د. فاروق أوهان : هو الذي جاء إلى عالم فوهان؛ رواية ملحمية من أدب التداعي والتخاطر (2)

3farooq aohan 4
أجساد لضحايا من جنوب لبنان بملابس مدنية تغطيها الأطيان، لا دماء، لكنها جامدة مستلقية على الدرب مثل أجساد المضربين، السيارات تمر فوقهم، وتدهسهم أقدام اليشر، الناس لا يحسون بوجودهم، ولا يحسون بأنهم يتعثرون بهم، بطون الأجساد تتورم الواحدة تلو الأخرى، وتقوم الجرافات الإسرائيلية بحمل الأجساد وهي تتحرك كأنها لعب مبرمجة، وتركبها كأفاريز على حافات الحيطان، وما أن تستقر هناك حتى تصبح أصنام، تجلس القرفصاء، لكن أجفانها وشفاهها تتحرك. يقوم البعض من أمكنتهم فيشار إليهم بأن عليهم المرور بمزاغل لكي يصلوا لصانعي التوابيت الفخارية، وينزل البعض في ثقوب محاطة بقصب، ودرجات ملتهبة، عليهم أن يجلسوا في صندوق يتحرك مثل دولاب الهواء، فيصلوا إلى فتحة تقلهم إلى سلالم بنية فيركبوا في الصندوق، وينقلبوا رأساً إلى عقب حتى تتعلق نهاية الصندوق بمحرك له فتحة ثالثة فيها إطار معدني أسود، وفوقه أرض حجرية صقيلة يقف عند كور الحداد مريد، وهو ينفخ ناره، ويتطلع بالنار مبهوراً، في غطاء التابوت الفولاذي النادر الذي جلبته الجثث معها، ويقيس لمرّات، ومرّات، لكنه لا يصدق قول اللعب الميتة بأن هذا الشيء لمحراث، وليس لناؤوسهم.
يفيق شاهين من كابوسه، وقد تعرقت يداه، وجبينه، وصار صوته مبحوحاً من محاولاته الكثيرة في الصراخ، والاستغاثة من غير أن يدرك ما هو سرّ مشاهدة هذا الحلم المتكرر، وماذا يريد منه هؤلاء الذين في الحلم بما يتكلمون، وإلى ماذا يشيرون، وبعد أن يفيق يحس بحرارة الجو الشديدة، فالجو في منتصف النهار يكون شديد الحرارة، حتى في أحلى المناطق الجبلية تلك التي يعيش فيها الفلاح المتصلب على أرضه، وتلك الأراضي التي تُغتصب بحفر الخنادق، والمتاريس، وقلع الأشجار من أجل وضوح الرؤية أمام المسافر، أو الراقد، أو الساكن، خصوصاً في الأماكن المحيطة بأماكن تمرّكز هذه القوات، فيضطر المتقلدون للأوسمة الذهبية في المعسكر المرابط على الحدود الجبلية، خصوصاً قرب مدنها، وقراها أن يناموا في خيام مسقوفة، أو سقائف من الصفيح والكونكريت، تتخندق محفورة لبضعة أقدام داخل الأرض الصخرية التي تكلّ الأيدي في حفرها، وردمها من أفراد المراتب الدنيا، والصغيرة من الجنود الثكالى، وتحت وابل القصف، والقيظ. بينما ينام فرد، أو أكثر من الأنفار من الدرجات العليا، ومراسليهم من طبقة المُتخنثين، أو المخنثين، في خيام مرفهة، خصوصاً عند ذهاب مأموريهم في إجازاتهم الدورية .
أما الجنود الأنفار، وضباط الصف من المقامات الدُنيا، فالويل لهم ولحالهم، فإما أن يحفروا الخنادق الطويلة للحراسة والنوم فيها، أو يبتنون لهم رباياهم بأيديهم، وعرقهم الذي تحيله الصخور العنيدة التي يضربون الفؤوس فيها إلى دماء زرقاء، وقد أبت الصخور الصلدة عن أن تتحرك، فنمت حولها الأعشاب، وتحتها اختفت الآفات من قيظ الصيف متأهبة دائماً لمن يمد يده، أو يقترب من مكانها “السرين” اللطيف البرودة، وقد تماهت فيها، وإلا فهي موجهة له لدغة سامة سرعان ما يرتمي هو على الأرض، بينما تنسل هي بعيداً خوفاً من ضربة مؤلمة، أو مميتة، ترقب ما سيؤول له عرينها بعد هذا الحدث الذي لم تكن هي إلا طرفاً مدافعاً عن نفسه، لتترك سكون بيتها، ووحدتها فيه.
ومع هذا فالظهيرة هي حالة سكون شاملة لا بد لها، فبعد الغذاء فإن القيلولة واجبة مفروضة من دواخل النفوس، فالشعور بالارتخاء واللامبالاة ثم النعاس الذي يطغي على أكثر المعاندين والمتصالبين والأدعياء، خصوصاً إذا ما أعقب الغذاء كأس شاي دافئة، تذيب شحوم عصيدة الغذاء الدسمة، المتكونة من خليط الأرز، والمرق المحموس المحمّر، وقد علتها طبقة شحمية من الدهون السميكة، شاي مخدّر على حطب أشجار العفص، أو البلوط. فتنام النفوس مسترخية، جعل الدفء كل الدماء تهجر أعضاء الجسد إلى المعدة المتخمة بالغذاء المحشور بنوعيات بخسة، وها هي الأجساد بهواجسها وآمالها قد رقدت لفترة وجيزة رقدة الأموات، تعوضها عن سهادها الليلي الذي لا يبدو لنهايته من قدوم، فترى الذين سارعوا للقيلولة خارج إرادتهم وقد علا شخيرهم، وتعرّقت أبدانهم، فتبردت بمرور نسمة هواء عليلة حائرة، تمازجت من تيارات تائهة ومتداخلة بكل تناقضاتها لتمر على جسد من هذه الأجسام التعبة، والمنهوكة من السهر، والفكر، والقلق وجدت ضالتها فيه، فتخترقه لتسحبه إلى راحة مأزومة. أما الحرّاس المعينيون على مداخل، وبوابات المعسكر الرئيسة، والأركان الاستراتيجية للثكنات الهامة، فلا وجبة طعام تصلهم، رغم تنافذ الروائح إلى خياشيمهم، لكنهم يمنون أنفسهم بالوجبة بعد انتهاء الدورية، فلكل جندي رفيق سوف يستلم له حصته من الغذاء، وإلا ظل حتى العشاء بلا قوت يقوي جسده المتعب.
ويغط فريد في نوم عميق، ويكون شاهين في عين الوقت قد توصل لمفتاح الولوج إلى حلمه مع فريد، فيرى بيته محاصر من كل الجهات بأكوام من الثلوج، والأشجار الكثيفة، هناك نهر قد تجمّد سطحه يخشى فريد الخروج من داره لكي يذهب للعمل، وقد نسي أنه ملتحق بالجندية منذ أربعة عشر سنة، لكنه يتأمل بوصول حبيبته على فرس صهباء، وقد أعد لها كل الأطايب، ودفأ البيت، والفراش بشكل يتناسب مع ليونة جسمها المطاوع، وما أن تصل شاهين هذه النداءات المبثوثة من مخيلة فريد حتى يستنجد بنينار أن تقوم بالمهمة، ويهرع بفريد إلى حيث يكون بيت فريد وفراشه هما الملاذ المناسب لكليهما لتحقيق وصال عبر روح وجسد ثالث، ويعبر شاهين\ فريد الثلوج بسهولة، وتكون نينار قد استفسرت عن العنوان، فوصل كل زوج منهم معاً في هيئة واحدة، ومهاب موحد، فيفتح فريد\ شاهين الباب قبل أن تطرقه نينار بكفها المتوحدة على أنهما منال معشوقة فريد، وكأن فريد قد أحس بخطوات الحبيبة منال ذات الوقع الخاص، ويبهت فريد عندما يقابل منال\نينار ويسألها عما غير سحنتها منذ سنة بهذا الشكل، فتقول له نينار بلسان منال: إنه من جرّاء الفراق، ولوعت الانتظار، قلق، وحسرات، وتوجس فيأخذها شاهين بسرعة بأحضان فريد، وكأنه يحتضن ثلاثة أجساد في آن واحد، فيبعد عن خياله تصوره الغريب، لكن فريد يفتقد لدفء منال، وعطرها المعهودين، فتبث نينار له ما يحتاج لكي يستمر في انسجامه، وألا ينقطع حلمه، فتندّ عن شاهين ضحكة فرح تلف الأربعة في وثاق وشيج من التناغم، والالتواءات على الجسد في كل مكان من أعلى شعرة في الرأس، حتى أسفل خلية في أصابع الأقدام، يتمرغ الأربعة فوق سجادة البيت العجمية، وقد أرسلت مدفأة خشب البلوط سعراتها الحرارية للأجساد، وأنست فريد كل ما يتعلّق بسريره الذي أعده للمغامرة الزرقاء.
أربعة أجساد في مكونات الحلم، وثلاثة في حسابات شاهين، واثنان في خيال فريد، والحقيقة هي أن منال، ونينار شخصيتان مفترضتان من خيال استحضارات شاهين، فقد توسط شاهين بنينار، بينما تاق فريد لمنال، والواقع هو مواقعة حلمية لمكبوتات شاهين، وفريد.
وتتناغم اللحظات، ويفعل الدفء فعله في الأجساد، وتنتشي الهواجس، فيلعب الكل ألعاب الهوى كل بطريقته، ومكنوناته الدفينة فتتوقد الحمى وتمتزج الأجساد في كيان واحد كأنه ضفيرة جدلت على العنفوان، وحرارة التفاعل، وصار التعرّق يفرز روائح أزكى من العطور، تنفث للخياشيم لتستدعي تداعيات من الفرح والحبور، ويتذوق اللسان شهد من أجزاء الجسد المختلفة، صدر، وشفاه، ثدي، وخد، رقبة، ونحر، كاحل، وردف، و،و،. ويريد فريد هنا أن يصبح كلسان من نار تلتهب لتوقد بسعريها مآقي منال الملتهبة فيتمنى أن يسعفه سيف يزن الناري، ببريق عينيه، فيقوم شاهين بالتوسط العاجل لاتمام المهمة، لئلا تنتهي الرحلة الحلمية بنيات غير متحققة، ويفسد الحلم.
وما أن يفيق كلاهما من النوم، يلاحظ شاهين مدى السعادة التي ارتسمت على وجه فريد، ويستغرب شاهين من تداخلات الحلم بين صقيع البرد وبرودة الثلج، وسعير الرغبات الدفينة، لكن كل شيء ممكن في هذا القيظ بسراباته الوهمية، فوق منحدرات رانية.
