داود سلمان الشويلي : التشابيه صفحات مروية عن الايام الخوالي (الحلقة الأخيرة)

تنويه :

اليك يا من سألتني – اعزك الله – ما كنت ترغب بقراءته من صفحات عن الايام الخوال ، وما حدث فيها في مدينتي 0

انا داود بن سلمان الشويلي ، وضعت اسمي على هذه الصفحات لا لشيء سوى لانني قمت بعملية تنظيم وتدوين احداث سجلتها ذاكرة المدينة 000 فكان القسم الاول الذي حاولت صبه في قالب ادبي فني ، وعند الانتهاء من تدوينه ، رأيت ان من يقرأ هذه الصفحات سيقف اكثر من سؤال في طريقه ، لما فيه من ثغرات وفجوات ، ليس في نوعية الكتابة ، او في فنيتها ، وانما في غياب بعض الاحداث ، فدفعني ذلك للبحث وطرح مئات الاسئلة وتقصي الحقيقة في عقر دارها ، فكان القسم الثاني وهو (التقولات ) التي جاءت بمثل الهوامش التي يدونها قاريء كتاب ما يعرف عن موضوعه اكثر مما يعرف مؤلفه ، لهذا انبهك – حفظك الله – وانبه من خلالك القاريء اللبيب الى ذلك 000 والسلام عليك ورحمة الله وبركاته 0

مرتب ومنظم الاحداث

التقولات

قال كاتب هذه الاوراق ، بعد ان انهى كتابة السطور السابقة التي تروي القليل من اخبار بعض الشباب الذين عاشوا اياماً عصيبة لعشرة ايام ، وهم محاطون بكل رموز النهي والممنوع ، ان كان ذلك من قبل عوائلهم ، او كان بسبب قوى خارج نطاق فعلهم النضالي لتوقفه ، لهذاكانت هذه الهوامش التي دونتها، وهي اخباريمكن القول عنها انها مضافة ، وقد بذلت جهدا كبيرا في الحصول عليها  لما فيها من فائدة تنير شعاب النص الذي بين يديك قارئي العزيز، قوة في الصدق ليس على المستوى الواقعي فحسب، بل يتعداه الى المستوى الفني الذي صيغت من خلاله الاحداث المروية 0
قال كاتب هذه السطور :
جاء فجر العاشر من شهر محرم ليس كأي فجر يوم آخر ، قبله أو بعده ، لا لانه حزين ، كئيب ، بارد ، مليء بالرياح ، وهطول الامطار ، وقتها قال الناس : ان ابواب السماء قد فتحت على مصراعيها، فيما اصوات الرعد تدق طبولها ، ووميض البرق يشق سواد السماء المهطالة كالسيوف اللامعة ، وتقوّل الناس الاقاويل ، فالبعض قال انه غضب من الله ، اذ ان الليلة هذه هي ليلة عاشوراء ، وقال آخرون ، ان الله غاضب من عباده لانهم ابتعدوا عنه ، فيما قال جمع ثالث ، وهم المؤمنون المتنورون ، انه رسالة غضب للحاج فريّح ومُلاه ذي الوجه اللحيم ،لانهما حاولا تشخيص الائمة بصور آدمية غير مؤهلة لذلك، فيما قال بعض الشباب المنظمين في حزب يناهض الحكومة، والذين اصبحوا مطاردين من قبل رجال السلطة ، ان هذا الفعل الالهي ، يحمل رسالة ذات وجهين ، فهو من جهة يمنع رجال الأمن ان يطاردوا ما تبقى من رفاقهم المناضلين، فتفتح امامهم مجالات عديدة في اتخاذ موقف مناسب ، اما الوجه الثاني فهو الوجه الغاضب من افعال السلطة التي كان همها تكميم الاصوات الخيرة ، وخاصة هؤلاء الشباب لما يناضلون في سبيل تحقيقة من اهداف وظنية هي تحرير البلد ،واهداف قومية ، خاصة تحرير فلسطين 0
وهكذا انتشرت هذه التقولات في الساعات الاولى من اول زخة مطر قوية ، وهبوب ريح ثلجية في الشوارع والازقة ، حتى اذا خليت الشوارع ، واخذ الناس يبحثون عن اية وسيلة للدفء ، وكلها وسائل غير ذات فائدة ، وجدت كل عائلة في مثل هذه الاقاويل وسيلة تدفء بها افواهها ذات الاسنان المصطكة0
كان فجر هذا اليوم ،  لا كأي فجر مر على ساكني قرية الحاج فريّح ، منذ ان رفعت على ارضها التي كانت مهددة دائماً بفيضان ( ابو جداحة ) معالم اول صريفة من القصب والبواري لاول دار بنيت فيها 000 كان ذلك الفجر، رهيباً ، مرعباً ، اذ خلت الشوارع التي ملأتها الاوحال والمستنقعات المائية من أي بشر او حيوان ، بل ان دور القرية وشوارعها وكل ساحاتها ، كانت مهددة بالفيضان ، و كان نهر الفرات ، كما اخبرني احد ابناء المدينة قد زاد فيه منسوب المياه ، و( روف  ابو جداحة ) لا يستطيع الصمود امام هذه الزيادة ، لهذا فان الفيضان في مثل هذا الجو الذي ظل فيه المطر يتساقط ثلاثة ايام متتالية واقع لا محالة ، واذا ارد الله – كما تابع صاحبي قوله – امراً قال له كن فيكون  0
كان فجر هذا  اليوم ،لا كفجر أي يوم مضى ، في هذه القرية او في اية مدينة اخرى 000 اذ لم يفتح فيها باب أي محل من محال السوق الصغير ، حتى باب المسجد ، كما اكد لي احد الذين رووا  لي بعض تلك الاخبار ، ظل مقفلاً ، ولم يسمع في فجر ذلك اليوم صوت (الملة ) مؤذناً ، ولم يعرف السبب ، اذ ان الغضب هذا، كما اكد محدثي من الله سبحانه وتعالى (( إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ)) 0
تساءل بعض الناس عن ( الملة ) و صاحبه ( خبالو ) ، اذ لم يقعوا على اثرلهم ، لا في المسجد ، ولا في بيت الحاج فريّح ولا في المدينة 0
اما الساحة التي اعدت لتكون ساحة معركة بين جماعة الامام الحسين   وجماعة يزيد فقد غرقت بالمياه ، واصبحت قطعة من الوحل اللزج ، وبعد ان توقف المطر ، ويبست الارض واصبحت سبخة فلم يمر بها احداً منذ ذلك اليوم وحتى كتابة هذه السطور 0
تساءلت الناس عن السبب ، بعد ان تحولت الدور القصبية الى دور مبنية بالطابوق والاسمنت المسلح وقد طليت واجهاتها بالوان زاهية ، وشقت الطرق المعبدة ، قال محدثي ، ان تشاؤم اهل القرية من الساحة ، جعلها تبقى كما  هي بعد ان انقطع المطر ويبس الوحل0
لا شيء – في فجر ذلك اليوم – ينبيء عن وجود حياة بشرية او حيوانية فيها 000 في هذا الفجر لليوم العاشر من محرم ، وفي الساعات الاولى منه – كما ذكر بعض من تحدثت معهم بعد عشرين عاما – والسماء مازالت غاضبة ، سوداء مكفهرة  ، والمياه تنزل منها كالشلالات ،عبرت سيارة ( لاندلوفر ) انجليزية  الصنع ، خضراء اللون ، الجسر الكونكريتي الصغير الذي يربط المدينة بالقرية ، كانت السيارة تقطر ماء من كل مكان فيها ، ولم يشعر اهالي القرية – وقتها – بمرورها ، ولم يعرف من كان فيها ، او الى اين تتجه ، لان البرد والمطر اخذهم الى عوالم غير عالمهم الذين يعيشون فيه 0
كانوا يتدثرون بكل قطعة نسيج حوتها صرائفهم التي راحت ( تخر ) الماء من اماكن عديدة لسطوحها المائلة 0

