يا مولانا !.
رمزي

إنه اليوم ، ملك . بل إمبراطور  ! فقد منحه الملك سليمان خاتمه ، وأتى بتاجه الذي يليق بالسلاطين ، ووضعه فوق رأسه .
شرب في خيمته كأسه الأولى من العرق الذي اشتراه من سيلوبي . تساءل في نفسه (( ما قيمة الذهب ، ما قيمة اللؤلؤ ، والمرجان حينما لا نصرفها في سبيل حسناء ! ))
انطلق نداء من مكبر الصوت في غرفة مسؤول منظمة الأمم المتحدة في المعسكر :
ـ سيتم في الساعة الرابعة من هذا اليوم توزيع الأرزاق، وعلى المختارين الحضور في الساعة المذكورة لاستلام حصصهم.
منذ خمس سنوات، هي عمره في هذا المكان المنسي على الخرائط، يسمع هذا النداء: ..استلام الحصص ، وكل حصة تساوي كيلو من البطاطا ، ثلاث بيضات ، كيلو من السكر ، كيلوين من الرز ، علبة معجون طماطة ، علبة معكرونة ، دجاجة واحدة، حصيلة كل لاجئ في كل عشرة أيام . أصبح له أربعمائة وست مرات، وهو يتناول هذه القائمة التي لا تتبدل من الطعام.
أطل صديقه الأثوري شليمون الذي يقاسمه الخيمة :
ـ  ها رمزي بك  أما  زلت تشرب هذا الزقنبوت ؟
ـ اخرس ! أنت الآن في حضرة الملك سليمان، ملك الإنس، والجان.
ـ حاضر يا مولاي .. هل تريد رزقك من البطاطا ، والبصل ، والذي منه ؟
ـ أحضرها لي يا عبد قبل أن أمر السياف بقطع رقبتك .
ابتسم شليمون بسخرية ، وذهب فهو معتاد على صاحبه الذي يتسلطن بين حين وأخر بالعرق الذي يدخله سراً إلى المعسكر .
(( الدنيا سيكارة وكاس )) . لكن مطرب الملوك و الأمراء عبد الوهاب نسي أهم شيء لإكمال الثالوث الدنيوي، وخاصة لمن هو مثله يعاني في كل دقائق حياته من الوحدة والعزلة، يعيشها في توق لا ينتهي إلى جسد جميل. اجل هكذا يكتمل الثالوث الدنيوي ( الدنيا : سيكارة وكاس وجسد ريان ).
الجسد النسائي كان يقض مضجعه .له باع طويل في الظمأ الذي لا ينتهي إلى هذا المخلوق الرباني الجميل. وجوده كلاجئ في مثل هذا الجحر الذي يسمى معسكر سيلوبي للاجئين  منذ خمس سنوات  ، زاد من في استفحال ظمئه التاريخي ، الخرافي للجسد الأنثوي .
كان قد استعد لانتقام رهيب من كل نساء الإفرنج حالما تطأ قدماه أوربا بعد انتظار ممض في هذه الأرض الملعونة ظلاً ، وسماءاً ، وبشرا .

شكراً يا الهي . لكم فعلت حسناً حينما لم تحتفظ بأمنا حواء في فردوسك، وقذفت بوالدنا المصون آدم معها إلى أرضك الواسعة، كي يبحث منذ ذلك التاريخ عنها حتى يعود السيف إلى غمده.
في الكأس الثانية ابتسم ضاحكاً ، وهو يتذكر سعدية العاهرة التي التقطها في مساء من مساءات بغداد مع أحد زملائه ، بعد أن نزلت من سيارة كانت تمارس فيها ما هو متاح سراً ، وممنوع علناً في شوارع بغداد . أخذاها ، وكأنهما عثرا على كنز ثمين لم ينظر إلى وجهها . يكفي أن يكون جسدها مكتنزا ، و ردفها عريضاً .
في البيت تبادلوا الكؤوس ، وكانت المرأة ثملة . ألح صديقه أن يدخل بها أولاً . ورغم أن رمزي كان يود أن يكون أول من يحتويها تحته، إلا أن صديقه ألح أن يكون له هذا الشرف. وافق على مضض، وهو يلعن سلالته من عهد أبينا آدم وحتى جده الحاج صحن. بعد قليل ارتفع صوته، وهو يستنجد به ، فهرع  رمزي إلى الغرفة ليستكشف السبب .. فرأى سعدية عارية فوق صديقه ، وهي تتقيأ على وجهه ، ورقبته ، ورأسه ، بينما هو يستغيث تحت جسدها البدين .