إن للحراسة في القيلولة أهمية لا تقل عن حراسة منتصف الليل، وإلا فالمعسكر برمته سوف يكون في خبر كان، وهشيمه سيملأ بدخانه سموات الكون من راصد تجرأ الاقتراب ليشعل الجو في تلك الظهيرة. ولصار معسكر رانية فرصة سانحة، ولقمة صائغة للمهاجمين من المباغيتين، تكون الضحايا بالعشرات، وأعداد لا تحصى من الخسائر، ويغفو كل من غفى ومنهم شاهين من جديد، وكأن مخدر ما قد أصابه، وربما ليعاود تكرار الكابوس الذي يرافقه بلا انفكاك.
ويعاود شاهين الكابوس من جديد فيرى إلى أجساد أرمنية عارية تغطيها جلود الماعز، تتمرّغ في الوحول، والعسكر الخمسيني من الأنكشار الأغراب يغرسون سناكي بنادقهم فيها، الأجساد كالمطاط لا تؤثر السناكي فيها، يرتفع في وسط الأجساد طفل حديث الولادة يصرخ صرخة الحياة، بينما يجسد الكل في صلاة يقودها كاهن متجلي في دعواته. فتقطع السيوف رؤوسهم، لكنهم يظلون كما هم. وتلحقهم النسوة على أمل الخلاص، فيشار إليهن بأن عليهن المرور بأنفاق لكي يصلوا لصانعي التوابيت البلورية، وينزل البعض في حفر محاطة بخشب، وسلالم صفراء، عليهن أن يجلسن في قفص يتحرك مثل دولاب الهواء، فيصلن لفتحة تقلهن إلى سلم رمادي يركبن في القفص، وينقلبن رأساً على عقب لكي تتعلق نهاية القفص بسلم له فتحة ثالثة فيها إطار خشبي بلون الورد، يحسسن بابتعادهن عن أزواجهن، الذين ما زالوا على جلستهم يصلون بلا رؤوس، وسناكي بنادق العسكر العثماني تظل تطعنهم مراراً، أما النسوة، فما يزلن على السلم المغطى بالرماد، ومن فوقه أرض إسمنتية صقيلة يقف النجار يحيى، وهو ينشر غطاء صندوق، أو باب، ويتطلع في الأفق مبهوراً غير مصدق قول الدمى الموتى بأن هذا لبوابة آمد، وليس لناؤوس.
ويتخبط شاهين في منامه، ويحاول الإمساك بأية بادرة تدله على واحد من ألغاز الحلم، ولكنه يستفيق هادئاً، وكأنه اعتاد الحلم، ففي معسكر رانية تنام النفوس بهدوء واطمئنان، بعد استقرار، لكن الكثير من النائمين يعلو شخيرهم، والبعض الآخر تعلو أصواتهم الناشزة، وتأوهاتهم، وتهويماتهم، والبعض يعكس ارهاصات مكتوبة في حوارات غير مفهومة، لمعاناة سادرة في التجذر، والعمق، فحديث المنام ينسجم، والسجايا بلا رئيس يأمر، ولا رقيب يحاسب، فإذا ما سطت سلاطين النوم، وطغت بساعاتها الليلية الأولى، أو المتأخرة فإن السامع ينصت لخليط من النداءات، والدعاوي والأنين، والتأوهات بآلاف مؤلفة من الصفحات والمجلدات، ونفثات الحسرات لو جمّعت في مؤلفات لعبرّت عن حزن النفس البشرية وضيقها وآلام تأوهاتها، فتحت مفعول النوم يتحرر الكثير ممن يلبسون الأقنعة الرسمية، والاجتماعية أمام بعضهم البعض، بتصنيفات متفاوتة ما بين الدرجات الوظيفية، والمراتب الاجتماعية، والعرقية، والدينية وحتى العاطفية والجنسية، فكل ينشد في أحلامه ما يفتقده في الواقع، فتنتصب في الحلم الرغبات كساريات، تمخر عباب بحار الحسرات بأمواجها العاتية، أو مآذن تكّبر لربها وترتفع بمستويات، ودرجات نوبات الأحاسيس، وفعاليات الأجهزة ونشاطها، تتنفس بهذه الفسحة من حرية التعبير بلا تقيّد، وبانفلاتات متجاوبة والرغائب، وبموسيقى الشخير، فتعلو وترتفع، تنخفض وتتواتر ينظمها مقياس عام هو ذلك السلطان المتجّبر على الكل، سلطان الراحة من عذابات التمثيل اليومي، ويصبح كل حالم بطل قصة حلمه، أو شاهد عليها، يطير كسحابة متغّيرة الأشكال والأفعال، وفي أمكنة، وأزمنة غير منضبطة بقوانين الطبيعة، تجتر معه الذكريات والأماني لتفتح له منافذ التنفيس من لوعة لفراق محب، إلى حب عذري، ووداع جامح، أو زواج قريب، أو طلاق مرتقب، أو ولادة متوقعة، أو موت غير محسوب، أو تخرّج مفرح، أو رسوب مخيّب للآمال.
غير أن شاهين في هذا المعسكر له هواية ركوب نواصي الأحلام خصوصاً لهؤلاء الذين يدرك أنه من السهل اختراق حلمهم، ورغم ما يعانيه من تكرار حلمه، لكنه يود لو يعرف فيما لو كان الحلم نفسه يراود أحلام من معه في الرهط أو الفصيل أو السرية، حتى ولو كان قائد المعسكر ذاته. ورغم كل ما تم فهؤلاء الحالمين في هواجسهم، وآمالهم، ومشاريع يبثونها في خيال أحلامهم، بانتظار أن تنتهي الحروب الضروس، ليعودوا إلى أهلهم.
غير إن أغرب الأحلام بين كل فصائل المعسكر، وسراياه،  هي أحلام المقدم ثروت حمدي قرهكوج؛ أحلامه غير معقولة، نافرة، بل هي ناشزة بكل ما للكلمة من معان.  أحلامه تثير حفظية صاحبها بشكل مزعج، يمكن أن يكون بعضها جزء من أحلام اليقظة، فهي غريبة تارة، وواقعية بشكل لا يعقل مرة أخرى، ومع هذا فإن أغلب الحالمين في هذا المعسكر يغشاهم حلم الأجساد العارية الموحلة، لكنهم يخشون التصريح لأحد بتفاصيله خشية أن تفسر حالتهم بنوع من الجنون، هذا الحلم المتكرر، يغزو حتى ثروت نفسه، غير أن له هو الوحيد حلم متكرر لا يجرؤ على البوح عنه في منادماته.
أما أحلام شاهين، أو الحلم المتكرر، فهو غير تلك الأحلام  التي يخترقها لدى زملائه، فإنه يخشى أن يطلع الجنود من أمثاله عليها، لتوجس وتطير ما، ولخوف غير معهود مما تعتريه التفسيرات ذاتها لهؤلاء البشر حوله في العسكر، أما في الحلم، فإن الأجساد الموحلة ما تزال تتكلم، وتريد لأصواتها أن تُسمع، ولكن هيهات لأنها كما يبدو مبثوثة على موجات صوتية لم تعد الأذن البشرية تلتقطها، إن في هذه الأصوات رسائل مسكونة بالهدم، والندب، رسائل إلى العالم الإنساني، إن كفى هذا التقتيل، والتدمير.
هذه الأصوات يحتاج شاهين لقدرة أكبر ما لي أذانه أن تلتقطتها، وهو في مجال التجريب على ذلك بناء على الدروس الهامة التي تعلمها في منهاج دراسته لعلم النفس والفلسفة والكتب الرديفة التي اتخذها كمراجع ليست بعيدة عن علم النفس، ولكنها من العلوم النفسية القديمة لحضارات شرقية، يتمنى شاهين أن تنجح تجاربه، لكي يعرف أسرار تلك الحوارات، والاستغاثات التي ترسلها الجماعات المغمورة بالوحول، ويا ليتها مجموعة من جنس، أو فئة واحدة، فهي متغيرة في تكرار الحلم، لكن سياق السيناريو العام هو بنغمة واحدة، مع قليل من الاختلاف.
ربما يفيد شاهين الآن التوسط ببعض القوى المساعدة من الأرواح الهائمة حوله، قد تكون أرواح لقتلى حديثي الموت، فتصير وسيطاً مناسباً للتعرف على كنه الديالوغات المحيرة، أو قد يفيد شاهين اختراق لأحلام أقرب الناس إليه في المعسكر من هؤلاء البشر من ذوي الهشاشة، رغم مظهرهم الخارجي.
إن روح نينار الهائمة قد دلته على أشياء كثيرة، لكن كلاهما يخشى التطرق إلى هذا الحلم المتكرر، هو من جانبه يريد أن يستبق الأمور لتحليله، وهي من جانبها تدعه للفرص التي يكابر أن يجعلها فرصة.
ويفكر شاهين في هؤلاء المسييرون إلى الحرب من غير إرادتهم مثله، ونفسياتهم، وتراود شاهين فكرة رائعة لو أنه يتوسط بنينار الحبيبة، نينار التي لا تنفكّ تراوده في أحلامه، منذ كانت تدعوه لانقاذها من المرض الذي أسرها حتى سحبها منه في غفلة من العمر أيام المراهقة. نينار التي طالما عاندت مرضها حتى وهو في أوج سيطرته عليها، لكنه منعها من الكلام لتبوح بكل مكنوناتها، عندئذ صارت تحوم في أي مكان يتواجد به شاهين، وقد فكّر شاهين في كيفية استنطاقها، والتعرف من خلالها على أسرار حوارات المجاميع، نينار بحاجة لوسيط حالم، هش يتقبلها، وها هو شاهين يجد ضالته في القائد ثروت الذي طالما نجحت محاولاته في اختراق أحلامه، أحلامه المملؤة برغبات مكتوبة.
هي حالة أو حالات متأثرة بالحلم بالتأريخ، وأبطاله من أمثال إينانا، وإنليل، وإنكي، ونينورتا، وغيرهم، أو الحلم بالأب، والأم، والأخت، والجد، والعم، والأخ. إن شاهين لم ينس تهويماته وهو يرى إلى دفن أمه أو عميد العائلة، وكذلك أبيه وأخته، وكيف طافت روحهم حوله وقتها، وكأن نينار هي الوسيط التي قامت بالمهمة، فمنذ اليوم الذي ودع شاهين نينار، لم ينفك عن العلاقة التخاطرية التي نشأت بينهما، عندما استعانت به في مرضها لترجمة ما يعتريها، لكل من لم يفهمها، ومنهم أهلها وحتى للأطباء، وبعدها رافقته في كل محنه حتى وصل إلى معسكرات قلعة دزّة، ورانية.

4
يتوسط القائد ثروت مائدة لعب الورق، فيما يسمى نادي أو مطعم الضباط، بعد العشاء، وعلى طاولة الورق تتناوب النكات، وأحاديث المفارقات هنا في المعسكر، وما يحصل للجنود، هؤلاء الذين يقفون وراء الربايا ساعات الليل، والنهار، يحرسون الكل، فلو غفا أحدهم، أو سهى، تعرض المعسكر كله للمداهمة المباغتة، والتقتيل الشنيع، ولو أن جندي مخابرات أجهزة الارسال والتلقي المورس تماهل في عمله، او انسحب لانصاتات دخيلة، ومغرية لحصلت أمور لا توضع في الحبسان.
وهناك مفارقات أخرى بين الأهل والأصدقاء، كسهر الجنود أيام الإجازات غير عن قضاء الاجازة لدى الضباط، وبخاصة من هم من القادة، فهؤلاء كل أوقات إجازاتهم يقضونها لدى القوادات، وبنات الهوى حتى ولو كانوا متزوجين، لتغطية عجزهم في التواصل الطبيعي مع زوجاتهم، كل ما يريدونه هو الممارسة الشاذة مع القحاب تاركين زوجاتهم لعب بأيدي الخدم، والسواق.
وتنتقل الجلسات مباشرة لأحلام أغلبهم، ويتبرع متعالم بالتفسير، ولكن الفشل يصيبه، فغالب الأحلام حسرات، وحلم بالأهل والبيت، والأولاد، ويتنبأ كل منهم للآخر تفسيراً محايداً، أو متفائلاً، ولا يستطيع أحد أن يبادر القائد لسؤاله عن حلمه، فهم يتصورونه جاف، صلب، لا يعير أهمية للأحلام، ويعتبرها شيء غير وارد للتفسير، لكنهم لا يعرفون أنه مبتلى بأحلام لا يستطيع إفشاءها لضباط الأركان كما يفعلون في جلسات المنادمة، وكما يفعلون عند فتحهم القلوب على التمنيات والأماني من خلال الأحلام، ويتوارد إلى ذهن بعضهم، أطراف من أحلامهم يتماهون معها، ولكنهم ينتفضون بمجرد التفكير بأنهم في معسكر، وهناك من هو آمر، وقائد، وقائد المعسكر الأعلى، ولسوف يعتقد بأنه سيجلب سخرية الآخرين لنفسه، أو سخطهم، خصوصاً بالنسبة لحلم لا ينفكك يراوده بإلحاح، ويؤرقه مجرد التفكير في تفاصيله، لكن بعض القادة من أمثال ثروت، ولكي يستدرج ضباطه للبوح ببعض ما يسليه، أو يفك بعض من عقده، وعقد ضباطه يعمد لرواية مسلسلة طويلة يصر أن ينهيها في نفس الليلة، ومن غير مقاطعة، فيقول وكأنه يوجه سؤالاً لضابط ما بخاصة لو كان منقولاً للفوج قبل فترة وجيزة، ربما ليستدرجه لرواية مشابهة تساعده، وتساعد الآخرين للاستمناء ليلتها، فيبادر ثروت ليشير إلى أن الهاجس القوي الذي كان أعنف لديه، وهو أن يسمع إلى حكاية أحد آمراء الفرق، نقلاً عن قائد لواء انتقل حديثاً إلى قيادة لوائه في منطقة عسكرية محاصرة ونائية، لا يحصل أفرادها على إجازتهم إلا بعد مرور ثلاثة أشهر للمحظوظ منهم لأن الدرب وعرة، ومرصودة. حدث هذا والضباط ينصتون لآمر الفوج على مائدة الطعام في خيمة نادي الفوج، والضباط صامتون، يستمعون لتداعي الآمر، وتخيلاته، فاستمعو لقوله وكأنهم ينصتون إليه هو يروي تلك الحكاية لأول مرة فقال ثروت: بعد اليوم الأول قام المراسل بتحمية الماء للقائد، وأخذ يطلب من آمر اللواء بين المرّة والآخرى قائلاً: سيدي الحمام جاهز.
ويتعجب الآمر من نوع الخدمة المميزة، وهذه التقاليد الاستثنائية، فلربما توفرت المياه في هذا المعسكر، أو أن التقليد هنا يستدعي نظافة الآمر، خصوصاً وإنه يريد أن يبدو أكثر انضباطاً، وأعلى درجة من الآمر السابق، وإلا لماذا استبدلوهما، والفرق بين المنطقتين ليس بكبير فانصاع للمراسل، ودخل الحمام وكان المراسل قد أعد كل مستلزمات السبح من صابون، وماء حار، وماء بارد، ونقيع تراب الككيل: وهو تخميرة من طين خاص يستعمل لتليين الشعر قبل غسله بالصابون، ومدفئة نفطية صغيرة، ومناشف، والملابس الداخلية النظيفة، وسلة لوضع الملابسة المتسخة، وثمرة سفرجل منقوعة بالماء الحار، وحلوى ملّبس محلي، إلا الكيسة المصنوعة من قماش خشن، والليفة المنسوجة من ألياف نبتة السيسبان بعد أن تهرم، وتجف، هاتين الوسيلتين هما اللتين يستعين بهما السابح، الأولى: لحّك الجلد من الأوساخ، والثانية لتلييف الجسم بالصابون. قام الآمر بالدخول، وأعتنى المراسل بإحكام مقصود لبوابة الحمام المصنوع من الخام العسكري السميك، وانتظر الآمر لحظات ليختلي بنفسه، فيتفحص المكان، والموجودات على ضوء الفانوس الذي برز نوره بعد إحكام البوابة وتغطيتها ببطانية سوداء، رغم أن الحمام في العمق الداخلي، لخندق. وهذا  ما هيأ للآمر أن ينفرد بنفسه الآن بعد الاطمئنان الأخير، لكن الآمر وهو ينزع قطع ثيابه لم يتوان التركيز بالنظر على مدخل الحمام، ولا على أي منفذ محتمل لعين راصدة، فتأكد أو اقتنع بعدم التلصص من دخيل فنزع الكاكي القذر، ورماه ممتعضاً، من رائحتها القذرة، فصار الآن ككل المدنيين بالملابس الداخلية البيضاء التي حنّ إليها كثيراً، فنزع فانيلته، وكوها ليشمها بعمق، ليشم رائحة جسمه الحقيقية، وتخيل كعشوقته، وهي تدس أنفها تحت عنقه لتشمه، كما تاق للحظة أن يبقى هكذا يدخّن سيجارة، ولكن على ما يبدو كل الأشياء تستعجله، فهنا الماء الساخن خوفاً من أن يبرد، وعليه أن يستعجل الاستحمام، وتردد في نزع لباسه، ولكنه فكر أن يبقى بها حتى ولو تبللت، ومن فوقها سينظف الأماكن التي تغطيها، فهناك حكّ في جلده وأعضاء جسده التي تاقت للماء، وجلده الذي اشتاق لذلك الحكّ، ولكن من أين لليد أن تصل إلى المكانات الصعبة، وكم تحييف على البيت، وعلى يدي زوجته التي تفرك، وتفرك ومن ثم تدهن، وأخيراً ينامان معاً، وأحس أن كل ما بداخله يتحرّك، فنزع على عجل لباسه الداخلي، مما أحسه بحرية، كان الشوق للتعري قد هده، ولطالما مارسه في أحلامه، وبمجرد رؤية أعضائه وتصاعد البخار حولها نتجت رغبة في أن ينظف قلمه، ويعتني به وفي حرارة غير المعهودة، فانتصب عمود الضوء وقد صارت له ظلال متعددة، وأخذ كالمراهق يداعب جسده في كل مكان، ويتلمّس الحرارة فيه قبل أن يغطيه الماء، وسرح وهو يمزج البارد بالحار، وتاهت أفكاره بعيداً، بعيداً وهو يخفي رغباته بالتمسك بقضيب مغرفة الماء الدافيء، فود لتحقيق رغبة عاجلة في الصب، والتفريغ، لكنه نحّى مرغماً القضيب الحار من يده، وقام بصب الماء البارد عليه حتى يبرد ما فيه من دماء ساخنة، ولكي يتمكن من الامساك بالمغرفة ليغرف الماء، ويصبه فوق جسده الحالم، والمتوتر، وحالما لامس الماء الدافيء رأسه وظهره بدا منشغلاً بعملية الغسيل الروتينية بكفيه، في نوع من التوحد الغريب مع عناصر الطبيعة، ولم يعرف كم مضى من الوقت حين افتقد الكيسة ليفرك جلده، وتنحنح لعل المراسل قريب منه، فسمع همس المراسل قائلاً: سيدي تريد الكيسة.
ولم يعط للآمر فرصة الانتظار إذ كانت يده قد وصلت ممتدة إلى حيث باستطاعة الآمر أخذها، وارتدت اليد مباشرة بحركة عسكرية نشطة، كأنما تؤدي التحية خلف الستارة بعد أداء الواجب، وبهت الآمر ففكر بتأنيب المراسل على ما فعله، بعد أن ينتهي، ولكنه سخر من تمسكّه بالآوامر، وهو الآن متوحد مع ذاته بعيداً عن العسكريتارية ولو للحظات، فما بال هذا المسكين الممسوخ، لكي يعاقب، فهنا وهو عاري من كل مميزات الحياة العسكرية، طغت عليه إنسانيته، وتغيّرت حتى أنانيته، وكل أحلامه لتصب في نوع ودرجة الخدمة، وأوطأ درجات الانحناء لكل آمر، وفكّر بغريزية آنية مباغتة، لكنه سحب نفسه من أوهام النفوس الضائعة أوقات المجاعة، وهذا التلّذذ من جديد بالماء وملامسة الكيس الخشن لجلده، ومرّة ثانية تمنى الآمر أن يفرك له أحد جلد ظهره، فجاءه صوت المراسل هامساً شبقاً، كأنما ليستدرج خليلته إلى خلوتهما: سيدي تحتاج لشيء؟
وعلى عجل قبل أن يأتيه الجواب مبهماً، أو بالنفي قال المراسل: سيدي تريد أن أكيس ظهرك؟
وعلت علامات التعجب حاجبي الآمر وبهت من البادرة، لكنه تمنى في سرّه يداً تعينه على الحكك، ويدين اثنتين خير من يد لا تصل مواضع الحكك: لا ابني لست محتاجاً
وأثّرت بأحشائه حسرة كبيرة لهذا التوحش في عالم درامي، فحتى الاختلاء بالذات لا بد له من قوالب، وأسيجة، وماذا لو توحد الواحد بالآخر لكانت زالت الفوارق، ولقلت حالات الحرمان، وانتهت أكذوبة ستر العورات، فكل إنسان خلق عارياً، وسيموت عارياً وينام، ويلد، ويصنع اللّذات، ويسبح عارياً. فلماذا يقاتل، ويدرس، ويأكل، ويتعلّم، ويناقش، و، و، و، و، لابساً لكل منها زيّاً، ربما لكي يستطيع تقمّص هذه الأدوار كلها، فلولاها لما أجاد تمثيل أدوار الحياة، في البيت زوجاً وأباً وأخاً وعماً وخالاً وجداً في القريب العاجل، وربما خليلاً أو معشوقاً أو مخدوعاً. وفي المعسكر آمراً، ومأموراً. وفي السوق زبوناً. وفي المدرسة تلميذاً، أو أستاذاً، وفي ،،،، وقبل أن ينتهي الآمر من صب الماء على جلده المكّيس فركاً، إلا تلك الأجزاء التي لا تصلها يديه، دخلت يد المراسل منتصبة، وقد أمسكت بليفة تبعها صوت المراسل: سيدي لماذا لا ألّيف لك، فأنا، ويدي، وكلي خدامك، ويدي حريفتان في الدلك، والتلييف. جاءت هذه المناداة بين أسلوب الترجي من لوعة مكمودة، أو من أسلوب الخدمة الخنوعة الواطئة، ربما خوفاً من تأنيب قادم، هي محاولة في الحقيقة لمزيج من كل تلك المشاعر، ابتكرتها نفسية هذا الغلام الجسورة.