تقولات / 1

( الملحة )

اكثر ما حيرني هو مصير  ( الملحة ) الفتاة التي لم ارها طيلة حياتي ، وانما سمعت بعض،  اخبارها من اهلي وبعض معارفي، وكانت هذه الاخبار متضاربة، وخاصة الاخبار التي تتحدث عن مصيرها ،وكلها اخبار غير موثوقة ،وانما هي تقولات يحمل البعض منها حقدا دفينا لها ، فيما كان القسم الاخر لا يعبه بما سيكون رد فعل السامععلى ما يورده هذا المتحدث 0
هذه الفتاة ذات الثمانية والعشرين عاما ، والتي لم يدم بقاءها في قرية الحاج فريّح اكثر من ستة اشهر ، وقد اختارها الحاج و(الملة) لتشترك من بين نساء القرية لسهولة انقيادها ولعدم وجود شخص يمنعها من الظهور في (التشابيه)، وكذلك لعدم قبول نساء القرية بتمثيل دور السيدة زينب  في ( التشاببه ) 0
لم تكن تلك الاخبار مؤكدة ، ولا حتى مصادرها ، اذ لم تكن موثوقة بصورة جيدة ،وقتها تساءلت : هل راحت هذه الفتاة ضحية الهجمة الشرسة التي قامت بها اجهزة الامن حملة لالقاء القبض على الشباب ؟على الرغم من انها لا تعرف شيئا عن السياسة او أي حزب مناهض لسياسة الدولة الا ان الناس الذين لا يخافون الله كثر ،فريما وشي بها احد هؤلاء بسوء نية ، ام انها راحت ضحية للنفس المريضة( للملة) كما ذكر لي بعض من سألتهم من شباب القرية ممن كانوا يحضرون على هامش التدريبات على (التشابيه) ؟ وعندما حاولت ان احصل على اجابة مؤكدة من جاسم الاعور عن هذا الاتهام فوجأ بالسؤال فضرب جبهته وصاح :
: صحيح 000 كيف فاتني ذلك ؟
ثم وهو يروي لي حكاية بحثه عنها ، ذكر موقف (الملة) منها ، الا انه ، وبعد تفكير عميق بدا على قسمات وجهه وهو مغمض العينين ، العوراء  وشبه السليمة ، انكر ان يكون (الملة) نفسه قد وشى بهاغ الى الامن ، كونها سياسية نكاية بها لانها لم تسلمه نفسها 0
كان بين الحين والاخر يردد قائلا :
–   لا 000  لا 00 0 لا اظن ذلك 0
وعندما قلت له :
–         ربما هربت معه 0
قال مؤكدا :
– التقيت بـ (الملة) – وبعد ان عرف الجميع انه رجل امن – اثناء بحثي عنها لقاء سريعا في بغداد ، لم يطل سوى دقائق معدودة ، اذ انهى هذا اللقاء سريعا ، وكأنه لا يريد ان يتذكر ايام اقامته في القرية ، وعندما سألته عنها انكر معرفتهبمصيرها ، بل وحذرني من السؤال والبحث عنها ، اذ قال لي :اذا اتيت على ذكرهامرة اخرى سأتهمك بأنك سياسي معادي للدولة 0
اما ما قاله البعض من ان والدي الشيخ عبد الكريم هو الدي وشى بها الى رجال الامن ، فأن الاخبار المروية في  هذه الاوراق تكذب مثل هذا الاتهام ، فضلا عن انه كان مبتليا برجال الامن خوفا على مصير اولاده فجر ذلك اليوم المشؤوم 0
تحدث ( جاسم الاعور ) الى كاتب هذه السطور ، بعد اكثر من عشرين عاماً ، حيث بدا انطفاء عينه السليمة مؤشرأ على انه في طريقه لان يصبح اعمى تاماً ، فيما ساقه العرجاء قد اصبحت عبئاً على ساقه السليمة ، فكان سيره – ونادرا ما كان ينتقل من مكانه الذي يجلس فيه يستجدي المارة – قد اصبح ابطأ من سير السلحفاة 0
اخبرني ( جاسم الاعور ) عن ( الملحة ) ونحن تستذكر تلك الايام ، وخاصة ليلة عاشوراء ، فقال بعد ان وضعت في يده الممدودة  دينارا واحدا :-
– كنت ليلة التاسع على العاشر من محرم ، أي في ليلة ( الوحشة ) مع جماعتي :              ( شرجي قامة ) و( حميد الطويل ) في ( عكد الهوى ) نغازل الفتيات اللائي منحت لهن حرية البقاء خارج البيت في مثل هذه الليلة من كل عام لمشاهدة مواكب اللطم والقامة في         ( عكد الهوى  ) التي تبدأ انطلاقتها في الساعات الاولى من فجر العاشر من محرم 0
كنا بين الحين والاخر ندخل احد البيوت التي شرعت ابوابها لاستقبال الناس طلباً            ( للثواب ) وتوزيع ( الهريسة ) أو التمن واللحم بعد منتصف الليل ، وقبل الفجر بساعات قليلة ، قبل ان تبدأ مواكب اللطم والقامة ، انقلبت السماء علينا 000 اسودت ، ( تدلهمت ) واخذت الريح تضرب الوجوه بسياطها الثلجية اللاسعة 000 وبين غمضة عين والتفاتتها ، ومثل السحر ، او قل كأن كلمة سحرية قيلت وقتها ، فرغت الشوارع من كل شيء سوى الريح والمطر والبرد 000 لم نر أي شخص ، حتى الرجال المسنين الذين كانوا يملؤون مجالس العزاء المنتشرة في المدينة ، قد اختفوا فجأة، وفتحت السماء ( تنانير ) مياهها 000 عندها اسرعنا الى دارنا ، وقبل ان نصل الى مسجد القرية ، وكان الفجر يطرق ابواب الغيوم السود ، استأذنت اصحابي بحجة العودة الى دار الحاج فريّح للأطمئنان عليه، الا انني           ( غافلتهم ) ودخلت الزقاق الذي فيه دار ( الملحة ) ، وقبل ان اصل اليه ، شاهدت من خلل الظلام والمطر، سيارة تتحرك بصعوبة من امام بيت الشيخ عبد الكريم متجهة  الى نهاية الشارع ، دون ان تمر بالقرية وشارعها الرئيس والمسجد ، او ان تعبر الجسر الكونكريتي0
لم اكن اعبأ بها ، وبمن فيها 000 كان كل همي في هذه اللحظة ان اصل الى ( الملحة )، وان افعلها هذه الليلة معها 000 و ( طز ) – قالها امامي وهو يبتسم عن اسنان اكلها التبغ وشرب الخمر – قلت مع نفسي وقتها : ( طز ) بالحاج ، و( طز ) بالملة 0
كان باب دار ( الملحة ) مرميا على الارض ، وقد ملأته الاوحال ومياه الامطار 000 دفعت باب ( الصريفة ) انفتح امامي بسهولة 0
وجدت الظلام يملأ ( الصريفة ) وصوت الريح هو الوحيد الذي يسمع انينه 00 فيما قطرات الماء تنزل من السقف من اكثر من مكان 000 صرخت :
– الملحة 00 يا الملحة 000
كان صوتي رغم صياحي بارداً ، وقد ضاع مع الريح وقطرات الماء ووحل ارضية الصريفة و( انداف ) مع وحلها 0
اشعلت عود ثقاب ، الا انه انطفأ 000 اشعلت آخر ، وقبل ان يطفأ رأيت الفانوس معلقاً في مكانه 000 اسرعت الى الباب واحكمت اغلاقه 000 اشعلت فتيلة الفانوس 000 كانت        ( الصريفة ) خالية سوى بعض الاسمال التي بللتها مياه الامطار ، وقد ديست هنا وهناك باقدام موحلة 0
لم اجد ( الملحة ) 000 ولم أرها بعد ذاك اليوم حتى يومنا هذا 0
سألت محدثي :
– اين ذهبت ؟
أجاب وهو يغمض عينيه ( العوراء وشبه السليمة ) :
– لا أعرف 000 الا انني وبألحاح من الحاج الذي ظننت اول مرة انه كان كاذباً في الحاحه ، ان ابحث عنها ، وكذلك لرغبتي الجامحة – في وقتها – في الزواج منها ، رحت ابحث واسأل عنها ، متنقلاً بين الناصرية وبغداد وكركوك والموصل والبصرة ، دون جدوى 000 سنة كاملة ، حتى يأست من رؤيتها 000 عدت الى الحاج خالي الوفاض 000 عندها نسيّ الحاج ( الملحة ) ، اما انا فقد زارتني اكثر من مرة في المنام حتى تو سخت ملابسي الداخلية 000 الا ان السنين التي مضت لم تمح صورتها امام ناظري الذي اصبح لايرى سوى الاشياء القريبة ،او عن احلامي 0
سألته : ألم تسمع بعض الاخبار عنها ؟
قال :
– استاذ ، الاخبار كثيرة ، ولكن – مع الاسف – لم تفدني بشيء ، الا انها كانت طيلة هذه السنوات هي الامل الذي كنت اعيش من اجله 0
قلت له :
– وماذا سمعت عنها؟
أجاب بعد ان اشعل سيجارة جمهوري ، اخرجها من جيب ( سترته ) العلوي :
استاذ ، بعد ثلاثة ايام من مطر كأنه الطوفان ، وقد حل السبات في القرية وأهلها ، وحيواناتها ، وبعد أن اقفلت السماء ( تنانيرها ) وهدأت الريح ، الا أن الغيوم السود ظلت تسود صفحة السماء ، بدأت بالبحث عن ( الملحة ) ، سألت كل أهل القرية ، وأهل المدينة،  فمن قائل انه شاهدها تلك الليلة برفقة رجلين من الشرطة ، واكد آخر ان الشخصين  كانا من رجال الأمن ، فيما قال آخر انها شوهدت عند فجر يوم العاشر من محرم برفقة الحاج فريّح ، واكد هذا القائل انه لم يتاكد جيداً فيما اذا كانت ( الملحة ) مع الحاج ام مع شخص آخر يشبهه0
الا ان ما هدَّ  حيلي – تابع قوله – وقصم ظهري ، هو ما اخبرني به الشخص الذي حاول مرة ان يغتصبها في فجوة كانت مفتوحة في ( الروف ) الا انها استطاعت الخلاص منه ، واخبرت بعد ذلك الحاج ، فارسلني انا و( حميد الطويل) و( شرجي قامة) واشبعناه ضرباً 000 قال هذا الشاب ، وكان يعمل ( عربنجي ) ، يدفع عربة خشبية ، انه رآها مع اثنين من الشباب ، يعتقد انهما من اقاربها ، لانهما كان يحيطان بها ، ولم يتركا لها حرية الحركة ، كان ذلك في فجر اليوم العاشر من محرم ، والسماء تنزل غضبها على الارض 000 اكد محدثي انهم ( الشخصان والملحة ) قد ركبا سيارة شوفرليت بلون ابيض موديل 56 ، كانت تنتظرهما قرب الجسرالكونكريتي ،الا ان ظلمة الفجر وهطول الامطار لم يسمحا له ان يقرأ لوحة رقم السيارة 0
فضلاً عن ذلك ، اكد زميل له من اصحاب العربات التي يجرها حصان واحد ، انه رآى هذين الشخصين يذبحا( الملحة ) دون ان يسمع لها صوتاً ، ويضعا جسدها في ( جنطة ) السيارة ، ويتحركا الى جهة مجهولة 0
وفي بغداد ، بعد بحث متعب عن منزل  الخالة ( نسيمة ) اخبرتني من بين دموع كاذبة ، انها سمعت من احدى الفتيات اللائي كن يعملن في دارها ، ان أهلها قد عثروا عليها في الموصل وجاؤا بها الى بغداد وقتلوها في دارهم 0
وعندما سألت عن هذه الفتاة التي جاءت بخبر مقتل ( الملحة ) رأيت دموع (الخالة نسيمة) تسيل على خديها ، وخرجت كلماتها من بين نشيجها ، قالت : الله يرحمها قتلها أهلها قبل اسبوع ، قتلها اخوها بعد ان عثر عليها في احدى الملاهي الليلية تؤدي اول رقصة لها بعد ان تركت منزلي وذهبت مع احد عمال الملهى الذي كان يتردد عليها 000 الله يرحمها ، كان رقصها اجمل من رقص المصريات في الافلام ، وكان لها صوتاً شجياً 0
وقبل ان اترك (الخالة نسيمة) مع دموعها ، وذكرياتها مع صباياها المقتولات ، سمعتها تقول : ابحث عنها في كركوك ، ربما ستجدها هناك 0
كنت وقتها ابحث عن أي بصيص امل عن وجودها حية ، لهذا لم اسألها اين وكيف ؟
وفي كركوك ، التقيت باحدى الفتيات 000 كنت وقتها قد ظننت انها هي ( الملحة ) ، كانت تشبهها، (فص) مقسوم الى نصفين ، الا ان ثلاثة ايام في كركوك متردداً على المنزل الذي تعمل فيه ، جعلتني على ثقة تامة ان الفتاة التي امامي ليست هي ( الملحة ) بعد ان سمعت منها حكايتها ، وكيفية هروبها من أهلها ولقائها في بيت (الخالة نسيمة) بـ ( الملحة )، ثم انقطعت اخبار ( الملحة ) عنها بعد رحيلها من بيت (الخالة نسيمة )000 ا لا ان احدى صديقاتها اخبرتها ان (الملحة) قد سجنت ، او انها قتلت ، وسمعت انها قد ذبحها اخوها الصغير ، وقطع احد اصابعها ليريه الى من كان ( يعّيرهم ) بسلوكها الشائن ، وهروبها ليلة زفافها ، ثم اردفت قائلة :
– والله اعلم 0
قلت لجاسم :
– وماذا تقول انت بعد هذه السنين ؟
اجابني بيأس :
– الله اعلم 0

تقولات / 2

هادي بن الشيخ عبد الكريم

لم يكن هادي كـ ( الملحة ) 00 بل كان شخصاً معروفاً ، ومن عائلة معروفة ، فوالده هو الشيخ عبد الكريم ، رجل متدين ، يملك محل لبيع الكتب والقرطاسية ، اما عمه الكبير فهو الشيخ عبد الجليل وهو فلاح معروف ، وممن يؤدون الفرائض الدينية ، وهو والد المهندس كريم رئيس بلدية احد اقضية المحافظة ومن المناضلين ، اما عمه الاصغر ، فكان من شهداء الحزب ، فيما اخيه مهدي الذي كان مطارداً من قبل رجال الامن فهو طبيب ، ونقيب الاطباء في المحافظة 0
اما اخته ( هدية ) فقد تزوجها ابن عمها كريم ، لا لكونها ابنة عمه فحسب ، بل لانه اكتشف مصادفة انها قد تشبعت بافكار الحزب وهي قعيدة الدار بعد ان حصلت على شهادة الدراسة المتوسطة ، لان والدها ، قال لها : لنكتفي بهذا المستوى من التعليم0
اذن ، فان البحث عن اخبار هادي ، احد الشباب الذين اوكل لهم تمثيل مأساة الطف ، او ما سمي بـ ( التشابيه ) لم يكن صعباً ، بل كان امراً يسيراً ، اذ التقيت بعد عشرين عاماً من ذلك الفجر المشؤوم بالدكتورمهدي ، وتعرفت عليه 000 كان شاباً في الثامنة والثلاثين من عمره ، وسيماً ، سوى مسحة من الحزن قد لونت صفحة وجهه ، فجعلته اكثر مهابة لمن يجالسه، فيختار جيداً الكلمات التي يريد التحدث بها معه0
عندما سألته عن اخيه هادي ، اغرورقت عيناه بالدموع 000 وبصوت حزين قال :
– يرحمه الله، كان انساناً ومناضلا 0
اكدت له :
– نعم ، كان انساناً ومناضلاً 000 لكن كيف مات ؟
تركني اشرب استكان الشاي الذي قدمه لي احد العاملين في النقابة 0
كانت غرفة الدكتور مهدي ، نقيب الاطباء في المحافظة دافئة ، لهذا تملكني احساس بأن جلستي مع الدكتور لها مايميزها  ، خاصة واني اجالس انساناً  مناضلا، ونقيباً للاطباء ، وجراح اختصاص 0
قال لي ، وهو يتابع ماقاله قبل لحظات :
– استشهد المرحوم اثناء حربنا الدفاعية مع ايران في السنة الاولى منها ، كان برتبة مقدم مهندس 0
قلت له :
– دكتور مهدي ، ارجو ان لا تواخذني ان قلت لك انني جئت لأ سأل عن سبب عدم وجوده هو والعائلة في تلك الليلة السوداء الممطرة في داره ، عندما داهمها رجال السلطة في فجر ذلك اليوم المشؤوم 0
ابتسم الدكتور مهدي وكأنه قد عرف ماكنت اقصده ، ثم نهض عن كرسيه واتجه الى احد الخزانات الحيدية، اخرج من داخلها سجلاً ضخماً ، وبيدين واثقتين راح يقلب صفحاته، فيما كانت حسرة طويلة سمعت تأففها قد انطلقت من صدره 0
كنت جالسا اتابع ما يفعله الدكتور ، وبعد انتهائه من تقلب صفحات السجل ، وقراءة بعض السطور ، قدمه لي قائلاً:
– سيكون خير معين لك لمعرفة كل شيء عن المرحوم هادي 000 انها اوراق كتبتها بطلب من لجنة كتابة تاريخ التنظيم عن تلك الفترة 0
اجبته بتلهف :
– بالتأكيد ستكون معلومات وافية ومفيدة 0
بعد ان جلس قبالتي ، تاركاً كرسيه خالياً خلف المنضدة الخشبية الكبيرة، قال :
– نعم 000 لقد اتعبتني كتابتها ، رغم الحلاوة التي استشعرتها وانا ادونها ، الا ان مرارة مافي بعضها قد انهكتني 0
توقف عن الكلام 000 مد بصره الى نقطة ما امامه ، كان كمن يستذكر بعض ما غاب عن ذهنه من افكار ، ثم تابع قوله :
– كانت الصعوبة في كيفية عصر ذاكرة الرفاق الاخرين للحصول على تلك الاخبار    ( الذكريات ) 000 اما ذاكرتي – وابتسم في وجهي – فهي والحمد لله قوية 0
– دكتور اطمئن ، سيعود هذا السجل اليك بعد يومين كما خرج من هذه الخزانة 0
اتسعت ابتسامته ، وقال :
– كأنك قرأت ما كنت افكر به 000 استاذ انت تعرف ان الاسرار امانات 0
قلت له :
– ستكون في صندوق مقفل 000 ثم اكدت:  كما قال الامام علي  الرجال صناديقاً مقفلة0
قال :
– ان شاء الله 0
سألته قبل ان انهى لقائي معه :
– دكتور ، واخبار سليم وجمال ؟
قال:
– ستقرأ القليل عنهما في هذا السجل ، اذ كنت بعيداً عنهما في تلك الايام ، وهم اصدقاء لاخي آكثرمنهم اصدقاء لي 000 ولكن ، بالنسبة لـ (سليم) فقد سمعت انه قد مات في التعذيب ، إذ التقيت مصادفة قبل أكثر من عامين بأخيه الاصغر في عيادتي،ان ما شدني اليه هو اسمه واسم ابيه وجده ، وقتها تذكرته ، وعندما سألته ان كان يعرف شخصاً بهذا الاسم ، ابتسم وقال :
– دكتور ، لقد تأكد لي جيداً انك اخ هادي ، اليس كذلك ؟
وهكذا عرفت منه بعض المعلومات عن اخيه (سليم زاير كاظم) ، والتي ستجدها في هذا السجل 000 اما بالنسبة لـ (جمال) ، فبعد ان تم القاء القبض عليه في ذلك الفجر المشؤوم ، ظل فترة ليست طويلة في التوقيف ثم اخرج  بواسطة قريبه ( عبد) ، ولم نعرف عنه وعن عائلته شيئاً ، اذ ارتحلت العائلة بعد ايام من القاء القبض عليه 0
عندما خرجت من بناية النقابة  ، كانت الدنيا كلها لا تسع فرحتي بحصولي على هذا الكنز الثمنين ، لهذا اسرعت الى البيت ، وفي غرفتي التي احكمت اغلاق بابها ، بدأت رحلتي مع هذا السجل الذي تنبض بين سطوره ارواح شباب ، منهم الصالح ، وهم الكثرة ، ومنهم الطالح ، وهم القلة 0

تقولات /3

السجل

كان السجل الذي بين يدي ، والمكتوب بخط جميل ، وهو خط الدكتور مهدي كما اكد لي ، يضم بين دفتيه اكثر من مئتي صفحة من الحجم الكبير ، وفيه من الاخبار الكثير ، الا اني رحت ابحث عن مقصدي ، أي عن اخبار الجماعة الذين كانوا مهيئين للمشاركة في (التشابيه) ، وقد وجدت الكثيرمن ذلك ، اضافة الى ان ما وجدته كان منطلقاً لي في البحث عن المزيد من الاخبار عند الاهل والاقارب وبعض اهالي القرية 0
الصفحة:11

اخبرني هادي في احدى ليالي بغداد المقمرة ، ونحن في القسم الداخلي لطلبة جامعة بغداد ، انه في لحظة من اللحظات التي يعتبرها خارجة عن مسيرة حياته ، فكر في ان ينام مع (الملحة ) خاصة وانه قد احس بميلها اليه 000 وعندما جمعتنا – كما قال – (التشابيه ) سوية في المسجد، تصاعدت حدة تلك الاحلام ، التي اعتبرتها بعد ذلك احلام مراهقين ولا تمت لحياة المناضلين بصلة ، فقررت ، ليلة (الوحشة ) ، أي بعد انتها ئنا من التمرين الاخير (للتشابيه ) وخروجنا انا وسليم وجمال من المسجد ، قررت ان ازورها قبل خروجها من دارها فجر اليوم العاشر 000 ووضعت خطة للتسلل الى دارها 000 وقتها ، اكدت لنفسي : ان يذهب الجميع الى الجحيم 000 (وطز ) بالحاج فريّح (وطز) بجاسم والملة ، وكذلك الشيخ عبد الكريم 0
ضحكنا سوية تلك الليلة وقلت له :
– كيف تقول (طز) لوالدك الشيخ 000 هل جننت ؟
اجابني والضحكة مازالت تتردد في فضاء سطح القسم الداخلي وتحت القمر الفضي :
– كنت وقتها احس بامتلاء  ، وبحالة من الشبق الحيواني لم احس به طيلة حياتي / وقد (راهنت ) جمالا على امتلاكها تلك الليلة ، وان اجعل جسدها يتلوى تحت جسدي ، وليكن ما يكون 0

الصفحة :18

في فجر اليوم العاشر من محرم ، وكانت السماء ترسل مطرها مدراراً ، غضباً ، وبرداً ، ورياحاً 000 توقفت سيارة ( لاندروفر ) خضراء اللون ، ذات سقف أبيض اللون ، انكليزية الصنع امام دار عمي الشيخ عبد الجليل 000 ترجل منها مجموعة من افراد الشرطة 000 كانوا مسرعين الى حيث المضيف 0
كان عمي الشيخ قد انهى صلاة الفجر 000 رحب بهم ، الا ان الضابط المسؤول عن المفرزة ، بادره قائلاً :
– جئنا نسأل عن هادي ومهدي 0
بلا مبالاة ، كما اخبرني عمي بعد ان غادرت المفرزة القرية ، رد قائلاً :
– اسمع ابني ، البيت امامك ، ويمكن ان تفتشه اذا رغبت 000 لامهدي ولا هادي هنا  فقط  زوجتي وابنتي ، اما ابني ( كريم ) فقد ذهب يوم امس الى بيت خاله في الاهوار 0
لم يشأ الضابط  امر المفرزة اتعاب نفسه بالبحث في مثل هذا الجو الثلجي المظلم ، خاصة وان( كريم ) لم يُعرف عنه انه كان منتمياً الى صفوف التنظيم، وانما عُرف عنه من المهتمين بدروسهم للحصول على درجات تؤهلهم لدخول كلية الطب او الهندسة  0
لم اذهب الى اهلي كما  ادعى الشيخ ، بل انني وكريم بعد ان اخبر عمي احد معارفه ممن يتعاونون مع رجال الأمن ان السلطة ستقوم بحملة اعتقالات لكل الشباب ، ذهبنا الى دار قريب لنا في القرية المقابلة لقريتهم ، وبتنا هناك 0
بعد مغادرة سيارة المفرزة ، وصلت عائلتنا الى بيت عمي ، وكأنهم قد خرجوا تواً من النهر 000 اما سائق السيارة ، وهو احد معارف  والدي ، فقد دخل المضيف مباشرة وهو     ( ينكث ) ملابسه من ماء المطر الذي مازال ينصب من سماء سوداء والفجر مازال غائباً 0
بعد ان علمنا بأمر المفرزة ومغادرتها بيت عمي ، عدنا انا وكريم الى دار عمي ، وقد اخبرنا والدي ، انهم شاهدوا السيارة امام المضيف ، فمالوا بسيارتهم عن الطريق ، ودخلوا بستان الشيخ  كعود، حتى  تأكدوا من مغادرة سيارة المفرزة من أمام المضيف 0

الصفحة:45

في جلسة نادرة ضمتني انا وهادي والرفيق صبحي ، امتدت الذكريات بينهما لفترة طويلة 000 كانت تلك الجلسة في مقر الحزب الذي كان الرفيق صبحي مسؤولاً عنه، فيما كنت انا وهادي في بداية حياتنا العسكرية ، اذ خدمت انا كملازم طبيب احتياط ، فيما تطوع أخي برتبة ملازم أول مهندس 0
عندما أخبرني هادي انه سيزور مسؤوله السابق ، رحبت بالفكرة ، فكانت هذه الجلسة ، والتي تحدث فيها الرفيق صبحي قائلاً :
– عندما تركتكم بعد ان تفرقنا عن المكان الذي اجتمعنا فيه  قرب ( الروف ) غادرت الى بيت  خالي في الهور ولم اخرج الا بعد ان هدأت الامور ، وعندما بحثت عنكم قيل لي انك قد نقلت دراستك الى مدرسة في قضاء الرفاعي، وعندما حاولت زيارتكم في الرفاعي  لتأمين الاتصال بك ومعرفة اخبار الشباب ، اخبرني مسؤولي ان اقطع علاقتي بك ، لانك انتقلت الى مسؤول آخر 0
سأله هادي : ولماذا لم تخبرنا تلك الليلة بأجابة الحزب عن مشاركتنا في التشابيه ؟
ضحك الرفيق صبحي طويلاً ، وهو يستذكر تلك الايام النضالية من حياته وحياة الحزب 000 وبعد ان اخذ قسطا طويلاً من الضحك قال :
– وقتها كنت اخاف عليكم من القاء القبض ، كان كل همي ان احذركم ، واعتبرت هذا التحذير هو اجابة الحزب لكم ، ولكن الاجابه القاطعة قدمها رجال الأمن لكم 000 اليس كذلك ؟
ضحكنا الثلاث سوية 0

الصفحة : 57

عاش سليم ابن زاير كاظم البناء كزميل وصديق لأخي هادي لمدة سنتين، فقد كان زميله في الدراسة مع جمال ، كذلك احد سكان شارع واحد في القرية ، الا ان ما كان يقلق هادي و جمال ، هو عدم انتماء سليم الى صفوف الحزب ، وكانوا يتمنون ذلك ، وكثيراً ما           فاتحوه ، الا انه كان يرفض  ذلك بحجج شتى ، لكن السبب الاساس الذي كثيراً ما كان يلوم هادي نفسه عليه ، هو ان سليماً كان منتميا الى صفوف حزب اخر ، وظل هكذا بعيداً بافكاره عن اصدقائه، الا إن رصاصة من احد رجال السلطة اصابته في ذلك الفجر بعد ان حاول الهرب من داره التي طوقها رجال الامن والشرطة معتبرين اياه من جماعة هادي وجمال 0
لم يعرف هادي وجمال هذا التوجه السياسي لسليم ، فقد كان من عائلة عربية تضرب جذورها في المدينة منذ القدم وكان والده رجلاً متديناً ، زار مرقد الامام الرضا ،اما الحزب الاخر الذي انتمى اليه ، فأنه يتعارض بفكره ومبادئه و الاخلاق العربية الاسلامية التي تربى عليها، فضلاً عن ان سليم نفسه لم يصرح لاصدقائه بهذا الانتماء ، ومن هذه النقطة بدأ حوارنا انا وهادي عندما سمعنا بمقتله ، وكنا عند بيت عمي ، بعد يومين من ذلك الفجر المشؤوم 0
قلت لهادي : هل تظن ان سليم قد خدعكما انت وجمال ؟
اخذت هادي حالة من الصمت ، وكأنه كان يفكر عن اجابة عن سؤالي ، لهذا قلت له :
– كان عليكم ان تكشفوا توجهاته السياسية ، او على الاقل ان 000
قاطعني هادي قائلاً :
– ليس هذا هوالمهم 0-0 ان ما يشغلني الان هو لماذا ظل سليم طيلة فترة صداقتنا يخفي سر انتمائه و لم يفاتحني او جمال للانضمام الى حزبه مثلا، او على الاقل ، لم اسمع منه اية كلمة حول ذلك ؟
قلت له :
– ربما كان متورطاً 0
– سألني مندهشاً :
– كيف ؟
تم اردف قائلاً :
– صحيح ان عمره يسمح  للآخرين ان يورطوه في عمل ما، ولكن تربيته واخلاقه لا تسمحان له ان ينتمي الى مثل ذلك التنظيم ، وخاصة ان والده رجل متدين  0
قلت له :
– ربما لم يعرف بذلك ؟
توقف حوارنا عند هذا الحد 000 ولم نستطع اضافة أي شيء، ذلك لان سليم كما اتفقنا كان متورطاً ، لهذا لم يصرح بانتمائه لا حد 0
ظل هذا الحوار في الذاكرة حتى اذا التقينا بالرفيق صبحي ، في ذلك اللقاء الحميم ، جرنا الحديث الى سليم وكنت انا الذي سأل الرفيق صبحي ، اذ قلت :
– رفيق صبحي ، هناك شيئا غامضا بالنسبة لي ولهادي ، ارجو ان نجد عندك ما يوضحه ؟
قال :
– ما هو ؟
قلت بعد ان التقت عيني بعيني أخي هادي وكأنه كان يسألني عن ذلك الشيء :
– سليم 000 اقصد انتماء سليم لحزب غير حزبنا 0
بعد لحظات صمت ، خشيت ان اكون قد ازعجته بسؤالي ، قال :
– لم يكن سليم كذلك ، اقصد لم ينتم ، انما كانت الفتاة التي اقام معها علاقة حب ، وهي من أهالي المدينة ، ومن عائلةمنتمية لهذا الحزب، قد طلبت منه ان يكون مثلها والا ستقطع علاقتها به ، وقد عرفته على اخيها ، وكثيراً ماكانا يلتقيان صباح كل يوم جمعة في بيت هذه الفتاة ، أي انه كان مشروعاً لان يكون مثلهم، وعندما داهم رجال الأمن داره ، كانوا يظنون انه من جماعتكم، لانه كان زميلاً لهادي وجمال 0
سأل هادي رفيقه ومسؤوله السابق :
– لماذا لم تخبرنا بهذه المعلومات في ذلك الوقت ؟
اجاب قائلاً :
– ببساطه ، لانني لم اكن اعرف بكل هذه التفاصيل 0
قال أخي :
– وكيف عرفت بها ؟
اجاب :
– بعد الثورة ، التقيت بوالد سليم ( زاير كاظم) ، في نقابة العمال ، وكان يعمل حارساً فيها ، وعندما عرفت انه والد سليم زميلكم ، دار حوار طويل بيننا عن  ذكريات تلك الايام ، فأخبرني انه يحتفظ بدفتر صغير كان يسجل فيه سليم بعض ذكرياته ، ولما كان لا يعرف القراءة او الكتابة ، كذلك حفاظا على ذكرى ابنه و سرية تلك الذكريات لم ( يتجاسر ) في ان يدع احد اخوته ان يطلع عليها ، وسلمني اياه ، لانني – كما اكد لي – على ثقة ان ابني لم يكن منتمياً لاي حزب كان 0
وكان ( رحمه الله ) يدون خواطره ،  فكان قلقاً وغير مستقر على رأي حول حسم موضوع هادي وجمال على حد قوله ، أي – كما فهمت – انتمائه لحزبهم ، فيما ذكر ان        ( خوله ) وهو اسم  حبيبته  تريد منه ان يكون مثلها 000ويؤكد في بعض اوراق خواطره قائلاً :  ماذا افعل ، وهي اجمل الجميلات ، هذا بالضبط ماكتبه في ذلك الدفتر 0
قلت :
– يعني هذا ان دم سليم ذهب هدراً 0
تابع اخي القول :
– نعم ، قتل على اساس انه من جماعتنا ،  فيما ( حبيبته ) وجماعتها يعتبرونه واحدا منهم ، ولم يكن هو واحدا من كلا الجانبين 0

تقولات /4

بعد عشرين عاماً من ذلك الفجر المشؤوم ، رحت ابحث عن الحاج فريّح ، فصدمتني وفاته 0
كنت اريد ان املأ بعض الفجوات التي تخللت ما كتبته عن اخبار الشباب ، الا ان الموت قد اخذه ليظل هذا الحاج  لغزاً بعد مماته ، كما كان لغزاً في حياته، اذ لم يعرف عنه شيئاً  سوى القلة من اهالي المدينة 000 اما ساكنوا القرية فلم يعرفوا عنه سوى اسمه الاول 000 وكان 000 كما حدثني والدي هو نفسه كان يرغب في ان يكون كذلك ، ظاناً ان ذلك مدعاة لهيبة كان يفتقدها ، ربما بسبب اصله غير المعروف ، او بسبب اعماله وسلوكه الشائنين 0
لم يكن كشخص سوي في المدينة ، لهذا راح يؤسس لنفسه حياة خاصة بين ساكني القرية الذين كانوا يعرفون ان الارض التي كانوا يشترونها منه بثمن زهيد لم تكن ارضه وانما كان وكيلا لعائلة كبيرة تمتلك هذه الارض 000 اما (المله) الذي لم يكن اسمه الحقيقي معروفاً في القرية ، فانه يدعى (ابراهيم جاسم ) ومن اصل اعجمي 0
وعند البحث عن تفاصيل اخرى عنه ،  فقد افادني ممن كانوا يعلمون في أمن بغداد قبل الثورة ، ان مرؤوسيه  كانوا يعرفون انه غير عربي ، وبعد قيام الثورة هرب خارج العراق ، وقيل انه كان شديد الخوف من وصول الحزب للحكم ، لما قام به من تعذيب شديد لهم بعد عام 1964 ، وبعد ذلك الفجر المشؤوم خاصة، الا  انني لم ارتكن الى هذة النتيجه ، خاصة وان رجال الامن او الشرطه كانوا ينفذون الاوامر الصادرة لهم في أي زمان ومكان ، وكذلك مهما كان الا سلوب الذي يتبعونه مع مسجونيهم لهذا رحت ابحث وأسال ، فتوصلت الى انه كان احد افراد الشبكة الجاسوسية التي قضت عليها قيادة الثورة عام 1969 0 الا انه عندما علم بالامر استطاع التخلص من حبل المشنقة بهروبه خارج العراق 0
اما عن مغادرته القرية فجر ذلك اليوم ، فقد اكد لي ( جاسم الاعور ) ان ( الملة ) عندما التقى به في بغداد في ذلك اللقاء القصير ، في فترة البحث عن ( الملحة ) ، وبعد ان سأله عن سبب عدم وجوده في القرية بعد فجر ذلك اليوم ، قال جاسم : انه ابتسم و قال  : ان سيارة جاءت من بغداد وعادت به اليها 0
وعندما ساله عن هادي وجمال اكد لي بغضب : لا اعرف شيئاً 0
ويبقى ( خبالو ) الشخص الوحيد الذي ارقني وجوده في القرية ومغادرته في تلك الايام 0
لم يكن ( خبالو ) سوى رجلاً في الاربعين من عمره ، دخل القرية قبل فجر ذلك اليوم بأربعة اشهر ، لم يعرف له اهلاً ولا نسبا 000 كان قبل ان يأتي الى القرية ، نام في شوراع المدينة ، وعلى ( المسنايات ) في الصيف 000 عرفه ابناء المدينة كرجل مخبول ، فراح البعض يتصدق عليه ببعض المال ، والملابس الخرقة 000 قال عنه البعض انه هارب من       ( الشماعية ) وقال البعض انه ( اعجمي ) الاصل ، لما في كلامه غير الموزون من لكنه جعلت من الأخرين ان يظنون به الظنون ، وكان بعضها صحيحاً 000 الا انه ، وبعد أن وصل الى القرية ، ولم يكن يعرف بوجودها بعد ان عاش شهرين في المدينة ، دخل مسجدها ، وراح يكنس ارضيته ، في وخلال دقائق تعارف ( خبالو ) على ( المله ) فأصبح عاملاً في المسجد 0
لم اترك البحث والسؤال عنه ، وكنت واثقاً من ان له علاقة باحداث ذلك الفجر الشؤوم ، فوجدت ضالتي في سجل الدكتور مهدي ، اذ كتب في الصفحة المئه ما يلي :

الصفحة : 100

كانت المفاجأة ثقيلةعلينا انا وهادي ، كمن يسقط على رأسه سقف داره الكونكريتي 0 وقتها تساءلنا ، هل حقيقة ما سمعناه ؟ هل هذا المجنون عميلاً ؟
قال لي هادي :
– كنت اظنه جاسوساً للسلطة ، فكنت اخشى  الحديث امامه ، وقد نبهت زملائي عن ذلك ، اما ان يكون عميلاً للمخابرات الصهيونية ، فهذا ما لم افكر به وقتذاك 0
اكدت لاخي هادي قائلاً :
– صحيح  ان هذا  مفاجأة لنا ، لكن ، اذا كان ( الملة ) من اصل غير عربي ، فهل         (  خبالو ) – ولم  نتوصل الى اسمه الحقيقي – هو الآخر من اصل غير عربي ؟
ورحت ابحث عن ذلك ، خاصة وانه قد اعدم في منتصف الثمانينات ، اذ تبين انه قد اشترك في اكثر من مهمة استخبارية في العراق 0
وعند البحث والسؤال عنه ، تبين انه من عائلة اعجمية ، نزحت الى العراق قبل اكثر من مئة عام ، ألا أنها ظلت محتفظة بولائها لقومها، وقد وجدت فيه الاحزاب المغادية لكل ما هو قومي ضالته المنشودة، كما وجدت فيه دوائر المخابرات الصهيونية ضالتهما المنشودة 0
وآخر ما توصلت أليه ، ان اسمه الحقيقي هو ( محمد أحمد علي فرهاد) 0
عندما سألت  الشخص الذي أفادني بهذه المعلومات  ،  عما اذا كان قد جند معه بعض شباب القرية في ذلك الوقت، أجابني :
لا أظن ذلك 000 ولكن كل ما نعرفه عنه ان الفترة التي قضاها في المدينة والقرية قصيرة ، ربما لهذا السبب لم يحصل على ما كانت الجهة التي أرسلته تنتظر منه ذلك 0
اما عن كيفية خروجه في ذلك الفجر المشؤوم ، فان ( الملة ) اخبر (جاسم الأعور ) انه قد اخرج معه ( خبالو ) إلى بغداد في السيارة نفسها التي أقلت ( الملة ) الى بغداد ، أي في سيارة الدولة 0
مرة، جلسنا أنا وأخي  هادي في إحدى أجازاته الدورية من الجبهة ، وقبل استشهاده بشهرين 000 وعندما جرنا الحديث إلى أيام ما قبل الثورة ، كان أول ما زاحم ذكرياتنا عن تلك الأيام ، هو هذا الحشد الهائل من العملاء والجواسيس الذين يعملون لجهات أجنبية عديدة0
قلت لهادي :
– كيف كانت السلطة في ذلك الوقت تسكت عنهم فيما كانت تداهم الشباب القومي المناضل ، وتزج بهم في السجون ؟
كان مهدي – رغم انه يصغرني بسنتين –اكثر وعياَ مني ، خاصة بأمور السياسة ، ذلك لان  فترة ابتعادي عن المدينة ( في تلك الفترة ) ، قد جعلتني بعيداً عن الحزب ، الذي كان يثقف مناضلية في كل الامور، لهذا كنت الجأ اليه بين فترة واخرى ، وكان لا يبخل عليّ بأي اجابة او تحليل ، لهذا ، وعندما سألته عن ذلك ، اجابني قائلاً :
– دكتور مهدي ، ان الحكام في ذلك الوقت كانوا العوبة بيد الاجنبي 000 ولما كان هؤلاء العملاء والجواسيس هم صنيعة ذلك الاجنبي ، فان على الحكام ان ياخذوا جانب الصمت امام افعالهم 0
سألته :
– اليس للنفط دور في هذا ؟
اجاب مؤكداً :
– نعم000 ان لشركات النفط الاجنبية الدور الكبير ، وربما الحاسم في ذلك لان هذه الشركات لا تعطي للعراق سوى نسبة ضئيلة من الارباح لاتسد الاحتياجات الأمنية والعسكرية ، فيبقى خادماً لمصالحها0
قلت بارتياح :
– نعم 000 لهذا ، فان اول عمل قامت به الثورة هو الاستقلال الاقتصادي، فأممت النفط، لان هذا الاستقلال هو الاساس القوي والفاعل للاستقلال السياسي 0
ابتسم اخي وقال :
– نعم00 ومن هنا بدأت المؤامرات علينا0

معجم ما استعجم :

البارية : (ج: بواري) هي حصيرة منسوجة من القصب 0
الجريد : سعف النخل بعد تجريده من اوراقه0
الخص : كل بناء بسيط وصغير يأوي اليه الناس من القصب والبواري0
الصريفة :(ج: صرايف ، صرائف) غرفة مبنية بالقصب والبواري ، وهي مساكن للناس الفقراء ، وكذلك اهل الهور ، والقرى القصبات الريفية 0
الحوش : فضاء الدار 0
الروف ، سدة ترابية تكون على جانب  / او على جانبي النهراو اي مجرى مائي ، ويتكون من التراب المستخرج من الحفر 0
شطيط : تصغير شط ، ويطلق عادة على مجرى المياه الآسنة 0
ابو جداحة :منطقة غرب مدينة الناصرية فيها سدة ترابية تحيط بنهر الفرات لحماية المدينة من الفيضان وهي غير قادرة على ذلك لضعف بنائها،وكثيرا ما جرت منها مياه الفيضان في سنوات سابقة ، ومعناه ابو قداحة ، اي الذي يجري بسرعة كقدحة الزناد 0
تخر : من خر ، اي تخلل منه الماء 0
الختيلة : لعبة للاطفال بأختباء احدهم والبحث عنه 0
تنك : وعاء مصنوع من التنك / التن  وهو القصدير 0
سبرنكات : النوابض 0
الجوخ : نسيج سميك 0
يحف : يزيل الشعر بالخيط 0
زنبيل : وعاء مصنوع من خوص السعف ويستخدم لحمل البضاع اثناء التسوق 0
التربة : (ج:ترب) قطعة مصنوعة من تراب ارض كربلاء عتوضع عليه جبهة المصلي 0
التشابيه : مسرحية تمثل فيها استشهاد الامام الحسين في معركة الطف في كل يوم عاشر  من شهر محرم0
الفافون : الالمنيوم 0
الشربة : اناء من الفخار لتبريد الماء وتسمى كذلك (تنكه)0
الحداد خانة : مثل يضرب للجدال السفسطائي 0
عكد الهوى : تسمية قديمة لشارع الحبوبي في الناصرية 0
الحلال : الممتلكات من الماشية 0
باشط : حاد ، مسنون 0
الصفاة : مكان البيع والشراء 0
القاري : الذي يقرأ المأتم الحسيني 0
الحياصة :حزام منسوج 0
شيلة : ما تضعه المرأة على شعر رأسها ، وهي نسيج اسود اللون 0
ليلة الوحشة :ليلة التاسع على العاشر من شهر محرم 0

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

تعليق واحد

  1. عاشق العباس

    جميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.