ضغط على زر مسجله العتيق ، فانطلق منه صوت أبو يعقوب :
دمروني ها النصارى
مرروني ها النصارى
أطل من خيمته على الخارج . كان الجحيم لا يزال قائماً . نار محرقة .لم ير حتى طيراً شريداً سواء في السماء أو على الأرض. رأى جنكيز وإسماعيل وحاجي رسول الذين يذهبون دائماً معاً للصلاة . . كانوا يسرعون الخطى نحو الجامع .ألقوا عليه تحية خرجت من أفواههم عنوة. شتمهم في داخله، وشتم تحيتهم التي لا لون، ولا طعم لها. آه لو يتخلص من كل هذا الهدوء القاتل، المدفون في قيظ كافر. توجه بعينيه صوب جبال الوطن التي تبعد 5 كيلومترات عن المعسكر. تساءل في نفسه:
” كان من المفروض أن لا نكون هنا.. أن نكون في بيوتنا . نسكر ، ونعزف أفراحنا على كل الآلات .. أن نبعث رسائل الحب إلى بنات الجيران . أن نذهب إلى بستان الورد ،ونقطف لمن نحب باقات من النرجس ،والرياحين ،أن نردد كل صباح في المدرسة أنشودة (موطني ..موطني) ذلك الوطن الذي يقبع مثخناً بالجراح خلف هذه التلال. أزالت العواصف، والزوابع التي هبت جبال الرمل التي أقمناها لتذر مثل الرماد كل براءتنا، ولوعتنا ..أيها الوطن القريب البعيد .. نحملك معنا ، ونحمل أشواقنا إلى المنفى الذي لم يعد لنا من خلاص إلا فيه “.
ولكن أين هو ذلك المنفى الذي يقبله ؟ خمس سنوات ،وهو هنا يجرع الوحدة تحت شمس محرقة ، وتحت رعود ،وأمطار ،وبروق. منذ سنوات وهو تحت خيمة ليس فيها إلا مذياع يحمل إليه صوت الوطن الذي يحاول أن ينساه.
كرع كأسه الأخيرة ، وانطلق في الحر اللافح يتجول بين الخيام لا يلوي على شيء  .لفت انتباهه انسياب مياه  من تحت الخيمة التي يقيم فيها  تلك المرأة الريانة التي تدعى ( سحر) ، والتي حضرت إلى المخيم قبل شهر . وأصبحت محط أنظار أصحاب العيون، والقلوب
المحرومة . وقف هنيهة متردداً . بكل الحرمان المتأجج في أعماقه ، ألقى من زاوية الخيمة نظرة إلى داخلها . أصابه مليون رعد في قلبه،وأحشائه ،ورئتيه .
كانت (سحر) عارية تستحم داخل خيمتها، مستفيدة خلو المعسكر من البشر في هذه الساعات بسبب الحر اللافح، والقيظ الكافر.
جسدها البض الجميل كان أمامه ، كما خلقه رب العباد . لم ير رديفاً لهذا البياض في امرأة أخرى . لا في بدرية التي ضحى بخلخال أمه في سبيلها ، ولا في  ( وحيدة ) التي وطأها في أحد فنادق بغداد ، و لا في (عواطف) التي عرفها ،وعاش يكرع كؤوس اللذة معها لسنوات . . لم يكن لأجسادهن مثل هذا البياض الناعم الملمس .. كانت حلمتا نهديها ورديتين، وكأنهما لم تمسا من قبل فم مخلوق بعد. وكانت الغابة التي بين فخذيها تضم أجمل دهليز يمكن أن يحتوي جوعه الشرس..أما ردفها الذي طالما تخيله ، وهو يتأرجح داخل بنطالها ، فقد كان أمامه يبدو في تموجاته ، وانحداراته أكثر إثارة مما كان يتخيله في صحوه ومنامه .. إنه الملك سليمان ، , وهي ( شمسية ) الحسناء التي فتن بها ، والتي من أجل إرضائها بنى لها استانبول ليخفف من شوقها إلى وطنها الكائن وسط البحر . إنها باختصار كل النساء زليخة ، بدرية ، شهربان، عواطف ، آمال ، سميرة ! …. ود أن يخر أمام هذا الجسد الأنثوي الجميل الباهر في كل تكويناته .  كم تمنى لو كان الذي أمامه جسد سهل المنال مثل جسد بدرية …
تذكر الخلخال الذي سرقه من أمه ، و أعطاه لجارتهم ـ بدرية ـ اللعوب ليمتلكها بكل ظمئه العشريني ، ويجول في أعماقها الندية التي داهمته مرارا في الحلم واليقظة . وهو يطعنها ، أحس إنما يطعن كل أيام حرمانه ، وينتقم منها . ظلت أمه طوال عمرها تبحث عن الخلخال على أمل العثور عليه ،وتقول أنه من زمن السلطان العثماني رشاد .
صبر على أرقها في الليالي ، وتحمل حزنها ،وذهابها إلى السحرة لمعرفة السارق . تلك الساعات كانت عصيبة بالنسبة له . لكنه عارض الأديان ، وارتكب الخطيئة بالقلب ، والفم ، واليد . شرب خمور اللذة فوق صدرها الذي كان أول صدر حرام يأويه ،ليحتوي عواء الرغبة الجامحة التي كانت تجتاح كل كيانه .
حمد الله لأن الساحر ، وعالم الغيب لم يكتشف سرقته . يتذكر عندما استلمت بدرية ،الخلخال منه ، لبسته أمامه .. ومشت أمامه متمخطرة ، عارية عدة خطوات ، لتسمعه رنينه الأخاذ . كان الرنين كافياً لإشعال الحرائق في شرايينه . ومع كل نظرة من نظراته التي كانت تتقطر جوعاً إلى اللحم النسائي ، البض ، الناعم ، كانت تطلق ضحكة عاهرة في وجهه ، والتي كانت بمثابة بنزين يسكب فوق حريق هائل . حريقه هو ، فيزداد اشتعالا و احتراقا.
لكن أين جسد بدرية من هذا الجسد الخرافي ، العاري أمامه ؟
حار في ما يفعله هل يقتحم عليها الخيمة ، ويقدم فروض الولاء والطاعة لجسدها الشهي و يغرقه بالشم والتقبيل ثم يلج فيه بكل الحرمان الذي يلف وجوده  حتى أبعد نقطة في أعماقها  كي يسكت عواء الوحش المتربع في جسده المسعور منذ سنوات … لكن قدميه خذلتاه . أراد أن يطلق حرمانه القابع في ذاته بصرخة وحشية قد لا تعبر عن شيء لكنها قد تحمل احتجاجه على   أدميته المحجوزة في المحرمات.  لحظات قصيرة كانت كوميض البرق . وجد نفسه عاجزاً حتى عن الصراخ . تجمد لسانه في فمه . ولم  يعد  بإمكانه أمام الجسد العاري المبهر، أن يهمس بتلك الكلمات الجميلة التي تعود أن يهمس بها حينما كان يداعب جسدها البض في خياله .
عاد إلى خيمته . بل وجد نفسه في داخل الخيمة، دون أن يتذكر كيف عاد إليها. لم يكن في ذهنه سوى جسد امرأة عارية أمامه. امرأة حية، نابضة بالشهوة، بعد خمس سنوات من الحرمان، والإقامة في هذا المخيم اللعين، يراها أمام عينيه.وهو عاجز من الوصول إليه . امتد على فراشه القذر وفي داخله صاعقة رهيبة .
ماذا شرب القلب في حضور ذاك الجسد البض ، والصدر الناهد ،والردف الصقيل حتى يعود هو الآخر ثملاً ؟
دخل عليه شليمون ،وهو يحمل كيس المؤن من بصل ،وبطاطة ،ورز .
ـ تفضل مولانا ..الأرزاق.
ـ ……
ـ الحمد لله انتهى التوزيع.. لعنهم الله ألم يجدوا وقتاً آخر للتوزيع ؟
ـ …..
ـ ها .. عائلة ( أبو داني ) ستسافر إلى هولندا..يكادون يطيرون من الفرح.كما سيذيعون غدا أسماء المسافرين إلى استراليا..تصور أن الحقير ( إحسان ) بينهم ، ولم يمر عليه أسبوعان ! حظوظ. بينما نحن مكانك سر .نمارس الانتظار اللامجدي منذ سنوات ..
ـ …..
ـ الحقير إحسان المتصابي رغم شيخوخته ، حينما سمع بأنه سيسافر إلى استراليا ، ذهب إلى سوق سيلوبي ،واشترى صبغاً للشعر ..القواد يريد أن يذهب الى هناك شاباً .!
ـ …..
ـ ماذا بك ؟ ..لماذا لا تتكلم ؟
انهملت الدموع من عيني رمزي .كان يبكي ذلك الجسد الجميل  الذي لن يصل إليه أبداً . الجسد الجميل الكفيل باستقبال كل حرمانه ،وعطشه .
ـ هل ماتت أمك ؟
ـ …..
ـ أكيد أنها ماتت وإلا لم كل هذه الدموع ؟ فقد قلت قبل فترة أنها مريضة للغاية .
هز رمزي رأسه بالإيجاب، معتقداً أنه سيكف عن السؤال،ويتركه لحاله ، بعد أن أحس أن لسانه يخذله ، وهو لا يستطيع الجواب .ليعود إلى ذاته المترعة ببضاضة الجسد الرهيب ، وتلافيف وانحناءات ردفيه .
لم يمض ألا قليل من الوقت على مغادرة شليمون للخيمة .حتى فوجئ رمزي بتوافد أصدقائه من اللاجئين الذين أتوا  للخيمة معزي، بعد أن أشاع شليمون الخبر في غمضة عين .
ـ إنا لله وإنا إليه راجعون .
ـ مسكين.. لقد أذهلته المفاجأة ..
ـ أية حياة هذه ..! ألا يكفينا ما نحن فيه من عذاب وهوان حتى يصدم الواحد منا بموت أحبائه !
ـ هذا قدرنا .. فقدان الأم أكبر المصائب ..
ـ رمزي.. رمزي البقية بحياتك عيني ..
ـ البقية بحياتك ..هاي حال الدنيا ..
انشل لسانه، ويحول إلى قطعة لحم لا حول فيه ولا قوة . ظل ينظر بعيون جاحظة للجميع.
ـ لقد فقد القدرة على النطق ..!
ـ حطمته المفاجأة ..
دخل أردوغان مسؤول مكتب الهجرة في المعسكر إلى الخيمة ،وتأمل رمزي بإشفاق .قال أحدهم :
ـ لقد فقد القدرة على النطق بعد أن بلغه نبأ وفاة أمه .
هز المسؤول رأسه :
ـ قد يكون ذلك عرضياً بسبب الصدمة .. سنرسله إلى مستشفى ديار بكر .. ولكن قل لي يا رمزي من الذي أبلغك بالنبأ المشؤوم ؟
كان الجسد العاري يتطاير أمامه .الصدر لوحده ، الردف لوحده ، الساقان لوحدهما يحاصران فكره ، وأعماقه وبئر الحرمان الذي في داخله .
التفت مسؤول المعسكر ( اردوغان ) إلى حوله :
ـ من أبلغه منكم بالنبأ المشؤوم ؟
خيم الصمت ، والوجوم على الجميع .
ـ رمزي من أبلغك بهذا النبأ ؟
كان رمزي صامتاً كصنم بوذي . . بدأ مؤذن الجامع ( جنكيز ) بتلاوة آيات من الذكر الحكيم بخشوع ،بعد أن أحاط جميع الجالسين برمزي ،ناظرين إليه بعيون يطل من جميعها الإشفاق عليه لمصابه الجلل .
في تلك اللحظة كانت شميران تعود مع أفراد اسرتها من الصلاة في كنيسة المعسكر، وهي تحرص أن تمشي إلى جانب أمها ، دون أن تفوتها الفرصة لإلقاء نظرة فضول على الزحام أمام خيمة رمزي .

شميران

كانت أحلامها أطول منها. كانت تحس إنها أتت إلى هذا العالم عن طريق الخطأ. لم يغادرها هذا الشعور قط منذ ان كانت في (زاخو) في أوان الليل ولا في أطراف النهار.
كانت ترى نفسها بعين كل من يتأمل قامتها القصيرة وهي تمشي إلى جانب أمها أو إخوتها في السوق، بنظرة استهزاء، وضحكة مكتومة على وشك أن تنطلق بكل قوتها.
لكم ساهمت قامتها القصيرة في تبديد أحلامها وشعورها بالدونية، فهذه القامة حرمتها من الذهاب إلى المدرسة. توسلت بأمها ان لا ترسلها إلى المدرسة. كانت لا تود أن تضيف هما مضاعفا إلى همومها، تكفيها نظرات الفضوليين وضحكاتهم المكتومة الساخرة في شوارع زاخو. لكنها في أعماقها، كم كانت ترغب بالذهاب إلى المدرسة كقريناتها!
حتى في البيت لم تكن تصلح إلا للكنس وغسل الملابس. لم تكن تستطيع مساعدة أمها في المطبخ، لأن الوصول إلى رفوفه كان بمثابة معجزة بالنسبة لها.
كل من في العائلة كانوا من ذوي القامات الاعتيادية ما عداها هي. عندما سألت في يوم والدها إن كان لها شبيه في تاريخ العائلة. أجابها والدها وهو يحتضنها بمحبة حقيقة، ويجلسها في حضنه وكأنها طفلة صغيرة رغم تجاوزها العشرين:
ـ لماذا تتعبين نفسك بهذه الأسئلة يا حبيبتي ؟ أنت وردة العائلة.
ألحت عليه في السؤال قال لها، ان جدته كانت قصيرة القامة أيضا، لكنها تزوجت وأنجبت أطفالا طبيعيين..
ثم قبلها من وجنتيها مواسيا:
ـ أنت أيضا ستتزوجين، وتنجبين أطفالا لهم قامات كالنخيل..
ثم أنهى حديثه ضاحكا:
ـ الطول طول النخلة، والعقل عقل الصخلة!
كانت تعلم ان والدها يواسيها، بل يكذب عليها كذبا جميلا. من يرضى بالزواج بقامتها التي لا تتجاوز المتر.. حتى الأعمى سيرفضها!.
يبدو ان القدر يريد أن ينتقم منها، فبعد أن كان الذين ينظرون إليها في شوارع زاخو بسخرية مكتومة، أثناء جولاتها النادرة مع والدتها أو إخوتها لشراء حاجة، قادها القدر لتجد نفسها وسط زخم بشري من كل لون ونوع في هذا المعسكر اللعين، حيث آلاف العيون تترصدها كل يوم عند خروجها من الخيمة لأي أمر كان.
كانت كجميع اللاجئين تتعجل في الخروج قبل يوم من المعسكر وسط انتظار قاتل ومميت، كل دقيقة فيه تحسب بساعة، وكل ساعة بيوم، وكل يوم بشهر، وكل شهر بسنة.
أكثر ما كان يثيرها حسدا، هي لحظات سماعها من مكبرات الصوت في المعسكر عن أسماء الوجبات التي ستغادر المعسكر إلى أصقاع العالم.
في اليوم الموعود للتحرر من هذا السجن البغيض، كان المغادرون، يلبسون أجمل ملابسهم. كانت النساء اللاتي يبدين مهملات، شعثاوات، طوال وجدوهن في العسكر، يبدين في ذلك الصباح بأبهى زيناتهن، متبرجات بإفراط، يشع من وجوههن الفرح.
كانت تحرص على أن تقف مع بقية اللاجئين الذين لم يحل دورهم للخلاص من هذا الجحيم. الذين كانوا يصطفون للوداع مع المسافرين وسط دموع وآهات الفرح. لم تكن تستطيع أن تمنع دموعها عند انطلاق الحافلة بمسافريه.
كان ثمة سؤال يحاصر ذهنها:الباقون في المعسكر قد يبكون لبقائهم، ولكن لماذا يبكي الراحلون؟
كان تواصل في ذهنها رحلة الحافلة التي ستصل بعد عشرين ساعة إلى أنقرة، بعد قضاء ليلة في الفندق، ينطلقون بالطائرة إلى استانبول ومنها يتوجهون إلى الفردوس الذي فتح بابه لهم.
لم تكن تستطيع أن تتصور (كندا) إلا من خلال الصور التي كان شقيقها الأصغر يبعثها إليهم من هناك، حيث يعيش فيها كلاجيء منذ عدة سنوات.
كانت لها أمنية سرية مدفونة في مكان مغلق في نفسها الأسيانة، تحرص على ان لا يعرفها احد. لذلك كانت تبدو أكثر شوقا من إخوتها للذهاب إلى كندا قبل لحظة.
قد تحدث المعجزة هناك، وتستطيع تطويل قامتها عدة سنتمترات، فالطب في مثل هذه الدول تخلق المعجزات.
كان البرنامج الذي رأته قبل سنوات في التلفزيون محفورا كالنقش على ذاكرتها. كان برنامجا حول قيام الصينيات ذوات القامة القصيرة في هونك كونك، بتسليم أنفسهن لمبضع الجراح، الذي كان يقوم بتكسير عظام الساقين، ووضع مادة في مكان الكسر تؤدي عند التئام جروحها إلى تطويل قامتهن عدة سنتمترات.
لم يثنها منظر العملية المرعبة والقص والقطع وتركيب مسامير وأسلاك حديدية في الساقين عن أمنيتها قط.
إنها تتضرع في سرها عشرات المرات في اليوم للسيد المسيح والسيدة العذراء، من أجل أن تتحقق أمنيتها في أن يحل يوم خروجها مع عائلتها من المعسكر قريبا.
كم أشعلت الشموع في الكنيسة الصغيرة في المعسكر، والمؤلفة من ثلاث خيام مرتبطة ببعضها، نذرا وعرفانا للمخلص!
منذ وصولها إلى المعسكر، وهذا الحلم ينمو معها، ويتفرع إلى غصون وأوراق خضر. لكنها لم تكن تمنع نفسها من السؤال: وماذا لو ازداد طولها عدة سنتمترات؟ هل يستحق الأمر كل هذا العناء من الخضوع للتقطيع والتشريح والدماء؟
لكنها كانت حينما ترى صورة المسيح المصلوب أمامها، كانت تهدأ وتزداد عزيمتها صلابة. ألم يقبل المسيح العذاب وآلام الصلب، ليخلص البشرية من الخطيئة؟ فما الضير في أن تتحمل من أجل نفسها آلاما، هي تافهة ولا يمكن أن تقاس بالآلم العظيمة للسيد المسيح ؟.
كانت تحس في كل مرة براحة كبيرة عندما كانت تنجح في إقناع نفسها. الغريب أنها بدأت ترى نفسها في أحلامها طويلة القامة، تلبس ملابس العرس، ويحيط بها أجمل شاب مسيحي في زاخو، كانت جميع الفتيات والمراهقات مغرمات به : بنيامين!
رغم الجو الملبد بالفيوم كان الكركوكي في طريقه إلى التلة الصغيرة التي تقع على مقربة من خيام اللاجئين.

الكركوكي

جلس على المرتفع الترابي الذي يبعد بأكثر من مائة متر عن الخيام. كان قد تعود إلى اللجوء إلى هذا المكان هربا من الضوضاء، حيث يحس مع ظلال الصمت الذي يلف المكان، بأجنحة الهدوء التي تلف روحه في مثل هذه اللحظات.
كان يحلو له أن يتأمل من هذا المكان سيارات الحمل الكبيرة ،وهي في طريقها عن طريق زاخو إلى الوطن. سيارات تحمل البضائع والفواكه والأقمشة ، لتعود منه محملة بالوقود المهربة من المشتقات النفطية. حيث تقوم بإفراغها في صهاريج كبيرة تقع خلف الفندق ، لتعبأ من هناك من جديد في السيارات الحمل الكبيرة.
في المرتفع الترابي الهاديء الذي تزينه أصوات وتغاريد الطيور والعصافير البرية ، كان كعادته يحلو له أن يخلد إلى ذاته ، متذكرا ذكرى الأيام التي عاشها ، وهي تنبض في ذاكرته دون إرادة منه:
ساقوه مع الجميع بعد فترة من سقوط (الفاو) في يد القوات الإيرانية . سماء العواطف والروح تلبدت بالغيوم . جو كئيب يبعث على الضيق في النفس، ويضيف غلا جديدا على أغلال الروح وسلاسلها.
الآن هو هنا في ناحية ( دبس). ينهض قبل طلوع الشمس في القاعة التي يغفو فيها مع خمسين شخص، على فراش أرضي. ينهض مذعورا من النوم والفجر لم يطل بوجهه بعد ، على صوت صافرة العريف فيروح في الهرج والمرج  ، الذي يسودان القاعة يلبس ملابسه وبسطاله الثقيل الذي لم يستطع عند قدومه من ربط سيوره لأنه لم يخدم في الجيش قط بسبب دفعه النقدي الذي شمل في زمن ما مواليد 1948 .
يرتشف عدة رشفات من الشاي كل صباح لينطلق بعدها مع زملائه إلى ساحة التدريب. حيث يبدأ التدريب منذ الفجر إلى أن تعلن الشمس سلطانها مرسلة دون رحمة حممها على الجميع.
ـ إلى اليمين در !.. إلى اليسار در ! .. يس يم .. يس يم !
لم يستطع رغم حرصه أن يلائم خطواته مع خطوات من أمامه رغم تحذير العريف له كل مرة :
ـ عاشر واحد .. يس يم يس يم !
أيام أكلت بعضها وتلاشت. أشهر تقادمت وسقطت من التقاويم وحساب الزمن ، وهو مع الجمع الغفير هنا يكرر نفس الشيء كل يوم مع ازدياد حجم الشائعات :
ـ سقط الفاو .. وسنسقط نحن أيضا .
ـ يس يم .. يس يم !
ـ هناك من يقول إنهم سيأخذوننا إلى المعركة لتحرير الفاو .
ـ يس يم .. يس يم !
ـ يقال ان السيد الرئيس سيصدر عفوا عاما عن تدريب أساتذة الجامعة والطلبة .
ـ إلى الوراء در !
ـ لا تحلموا بالعفو ..سيقذفوننا في صباح ما داخل العجلات العسكرية..وهوب إلى الفاو !
ـ إلى اليمين در !
بعد الاستراحة يتكرر التدريب على نفس الوتيرة في قيظ الظهيرة الحارقة التي تحرق كل شيء دون أن تستثني مخلوقا أو بناية أو شجرة.
كان يسأل نفسه ” مرت أشهر وأنت مع الآخرين لا تزال في نفس النقطة. إلى اليمين در .. هرول .. كما كنت.. ! والتعداد الممل في كل مرة. . ماذا لو تم نقله مع الآخرين فجأة إلى أعماق الجحيم الملتهب في الفاو ؟ ..” . لكنه سرعان ماكان يردد في داخله بألم ” وما الغرابة في أن يتحقق مايخشاه الجميع في هذا المعسكر المنسي ، ألم يقض في الحرب على آلاف من الشباب بعد فترة من التدريب مثل تدريبهم في البراري المقفرة ؟ “.
هناك رأى أحد تلامذته القدامى وهو برتبة ضابط. ارتبك عندما رآه . فهو الآن جندي في معسكر للتدريب . هل يقف ويأخذ له تحية عسكرية كما هو معتاد في العرف العسكري. عندما رأى تلميذه يقترب منه حاول النهوض من تحت ظل الشجرة التي أوى إليه. وقف ورفع يده للتحية . سارع الضابط الشاب نحوه:
ـ عفوا ..عفوا أنت أستاذي. أرجوك يا أستاذ لا تتصرف معي وكأنك جندي . لقد كنت نبيلا معي ومع جميع الطلبة.لن أنسى إنسانيتك .
كادت دموعه تطفر من مقلتيه . كان هذا هو الصوت الإنساني الوحيد الذي سمعه منذ وصوله إلى هنا مع زملائه من أساتذة الجامعة وطلبة الكليات.
لكن المنظر الذي رأه أيام كان قد حفر في أعماقه ومشاعره أخاديد عميقة. كان مع بقية الجنود يتمتع ينصف ساعة من الاستراحة عندما رأى عسكريا يهرول  يتبعه أربعة جنود شبه عراة وقفوا أمام حوض على طرفيه عمودان يربط بينهما سلك حديدي . كان الحوض مليئا بماء آسن مليء بالقاذورات. وكان قد تساءل في نفسه مرارا عن سبب وجوده بسبب رائحته القذرة ومنظره المقرف. لكنه سرعان ما علم من حكمة وجود الحوض بشكله المزري ، عندما وقف الرجل ووقف بعده الجنود الأربعة . صرخ الرجل بلهجة آمرة :
ـ أنت.. تقدم !
تقدم أولهم ممسكا بالسلك الثابت بكلتا يديه ليعبر إلى الطرف الآخر من الحوض . إلا أن قواه خارت في منتصف المسافة فسقط في الحوض القذر ذي الرائحة النتنة .
ـ هيا .. اعبر أنت !
تقدم الثاني فكان نصيبه مثل الأول في السقوط في أحضان الحوض القذر الذي كان مصير بقية الجنود نفس المصير. لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، بل أن أرغم الرجل الجنود على إعادة المحاولة عدة مرات حتى أصبحوا لا يستطيعون حراكا.
استغرب لماذا يعذب هذا الرجل بقامته القميئة هؤلاء الجنود أمام الحشد المتجمع للتدريب في الساحة، فلم يحر جوابا.
في تدريب الظهيرة، حيث الشمس تفتح باب الجحيم على الجميع، كان يهرول وخلفه الجنود الأربعة، ثم يأمرهم وهم شبه عراة بالزحف على الأرض التي تحترق. كانوا يصيحون متألمين، صارخين أمام الجميع لكن المشهد كان يستمر دون توقف.
بعد أن رأى الجلاد ان التعب أخذ منهم مأخذه ،قادهم إلى المكان الظليل الذي كان يجلس فيه مع زملائه ، بدأ عرضا جديدا حين قال لأحد الجنود الأربعة مشيرا إلى قشرة بطيخ مرمية على الأرض :
ـ اعو مثل الكلب.. وتناول القشرة من الأرض بفمك !
نبح الجندي عدة مرات ثم أقعى على الأرض ، والتقط بفمه قشرة البطيخ القذرة .
التفت الجلاد إلى الآخرين :
ـ اضحكوا عليه !
ضحك البقية بصوت واحد ساخرين من زميلهم.
خاطب الجلاد الأول قائلا :
ـ انظر أنهم يسخرون منك .. اصفع كل واحد منهم !
فعل ماطلبه منه الجلاد وكأنه إنسان آلي يؤمر فيطيع . صفع زملاءه الواحد تلو الآخر.
ـ الآن الق القشرة على الأرض !.
انحنى مثل كلب جالسا على أطرافه ملقيا بقشرة البطيخ من فمه، ليأخذها الثاني وليستمر نفس العرض.
كان أثر مايراه مؤثرا ومزلزلا في أعماقه . تمنى لو ينهض ومعه الآخرون ليشبعوا الجلاد المتمرس في التعذيب درسا لن ينساه طوال حياته .
لا يمكن  له أن ينسى وبعد مرور شهر من التدريب على المسيرة اليومية في الساحة ، ومن إلى اليمين در ..! استرح .. ! استعد .. ! مكانك راوح ..! .. حلول يوم التدريب على إطلاق النار . سلموه رشاشة ووضعوا علامات على تلة ترابية . طلبوا من كل خمسة جنود إصابة الأهداف بالرمي المفرد ثم الصلي .
كان يلمس لأول مرة في حياته القطعة الحديدة الباردة التي لا تقذف إلا الموت والدمار. كان على يقين ان منظره بقامته القصيرة يبعث على الضحك لأن كل من يراه يعلم انه  لم يمسك سلاحا في يده طوال حياته. كان الحزبيون يبدون أكثر مهارة بسبب تدربهم على السلاح في دورات حزبية، بينما هو لم يخدم في العسكرية ولم يكن حزبيا حتى تكون له صلة حميمة بالسلاح.
حان دوره في الرمي . ضغط على الزناد كالآخرين ، لكنه فقد السيطرة على الكلاشينكوف الذي أخذ يندفع رغما عنه نحو وجهه عند ضغطه على الزناد لإطلاق النار. قفز العريف فوقه ممسكا بالكلاشينكوف صارخا :
ـ ضع ثقلك على السلاح .. ستقتلنا جميعا !
هكذا فعل وبدلا من إطلاق النار للرمي بالمفرد، أطلق جميع الرصاصات دفعة واحدة. ولم ينتبه العريف إلى ذلك بين عشرات الطلقات المتجهة نحو أهدافها عند إصداره أمر بإطلاق النار صليا.
بعد انتهاء العرض حمل العريف الملاحظات المسجلة عن كل مقاتل في إصابة الهدف . المقاتل فلان 30 ، المقاتل علان 25  . أما هو فقد أصاب الهدف بثلاث اطلاقات.
استغرب كثيرا أن يكون قد أصاب الهدف ، لأنه لم ير الهدف أساسا ، ولربما تكون الرصاصات الطائشة قد أصابت لوحته الخاصة بالتهديف عن طريق الخطأ . سلموه ورقة عليها اسمه ودرجته في إصابة الهدف ( جيد) !
في عرف هؤلاء هذا (الجيد) يعني أنه مؤهل للقتال في الجبهة، وقتل الآخرين والدفاع عن الوطن. تذكر كل معارفه وأصدقاءه من الذين ابتلعتهم الحرب. لربما هم أيضا أرسلوا إلى جحيم الحرب بعد دورات تدريبية سخيفة كهذه الدورة.
لم يسمح لأحد بالخروج من المعسكر في الشهر الأول . ظل خلاله قلقا ، جالسا على نار. يستمع إلى ثرثرات فارغة، ويتعرف على صنوف الانتهازية عند البعض من أمثال شوكت الذي جلس معهم يوما متأففا وهو يقول:
ـ نحن أيضا أساتذة جامعة.. لماذا ننام على الأرض بينما ينام روؤساء الأقسام على الأسرة في غرف خاصة بدلا من القاعات ؟! .. سأنتهز فرصة الاجتماع العام لأقترح رفع هذا الغبن. من يرضى بذلك ؟
تبارت الألسن في تفسير مايعنيه هذا الاجتماع . منهم من قال ان الرئيس شملنا بمكرمته في شمولنا بالإعفاء من التدريب والعودة إلى كلياتنا . بينما ثمة من قال ، بل سيتم إبلاغنا بموعد سوقنا إلى (الفاو).
عقد الاجتماع المخيب للآمال والتوقعات والذي لم يكن إلا كلاما منفوخا ، فارغا وعقيما عن الوطنية والكرامة والتضحية بالنفس في سبيل الوطن. كانت عيوننا خلاله تتطلع إلى شوكت عندما أعلن المشرف على الاجتماع إذا كان ثمة سؤال . رفع شوكت يده وبدأ بالكلام الذي استهله بتوجيه المديح إلى القائد الضرورة وسياسته الحكيمة ، قبل أن يقدم اقتراحه  بملامح باردة دون أن يتطلع إلينا:
ـ اقترح أن نكون كرفاق قدوة لطلبتنا من الرفاق الموجودين معنا في المعسكر. إنني أرى من الضروري أن نعايشهم بل أن نكنس قاعتهم وننظفها لرفع الحاجز فيما بيننا تأكيدا لمقولة الرئيس القائد…
كانت الخيبة كاسحة . اكتشف لأول مرة أنه رفيق حزبي وانتهازي من الدرجة الأولى. بدأ يتحاشاه كالآخرين منطويا على نفسه، محاولا أن يحتفظ بآلامه خارج أسوار المعسكر.
في يوم ابلغه أحد زملائه بأن زوجته وابنتيه أتوا لزيارته وهم ينتظرونه أمام غرفة استعلامات المعسكر. ضغط على نفسه وهو في طريقه إليهم كي يبدو مسيطرا على هدوئه محاولا استرجاع حسه الإنساني. عندما وصل إليهم  قبل زوجته وأطفاله وأمه. تأملوا دموعه المدرارة باندهاش ، وخاصة أمه التي كانت ترى دموعه لأول مرة في حياتها . لم تبالي بالمكان ولا بالزمان ولا بالجندي الواقف قرب باب الاستعلامات . قالت بصوت مسموع :
ـ الله ينتقم منهم .. الله ينتقم منهم !
انتبه على صوت ضحكات ناظم المجلجلة، ومعه شقيقه أزل ونظام ورمزي. فانهزم الماضي في ذاكرته، ورجع القهقرى إلى سردابه.
قال له ناظم مشاكسا:
ـ خيرا  يا أبا سومر .. هل تنتظر الوحي في هذه البرية ؟!.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الجبار الجبوري : إنتبهْ، فإنّ البحرَ غدّارُ..!.

لَكَمْ يَمَمّتُ نحو وجهِها وجْهي، وزرْتُ أُهيْلَ حيّها، والقومُ نِيامُ،كانت خيامُ البدو تنأى، والنجوم تغزا …

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.