وأنهى ثروت حكايته، خاتماً حكايته على مائدة الطعام للضيوف، وضباطه الذين سمعوا الحكاية لعشرات المرّات:إن آمر اللواء تغاضى عن ترجيات المراسل، وعندما انتهى من حمامه جذب المراسل، وحقق معه، فوجد أن من عادات الآمر السابق أن يعاونه المراسل في حمامه، ثم أضاف بلؤم مقصود، وربما عاونه على البر والتقوى أيضاً، ومع هذا فقد تندر الضباط من حوله وعندما خرج، وألمحو إلى أن قصة الآمر السابقة مبتكرة، وإنها ليست إلا قصة ثروت عن نفسه بذاته، وإنه يبتكر عن غيره ما يتمناه لنفسه، أو ما يزاوله فعلاً، وينفض المجلس على وعد للآمر أن يقوم الضابط الجديد برواية ما يتذكره من حكاية مشابهة في الليلة القابلة.
وفي خيمته ما أن يضع ثروت رأسه على المخدة حتى يصبح أسيراً لحلمه، وسجيناً لسجاياه، محكوماً بكونه فتاة في السادسة عشر من عمرها، يطير بجسدها فوق أجواء الأمكنة، حيث تحلّق نينار به فتختلطت على القائد الأمور، ولم يعد يميز فيما لو كان هو ثروت حمدي قره كوج بنفسه، أم هو نينار التي تتلبسه في المنام لتستولي عليه برغائبها، ونزواتها المفعمة حيوية، وتستولي على مفردات أحلامه المذّكرة لصيغة الرغبات المؤنثة فيه، فيقول القائد نينار: حلّقت هنا، وهناك فوق بساتين المشمش والتين في أسفل قرية الصّباحية لأرى المناظر التي اشتاقت إليها نفسي، وتريد عيني أن تتملى بها، ولأتذّكر أشياء كثيرة مما افتقدتها الآن في جو الحرب الذي يسجنني الآمر القائد، والضابط ثروت فيه، فهنا كل الأمور أتعرف عليها، وأتنفسها من ذاكرة العسكري ثروت، خصوصاً مناطق الألغام حول المعسكر، وعدد الربايا التابعة لنا، عفوا لهم! والمراكز التي تنطلق منها النيران المعاكسة ممن تدعوهم السلطة الحاكمة بالعصاة، لكنني أرى بتفاصيل شديدة مدينتي التي ولدت، وترعرعت فيها، مدينة جبلية على أحد سفوح جبل سنجار في الحدود الشمالية الغربية، مياهها من ينابيع ماء كلسية، هي مدينة سينقارة التاريخية التي رممها الرومان، بعد الإسكندر المقدوني، وغزاها كثير من المحتلين الغزاة، ويقال أن الملك الأرمني ديكران حين توسع بإمبراطوريته كانت سينقارة إحدى النهايات الحدودية الجنوبية لها، أما الإسكندر المقدوني فقد عرّج على موقعها ليأكل من تينها الأصفر، ولما استطابه، أمر ببناء بلدة سينقارة على سفوح السهل قرب نبع عين الصولاغ.
أرى أنا نينار أيضاً صديقاتي في المدرسة الأهلية، وأتذّكر أشكالهن واحدة تلو الأخرى، ها هي عائدة يعقوب تتقدم بضفيرتها الوحيدة، وتلك جاكلين يوسف التي فاقت الجميع بذكائها، ومهاراتها، وأتذّكر ايضاً أن الصف كان مزدوجاً بين فصلي الثالث، والرابع لقلة التلاميذ، يجلس على اليمين تلاميذ الفصل الثالث، وتكون ماسير ماري قد بدأت بهم، ثم تقوم بإعطائهم واجب للحل، وحين ذاك تلتفت إلى الفصل الرابع لتبدأ معهم، ومتى ما تنتهي بإعطائهم الواجب، تعود لتصلّح الأجوبة للفصل الثالث وهكذا. وكثيراً ما كانت جاكلين تسبقنا في الواجبات، وتطلب الإذن من الماسير لكي تقوم بمساعدة من يحتاج من حلول في الفصل الثالث بكل اشتياق، واجتهاد، لذلك لم يكن أحد من الصغار يفرق بينها وبين الجميلات رغم أنفها وآذانها المجذومة، حتى في اللعب، لهذا لم يكن يبدو على جاكلين بأنها تعاني من نقص كبير في خلقها، خصوصاً، وأن المدرسة كلها كانت تشيد بها، وبتفاعلها في كل الفعاليات اللاصفية، وقد كانت لكلنا رغبات عارمة في التنافس في الصف المزدوج لكي نظهر امتيازنا، فكثير من تلاميذ الصف الثالث يحفظون ما ننشده في الفصل الرابع، وبعضنا لا يتوانى في تعليم تلميذ رفيقه أو ربما يكون أخاه في الفصل الثالث، أما في دروس الرسم والرياضة في المنهج فهو نفسه حيث نشترك معاً في الفعالية.
كل تلك الذكريات التي تتذكرها نينار، تعود لفترة ما قبل مرضها الذي دام ثلاث سنوات فقط، فتتذكر أمها منصورة، وأباها يحيى العبد الله، وخالها عبود منصور، وخالتها خولة، وجدتها سلمى.
ويحلم ثروت في كل ليلة بقصة عن بلدة نينار، التي لا تبعد بلدته عنها سوى عشرات الكيلومترات، فقد ولد وترعرع في تلعفر، وسمع عن سينقارة، والحياة الاجتماعية التي كانت تغتني فيها، فمدينة سينقارة بكل بساطتها، وعنفوان أهاليها المتحمسين لاثبات الوجود، وبخاصة هؤلاء المهاجرين من جنوب شبه جزيرة الأناضول، وقد تركوا أموالهم، وأملاكهم للغزاة مغول القرن العشرين، هربوا من بطش التقتيل، لتستضيفهم هذه البلاد بكل ترحاب، وتحميهم من ويلات المستعمر الذي سطى على بلادهم، وهجرهم عبر الحدود، وها هم بعض منهم قد استقر في سينقارة، لقربها من الحدود الجنوبية لشبه جزيرة الأناضول، بين مفترق الطرق فوق الخط، وتحت الخط، والمقصود به خط ماجينو للهدنة أثناء الحرب العالمية الأولى، وقد هاجر بعض الفارين أثناء أحداث التقتيل الأولى عام 1905، وهي واحدة من الهجرات الأولية واستقروا في سينقارة، فاستقبلوا من هرب في أحداث 1914، 1920، وما بعدها، وبخاصة من نجى من السوقيات السفر بينللك: أي سفر الآلاف، أما من استعصت عليه الأمور، وبقي مختفياً فوق الخط في القرى المحروقة والمدمرة والبعيدة عن أعين عسكر اللمي، فقد قام الفدائيون ممن امتهنوا مهمة تهريب الناجين، والمقطعين، يهربوا بهم عبر الحدود إلى القامشلي، والحسكة، وعامودة، وحلب من جهة سوريا، وسينقارة، وتلفعر، والموصل من جهة العراق، وقد كان خال هوسيب والد شاهين أحد هؤلاء الفدائيين الذين اصطادهم عسكر المللي فاغتالوه وهو عريس، فانقطعت أخباره عن أهله، وبعد مرور عقد من السنين، أو عقدين استقرت أمور المهاجرين إلى سينقارة، وخصوصاً وأن ميثاق استقلال الدول العربية، ودساتيرها قد منحت حقوق المواطنة لكل من يحمل الجنسية العثمانية، من فوق، وتحت الخط ما دام يعيش على أراضيها الآن، وهكذا ولد شاهين مواطناً عراقياً عن أم واب عثمانيين تجنساً كعراقيين.
في هذه الظروف كان مجتمع سينقارة متآلف ينام أهله على الهدوء الذي خلقته الدولة العراقية المستقلة وقتها، فصار همهم أن يجهدوا ليحصلوا على لقمة الخبز بمهن يجهلها أهل البلد، غير الفلاحة فهي للعرب، وبساتين التين لليزيدية. وفي سينقارة هناك ليالي سهر جماعية بين الأهالي، ومنها السهر في بيت القابلة بهية، الملّقبة بـ”بهو” وزوجها سعيد الأطرش الملّقب بفرجو كما تصّغر كافة الأسماء في هذه البلدة التي تتعايش فيها جنسيات مختلفة بهارمونية موزائيكية، عرب، أكراد، أرمن، يزيدية، كلدان، وبعض الموظفين والحرفيين من الجنوب، ومن شرق الموصل استهوتهم البلدة بمناخها، وتقاليدها الاجتماعية فاستوطنوا فيها، فمنهم من ينسج الملابس الصوفية الخاصة باليزيدية، ومنهم من يصنع اللباد كسجاد، وقبعات، ومنهم من يصنع الخناجر، وحدادين يصنعون أدوات الزراعة كالمحراث، والمناجل، والجرجر، ومنهم من امتهن تصنعين المؤن من الحبوب، أو الأجبان، والخضراوات الجافة، وهناك صاغة الفضة التي تستهوي اليزيدية، مثل سورين خال شاهين الذي له سبع بنات، قد اعتاد أن يجعل آريف إحدى بناته تنفخ له كور الفضة الصغير الذي بحجم منقلة فحم، هذا فيما لو غاب هاروت جارهم عن مساعدة سورين، ولما كبر شاهين ابن أخته استعان به عن الكل، ويقوم سورين بتمويع الفضة الخام، أو من المشغولات القديمة ليعود فيشكلها في مصوغات جديدة، يبدأها بمد أسلاك يصنعها عندما تكون الفضة منصهرة طرية قليلة الحرارة، فيدخل طرف ما بالملقط في ثقب ضيق يجره، فيما تكون العتلة المثبتة عليها الأداة المثقبة، مشدودة بمشبك إلى سندانه الدقيق، المثبت في الأرض بحفرة ملئت بالإسمنت المسلح، ويقوم سورين ليسير من مقعده حتى يلف الدكان لو توّفق في حسن جر السلك، وإلا فعليه أن يقطع هذا ليبدأ بسلك جديد، وهكذا لا شيء يفوت سورين، فبعدها يلتقط ملقط من نوع آخر، ملتو يقوم بطرفه الأول بتقطيع السلك، ومن ثم يلوي القطع إلى حلقات يداخلها ببعض لكي تصبح سلسلة من الحلقات، يعمد في النهاية للحم الفجوات في كل حلقة، ويصوغ للسلسلة قفل ستعقده يزيدية غنجة حول رقبتها.
ومن صناع سينقارة من يختص بدبغ الجلود، ومنهم من امتهن صناعة الصابون التقليدية، أو التوسط لتخزين التين المجفف في قلائد، والمشمش، وقشور الرمان المميزة في بستة سينقارة، والحبوب، والصوف، حرف كثيرة ومهرة أكثر، يعتاشون ليس على مجتمع بلدة سينقارة، بل هم بانتظار أفواج القوافل القادمة من القرى المحيطة بسينقارة، مثل الشهابية والصباحية، وتنيه، وغيرها، وحتى من ضواحي بلدة “كرسيه” الشهيرة.
هذه الأقوام المتمازجة في الخلفية الثقافية، والفلوكلورية تقوم في ليالي الشتاء على وجه الخصوص بالسهر في بيوت البعض، وبشكل دوري، يتخلل السهر الغناء، والرقص، والمونولغات الانتقادية، والنكات الاجتماعية، وتقليد الشخصيات، أما في بيت القابلة بهية فإن من يضرب على الدف هو زوجها فرجو، لتقوم هي القابلة بالعزف على الطنبور، ورغم أن كليهما لم يعودا من جيل الشباب، لكن كل من يسهر لديهم يحس بنهكة خاصة بالطرب والاستمتاع، لهذا ترى الضيوف وقد جاءوا مع أطفالهم لينحشروا في غرفة مستطيلة لا تكفي في الواقع لأكثر من أفراد يعدون على أصابع اليد. ومع هذا يجد الجميع المتعة غير المقارنة مع أمسيات أخرى، لأنهم هنا يتصرفون على سجاياهم وكأن الجميع بدارهم، ما دامت دار أمهم القابلة جميعاً، فهي التي منحتهم وأولادهم نعمة الحياة، ونقمتها في أحيان أخرى. ولا تحلو أمسيات ليالي القابلة بهية إلا في الشتاء، فبيت بهية يعج بالغرائب التي تجتذب الصغار بخاصة، مثل منظر القطط حديثي المولادة، وأمهم التي تقوم بنقلهم من مكان إلى آخر بأسنانها كلما أحست بأن الصغار تمادوا في اللعب بهم، أو كلما أحست بعيون فضولية من الكبار تتابع براءة صغارها المكفوفين، أما المنظر الآخر الذي يجتذب صغار الضيوف فهو منظر المؤن المعلقة على الجدران في المخزن، فمنها كعك الخبز القوي المحمص، والمشكوك بحبل قنّب، وقلائد التين، والباميا، والبانذنجان، والثوم، ومخزن خشبي يدعى البشتختة فيه زبيب، وجوز، ولوز، والمشمش المجفف وحلاوة منالسما، والعقودة “لقمة القاضي”، والبستيق “قمر الدين العنب” يسيل لعاب الصغار عليها لكنهم لا يجرأون على لمس، أو تذوق أياً منها، وإلا ويتبعها ضربة عصا على أسفل القدمين، وعقاب بعدم القدوم لمرة ثانية.
أما وبعد أن يمتد بالأهل السهر، فإن النعاس يبدأ بالسريان كالحمى بين الصغار، فينام كل في حضن أبيه أو أمه، في أي مكان حتى عند الأقدام، أو على ردف صغير آخر سبقه للنوم، بينما الأهل منهمكين ببرنامج الغناء والرقص والطرب من جهة، وفواصل النكات، والأقاصيص القصيرة من جهة ثانية، ولا يتاح سماع القصص المسلسلة الطويلة غير ليالي الأعياد أو العطل، فيسهم الكل في سماع الحكايات، وفم كل منهم متلهي بتكسير حبوب البطيخ، والسسي، والزيتون الخضراء والبطم، حتى يرتفع موال، بآخر كل حكاية أو فاصل منها، فينخرط الكل فيه، ثم يتجتمعون على ردّات لأغاني شعبية يرتجل، مال الله، عطا الله المشهوران بالردح، أغاني قديمة مثل مالية، وزيزو، ويارديلله، يتذّكر الجمع الحكاية الأصلية لكل أغنية شعبية، وما هو أصلها، ولماذا قيلت، وما سر البيت التالي فيها.
وتنتهي نينار من استحلام ثروت على هواها، وذاكرتها كما يحلو لها، فبعض هذه الأحلام التي تأتي ثروت\ نينار، كما يسمي نفسه بسرّه في الأيام الهادئة غير المقلقة، أما في أيام المعاناة والضيق الذي يتواتر مع موعد هجوم قريب ومرتقب، أو خوف من قنص راصد، أو حادث انفجار لغم، أو اشتداد أزمة كهذه الأيام القريبة من موعد الهجوم على المعسكرات والهجوم المضاد. إضافة لطول فترات الغياب عن الأهل، والزوجة، والأولاد فإن نوبات من الكآبة والحزن، والسوداوية، ورؤية العالم المظلم تسود مخيلة ثروت أسوة بأغلب من في المعسكر. إن هذه الأفكار والأحزان، لا توازي مع هذا ما كانت نينار\شمس تعانيه أيام مرضها، وما قاسته من آلام مبرحة كانت قد تعرضت لها في فترة مرضها قبل موتها، وسخريتها الصامتة من طريقة العلاج التي زاولها أهلها والأميون من المشعوذين في علاجها كلها تمتزج في كوابيس تشبه أحلام ثروت حمدي عندما يحين موعد هجوم ما وهجوم مضاد، كذلك لطول فترة غيابه عن أهله، زوجته وأولاده بشكل خاص، يفارق فراش زوجته لأكثر من شهرين في كل مرّة، فتستيقظ لديه الرغبة كتلك التي تشبه رغبة نينار المتفتحة في سنها الوردي، سن الرابعة عشر، عندما تمرّضت، ورغم أن ثروت قد تجاوز الخمسين من عمره بأشهر إلا أن استيقاظ الرغبة لديه، تأتيه كرغبة فتاة متبرعمة، تعي الحياة الجنسية لأول مرّة، فرحة وخائفة في نفس الوقت من الحيض الذي يفيض لديها دون أن تعرف لذلك سبباً، فتقوم بالبكاء كأنها قد اقترفت جرماً لم يكن لها فيه يد، ولا حيلة، فقد توفيت نينار في ربيعها السادس عشر، وكالعادة في بلدات مثل سنيقارة وتلعفر، لا بد من أن يلد بديل للميت، وهنا هو ابن ثروت البكر الذي ولد في نفس اليوم، في بلدة تلعفر، وكانت الدنيا وقتها تثلج في كلتا البلدتين، عانى خال أولاد ثروت في كيفية نقل المولدة بهية من بيتها في سنيقارة إلى بيت أخته.
لكن معاناة أهل شمس\نينار الميتة، وثلة من المشيعين للعروس، أصعب إذ كان عليهم تحاشي الزلق وهم يسيرون في الروابي المتجلدة، حتى حفار القبور كارو كان على الرغم من تذمره من المناخ يأسى للحالة التي وصلت إليها شمس\ نينار قبل موتها، وشاهين صديقها، وصنوها في المشاعر، يركض وهو يتعثر وراء المشيعين وهم لا يدرون ماذا تعني له نينار هذه، وماذا يعني هو بالنسبة لها، أهلها فقط هم الذين انتبهوا لتلك العلاقة السرية التي شملت الثنائي “شاهين\ شمس” المتقمصة لشخصية نينار واستفادوا من وجود شاهين الدائم بقرب نينار أيام عذاباتها  ليسري عنها كآبتها، ويزيح بيديه بعضاً من آلامها المبرحة، ويطلب من أهلها تنفيذ آخر ما تتمناه، لعجزها عن الكلام، والتواصل معهم بالغتهم، لأنها كانت قد فقدت القدرة على الكلام، وصعب عليها النطق حتى صارت لا تميز الأصوات حولها، إلا ما تتواصل به مع شاهين من خلال إشارات، ووسائل التخاطر، وكان لها أن ترتاح، وتريح أهلها، خالاتها، وعماتها بالإضافة لأخوتها، ووالديها، رغم أن والدها لم يكن يبدو عليه الاهتمام أمام الناس، وهو الموصوف بجبرائيل الجلد، لكنه وفي رحلاته لنقل المسافرين بين سينقارة والموصل، وفي سهوة الركاب، كانت دموعه تجرح خديه، وهو يرى إلى الأطفال الذين يتراكضون وراء سيارته الجمسي، يتخيل كل وجه فيهم هو أحد أشكال وجه شمس في صغرها قبل أن يبتليلها المرض الفتّاك.

5
جرافات تكنس أبدان موحلة لضحايا من فيتنام وكمبوديا، وقد تقطعت ملابسها، عيون الأبدان تتحرك، والأفواه مفتوح على أصوات قهقهات، وضحك هستيري جماعي. تقوم الجرافات بحمل الأبدان وهي تتحرك كأنها مانيكانات مبرمجة، وتركبها كأفاريز على حافات الأسيجة، وما أن تستقر هناك حتى تصبح تماثيل، بعضها بوضع الوقوف، والبعض الآخر مستلقي، والبعض الثالث يجلس القرفصاء، لكن عيونها وأفواهها تتحرك.
ويقوم بعض من الضحايا وقد انتشلوا أبدانهم من بين الأوحال، فيشار إليهم، بأن عليهم المرور بأنفاق لكي يصلوا إلى صانعي التوابيت القصديرية، وينزل البعض في جحور محاطة بأعشاب، وربوات محروقة، وعليهم هذه المرة أن يجلسوا في قن للدجاج يتحرك مثل دولاب الهواء، فيصلون لفتحة تقلهم إلى ربوة حلزونية يركبون في القنّ، وينقلبون رأساً على عقب، لكي تتعلق نهاية القنّ بتل له فتحة ثالثة فيها إطار قصديري كروي، وفوقه أرض رخامية صقيلة يقف عند نول الحائك يونس، وهو يحرك مكوك دولاب الحياكة، ويتطلع بين يديه مبهوراً، ليرى إلى غطاء التابوت الصوفي النادر الذي جلبته الجثث معها، ويقيس لمرّات، ومرّات، لكنه لا يصدق قول الموتى المانيكانات بأن هذا للبس في الشتاء، ويقي من الثلج، وليس لناؤوسهم.
في هذا الكابوس الذي بثه شاهين لثروت حمدي للمرة الأولى، ليس من خلال نينار ربيبته في الأحلام، وإنما مباشرة، تصور أنه سينقلب كيان ثروت رأساً على عقب، لكن شيئاً ما في سرير ثروت قطع استمرار “الحلم\كابوس” فأحس بأن هناك شيء ما غير طبيعي في فراش منامه يدفيه، غير أن ثروت يتضايق من هذا الشيء غير المريح، وغير طبيعي، أملس مثل جلد السمك، لزج يفلت من بين الأصابع، خاله للوهلة الأولى أصابع حنون التي تدلكه ليستفيق من نومه، أما هنا في هذه الحالة فثروت يزداد نعاساً مع هذا الجسم اللزج، وهو شيئ يركن بين فخذيه، ويطلق العنان لرغباته، يريد ثروت أن يبقيه بين الساقين كمخدة طرية من ريش النعام، وكأنه شيء اعتاد عليه قبل نومه كل يوم، يكون قد احتضن حبيبه– حبيبته، في ازدواج يعانيه في منامه، ويبدو أن الشيء الذي يضايقه في سريره، كأنه شيء واقعي لا علاقة له بالحلم، ولا بأحلام اليقظة، بأنه فعل حقيقي وليس من بنات الخيال والأحلام. وتوهم ثروت للحظة أنه ربما ينام في سريره في البيت مع زوجته، لكنه متأكد، بل جازم من أنه هو هنا في المعسكر، وإن موعد إجازته ليس مع الوجبة القادمة. وبدأ ثروت يستجمع حواسه بحذر، ويلملم مشاعره بوجل . ففي ذلك أمور وأحوال لا يمكن إغفالها، أو السكوت عنها. فالجسد الذي يلامسه الآن في سريره، جسد ليّن رطب، ناعم الملمس كوسائد الحرير، حرير هندي مثل شال زوجته الكشميري، وتذّكر ثروت لأول مرّة أن الكائن الممتد على طوله، وإلى جانبه، رطب برطوبة “سرانية” غير معهودة كأنه هواء جهاز مكيف، أو بطيخ أحمر “رقي” أُخرج لتوه من بركة ماء باردة، كعين بيخال القريبة من المعسكر، لهذا فضّل ثروت ولشدة القيظ الرجوع للنوم، فلطالما اشتكى من قلّة النوم، وندرته خاصة النوم المريح من غير هواجس أو كوابيس، رغم أنه من “النوّامين” المدمنين على حد تعبير زملائه أمراء الأفواج الأخرى في المعسكر نفسه.
لكن صراخ المراسل حنون المرعوب، أفزع سيده المقدم ثروت، فأفقده العودة لنومه، وصار صراخ حنون، وفوضى حركاته وسرعتها، أن يعجّل من هروب الحنش هذا الرفيق الذي شارك ثروت سريره، فهرع الحنش منسّلاً بلا مبالاة من أحد الثقوب إلى خارج الخيمة، ورغم سرعة الحدث، إلا أن ثروت الذي لم يشعر برهبة الموقف، وهول المصاب، والخوف من مصير كان سيصيبه، لم يقم حتى بمحاولة تناول مسدسه، الذي يرقد تحت وسادته، لقتل هذا الكائن الذي تقشعّر لرؤيته الأبدان، وتثير لدى المفزوع غريزة الدفاع عن النفس. مشاعر ثروت كانت قد ولت إلى أبعد، بين التعاطف والتكافل، بين خبرة التلامس، وقشعريرة اللقاء المملوء بالدفء والتلذذ الغريب، ربما لم يشعر بكل هذه الأمور لأن ثروت أحس بألفة كانت له مع هذا الجسد المتألق في حميمته، وهما معاً في فراش واحد يحقق كل منهما رغبة دفينة للآخر. وهكذا كانت نظرات ثروت لحركة الحنش الرقيقة الانسياب، كأنه ينظر لراقص باليه يسبح بين ظلال الأضواء، والأنوار المتكسرة، يتمايل جسده كأنها أنبوب مطاطي يشبه المغزل، يدور لولبياً ليدخل في عمق الأماكن الباردة، أما حركات الرأس وبخاصة اللسان، فإنها نوع من التجانس الهارموني في تبادلها الرحيق بين آخذ ومعطي.
ويستعيد ثروت الجزء الأول من حلمه عندما أعجب برقص الحسان المثير، نافستها الآن حركة الأفعوان الانسيابية، التي طغت على حركة أي راقص بجماله ومرونة حركته، ورشاقتها، بلكل الراقصين بما فيهم الحسناوات أنفسهن، واشمئز ثروت من فكرة تذكر أجزاء حلمه حول الأجساد الموحلة، وعاد إلى علاقته الداخلية الدفينة، بالكائن الذي يشاركه سريره في الواقع، وليس في الحلم، أما الآن فهو يحلم بتلمس الجسد بخياله، ويرى الكائن بأم عينيه، وفي صحوه، ها هو متجسد أمامه في كائن عريض، طويل، ورشيق.
وبينما ساد الهرج الجبان، والولولة الصارخة من فم حنون وحركته، أسرع ثروت لتهدئته وقد افتعل زجرة غير عسكرية، طالما يبغض مزاولتها لغير مراسله، فنهره مشيراً لعدم الانزعاج من غير سبب، وها هو الحنش قد هرب، لكن حنون لم يقتنع لأنه موقن بأن الحنش سوف يعود من جديد، طالما وجد الرطوبة في الخيمة المحفور نصفها الأسفل في الأرض، فاقترح أن ينبه رئيس عرفاء سرية المقر والفوج لكي يلاحقوا الحنش إلى الثغور، بل ووجوب سد بعض الثغور القريبة من خيمة الآمر سيده ثروت، لكن الجواب جاء بالنفي من الآمر ثروت، فمن يضمن أن الثغور هي نفسها مكمن نفس الحنش أولاً، وإن ظروف الحرب توجب على الجيش أن يسد الثغور في جبهات العدو، وليس مهمتهم قتل الأحياء، فلكل حي رزقه الذي رزقه، لكن حنون وجد في لا مبالاة سيده الآمر غرابة غير معهودة، مما برر له عدم اكتراثه بأنه وهو السيد محق، وأن هذا الكائن لولا الحر القائظ في الخارج لما جاء ملتجأ إلى خيمة الآمر، لينام في البرودة وبالذات على سرير القائد، فحنون وحده يعرف كم هو بارد جسد سيده، وبخاصة نهايات أطرافه، حينما يقوم بتقليم أظافر يديه ورجليه، أو ليقوم بتليكها عندما تتوتر أعصاب سيده الآمر، أو عندما يحار في إيقاظه من النوم، فيعمد إلى تدليك رقبته وكتفيه وظهره ووركيه حتى ساقيه وقدميه، وسيده ينام على وجهه محاذراً لمس أي طرف حساس من أطرافه المحرّمة، والمحظورة . وفي مرات يعنّ على ثروت أن يتناوم، فيقوم حنون بقلبه على ظهره ويروح يمسد له صدره، فتصدر عن سيده تنهيدات دفينة من الشهوة التي يعرفها هو ذاته، فيعرف أن الألم الإنساني هو هو لا يختلف بين قائد، ومراسل، فيرق قلبه، ويمارس تدليكه حتى العنق، والوجه، فيفتح ثروت عينيه على ابتسامة غامضة تفزع حنون، فينهض وهو يردد سيدي هل أجهز لك الفطار.
ويجلس ثروت حمدي ليفكر طويلاً، وقد هزته الحقيقة، تتناقض في داخله نزعتان، لا يعرف أيهما الأحق، فهل يجاري أحلامه الواهمة، التي تبدو بظهور الحنش ليست إلا واقع لا يصدقه العقل، أو يندفع مع غريزته الإنسانية في الخوف، والارتعاد من نجاته من موت محقق، لائماً نفسه أو مهنئاً إياها على السلامة، لكنه يعود للتساؤل من جديد، بأنه لو كان هناك خطر لما وجد نفسه مستيقظاً، ولصار الأمر محتوماً، وانتهى في أقل من فركة ظفر.
وهكذا بدأ باستعادة الأحداث، وأجزاء من صور مرّت منذ استيقاظه، وتخيلاته قبل لحظات، وبدأ يقرن بين ما حدث في الواقع، وبين ما ترائ له في المنام، وذلك بأنواع يأنس لها أثناء تحوّطه جسد كائن حي يشاركه منامه، فسخر من تخيله للحنش كوسادة الحرير، وفكّر مصدوماً بأن هذه ليست المرّة الأولى التي يشاركه فيها السرير هذا الحنش الرهيب، فانزعج، ثم استرجع قواه وهيبته خصوصاً وأنه لا بد أن يبدي من الشجاعة ما يمكن أمام مراسله الذي ما زال يدور حول نفسه في الخيمة، وربما تساعده إشارة من سيده للذهاب حتى على الأقل بأية حجة، كأن يطلب منه استدعاء كبار الضباط، كالمعاون أو المساعد أو أمراء السرايا، ولأول مرّة يصرخ ثروت حمدي بغير وقار بمراسله، إذ أنه نادراً ما يفعلها، بخاصة وأن الأخير لا يغيب عن ناظريه طالما هو موجود في الخيمة، أو يبقى ككلب حارس أمام بوابة الخيمة، وللحظة صرخ ثروت وكأن حنون بعيد عنه غائب عن ناظريه: ولك حنون وين أنت؟
فأخرج حنون رأسه من شق الخيمة بدلاً عن إدخاله، لكنه تذّكر أنه قد فقد توجهه، لذلك عاد بوجهه ليواجه القائد بهدوء وخجل، وكأنه هوالملوم عما حصل، قائلاً بانضباط لا يزاوله أمثاله في كثير من الأحيان، وقد استعد للآمر ثروت مؤدياً التحية العسكرية: نعم سيدي.
وبان لصراخ ثروت حمدي معناه الفارغ، عند انتهاء تأدية التحية، وكأنه كان يأمر الفوج بالانصراف، بشكل باهت لا يليق بآمر فوج صدامي متقدم، وصار كل ما شاهداه خارجاً عن المألوف، والوقار العام الذي يلّف ثروت كقائد، لكن حنون كان يتوقع الأكثر، والأكثر فهذا قليل سيده ثروت الكثير، ولولا صلابة الموقف، وحواجز الدرجات العسكرية لانخرط كلاهما في الضحك، والتهريج طالما تتوق نفس كل منهما إليه.
إن ثروت قد غلبه الطبع العسكري حتى في البيت، فكل ضحكة تنطلق من فمه مع أولاده يغتصبها اغتصاباً، وكأنها تخرج من أعماق جرح متقيّح كليم، لقد شهد حنون ذلك في إحدى المرات التي أخذه سيده الآمر معه إلى بيته، لكي يخدم في عيد زواجه الخامس عشر، فرأى ما عجب له، فقد ميز العلاقة الأبوية لثروت مع أسرته، وتلك الرسمية، والعلاقة الجافة بين الطرفين، العائلة بأسرها من طرف، والآمر من طرف ثان، وبين سيده وزوجته هناك برودة تشوب الموقف حتى درجة التجمد، والصقيع الذي يعلو الروابي في صباح يومي شتوي قارص، أما علاقته بأولاده فلا تختلف كثيراً، غير أنه يبدو كمعلم، أو ضابط صف في العرضات، لا حنان، حتى القبلات تطير في الهواء، لا تلامس الشفاه أي جزء من طرف إلى آخر، فالبرودة متبادلة مثل بلوط ناشف، وفكّر حنون بأن هذا هو حال القوّاد دائماً، وربما المتعلمين من القوم، فحتى في لحظات السعادة، أو الموت فإنهم يجابهونها بكل أدب ووقار، واحترامات جمّة، وغالباً لا تثيرهم حركة السكين والشوكة وهم يقطعون طعامهم من اللحوم بخاصة، بينما ينهش غيرهم لحم الطعام نهشاً، تماماً كالفرق في حالات القتل، فهذا المتوحش يستعمل أظافره، وسكينه إن استدعى الأمر، لكن المتحّضر يبيد أعداءه بالسموم، أو بالصعقات الكهربائية دون أن يرى الآثار، أو يتمزمز بعذاب الآخرين وهم يجلدون أمامه، دون أن ينفعل، أو ترمش له عين، فلو كان الحنش قد ظهر في صرائف قريتهم على ضفاف الهور، لهرجت الدنيا وقامت ولم تقعد ولتحّدث الناس بسيرته أياماً وأسابيع، ولأضافوا عليها الكثير من الخيال والبطولات خصوصاً وإن مخلوقات كهذه تخلق شهية الابتكار والتكهّن، لأن تحيا في باطن الأرض، وإنها كائنات تحمل في أحشائها أرواحاً لجنيات شريرة أو خيّرة، آفات تصيب البشر بشرورها، وتقتحم دواخل المساكين من الناس، هؤلاء الذين لا قناعة قوية بداخلهم ولا ثقة كبيرة بما يؤمنون به، تتنازعهم الأفكار السوداء، والتطير من أية نظرة من عين زرقاء أو عسلية، أو أية ظاهرة طبيعية لها آثار خاصة، كالبرق والرعد أو الفيضانات، أو ربما الخوف من الحيوانات كطيور البوم والغربان والقطط والذئاب، أما الكلاب فغير، فهي محبوبة أليفة، وكذلك الجاموس والبط الخضيري.
وحسم حنون الأمر فقام ليعد الشاي للقائد، لكن هاجساً بداخله ذكّره من جديد: لا، لا إنها ارواح شريرة، وإلا لما تقمصت هيئة حنش خرج كالرجال، وبكل هدوء من تحت اللحاف، وبسملل حنون من خوفه، ثم أضاف: نعم، نعم الأرواح الخيّرة تتقمّص أشكال الطيور، والحيوانات الأليفة، لكن هذا، فأعوذ بالله.
وتمنى حنون أن تسرع أيام الحرّ الشديد لتنقضي، فتعود الأيام الربيعية، وفجأة ضحك في سرّه، كيف يفكّر بالربيع قبل مجيء كل من الخريف والشتاء، هكذا في لحظة، وفسّر ذلك بكراهيته هذه لهذين الفصلين منذ أكثر من سبع سنوات، زوابع وتعرية لكل شيء في الأول، وبرد وثلوج في الثاني، هذا فيما لو كان محتمياً بمعسكر، أما إذا شاءت الظروف أن يكون موعد الانتقال من مكان إلى آخر ضمن أرتال القطعات الراحلة، أو العائدة من وإلى المعسكر، فالأمر سوف يختلف بشكل أسوأ، وتذّكر حنون ما لهم ينساه أبداً، وهو مسيرة التيه في الثلوج الجرداء، عندما انقطعت السبل برهطهم، بعد تعطّل السيارة الزيل، ظلّ الرهط ينتظر الأمل في قدوم أية سيارة، أو قافلة قد تقلهم، أو تعتني بسيارتهم فيصلحها من هو ميكانيكي ماهر في القطاعات المرافقة أو المجاورة، ولكن لم يكن من أمل في تلك العصرية، وقد اقترب الليل، وبدأ عواء الذئاب يعلو في الآفاق، والرهط سيؤول مصيره للهلاك لا محالة، فإما الموت انجماداً، ويصبح طعاماً جاهزاً للذئاب، أو الموت من نهش الذئاب بأسنانها للأجساد المخدرة من البرد والتي لا تريد المقاومة، أو على الأقل تحاول دفع الموت عنها، لهذا قرر الرهط الانطلاق سيراً على الأقدام مهما كلف الأمر، ففي كل خطوة هناك تقدم إلى الأمام نحو المعسكر، وسوف يصل الرهط أخيراً مهما كان العناء، أما المكوث فهو فقدان للأمل، وانتظار لموت محقق، بينما السير قد يحرك الدماء في العروق، ويسخنها، لكن ما أن حطت أقدام الرهط على الأرض المتجلدة حتى دب الرعب في أفراده، وفقد الدليل صوابه في معرفة الاتجاه، وصار يتخبط يميناً، وشمالاً، والأرض تنزلق تحتهم، كما ينزلق قارب في تيار ماء جارف، والأثر المفقود أمل ومنال لكل فرد في الرهط، وهم ينظرون في كل صوب في صحراء جليدية، فتثلجت أطراف نافع جندي المخابرات، وتجمدت شفافه، ولم يعد يقوى على التواصل مع الطرف الآخر الذي كان يشجعه، ويدل الرهط على الدرب قدر المستطاع، بينما بكى نائب العريف أحمد من قساوة البرد الذي لم يعتده في جنوب البلاد، وكم تمنى أحمد أن يحال الزمهرير إلى نهار بشمس حارقة من أيام تموز في مدينة الناصرية، حيث يهرب الناس إلى معمل صناعة الثلج لحمل القوالب للمساعدة في نقلها إلى الأسواق القريبة، أو زيارة معامل الدوندرمنة “الموطة”، للتبرد، لكن أين تلك اللّذة من هذا القيظ الجليدي، وأين تذّكر الأحداث من ممارستها، فلكل أمر وقته ولكل بغية ملاذها، فالساعات الطويلة مع هاجس مريح لا تحدد إلا وقتها، أما العكس فيقصر الزمن ويطول كأنه حلم يتمطى، ولعل للربيع نكهته الخاصة في إشباع رغبات تزدهر معها الأماني، والأمال معاً.
انتبه حنون إلى آمره ثروت فوجد أن المفاجئة لديه قد قلبت بعضاً من كيانه، لعل خروجه في هذه الأثناء أفضل، ريثما يكتمل تحضير الشاي، ومع هذا فقد ظلّ ثروت كالمسطول جالس على حافة السرير، لا يبارحه، ولولا ضيق المكان لفتح كرسي الراحة، واستلقى عليه بدلاً عن السرير، مبعداً التفكير في عودة الحنش الرفيق، وبدا ثروت خارجاً عن هدوئه بعض الشيء من جديد، وقد شعر بخدر غريب يسري من أعلى ركبتيه حتى أسفل قدميه، وسرت رجفة غير عادية لازمت أوصاله حرارة ونحول وزوغان، ودّ ثروت لو أن حنون ينهي عملية تخدير الشاي لكي تريح أحشائه رشفة من الشاي تتبعها برودة ناعمة وراحة عارمة، وأخذ أنفاس مريحة بعيداً عن التجهّم المرتسم على وجهه كقناع للقائد الأوحد، في هذا الجمع المتعسكر على رابيات رانية، فكم تمنى ثروت الانفراد لوحده، حتى يستطيع أ، يركن لنفسه فينزع  عن وجهه هذه السحنة للحظات، يريح فيها عضلات وجهه، كم يتمنى أن يكون الآن في البيت بعيداً عن هؤلاء الرجال القساة، فيعود إلى أولاده فيتصرّف معهم ولو للحظات بكل بساطة وتلقائية، فيخرج قدر المستطاع عن طبعه، ومع هذا يصاب ثروت بخيبة أمل هو ومن حوله في البيت، عندما لا يقوى على المواصلة التصرف بفطرة، وتلقائية طبيعية غير المنضبطة عسكرياً، فيفقد هو ومن معه متعة التواصل، حتى عندما يتنازل لصغاره بأن يستعملونه كمطية وقتية في ألعابهم، فيركبون على ظهره، ويلاطفونه كحيوان أليف، أو يلعبون به وكأنه إحدى ألعابهم الأوتوماتيكية التي يجلبها لهم. لكن كل شيء ينقلب فجأة، وتنهار العلاقة القائمة على اللعب والبراءة، لذلك يجد ثروت صعوبة كبيرة في تأقلم أطفاله معه في الأيام الأولى لإجازته معهم، خصوصاً الصغار منهم، وغالباً ما يدعوه أحدهم بالعم ثروت بدلاً عن كلمة بابا، فيشطات غضباً منذ اللحظة الأولى. وكم تمنى ثروت أن يحدّثه أولاده دون تكلفة خصوصاً الكبار منهم، وعلى الأخص الصبيان، فالبنات من السهل قيادتهن وتأقلمهن، بينما يعجز الصبيان، وأهمهم نادر الذي يشبهونه به شكلاً وتصرفاً.
ونظر ثروت إلى ما حوله بقرف فكل شيء بلون الكاكي حتى وجهه، فبمجرّد لبسه لهذه الملابس يتبدل حتى التصرف منذ أداء التحية، فلبس غطاء الرأس، والمرور، والوقوف، والانصراف .. أوهههه، أو هههه، وصرخ ثروت بحنون: ماذا تفعل، ألم تنته من إعداد الشاي، اذهب لتجلب لي فاكهة من المقصف، وبلا إرادية سقط ما كان بيد حنون، كان وعاء للسكر، فهرب دون أن يلتفت لما حصل وراءه، ودون أن يفهم ما سوف يجلبه معه، وفضّل ثروت هروبه هذا، ففك حزامه، وأزرار قميصه متنفساً من ضيق شامل، واستلقى من جديد على ظهره في المنام، لكنه سرعان ما أنتفض مذعوراً من مجرّد تذّكره لعودة الحنش، أو اختفائه تحت اللحاف، أو إحدى وسائد فراشه، لكنه عاد لوضعه من جديد بعد أن تأكد من خلو السرير من شبح الحنش، وقد القى على كل جزء فيه نظرته الفاحصة، بحرفية ضابط مخابرات ماهر، مطمئناً نفسه بحجج مغصوب عليه تقبلها، لكي يرضى بالأمر الواقع، فلو كان غير هذا الكائن من الزواحف الأخرى، أو المفصليات على الأقل لهان الأمر، واختلف الحال، فماذا لو كان الحادث مع عقرب، فإن ثروت كان في عداد الذكريات شهيداً ملفوفاً بعلم الأوطان، تذهب جنازته في إجازتها الأبدية.
وتذّكر ثروت وهو يضع كفيه تحت رأسه على الوسادة ساهماً بعدد الخيوط التي تربط الوتد الوسطي للخيمة، لتحيله إلى التفكير في أنه يستيقظ لأول مرة من منامه غير منزعج من كابوسه، وتكرار ذلك الحلم ألأزلي المتكرر، حلمه بكونه نينار التي تتقمص شخصيته في المنام، ويتعجب ثروت أكثر في كيفية تصرفه مع هذه الشخصية، من خارج حلمه على أنها شخصية أخرى لا تمت إليه بصلة، خصوصاً الوعي أثناء النوم، أو الاستيقاظ وكأنه يعاتب نفسه في سرّه على هذا الانتماء غير المشروع، أو الميل الناشز، رغم أنه لم يكن الراغب علناً، ولكن ليس بيده حيلة، كل ما هنالك أن هذه الشخصية تصر أن تخترق أحلامه وحسه، وتتعمد مع مرور الوقت طمس معالم شخصية ثروت ابتداءً من الاسم، وحتى السلوك والعلاقات، وربما بعيداً إلى الذاكرة، والمخيّلة ومرتجعاتهما معاً. بل إن ذاكرة الحلم لديه هي ذاكرة نينار، ودائرة علاقاتها نفسها، بينما تنحسر مؤهلات شخصية ثروت حتى تتم حالات الاستيقاظ، أو الوعي التام ما بين حلمين.
وقد لا يتذّكر ثروت صنوته نينار في تلك الفترات، أو ربما يتعمد تجاهل أي شيء يمت لنينار، ولاسم نينار نفسه، يود لو يكشط الحروف بخنجر من ذاكرته، لهذا تترائ نينار لثروت في فترة استيقاظه الأولي ليس أكثر من شخص عابر، ومن جنس آخر بالطبع، ينسى ثروت حتى اسم نينار، كما حدث أن نسي أسمه في الحلم، بل كثيرا ما يحلم ثروت بأنه قد فقد الاسمين معاً، فيذهب في الحلم إلى دائرة الأحوال المدنية لكي يتأكدوا له من صحة اسمه، أو فيما لو كان له اسم في حقيقة الأمر.
دوّامة متراكبة التهويم، ففي كل حلم تكون النهاية بأن الموظفين لا يعثرون في سجل العائلة على شيء يمثله، هذا فيما لو وصل ثروت إلى نهاية الحلم بهذا المسرب، ولا يجد الموظفون صفحة اقرار الحال، فيجري تيه من المعاناة الروتينية لمتابعة الموظف المشاكس، وهو يقلّب أوراق الدفاتر التي يعلوها الغبار، ويظّل الموظف يقلب، ويقلّب وهو يلعن ويسب، وعيون ثروت تراقب، وتتابع، وترصد كل سطر، وبداية كل اسم، لكن التقليب يصبح حركة لا نهاية لها، لمجرد التقليب مثل دوّامة هتشكوكية، وتيه كافكوي طالما يتلاشى كل أمل، وينقلب الحلم فجأة إلى سيناريو آخر، بطقس ثان، ثعابين بأقعنة بشرية تهرب، وغيلان بأجساد إنسية تتماهى، الأولى تنفث سمومها على الأخرى، وثروت حائر في الوسط بين صد السموم، أو توصيلها للأطراف المتنازعة في غارات الكرّ والفرّ. وكثيراً ما يفكّر ثروت بأن علاج أزمته هذه، هو أن يقابل المولّدة التي أطلقته إلى هذه الدنيا، أو أن يستنطق المولدة التي ولّدت نينار، أو يتمنى أن يعرض نفسه على طبيب نفساني ليعيده إلى توازنه الذاتي، أو يقوم طبيب جراح بإعادته إلى جنسه الأصلي حتى ولو كان فعلاً من جنس الإناث، أو الجنس الثالث، خصوصاً وإنه كان قد قرأ الكثير عن حالات مشابهة لحالته، يكون فيها ليس الاختلال الهارموني سبباً، ولكنه اختلال في ظهور الأعضاء الجنسية، واختفاء الأصلية فيه، ولما قام الطبيب بفحص ثروت أكّد له بأنه سليم فيسيولوجياً، لكن هناك اختلال عقلي، أو لنقل نفسي، يسببه افراز هارمون الاستروجين النادر وجوده في جسم الذكور، لكن في حالة ثروت يبدو أنه يتزايد، خصوصاً، وإن حلمات صدره أكبر من الحجم الطبيعي، وتذّكر ثروت، وهو في الحلم، كيف تنتابه حالات مصّ لشيء يتخيله ثديه، وكيف يذهب بكفيه تلقائياً للعب بحلمتيه حتى كبرتا بهذا الشكل. وسمع الطبيب في حلمه يقول: إن لكل مخلوق بشري من صنف اللبائن جنسين أحدهما متغلب، والآخر متنحي، وهذا يتكرر في اللبائن الأخرى من الثديات، يكون الانفصال واضحاً لدى هذه الأصناف، على عكس الأحياء الأدنى منها التي رغم ظاهرها الخنثوي، إلا أنها لا تلّقح ذاتها بذاتها، إلا إذا عاشرت رديف لها، وغالباً ما يصدق العلم، وتنبؤاته في تحويل ذكر بشري إلى أنثى، لأن الهاجس لدى الكائن البشري أرقى، وأكثر انتباه للحالة. بينما لا تحصل الحالات لدى الأحياء الأخرى، وغالباً ما يكون الانتباه مرده لمستوى تطور العقل البشري، ودرجات الوعي.
وفكّر ثروت بالفرق بين حلم الأحياء الأخرى حتى من الثديات، وأحلامنا نحن، ولما سأل الطبيب عن حقيقة حاله، أجابه الطبيب بأنه لا يعرف سبباً لذلك، خصوصاً وإن الفحوصات الإكلينكية لم تظهر أية أعراض فيسيولوجية، ولما شرح ثروت عذاباته الليلية للطبيب، بشيء من الخجل والاستحياء، وعدم الثقة بالنفس، نصحه بمراجعة طبيب نفساني، لعدم علم الطبيب بأن ثروت قد سبق له المراجعة ذاتها، فتماهل ثروت في الرّد، وأمل نفسه في أن يكون له جولة مع الأطباء حالما تنتهي حالة الحرب الطويلة، لعله استأنس لحاله، وبدأ يعتاد على أحلامه، بل استأنس لها، واعتبرها نوعاً من التسلية خارج إطار المألوف، والحياة الواقعية التي يعيشها، خصوصاً وإنه بعيد عن العائلة، والاحراجات التي قد تسببها تأوهاته في الحلم، وحركاته المشبوهة في الفراش، ويضحك ثروت ساخراً من نفسه، ومن حاله الذي لا يوصف: زوج، وأب لبنت في التاسعة من العمر، ناريمان التي يعبدها، وحمدي الأصغر بين أخوانه في الثالثة، وكونه آمر للواء عسكري ينقلب امرأة في المنام، فتاة مراهقة تطارده من قبرها، وتفرز كل مكبوتاتها من خلاله، ويضحك ثروت بمرارة، وأسى تصبح قهقهاته شهقات ألم،  لا يعرف لمرراتها حد، ولا طعم، فقد اختلطت عليه الأمور.
ومع خطوات حنون الذي يتعمّد غالباً أن يصدر من خلالها أصواتاً خاصة بمشيته أثناء وصوله، أو قبل دخوله الخيمة، يقوم حنون تحاشياً لأي احراج لسيده بإصدار نغمات يترنم بها لكي يهيئ المجال لثروت كي يستقبل أي داخل للخيمة، ويقوم ثروت الآن بمسح عينيه ووجهه بمنديل الوجه المبلل دائماً بماء، وينهض إلى حيث إبريق الماء لكي يغسل وجهه، ويقف أمام المرآة لكي يعدّل من هيئته، وعندما يتنحنح حنون قبل الدخول يعطيه ثروت إذن الدخول.
وتذكر ثروت بغتة أن هناك متطفل يدخل دائماً أحلام ثروت يشبه الجندي المكلّف شاهين، حالة الدخول هذه تذكر ثروت بأن هناك حالة خاصة يلتقي شاهين بثروت في الحلم، وكأنهما يلتقيان أيام الطفولة، يمثل ثروت دور نينار التي تعجب بطفولة شاهين، وهذا ما كان يراود ثروت نفسه، وهو ينظر إلى تقاسيم شاهين مرة في حلمه، وأخرى عندما يمر أمام خيمته، فيرى نفسه كنينار تلاحق الصبي الصغير من غير أن تدري ما هي هواجسها، ولماذا تلاحق صبي أصغر منها، ولا تنظر لشبان مراهقين في عمرها، أو أكبر، ربما لأن فيهما صفات مشتركة من التخاطر، والتعالم، وإرسال الرسائل عن طريقه للغير، أي لهؤلاء المراهقين الأكبر من شاهين سناً، ليبلغهم برغبة نينار، وودها لأحدهم، ربما هو واثق كسبو، أو أنور بطي، ولا تنسى أن تغمرهما بالقبلات الهوائية، أما هؤلاء فلا يعلق ببالهم أي شيء مما تكنه نينار، وما أرسلته لهم، لأن تفكيرهم مصبوب فقط على ألعاب شبان، سيصبحون رجالاً عما قريب، ألعابهم برمي الحجارة لاصطياد العصافير، والحمام، وربما الأرانب البرية، وهكذا يعرف ثروت من هو شاهين، غير أن ظروف الجيش لا تسمح لآمر أن يلتقي مجند، فلكل شيء هنا حساباته، ومقاساته، ويدخل بشكل قسري حلم يفرضه شاهين على ثروت، فيرى الآمر الناس من أهله العراقيين في الأوحال يأكلون الطين، ويبتسمون للجنود وهم يغرسون سناكيهم في خواصرهه، يقوم البعض من الأوحال فيشار إليهم بأن عليهم المرور بأنفاق لكي يصلوا لصانعي التوابيت الكرستالية، وينزل البعض في حفر محاطة ببلور، وسلالم كريستال، عليهم أن يجلسوا في قفص يتحرّك مثل دولاب الهواء، فيصلون لفتحة تقلهم إلى سلم شفاف يركبون في القفص، وينقلبون رأساً على عقب لكي تتعلق نهاية القفص بسلم له فتحة ثالثة فيها إطار بلوري بلون المارون، وفوقه أرض إسمنتية صقيلة يقف عند محاور الزجاجة الدوّارة لدي خبير قطع الزجاج يحيى، وهو يدير دولابه، ويتطلع في نافذة الغرفة مبهوراً بغطاء التابوت الكرستالي النادر الذي جلبته الجثث معها، ويقيس لمرّات، ومرّات، لكنه لا يصدق قول الموتى بأن هذا لملء الشراب، وليس لناؤوسه، وتقوم الجرافات بحمل الأجساد وهي تتحرك كأنها دمى مبرمجة، وتركبها كأفاريز على حافات الجدران، وما أن تستقر هناك حتى تصبح تماثيل، بعضها بوضع الوقوف، والبعض الآخر مستلقي، والبعض الثالث يجلس القرفصاء، لكن عيونها وأفواهها تتحرك.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *