نصرت مردان : وداعا سيلوبي ! (1)

nasrat mardanإشارة : بلغة بسيطة وعرض حارق ، يصوّر الكاتب “نصرت مردان” في روايته الرائعة هذه “سيلوبي” المصائر الفاجعة لمجموعة من العراقيين في معسكر “سيلوبي” التي يبدو أنه عاش تجربته المريرة شخصيا ، فجاءت على هذا المستوى الهائل من المصداقية والتصوير الواقعي . إن عرض الأمور المعقدة بأسلوب بسيط هو روح الفن الكبير  ، وقد نجح نصرت في هذا الإختبار .. فتحية له .

لم يحلق الخيال طويلا في هذه الرواية

قال أبي :
كان لرجل ثري بلبل بلغ شدة ولعه بتغريده أن صنع له قفصا من ذهب.لكن البلبل ظل يشدو نائحا ” آواه يا وطني ..آواه يا وطني ”
بلغ الفضول مبلغه في نفس الثري . أي وطن يتحسر عليه هذا البلبل المدلل في قفصه الذهبي؟!
صمم في يوم أن يطلق سراحه لا لشيء إلا ليعرف هذا الوطن الذي ينوح شجنا وشوقا كل يوم إليه في قفصه الذهبي. تابع الرجل البلبل الذي هبط بعد فترة من الطيران على شجرة تقع على ضفة نهر.
كانت أغصان الشجرة عند أقل هبة للريح تكاد تغطس في مياه النهر. تشبث البلبل بأحد أغصانها  مطلقا تغاريد الحبور، وهو يردد في كل مرة  يكاد يسقط فيها إلى النهر :
” آه يا وطني ..يا وطني العزيز

      سيلوبي

صورة الغلاف : الكاتب مع عائلته وبعض اللاجئين في معسكر سيلوبي
صورة الغلاف : الكاتب مع عائلته وبعض اللاجئين في معسكر سيلوبي

قبل الميلاد كانت مدينة ( سيلوبي) تابعة لمدينة نينوى. آطلالها ، وآثارها و بقايا ( يان قلعة) ، هي من بقايا الآثار الآشورية . كل حرب اشتعلت في المنطقة غيرت تبعية المدينة باستمرار. توالى عليها الساسانيون ، والبيزنطيون ، ولاتزال آثارهم شاخصة في قرية ( قرة باش). دخلت الحكم الإسلامي في عهد الخليفة عمر ابن الخطاب ، ليبسط السلاجقة نفوذهم عليها فيما بعد.
كان شرق وجنوب الأناضول ، وسوريا ، والموصل ، وكركوك خاضعة لإدارة الآتابكة ، التابعة للدولة السلجوقية.
في 1180 م خضعت الجزيرة للحكم الآتابكي ، ومن بعده للحكم البويهي . تركوا فيها آثارهم في بقايا مدرسة وأطلال جامع باقية حتى اليوم ، ثم دخلت تحت إدارة أمراء الجزيرة.
مناطقها الجبلية تمتد من الشمال إلى المناطق الشمالية الغربية والشرقية. لتتحول عند الانحدار جنوبا إلى أراض سهلية ، تبدأ بالانخفاض عند ملتقى الحدود العراقية ـ التركية في نقطة التقاء نهر ( جاي خابور ) مع نهر دجلة في أوطأ منطقة لمنسوب المياه.
أعلى قمة جبلية في سيلوبي هي ( جبال جودي) 2114 م .يؤمن سكانها منطقة ( السفينة) الواقعة على ارتفاع 2017 متر ، بأنها المكان الذي رست فيه سفينة نوح.
تم بناء مجمع قوافل الحجاج الواقع على الطريق المؤدي للحدود العراقية على بعد 5 كيلومترات ، كآخر نقطة لاستراحة الحجاج المتوجهين الى مكة في موسم الحج برا عن طريق العراق.وقد تحول المجمع الى معسكر للاجئين العراقيين بعد حرب الخليج 1991، الى مكان لتجمع سواق الشاحنات الأتراك العائدين من العراق ، وهم يحملون منه المشتقات النفطية ، أو يحملون إليه مختلف البضائع.
في نهاية 1994 تم تحويل المجمع الى معسكر للاجئين مرة أخرى ، وأطلق عليه تسمية ( معسكر سيلوبي للاجئين العراقيين).

الكركوكي

حملته سيارة أجرة بعد وصوله الى (سيلوبي) من مدينة ( ازمير) التركية الى معسكر اللاجئين، وكان قد سمع ممن سبقوه إليه، إن الأجرة هي 10 آلاف ليرة تركية. كانت المسافة قريبة لا تتجاوز ثلاثة كيلومترات. دخلت السيارة من الباب الرئيسي الذي كان يقف عليه عسكريان ،وبعد سؤال قصير ،دخلت السيارة الى داخل المعسكر.
فوجيء بوجود مساحة طويلة من الخيام، تقع على يسار مكتب مسؤول منظمة التهجير للأمم المتحدة. أحاط عدة أشخاص من اللاجئين بسيارة الأجرة متطلعين إليه بفضول.
اندفع السائق باحترام يفتح الباب له بأدب جم، لم يكن يتوقعه. وعندما مد له ورقة نقدية من فئة 250 ألف ليرة، تلقفها السائق وهو يقول له:
ـ سأبلغ أردوغان مسؤول المعسكر بوصولك.
وأسرع مندفعا الى غرفة المسؤول، لكنه سرعان ما خرج منها ليقول له:
ـ أردوغان يريد رؤيتك.
دخل الغرفة ليجد أردوغان شابا طويل القامة، وبعد أن رحب به  جلس خلف الحاسوب ليسجل اسمه ضمن قائمة أسماء اللاجئين الموجودين في المعسكر ، قال له:
ـ ابق الليلة في الغرفة المجاورة، وغدا ستسلم لك خيمتك التي ستقيم فيها مع عائلتك.
خرج من الغرفة ، وهو يستعد للاعتذار من سائق سيارة الأجرة على تأخره ، فوجيء بأن السيارة غير موجودة. وحدها كانت حقيبته تنتظره.
سأل بعض الموجودين عن سيارة الأجرة ، فرد عليهم أحدهم ، بأنها رحلت منذ دخوله لغرفة أردوغان.
وقف ساهما وحائرا وهو يقول :
ـ لقد أعطيته 250 ألف ليرة، وكنت أعتقد أنه ينتظرني ليرد لي باقي المبلغ.
ضحك كل من كان يقف الى جواره.
ـ عوضك عند الله !.
أحس بانكسار إزاء الفعل السافل الذي تعرض له على يد السائق اللص. لكنه لم يسترسل في انفعالاته طويلا، إذ سرعان ما أحس بيد تهبط على كتفه الأيمن. عندما التفت وجد صديقه أزل، وهو ينظر بود ظاهر من خلال عينيه الضيقتين.تعانقا بحرارة ، ثم حمل حقيبته الى الغرفة التي سيبقى فيها ليلة واحدة.
في الغرفة قال أزل له ضاحكا:
ـ وأخيرا أصبحت أنت أيضا في لائحة اللاجئين رسميا يا ( أبو سومر) !.
ابتسم بمرارة وهو يقول:
ـ لنر ماتخبئه لنا  الأيام يا أزل.
ثم وجد نفسه يقول :
ـ غدا يجب أن أستلم خيمتي.. لكن اللعنة فأنا لا أعرف شيئا عن تنصيب الخيمة.
ـ كل الشباب سيساعدونك لا تقلق .. نحن سنعمل ، وماعليك الا أن تنظر إلينا كالآغا!.

*  *  *

مر خمسون يوما بشمسه ،بنهاره ،بليله ،بغماماته وصحوه.  اعتقد وهو يخطو خطوته الأولى الى هنا ، وهو يلقي نظرته على الخيام المتراصة تحت الأمطار الهاطلة بأنه لن يصبر  على البقاء هنا طويلا .  لكنه وبهدف العثور على وطن جديد، رضخ كالآخرين للواقع وضغط على أحاسيسه متجاوزا جدران الصبر. مرددا بينه وبين نفسه: إذن هكذا يتحمل السجناء السجن لسنوات طويلة، تماما مثله. هو تحت الخيمة اللعينة، وهم بين جدران السجن.

كان يحمل معه حكاياته التي قرر أن لا يرويها للاجئين الذين اعتادوا سماع قصص بعضهم البعض ضمن الثرثرة اليومية، هربا من الوحدة والعزلة اللتين تحيطان بكل منهم كما يحيط السوار   بالمعصم.لأن مايكمن في ذاكرته من ذكرى لأيام خلت من حياته لا تهم أحدا غيره :

كان صغيراً جداً حينما قادته جارتهم بسيمة فوقها. كانت لعبة ممتعة بالنسبة له .أن يلعب لعبة غامضة فوق جسد زوجة رؤوف السكران. لكنه في كل كان يكاد أن يختنق ، وخاصة حينما كانت تشد جسده الهزيل بشدة الى جسدها الضخم. لم يفهم بأن هذه من قواعد لعبة العري المشترك التي تبدأ هادئة ثم تأخذ المداعبات، واللمس شكل العنف، أو ما يشبه العراك مع تحول أنفاسها إلى ما يشبه الفحيح. أوصته بسيمة أن لا يتحدث لأحد عن لعبتهما السرية.
يوم ما اشترى (اَيدن) حفيد (أحمد اَغا) جهازا صغيرا لعرض الأفلام ،طلب لكل من يريد الفرجة عشرة فلوس. يتذكر أنه بكى بحرقة لأن أمه لم تملك أن تعطيه إلا قطعة حمراء من فئة الفلسين عليه صورة الملك فيصل الأول. خرج من البيت باكياً وعندما سألته بسيمة عن سبب بكائه. قال ، أريد مشاهد سينما (اَيدن)، ولا أملك إلا فلسين. قالت له ، سأعطيك العشرة فلوس .. تعال عندي. ضغطته على صدرها كالعادة، ثم نفحته بالنقود.
طار إلى بيت أحمد اَغا أغنى رجل في الحي . كل شيء فيه كان عكس بيتهم الطيني البائس. هناك صالة كبيرة، وغرفة خاصة لأيدن، وحنفية وسط الحوش، ومصابيح كهربائية في كل أرجاء البيت. أطفأ (اَيدن) مصباح الغرفة بين تهليل الأطفال وصياحهم. ظهرت على قطعة الخام الأبيض صورة فأر مذعور، يطارده بشراسة قط ضخم. كان الفيلم صامتاً. قال اَيدن:
ــ هذا الفأر اسمه توم، والقط اسمه جيري.
قال له:
ــ لماذا لا ينطقان؟
رد عليه آيدن بصلف:
ــ تدفع عشرة فلوس حقيرة، وتريد أن تتفرج على فيلم ناطق! هذا جهاز عرض بسيط. لو كنت تملك سبعين فلساً اذهب إلي سينما حقيقية!
صمت مرغماً فقد كان يخشي أن يطرده، ويحرمه من هذه المتعة. فقد كان أطفال المحلة يخشونه، لأنه حفيد أحمد اَغا الذي يملك مقهى باسمه، ودار سينما صيفية اسمها سينما النجوم. كان توم مستمراً في مطاردة جيري. لكن الفيلم انتهى بانتصار توم. ما لبث أن أصبح ذلك نهاية الأفلام الثلاثة التي شاهدتها. توم يطارد، وجيري ينتصر.
عندما عاد إلى البيت، رأى أمه تجلب سطلاً من الماء من بيت جارتهم (فاطمة برو). كانوا يدفعون لهم شهرياً ثمن الماء الذي يستهلكونه من حنفيتهم. حاول مساعدتها فنهرته قائلة:
ــ اتركني، أنت جلد على عظم ..لن تتمكن من حمل الدلو.
في يوم أيقظتنه أمه من النوم علي غير عادتها. كان  ديكهم الذي قطع عرفه، أخيه محمد بموسى حادة كي يفوز في عراك الديكة بالمحلة،  لأن العرف كما سمع من أخيه هو أضعف نقطة لدى الديكة في العراك الذي سرعان ما يدمي، فيضطر صاحبه للفرار. كان الديك يصيح بينما مكان العرف المقطوع، لا يزال متخثراً بالجراح. قالت له أمه:
ــ هيا إلي المدرسة!
وجرته معها إلي مدرسة المستنصرية التي كانت تلاصق بيتهم الطيني. سلمته إلى مدير المدرسة (خالد بك) الذي قاده إلي صف مزدحم بالطلبة وقال بلهجة آمرة:
ــ هذا هو صفك. ستأتي صباح كل يوم، وتجلس هنا!
بدأ الدرس الأول. كان المعلم هو نفسه خالد بك بسدارته اللامعة، وأناقته، ووجهه المستدير اللامع. كان يمر كل يوم من أمام دارهم وهو في طريقه إلي المدرسة.
بدأ  أولا بتعلم الأرقام مرددا مع الطلبة ما يقوله خالد بك:
ــ واحد، بيردير، اثنين، إيكيدير، ثلاثة، اوجتور.
لأول مرة في حياته علم أن (بير) بالتركمانية، يعني واحد، وأن (ايكي) يعني اثنين، وأن (اوج) يعني ثلاثة. طلسم مغلق نجح في اقتحامه من أول يوم. أخذ يردده في البيت كالنشيد. واحد، بيردير، اثنين، ايكيدير، ثلاثة، اوجتور. في الليل تحلقت الأرقام، وتجنحت، وتقوست في حلمه.
في بيتهم الطيني كانوا يشغلون غرفتين. بينما الغرفة الوحيدة الباقية، كانت مؤجرة لعلي الحمال الذي كان له بنتان، وولد. كانت لزوجته زبيدة أخ يعمل كنائب عريف في الجيش اسمه عبدالله. لكن الجميع كانوا ينادونه (عول) اختصاراً على عادة الأكراد.
في يوم رعد، ومطر، وبرق مخيف، وبينما كان يردد تحت اللحاف مرعوباً (سلام قول من رب رحيم) كما علمته أمه، كي يردده أثناء قصف الرعود ليحميهم الله من المهالك. سمعوا صوت صراخ، وجلبة. خرجوا مذعورين ليروا ما حدث.
رأوا (عول) ساقطاً علي وجهه على الأرض تحت المطر بملابسه العسكرية، وهو يضرب قبضته علي الأرض، مغنياً بحرقة أغنية فريد الأطرش (أحبك أنت). بينما أخته زبيدة تتوسل به أن ينهض، وفي الوقت نفسه تلعن (قادر جاوشين) والد الفتاة التي يحبها (عول) ، والذي يرفض تزويجها له لأنه سكير.
أدركته الحيرة هل كل من يشرب العرق يسقط هكذا؟.. فهو لم ير أباه هكذا قط، رغم أنه يشرب أحياناً مع صديقه (أكبر)، ومع محمود الداغستاني المسطول دائماً، الذي ما أن يبصر جارتهم (أم عفاف) حتى يظل يردد أمامها بعربية مكسرة :
ــ مرتي مزين مال نسوان!
يكررها كلما رآها. مذكراً إياها أن زوجته تحف وجوه النساء. وكان جوابها له أيضاً لا يتغير.
ــ عابت!

ثلاثة بيوت من الطين كانت تمد ظهرها إلى المدرسة وتحتضنها من الجهات الثلاث.بينما باب المدرسة يطل على ساحة ترابية ، كان صبية الحي يلعبون فيها كرة القدم وسط ركام من الغبار والضجيج .
أحيانا كان يتأمل مع والدته من سطح المنزل فناء المدرسة حيث الطلبة يتصايحون فيما بينهم وسط ضجيج لا يهدأ إلا عند دق الجرس . وكانت ثمة درجات تؤدي الى الصف السادس ، الذي كان ملاصقا لسطح دارهم تماما .
كان يصيغ السمع ، لكنه لم يكن يفقه شيئا . الا أنه رغم ذلك ظل يطل من سطح بيتهم الى فناء المدرسة . كان يروق له أن يرى معلمو الصفوف وهم يدخلون الصفوف ببدلاتهم الأنيقة الى صفوفهم التي كان الضجيج يهدأ فيها بمجرد دخول المعلم إليها .
في الليل، كان بيتهم الطيني ، ينام وسط ظلمة حالكة  رغم بقعة الضوء الصادرة من فتيلة الفانوس المعلق على الجدار  .
كان يعجبه أن ينطلق بعض ساعات النهار الى بيت ( فاطمة برو ) بحجة اللعب مع حفيدها ، بينما هو كان يصغي السمع الى جهاز الراديو في غرفتهم . وأكثر ما كان يعجبه الصوت الرجالي أو النسائي المنطلق من هذه العلبة السحرية ، وهو يردد عقب كل أغنية أو حديث طويل :
ـ هنا بغداد !
وكان يحلو ان يردد عند ذهابه الى البيت :
ـ هنا بغداد..هنا بغداد !
ويوم ما طلب من والده أن يشتري لبيتهم علبة كالتي موجودة في بيت ( فاطمة برو ) شعر بظلال الأسى نابضة في عيني والده :
ـ الراديو يعمل بالكهرباء يا بني !
علم من صوته والده المنكسر ان الراديو يعمل بالكهرباء ، وتنار المصابيح بها، وبسبب عدم وجودها فان بيتهم يغرق في ظلام دامس عقب غياب الشمس وانقضاء النهار .
لم يكن يحس أن حياته تختلف كثيرا عن صبية الحي فيما عدا في موضوع الكهرباء اللعينة الموجودة في أغلب البيوت. . فيما عدا ذلك كان يحس بالزهو لأنه أمه كانت تشتري له ملابس نظيفة زاهية ، في الوقت الذي كان معظم الصبية يلبسون الدشاديش . كانت أمه تحرص أن يلبس البنطلون مثل طلبة المدارس ، وان تمشط شعره لتنخرط بعد أن تتأمله قليلا في بكاء لم يجد له تفسيرا .. ثم علم بعد فترة حينما عيره أحد الصبية الأشرار أن ما يلبسه هو من ( اللنكات) .
اشتاط غضبا وأخذ يقذف الصبي بالحجارة وهو يردد خلفه :
ـ لنكات ..لنكات !
طارد الصبي دون أن يفقه معنى الكلمة التي يعيره بها. كان يتصورها شيئا قبيحا . لكن آيدن هون الأمر عليه قائلا :
ـ ولماذا تبكي أيها الغبي ؟ ما عداي الكل في هذا الحي يلبس من اللنكات .. حتى إبراهيم الذي يعيرك بها يلبسها !
انطلق بسرعة البرق الى البيت . رأى أمه وهي تحمل دلوا من الماء من بيت فاطمة برو . هزها من ذراعها بقوة حتى كاد دلو الماء أن يندلق .
ـ هيا .. قولي ما هو اللنكات ؟
نظرت إليه باستغراب . لم تنطق بكلمة حتى وصلت فناء الدار .ثم التفت إليه بهدوء :
ـ ماذا بك يا عزيزي ؟
صاح في وجهها بحنق مستغربا من هدوئها وبرودة أعصابها في هذه اللحظات التي يكاد فيها مخه الصغير ينفجر من الانفعال والغضب.
ـ قولي لي ما معنى اللنكات ؟
ردت عليه بنفس النبرة الهادئة الحانية :
ـ اللنكات ..محل لبيع الملابس ..ألم ترافقني إلى محل أسطه شهاب مرارا . ألم تر فيها أكداس الملابس ؟
صمت للحظة ، تذكر انه رافقها فعلا الى محل اسطة شهاب، وكانت تختار له ما يناسبه من القمصان والسراويل ثم تقايض البائع على السعر .
هدأ بعد أن علم ان اللنكات يعني محل لبيع الملابس ، لكن ثمة شك ظل يراوده :
ـ إذن لماذا يعيرني بها إبراهيم وكأنها وصمة عار ؟
صمتت لحظات لكنها استمرت تنظر إليه بحنو وانكسار:
ـ جميع صبية الحي يلبسون منها .
أعاد السؤال :
ـ  ولكن لماذا يعيرني بها ؟
عاد الانكسار الى صوتها :
ـ اللنكات يعني ملابس مستعملة !
صمت أمام هذا الجواب الذي لم يكن يتوقعه. ملابس مستعملة، وتباع في مخازن عديدة يتزاحم عليها الجميع!
ـ ومن استعمل هذه الملابس قبل شرائنا لها ؟
أحست أمه بأنه بحاجة إلى تفسير ، يذهب بالحيرة والانفعال الذي يعيشه ..
ـ أنا أيضا لا أدري ..لكن اسطة شهاب قال لي مرة انها آتية من أوربا . وهي ملابس اثرياء يتبرعون بها للفقراء . لكن التجار يشترونها ويبيعونها بدورهم الى الباعة أمثال اسطة شهاب .. والناس يقبلون على شرائها لأنها رخيصة .
ركبه العناد ، رغم انه فهمه لموجز تاريخ اللنكات ، الا ان سؤالا فرض نفسه فجأة على عقله الصغير :
ـ وهل من الجائز أن نلبس ملابس سبق أن لبسها غير المسلمين ؟
ربتت على خده، محاولة تهدئته وإنهاء الحوار بعد أن أيقنت أنها قد أشبعت فضوله :
ـ وماذا في ذلك ؟ أليسوا بشرا مثلنا !
ـ لكنهم غير مسلمين !
مسحت بكفها على شعره الذي كانت تحرص على تمشيطه كل صباح.
ـ لا تنس يا عزيزي بأن الله إله الجميع، وليس إله المسلمين فقط !

ولسبب يجهله لا يزال يتذكر من تلك الأيام، اليوم الذي انطلقت فيه فجأة الزغاريد من بيت بهاء الدين أفندي ، وهي المرة الثانية التي تنطلق منه الزغاريد خلال اسبوعين . الأولى كانت عند زواجه، أما اليوم فلم يعرف سبب الفرحة المفاجئة . استرعى انتباهه نسوة ينطلقن نحو بيت بهاء الدين أفندي، التي تمتد منه نخلة محملة بالرطب نحو الفضاء الأزرق الفسيح  ، والتي تعتبر الوحيدة في حيهم . وكان تعوّد على التسلل الى الدار كلما رأى بابها مفتوحا ، فيجمع الرطب المتساقط تحت جذع الشجرة ، ويروح يلوكها بين أسنانه بلذة فائقة   .
انطلق هو أيضا مع النسوة فالمناسبة سعيدة دون أدنى شك ولربما سيحظى بقطع من الحلوى .
رأى النسوة متجمعات في فناء الدار ، بينما شقيقة بهاء الدين (باجي أمينة ) ترفع بخيلاء وزهو قطعة قماش ملطخة بالدم . .
كانت كل امرأة تدخل الدار، وتلقي نظرة على القماش تطلق زغرودة طويلة، وكأن ذلك أمر لا بد منه لا ظهار فرحتها بالحادث.
كانت باجي أمينة في قمة الانفعال المسيطر على صوتها المرتعش :
ـ الحمدلله ..الحمدلله . انفكت العقدة .. وزال الكابوس . الحمدلله الذي رد كيد الحساد والشامتين الذين حالوا ربط أخي في أعز لياليه الى نحورهم .
تذكر انه كان يرى بهاء الدين أفندي منذ زواجه ساهما ، شارد الذهن . كان يمر من أمامه دون أن يوقفه ليقول له كعادته كلما رآه أنه يشبه والده.

في يوم ،عاد الى البيت مثل الآلاف المرات التي كان يعود بها منهكا من اللعب . وجد أمه غارقة في البكاء ، بينما والده يقف الى جانبها ساهما . أحس ان ثمة شيء غير عادي قد حدث . هذا الشيء لم يكن من نوع الخلافات اليومية بينهما، والتي كانت تحدث لأتفه الأسباب. أجل لم تكن من نمط تلك الخلافات. لأن الطرفين كانا ساهمين، واجمين. بينما في خلافاتهما التي اعتاد هو وإخوته عليها يرتفع صوتاهما الى أعلى طبقاتهما .
فضل هو الآخر الصمت منتظرا استجلاء الموقف، لمعرفة الوجوم الذي يطبق عليهما .
بعد فترة قالت أمه مخاطبة والده:
ـ كيف سيهدمون هذا المنزل ؟! .. هذا حرام . ألم يجدوا منزلا غيره ؟
قال والده بهدوء :
ـ قلت لك سيهدمون بيت فاطمة برو، وأسطة صابر أيضا لتوسيع المدرسة الملاصقة لبيوتنا !
ـ ولكن ألم يفكروا بمصيرنا ؟ ..أين سنذهب ؟
لم يحر والده جوابا ، بل كان ينظر الى ساعته بين فترة وأخرى . كان يعلم ان ذلك يعني انه يفكر بالخروج بعد عودته من عمله في شركة النفط ، الى  مقهى أحمد جاسم المجاور لمحلة (بكلر) ، حيث سيجتمع بزملائه ويلعب معهم النرد ،ويشرب الشاي ويثرثر حول كل شيء. لكن والده كان لا يفكر بطرح مشكلته العويصة على جاره صابر لأنه هو الآخر رجل أمي لا يفقه من هذه الأمور شيئا .أما فاطمة برو ، فهي أرملة تعيش مع ابنتها سعدية التي تخيط ملابس نساء الحي وابنها حمه علي ، الذي يعمل بائعا للكباب في دكان صغير يسع لأربعة موائد ، مقابل  (حمام علي بك ) . فكر والده ان خير من يعينه هو بهاء الدين أفندي الذي يعمل موظفا في البلدية . وحده يملك الجواب الشافي .ومن أجل ذلك انطلق والده بدراجته صوب  مقهى أحمد جاسم .
بعد خروج والده ، جلس هو الآخر ساهما الى جانب أمه .وكأنه بذلك يشاركها همومها التي تحاصر أعماقها ، والتي لا يعرفها هو حق المعرفة .
رأى ( كور شاكر ) وهو يدلف من من الباب الخارجي الخشبي الضخم الى الداخل . أحس ببهجة في داخل نفسه فهو الكفيل بأسلوبه المرح بأن يرفع غمامات الحزن المخيمة على أمه هذا الصباح.

كور شاكر

كان يلقب بـ (كور شاكر ) لخلل يعانيه في عينيه فيجعله لا يبصر جيدا.لكنه كان يبصر حتى لو كانت رؤيته في حدود معينة. ولم يكن هو يهتم حينما كانوا ينادونه ب( كور شاكر ـ شاكر الأعمى). وهو شخصية طريفة وغريبة في نفس الوقت . لا أحد يعرف من أين أتى ؟ يتنقل بين البيوت ويبقى في بعضها عدة أيام . يحمل معه دائما ( ليف) ليبيعها . وكان يدعي ان له أقارب أثرياء كانوا من  الباشوات في زمن العثمانيين يسكنون في بغداد . وكان والده يرد عليه في كل مرة يذكر فيها الباشوات من أقاربه متهكما :
ـ كفاك ..كفاك لقد أعماك الله بسبب أكاذيبك هذه . لكنك الظاهر لم تتعظ من حكمته حتى الآن !
وكانت النساء يرتحن لكور شاكر لأنه كان فكها . وكان لا يهمل الإيماءات الجنسية في حديثه إليهن . فحينما كان يصادف إحداهن وهي عائدة بعد أن حفت وجهها عند فتحية زوجة محمود الداغستاني ، كان لا يتردد ان يقول لها بخبث :
ـ ها .. الظاهر عندك حفلة الليلة مع أبو وليد !
فتضحك بغنج وهي تقول له :
ـ لعنك الله يا شاكر ! .. ألا تجوز من الآعيبك ؟
لكن شاكر كان يواصل تلميحاته معتبرا كركرة النساء الآخريات ظاهرة مشجعة له :
ـ وهل حلقت الوجه فقط ..أم التحت أيضا ؟
أخذت أمه تبث همومها التي تخيم عليها منذ الصباح لشاكر كما توقع :
ـ سيهدمون بيتنا من اجل هذه المدرسة اللعينة. أين العدل والإنصاف ؟ أين نذهب ؟ الا تفكر الحكومة بحالنا ؟ هل تريد أن توسع المدرسة على حسابنا نحن المساكين ؟ هل سدت كل المنافذ على الحكومة حتى لا تجد الا منزلنا هذا لتوسع على أنقاضه المدرسة . أي حظ عاثر هذا يا ربي!
وبدأت تنخرط في بكاء مرير . أحس شاكر أن الوضع متأزم الى درجة انه لا يمكن ان يعالجها بمرحه ونكاته وإيماءاته . أحس ان عليه أن يلتزم بالجد .
تأمل شاكر جيدا الذي نكس رأسه دليلا على أنه يفكر جديا في الأمر . في تلك اللحظة تأمل عينيه شبه المنطفئتين .
رفع كور شاكر رأسه وقال بعد أن اخرج سيكارة من علبة سكائر (غازي) :
ـ أفضل طريقة يا أختي أن نكتب عريضة .
كان يتحدث بصيغة الجمع، معتبرا نفسه من الأسرة.
ـ نكتب مظلمة ونقدمها الى الملك . وسوف يسهل أقاربي في بغداد لنا ذلك . لأن قريبي وصفي باشا على علاقة بالقصر .وهو يعرف سير الموكب الملكي . نذهب الى بغداد ونقف على ناصية الشارع الذي سيمر منه الموكب . عند مرور الموكب نتقدم رافعين المظلمة ، وعندما يرانا الملك ، سيقف كما هي عادته ، حسب ما سمعت من قريبي وصفي باشا . لا تقلقي يا أختي ، الموضوع عندما يصل للملك سيبت فيه بالعدل.
رأى والدته ترفع رأسها لأول مرة منذ دخوله إلى المنزل هذا الصباح . قالت وهي تنظر إليه برجاء:
ـ إن شاء الله ..الملك لن يرضى بوقوع الظلم على أحد . وما يواجهنا هو الظلم بعينه .
أحس كور شاكر أنه أنهى مهمته وأن عليه ان يعود الى سلوكه اليومي ، والحديث بالإيماءات الجنسية :
ـ ألم تتزوج ( دولت ) بعد ؟
ـ ومن يتزوجها وقد أشرفت على الأربعين ؟!
ـ والله لو رضت بي لتزوجتها الليلة !
في  تلك الأثناء دخل والده المنزل . لاحظ أنه منبسط الأسارير ، وأن التجهم الذي كان يلقي بظلاله على وجهه قبل ساعات قد ولى الى غير رجعة كما يبدو عليه .
جلس والده الى جانب شاكر مرحبا به مقدما له سيكارة . قال والده :
ـ الحمد لله فرجت. لقد تحدثت في المقهى الى بهاء الدين أفندي عن موضوع هدم منزلنا . فقال أن الحكومة ستدفع تعويضا ماليا مجزيا لنا . .وان الأمر ليس كما تصورنا . فالحكومة لا يمكن أن تظلم أحدا.
هنا وجد نفسه ينطلق نحو والده الذي أخذ يداعبه ويعانقه :
ـ بابا ..هل سنسكن بيتا جديدا ؟
ـ نعم يا عزيزي .
ـ وفيه ماء وكهرباء ؟
ـ طبعا ، فيه ماء وكهرباء .
أحس بالخيلاء في أعماقه . سيكون لهم بيت فيه ماء وكهرباء مثل بيوت أغلب الناس هنا. بالتأكيد سيكون بيتهم الجديد أحسن من بيت أحمد آغا .
توقف عن الحلم بعد ان عاد إليه وعيه وفكر بأن الآغا ثري ،يملك عقارات ومقهى وسينما . أما والده فلا يملك الا عمله في شركة نفط كركوك، وهذا المنزل المتداعي الذي ورثه من والده الذي استشهد في معركة (جناقلعة) خلال العهد العثماني.
انتبه الى أمه وهي تخاطب والده :
ـ لكن شاكر قال انه بالإمكان تقديم مظلمة للملك بعد الذهاب الى بغداد . حيث سيعاوننا قريبه وصفي باشا و …
قاطعها والده وهو ينظر الى شاكر :
ـ وهل تصدقين أكاذيب هذا القواد الأعمى ؟
اكتفى شاكر كعادته في مثل هذه المواقف بضحكة مجلجلة.

عرفة

توقفت سيارة حمل كبيرة أمام بيتهم.وبدأ والده يعاونوه الجيران في وضع الأثاث في السيارة .
التفتت النساء حول أمه التي كانت تذرف الدموع . لم يحر جوابا . لماذا تبكي أمه ما داموا سينتقلون الى ( عرفة ) التي تتناثر فيها بيوت جميلة ، نظيفة لعمال شركة النفط . ولكل بيت حديقة خاصة . استغرب أن تذرف أمه كل هذه الدموع من اجل هذا البيت الخرب. كان يود ان ينتهي شحن السيارة بسرعة لينطلق الى العالم الجديد ، ( عرفة ) بأشجارها الباسقة وشوارعها النظيفة وبيوتها العامرة بالماء والكهرباء .
عند وصولهم الى البيت الجديد سمع والده يقول :
ـ انظروا الى النظافة والترتيب والنظام في شوارع وبيوت (عرفة ) ! .. أي حي داخل كركوك يمتلك كل هذا النظام ؟ لعن الله الانكليز ! إنهم منظمون ويخططون لكل شيء مسبقا . لولا ذلك لما استطاعوا أن يحكموا نصف العالم، ويقضوا على العثمانيين.
عندما اعتاد على بيتهم الجديد في عرفة ، بدت ذاكرته متقدة ، مفتوحة . بعد أن أغلق فيها النافذة المطلة على البؤس الذي كان عليه بيتهم القديم ، المتداعي الأركان . لكن النشيد الذي كان يسمعه كل صباح منطلقا من أفواه الطلبة المصطفين في فناء المدرسة ” موطني ” بقي متقدا في ذاكرته يأبى الرحيل . كان ينطلق في ذاكرته بصورة آلية ، وكأنما ثمة يد خفية تضغط على زر سري ، لتنطلق كلمات النشيد الذي لم يكن يفهم معناها حتى تلك اللحظة . تماما مثل تلك الأغنية التي سمعها تنطلق من راديو فاطمة برو ، والذي بهره الحزن العميق الذي كان مدفونا فيه وملاصقا له . وكأنه صوت ينطلق من بئر بلا قرار ، من إنسان لا صاحب له و لا صديق في هذا العالم :

أقول وقد ناحت بقربي حمامة

حفظ كلمات الأغنية ، وأصبح يرددها في البيت وفي الحي باستمرار . وكانت الدموع تترقرق من عيني أمه ، كلما غنى هو هذه الأغنية الحزينة , رغم أنها مثله لم تكن تفهم معناها.
كل شيء بدا له مختلفا في (عرفة ) حتى الشمس التي كانت تشرق عليه مع انبلاج  كل نهار ، وهو نائم على سطح الدار في قيظ أشهر الصيف ، كانت تبدو مختلفة . فهي ليست تلك الشمس التي كانت تطل عليه من فوق سطح بيتهم الخرب ، مع صياح الديكة وقأقأة الدجاج في صحن الدار .
أفضل لحظات انشراحه كانت تلك التي يقضيها في حمام البيت الجديد ، تحت دش الماء الحار الذي يسخن بالكهرباء . وكان وهو منطلق تحت مياهه لا يملك الا أن يقول في سره :
ـ حتى أحمد آغا لا يملك مثل هذا الحمام !
رويدا رويدا أصبح يتعود على الحي الجديد . كان يستحم تحت الدش أحيانا  عدة مرات في اليوم ، وكأنه ينتقم لأيامه في الحي البائس القديم وللسويعات التي كان يرتجف فيها ، وأمه تمرر الصابون والليفة على جسده النحيل وهو يرتجف بردا في الطست . .
ورويدا رويدا أصبح له أصدقاء يحملون أسماء غريبة عن تلك التي كان يحملها أصدقاءه في حيهم القديم ( بكلر ) . أصبح له صديق أرمني اسمه ( زافين ) وأصدقاء أثوريين كثيرين مثل : ، خوشابة ، وليم ، أويشا ، وروبن ، وسركون ، وباول  .
كان أغلب قاطني عرفة هم من المسيحيين. وكان معظمهم يجيدون التركمانية، ولعب كرة القدم وصيد الطيور وتبادل الشتائم المقذعة فيما بينهم.
لاحظ ان أمه أيضا أخذت تبدو سعيدة بالبيت الجديد وخاصة بعد ان اكتشفت أن جارتها القديمة ( جانتو ) أم روبن زوجة يوسف تسكن على مقربة منهم .

   زافين

لاحظ ان الصبية يتجمعون أمام بيت زافين ويتحدث كل منهم عن الفيلم الذي شاهده مقلدا فيه صوت حصان الكاوبوي والطلقات التي كان يطلقها على الهنود الحمر . أخذ يتعود على هذا المنظر الذي بات له مألوفا مع مرور الزمن . ولأن الصبية كانوا من مشارب مختلفة فكان اللغة الأساسية بينهم حينما يكون هناك من بينهم من لا يجيد الأثورية والتركمانية ، هي العربية . كان لا يزال غير ملم بالعربية الدارجة بنفس إلمامه باللغة الفصحى .
عندما سمع علي البصراوي يتحدث عن الفيلم الذي شاهده ، لاحظ انه يكرر عبارة :
ـ تالي اجه الولد ( أتى بطل الفيلم ) ..
لم يطق صبرا وسأل زافين باللغة التركمانية:
ـ ماذا يقصد بكلمة (تالي )
أجابه زافين بالتركمانية :
ـ تالي ، يعني بعدين .
أحتد معترضا :
ـ لا غلط ..يجب أن يقول ( ثم ) بدلا من تالي !
كان مستغربا . كيف يخطأ عربي من البصرة مثل هذا الخطأ الشنيع ؟ لو فعل ذلك وليم أو خوشابة أو روبن أو جنكيز أو حمه،  لهان الآمر . أما أن يرتكب ذلك بصراوي ، فتلك في نظره خطيئة كبرى.
لم يكن هو الوحيد في عائلته الذي يرتاح لزافين بل ان والدته أخذت تزور أمه بياتريس ، وكذلك أبو زافين الذي كان يلقب من قبل جميع سكان الحي بالأسطه ، أصبح من اقرب أصدقاء أبيه . لم يكن يعلم لماذا يطلق عليه الجميع هذا اللقب الذي أصبح بديلا عن اسمه . والده كان يناديه بالأسطة آكوب حينما كانا يتبادلان تناول كؤوس العرق كل مساء في بيت واحد منهما بالتناوب .

في المساء كانت النسوة يجلسن أمام الدار للثرثرة والتطلع على الرائح والغادي . وكان البعض منهن وخاصة الفتيات اللاتي كن يجلسن متبرجات وكأنهن في حفل ، يتطلعن الى مراهقي المحلة الذين يمرون من أمام بيوتهن ، نظرات فيها ألف معنى ومعنى  .
كانت ثمة قلوب تحترق حبا ولوعة . وكانت قصص الحب تنسج بين ليلة وضحاها. ولم يكن العشاق يترددون في تبادل القبل خلسة تحت أشجار الكالبتوس ، أو التنزه في المساء متشابكي الأيدي .
كل ذلك كان من المناظر المألوفة في عرفة، لكنها كانت مناظر محظورة، يقصها يد رقيب سري في حيهم القديم الذي كان فيه جلوس النساء أمام الباب من المحرمات.
لعل ماكان يزيد من بهجة الحياة في عرفة ومتعتها ، إضافة الى الحدائق الخاصة في كل بيت ، وجود حديقة كبيرة ، غناء ، ذات خضرة نضرة تسمى بحديقة ( مستر تيسو ) على اسم الإنكليزي التي أقام تلك الحديقة الواسعة ، والتي كانت بمثابة رئة لسكان كركوك ، الذين كانوا يقصدونها من أحياء مختلفة وخاصة في أيام الأعياد.
كانت مياه الساقية ( الكهريز) الرقراقة التي تمر من وسط حديقة مستر تيسو ، تزيد من بهجة المكان . كان الصبية يقومون بعد وضع حاجز في طريق الأسماك الصغيرة التي  تسبح في مياهها البراقة لاصطيادها بشباك من أسلاك دقيقة يقومون بصنعها .
كل هذه المناظر الزاهية ، كل هذه الحركة اليومية ، بدأت تمحو من ذاكرته حي (بكلر ) بعد أن اختفى منه بيتهم القديم ، وتم على أنقاضها توسيع المدرسة التي بدا يدرس فيها ، يرافقه إليها كل صباح شقيقه على دراجته .
كان صبية الحي قساة القلوب، يتسابقون فيما بينهم لاصطياد الطيور، و مطاردة القطط والكلاب الشريدة. ولن ينسى قط  منظر القطة البائسة التي بدأت تدور حول نفسها بسرعة مذهلة ، وكان يدا خفية تدور بها على أثر ركلة عنيفة تلقتها من باغداسار الأرمني .
ولن ينسى أيضا منظر قطة كانت على وشك الولادة وهي تنطلق مذعورة ، وكل من روبن وشمشون يقذفانها بالحجارة بينما رأس صغيرها لا يزال داخل رحم الأم المذعورة .

باول

كان باول  أشرس الصبية في عرفة . يخشاه جميع الصبية . لم يكن ضخما ولا مخيفا ،  لكنه كان يستقوي بأشقائه الذين كانوا يناصرونه ظالما ومظلوما .
كان عصبي المزاج على الدوام ، يمطر الجميع بشتائمهم المقذعة ، يصمت إزاءها جميع الصبية الذين كانوا شرسين وقساة على الشجر والأسماك والحيوانات ومياه الساقية الوديعة ، لكنهم كانوا يصمتون كالأصنام أمامه وهو ينهال عليهم ضربا لأتفه الأسباب على الرغم أن لكل منهم أشقاء كثيرون .
حدثه زافين كثيرا عن شراسة باول ، بل وعن قوته وكونه الشقي الذي لا يبارى . كان الجميع يتفادونه .وكان يستغل مباريات كرة القدم ليصب جام غضبه ، ويكشف عن ناب شراسته ضد كل صبي لا يمنحه الكرة أو ضد كل من يصدها حتى لا يسجل هدفا .
اختاروه في يوم حاميا للهدف في مباراة يخوضها ضد فريق باول . أبلى في المباراة بلاءا حسنا ، وقد أعيت الحيل باول في اقتناص هدف يصيب مرماه ليرضي بذلك غروره ولكن دون جدوى . كان يتصدى لضربات باول بمهارة استغرب هو لها شخصيا . في النهاية اصطدم به وهو يحاول إنقاذ هدفه فسقط باول على أثرها ..لكنه سرعان ما قام هائجا واندفع نحوه مثل ثور جامح  ، يريد أن ينهال عليه بالضرب كما هي عادته في مثل هذه الحالات . توقف اللعب وتطلع الجميع الى باول،  ليروا ماذا سيفعل ، دون أن يجرؤ احد منهم على التدخل للحيلولة دون وقوع المعركة . فوجيء الجميع  به وهو يمسك بياقة باول ، دون أن يمنحه فرصة ضربه صارخا في وجهه بتحد:
ـ  ابن الكلب ماذا تريد ؟ هل تريد ضربي ؟ هيا افعله لو كنت رجلا !
توقع الجميع ان كارثة ستقع ، وأنه سيدمي رأسه وينهال عليه بالركلات بعد أن يسقطه أرضا بلكمة منه كما جرت العادة .
لكن باول تجمد في مكانه ، وتوقف عن الهجوم ، ولم تخرج من فمه الشتائم التي اعتاد على صرفها ضد خصومه في مثل هذه الظروف . وكأن يدا سرية منعته من ذلك ؟ أو كأن دلوا من الماء البارد اندلق على قفاه من مكان ما، فامتص سخطه.
فوجيء الجميع بباول يقول بهدوء وكأن أن شيئا لم يكن :
ـ كورنر .. ضربة زاوية.. هيا يا وليم اضرب الكرة !

ــ السلام عليكم يا أبا سومر !
وجد الكركوكي نفسه يجلس أمام خيمته في المعسكر. بدا وكأنه يستيقظ من حلم طويل. تقهقرت الأيام التي كان سارحا في ظلالها ، وعادت الى سردابها المجهول في ذاكرته. كانت زوجته منهمكة بإعداد الطعام في فسحة صغيرة أمام الخيمة. كان صاحب التحية حاجي رسول، في طريقه الى خيمته بعد أن عاد من سوق سيلوبي.

حاجي رسول

عندما شاهد حاجي رسول ، الدرويش يمر من قرب الخيام وتحت إبطه كيسا من النايلون ، تأفف متذمرا  ، ثم التفت إلى جنكيز مؤذن الجامع .
ـ هذا الملعون سيخلد في النار !
لم ينتظر من جنكيز أن يسأله عن السبب بل واصل حديثه مفترضا انه تلقى منه مثل هذا السؤال:
ـ لقد كان يتظاهر بالتقوى والإيمان والورع إلى ما قبل اسبوع ، وهو يتبختر بين اللاجئين بلحيته وعصابته الخضراء التي كان يشدها على رأسه . كم من مرة قبلت فيها يد هذا اللعين تبركا!.. كنت أظن لغبائي ان التقرب إليه سيجعل الجنة مثواي ..
قتل مثل هذا الكافر المرتد واجب .. ولكن آآخ خ ..لولا إننا شبه مساجين في هذا المكان اللعين لأرديته قتيلا برصاصة واحدة لا غير أطلقها على جبينه القذر، ليسقط بعدها مثل الحجل بين الصخور. . كيف يطاوعه قلبه أن يهجر سجادة الصلاة ، ليتهتك ويطيع الشيطان أمام الخمرة الملعونة ؟! .. ألا يشعر هذا الكافر بالإثم الذي يرتكبه، ليعود إلى الهدى والإيمان ؟ .. صدقني كدت أقتل إسماعيل لحظة إخباره لي بأنه رأى الدرويش في إحدى حانات سيلوبي ، يتبادل الكؤوس مع تلك العاهرة الشمطاء صاحبة الحانة. كدت أسحب عليه السكين . كيف يجرؤ على التفوه بمثل هذه الفرية ؟ ديننا الحنيف يأمرنا قبل كل شيء بالتروي ، وتقصي النبأ الذي يؤتي به لنا فاسق .
قررت بعد أقسم إسماعيل بأغلظ الإيمان بأنه رأه بأم عينيه في تلك الحانة اللعينة ، التي تقع على الطريق المؤدي إلى سوق سيلوبي . قررت مراقبته سيما وان إسماعيل شاب تقي وورع لم ينقطع عن الصلاة معنا في الجامع . تعلم جيدا ان هذا الفاسق عودنا أن يذهب إلى السوق لوحده على غير عاداتنا هنا ، حيث نذهب بشكل شبه جماعي..
حقا لقد رأيته بعيني هاتين اللتين سيأكلهما الدود في القبر ، يهبط من السيارة أمام الحانة ، وينتزع من جبينه الخرقة الخضراء المباركة ، ويدلف إلى الداخل بهدوء . حيث تلقته صاحبة الحانة العجوز الشمطاء بالابتسامات .. وبمجرد جلوسه على المائدة ، وضعت الشمطاء قنينة خمر أمامه .
كم تمنيت لحظتئذ أن ادخل الحانة وأفجر كل من فيها لأذهب شهيدا عن هذه الدنيا الفانية ، بدلا من لعنة ما شاهدته من كفر والحاد عن طريق اللسان بدلا من اليد .
قاتل الله الغربة التي نعيشها وتجعلنا أذلاء عاجزين أمام جيوش الشيطان . , لقد ظللت في ذلك اليوم مجنونا لا ألوي على شيء. لم أضع في فمي لقمة من الخبز، بل نسيت الأكل والشرب. فما رأيته من هول أنساني كل شيء . الشيء الذي لم استطع تحمله هو لماذا لجأ هذا الدرويش الدجال إلى تضليلنا؟  و ما الذي أرغمه على ذلك ؟ .. لقد حدثني أنه كان درويشا على طريق الاجتهاد في كركوك ، يحضر حلقات الذكر في الجامع ، وأنه كان مريدا للشيخ شاهين وكيل السيد حمد النعيمي . كما أنه كان دائم الذكر أثناء تلاوة المدائح النبوية لذكر الشيخ عبدالقادر الكيلاني وأحمد الرفاعي وأحمد البدوي وإبراهيم القدسي  في التكية .
لكنه يبدو الآن حليفا للشيطان بعد أن رأيته فجوره بعيني. أصبحت لا أطيق حتى النظر إلى وجهه . لا يستطيع عقلي الصغير أن يتحمل كيف يختار الإنسان الكفر بدلا من الإيمان، والنار بدلا من ظلال الرحمان، والجحيم بدلا من الجنة التي تجري من تحتها الأنهار ؟
لم أتركه فعندما كان عائدا نشوانا وهو يتطوح من خمرة إبليس ، كنت أنتظره قرب مكتب أردوغان ،مسؤول مكتب الهجرة للأمم المتحدة . كدت أفقد صبري وأطعنه بالمدية ، حينما رأيته يشد الخرقة الخضراء المباركة، راية الأطهار على جبينه الكافر ، محاولا الاستمرار في تضليل وخداع المؤمنين الأبرياء من أمثالي ، الذين لا هم لهم سوى رضى الرحمان عنهم .
تقدمت منه قائلا :
ـ أنت غير جدير بحمل هذه الخرقة المباركة على جبينك الكافر . لقد رأيتك بعينيّ هاتين تتناول الخمرة في الحانة !
الحق يقال ، لم يحاول أن ينكر أو يتهرب ، بل نظر إلي بعينيه المخمورتين من الكفر وقال :
ـ لكم دينكم ولي ديني !
لم أشعر بالندم قط على الظروف البائسة التي نعيشها في هذا المعسكر البائس إلا في تلك اللحظة التي بدوت فيها مشلول الإرادة، جبانا، عاجزا عن نهي المنكر. سيطرت عليّ المخاوف الدنيوية، ولم أنزل طعنة نجلاء، تسكت إلى الأبد صوت الشيطان في روحه. أو صفعة ترد إليه عقله المسلوب.
بدوت ضعيفا . طغت عليّ فكرة العقاب ، الذي سأجده على يد الجندرمة . وكيف سألقى نفسي عند أقل مشكلة مع هذا المرتد على الحدود العراقية .
فقدت أمام إجابته السافرة قدرتي على النطق . بدوت مذهولا . تتابعت أمامي شريط التبجيل الذي كنا نحيطه به ، والذي كان يبدأ من تقبيل يده الآثمة وحتى الوقوف بخشوع أمامه والانبهار بكل كلمة كان يتلفظ بها ، على اعتبار أنها الحكمة بعينيها . وصولا إلى تقديم أفضل الطعام له، وإعفائه من غسل الأطباق، التي كنا نغسلها بالتناوب في بداية حضورنا للمعسكر، قبل أن ننتقل للإقامة في الخيام. أحسست أن الشيطان الرجيم انتصر علينا.
أقسم بالله لو كنت في الجبل كما كنت قبل أعوام، لما منحته فرصة كي يتنفس. كنت سأسكت فيه صوت الشر والشيطان برصاصة واحدة لا يزيد ثمنها عن مائة فلس ! .. لعن الله الأمم المتحدة، وحياة اللجوء التي حولتنا إلى أن نكون خرافا أمام المعاصي والمنكرات في هذا المعسكر اللعين ! .
لهذا اشتاق إلى الجبل . فأنا هناك مادمت أملك البندقية، الحاكم والسلطان والجلاد، طلقة واحدة كانت كافية لإسكات صوت الكفر والإلحاد.. طلقة واحدة وينهزم إبليس .
عندما ذهبت إلى مرقد ( كاك أحمد الشيخ ) في السليمانية ، لم اطلب منه إلا أمرا واحدا : أن لا يحيدني عن طريق الإيمان والشهادة ! ..
آه لو كنت في الجبل لارتجف أمامي هذا الدرويش المزعوم مثل حجل مذعور.  لكن في هذا المعسكر اللعين، نظر إلي بدون أي حياء أو خجل، ووجد في نفسه الشجاعة ليقول لي: لكم دينكم ولي ديني !
أجل أعترف لك يا أخي جنكيز ، يا أخي في الإيمان بعجزي . أصابني شلل مفاجئ سرعان ما انتشر في كل جسمي .
كم يؤلمني أن اسكت أمام الباطل وأمام إبليس اللعين! . أقسم لك بأنني منذ ذلك اليوم أصبحت أراه وكأنه إبليس يسعى على قدميه ، يوزع الفساد والكفر في هذا المخيم . . أقول بأسف ان معظم اللاجئين في المخيم تمكن الشيطان منهم . . لكنهم على الأقل لم يتظاهروا بالإيمان ، ولم يتجاوزوا على كلمة الحق نهارا جهارا . أما هذا الأفّاق فما الذي لم يفعله بنا بعد أن استغل إيماننا وطيبة قلوبنا ونوايانا ؟! .. انه الشيطان يمشي على الأرض..
آه ه ليتني في هذه اللحظة كنت في الجبل ، صديقا للمغاور والكهوف ، حاكما وجلادا في نفس الوقت . لا أزال غير مصدق ، كيف اختار هذا الأفاق ، الظلام بدلا من النور، وفضل أن يصبح صديقا ورفيقا للشيطان بدلا من الرحمان ؟!.
أراد جنكيز أن يغير مجرى الحديث ، ويخفف الهول  الذي يعيشه حاجي رسول :
ـ حاجي ، اليوم إبراهيم ووليد سيخابران مكتب اللاجئين في أنقرة للسؤال عن وضعهما . اذهب أنت أيضا معهما . لقد مرت فترة طويلة على ترشيحك لأمريكا ولكن دون نتيجة.
كان حاجي رسول لا يزال تحت تأثير سخطه على الدرويش:
ـ لعن الله الأمم المتحدة والسويد وكل الأشرار في العالم !

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاني متي  : إلى أين أمضي بنفسي ؟ .

وقالت لي نجوم الليالي التي ترقبني ، وتحرسني ، وتحدثني من العلى : -هل جاءك …

| د. عاطف الدرابسة : قلتُ لها .

قلتُ لها :   أنثرُ رؤايَ وأفكاري بين الكلماتِ ، كأنَّني أبحثُ عن الخلودِ في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *