د. حسن سرحان جاسم : بعض تجليات الأدب الشعبي في رواية مابعد الحداثة

hasan sarhanلا تكمن أصالة رواية ما بعد الحداثة في البحث عن الأشكال الجديدة في التعبير فحسب ولا في الأغراق بالتجريب الذي حول الرواية إلى “بقعة باهتة من السرد المتواصل”. إن ثقافة ما بعد الحداثة تفردت بإنتاج نوع من الفن لخصه ليبتوفسكي بأنه : “فن دون ادعاء، فن عفوي، حر، على صورة المجتمع النرجسي واللامكترث”. ومجتمع ما بعد الحداثة، لاسبيل لانكار ذلك، نتاج مزاج معاصر أخذت ذائقته الفنية تميل أكثر فأكثر نحو تكريس الثقافة الجماهيرية الى الحد الذي أضحت فيه هذه الأخيرة القيمة المركزية الأكثر تعبيرا عن روح عصرنا.
وما دام الأمر كذلك، فقد اصبح لزاما على الرواية، وقد فرضت على نفسها الكف عن إرباك النظام الاجتماعي فاقدة بذلك، ولعلها ستندم بعد حين، طبيعتها الاستفزازية، ان تنتقل إلى موقع الثقافة الجماهيرية برموزها وقوالب شخصياتها الجاهزة ومضامينها المكرورة ولغتها وأسلوبها وأحداثها مع تطوير خلاق لأدواتها وتقنياتها بصورة تتلائم وهذا التحول. ان رواية ما بعد الحداثة، باعتبارها توصيفا ثقافيا لسير المجتمع المعاصر، سترتكز كثيرا في صناعتها على الافادة من التلفزيون والسينما ومن رواية الألغاز والرواية البوليسية وروايات الرعب وهي فنون شعبية تنتمي في جوهرها الى ثقافة العوام من الناس أكثر من انتمائها الى الثقافة النخبوية. لكن إعادة الاعتبار للثقافة الشعبية، كواحد من الخيارات الاستهلاكية لرواية ما بعد الحداثة، سيرتكز بشكل خاص على محاولة استقدام نماذج من شخصيات نمطية ذات قوالب فنية ثابتة من تلك التي تزخر بها النتاجات التي أُصطلح على تسميتها بالشعبية. وهكذا تغدو الثقافة الشعبية، رغم عدم نقاء لغتها كليا، وقلة احتفائها بالكتابة الشعرية والبلاغة الكبيرة المنضبطة، واستخدامها للهجات العامية، والكلمات الأجنبية، وواقعها اللساني المجزء والمنفصل، المعبر الحقيقي عن روح ما بعد الحداثة.

ميشيل بتور
ميشيل بتور

من بين أبرز نماذج البنى القصصية التي ستعيد رواية مابعد الحداثة استخدام أنساقها الجاهزة سلفا هي : بنى قص روايات الغرام وروايات الرعب والرواية البوليسية والحكايات الخرافية. ومعلوم أن لكل نوع من الأنواع السابقة الذكر، والتي لاجدال في انتمائها الى الأدب الشعبي، شخصياته النمطية ونماذجه المسطحة والجامدة والتي تظهر بنفس الخصائص النفسية الموحدة في الكثير من النصوص. سنبدأ دراستنا بتوضيحات موجزة لما نعنيه بالأدب الشعبي وتبيان سريع للأنواع التي تندرج تحت هذه التسمية التي يكتنفها شئّ من الضبابية وكثيرّ من التشويش ليس في أذهان العامة فحسب بل وفي تصورات بعض الدارسين والمختصين. وبعد عرض المصطلح البديل الذي نقترح استخدامه عوضا عن مصطلح الأدب الشعبي، سنبحث إمكانية وجود علاقة من عدمه بين هذا الأخير والأدب النخبوي.

في مفهوم الأدب الشعبي وأنواعه وعلاقته بالأدب الرفيع
أفكار أولية حول إشكالية المبنى الدلالي للمصطلح وإقتراح عنوان بديل

مرغريت دوراس
مرغريت دوراس

لابد من الأشارة، قبل الخوض في التفاصيل، الى أن مصطلح الأدب الشعبي أثار ويثير الكثير من الإختلاف والجدال حول بعض جوانبه. وقد تعرض المفهوم النقدي للأدب الشعبي لبعض النقد وسوء بل وتناقض الفهم أو التفسير واحيانا الرفض من البعض سواء من داخل المؤسسة الأكاديمية، التي جعلت من نفسها وصية على ما تسميه الحفاظ على القيم التقليدية للأدب الرفيع، او من خارجها. كيفما كانت الانتقادات والتفسيرات التي طالت المصطلح، والتي لسنا بصدد تتبعها، من المهم، لحسن فهم ليس فقط تلك الاتنقادات والتفسيرات وانما ايضا مضمون المصطلح نفسه وما يثور حوله من جدال واختلاف، الاخذ بالاعتبار ان هذا المصطلح مثل غيره من المصطلحات الوصفية كان وما زال، حتى في موطن نشأته، محل صراع ملحوظ بين النقاد سواء على مستوى المبنى أو الدلالة أو التفسير.
الأدب الشعبي مصطلح يستعمله النقاد للأشارة الى مجموع النصوص السردية (المكتوبة فقط أم المحكية أيضا؟) التي يضعها النقد المؤسساتي، لأسباب ايديولوجية واجتماعية وفنية أحيانا، على هامش الثقافة المتعالية أو تلك التي يسميها بثقافة النخبة. إن الغرض من إلصاق صفة الشعبية بهذا النوع من الإبداع هو تفريقه عن الأدب السامي أو الرفيع وفي ذلك إيحاء الى عجز الشعب عن إنتاج غير الوضيع والرخيص والتافه والمبتذل من الفنون. تندرج تحت مصطلح الأدب الشعبي أنواع مختلفة من الفنون دون ان يكون بينها، أحيانا، مقاييس مشتركة تربط بعضها الى البعض الاخر وسينتج من ذلك ان اقتراح وصف يسمح بالتمييز بثقه بين نوع وآخر صعب جدا إن لم يكن مستحيلا. وبعمومية كبيرة نستطيع القول إن أنواعا غير متجانسة تتجمع تحت تسمية الأدب الشعبي منها: الرواية البوليسية، رواية الويسترن (التي بدأ نشرها في الولايات المتحده منذ عام1840)، رواية الملاحم، روايات الحب، الروايات الخليعة، رواية الخيال العلمي. ليس هذا فحسب بل من الممكن إضافة الرواية الشعبية ورواية التجسس وسيناريوهات ونصوص الروايات المصورة، الروايات المسلسلة، الرسوم المتحركة والأغاني والخرافات والحكايات الشعبية والأمثال والأحاجي…الخ.
فضلا عن مصطلح الأدب الشعبي، إستخدم النقد تسميات متعددة إختلفت من عصر لآخر دون أن تنجح تسمية بعينها بفرض نفسها على قاموس النقد. من تلك التسميات: الأدب التجاري، الأدب السهل، الأدب الإستهلاكي، أدب العامة، أدب الدرجة الثانية، الأدب المتدني، الأدب الهامشي، أدب أكشاك المحطات…الخ. ولا يخفى على القارئ مالبعض هذه المصطلحات من نغمة سلبية تعكس النظرة المهينة والمتدنية التي يحملها نقد الأدب النخبوي تجاه أنواع الفنون السابق ذكرها. إن هذه النظرة، في مجملها، لاتخلو من قدر غير قليل من اللاموضوعية واللاعلمية. ولذلك فإنه من ليس غير المفهوم أن جاءت الكثير من الإنتقادات والتفسيرات والمضامين أو التوضيحات التعريفية لمعنى الأدب الشعبي متحاملة ومتجنية حتى أن قسما منها قد أخطأ الفهم أو تعمد التشويش والتشويه.
من جانبنا، فإننا، وللأسباب التي ذكرناها في ماسبق والمتصلة بغموض ما يشير اليه مسمى الأدب الشعبي والنظرة غير الإيجابية للنقد المؤسساتي تجاهه، سنقترح مصطلحا بديلا لم يألف النقد إستخدامه بعد.  ورغم مايعتري هذا المصطلح من ضبابية تخص مايشير اليه من فنون، فإننا نجده الأكثر ملاءمة بسبب شموليته وكونه الأقل سلبية في معناه. والمصطلح المقترح هو الباراأدب وهو تعريب مباشر للمصطلح الفرنسي (paralittérature).  سنستخدم نفس المصطلح في كل فقرات النص وسنتجنب، ماوسعنا ذلك، استعمال ألفاظ متعددة لنفس المعنى حتى لو كانت جميعها، على مستوى من المستويات، مقبولة وذلك بغية محاولة تعميم مصطلح الباراأدب الذي، برأينا، يؤدي المعنى الحقيقي المراد دون تكلف كما أنه من الممكن أن يكون مألوفا أو قابلاً لأن يكون مألوفا ولا شيء يمنع من قبوله كمصطلح قياسي وذلك بسبب قابلية التوليد أو حجة النماء المصطلحي التي يتوافر عليها. والمقصود بهذه الأخيرة هو أن المصطلح المقترح تتولد عنه مشتقات أخرى وصفية وإسمية تغني عن إستخدام ما سواه.
لايعود إستخدام مصطلح الباراأدب في الدراسات النقدية الحديثة الى زمن بعيد. ذلك أنه قبل العام 1967، وهي السنة التي عقد فيها أول مؤتمر عالمي خصص لدراسة الأنواع الباراأدبية، لم يكن المصطلح موضوع الدراسة متداولا على نطاق واسع. وإذا ما تجاوزنا، لأغراض البحث، إشكالية المصطلح تبرز أمامنا عقبة كأداء هي الأخرى تتمثل بتقييد حدوده وتأطير فضاءاته وتلك مسألة عيى النقد في سبيل إحتوائها. وطلبا للإيجاز نذكر مواقف بعض نقاد الفنون الباراأدبية بخصوص حصر الأنواع الفنية التي يشتمل عليها الباراأدب.
في كتابه الباراأدب ، يميل الن­ميشيل بويه الى قصر إستخدام مصطلح الباراأدب على النتاج المطبوع دون المحكي على خلاف غابرييل توفرون  الذي يرى أن مصطلح الباراأدب يمكن أن يمتد ليشمل الأدب الشفاهي الذي هو، وفقا للناقد المذكور، المنبع الأول لكل الانواع الباراأدبية. من ناحيته، يصرح برنارد موراليس  وهو أحد أهم من نظر في هذا المجال أن من الممكن أن يندرج في خانة الباراأدب كل نص لا يجزم بإنتمائه الى الأدب الرفيع وهذا رأي يؤيده جون تورتيل  القائل بأن كل الوسائل الفنية، سمعية ومقروءة، التي تمارس نوعا من التأثير الوجداني على الذائقة الجمعية لعامة الناس، لها أن تحسب على الانواع الباراأدبية.
ظهرت أغلب أنواع الفنون الباراأدبية عند منتصف القرن التاسع عشر وأكتسب كل نوع منها، بمرور الزمن، خصائصه وميزاته. مع ذلك هناك سمات عامة تشترك بها معظم هذه الفنون من اليسير إجمالها بما يلي: البساطة في التعبير، الإلتصاق بالواقع اليومي لعامة الناس، قربها الى النفس، خلوها، في الغالب، من غايات سياسية أو أيديولوجية، غناها بأكثر المواضيع نمطية واستهلاكا. لكن أبرز سماتها تبقى دونما شك التكرارية.
الأدب الرفيع والباراأدب…علاقة اتصال أم إنفصال؟ تضاد أم تجاور؟
إذا كان النقد يتوافر على مقاييس خاصة، فنية وذوقية، يحدد بحسبها إنتماء نص الى الأدب الرفيع من عدمه، فعلى أية معايير يستند النقد لكي يجزم بأن هذا المؤﱠلف دون ذاك يعزل في خانة الباراأدب؟ وعن هذا السؤال يتفرع سؤال أهم هو التالي: ما طبيعة العلاقة التي تربط الباراأدب بالأدب الخالد؟ أهي علاقة تجاور وإستمرارية؟ أم تعارض وتضاد؟
من ناحية إملائية، فإن السابقة (préfixe) “بارا” “para” التي تتصدر لفظة باراأدب هي التي تميز هذا الأخير عن الأدب. فما تعنيه هذه السابقة؟ إن مجرد طرحنا لهذا السؤال يعني، ضمنا أوتصريحا، التطرق الى مسألة خلافية أخرى بين دارسي الباراأدب. يرى مارك انجينو، مؤلف كتاب الرواية الشعبية، أن وجود البادئة “بارا” أمام كلمة “أدب” غرضه “رسم حافة أو خط أو تعيين طريقة وجود شيء نسبة الى شيء اخر، ومن الممكن أن تعني التجاور أو الإستمرارية “. وبحسب هذا التعريف، لا قطيعة هناك بين الأدب والباراأدب، وأن إفتراض أمر كهذا مبني على مفهوم موجود سلفا يخص النظرة المتدنية الى الباراأدب.
الأدب والباراأدب، كما يستنتج مارك انجينو، “يشكلان ثنائيا لاينفصل تربط بينهما علاقة جدلية يسمح التأريخ بتقصي آثارها “. ولإثبات ذلك، وبالتلميح الى قانون تشكلوفسكي الذي يعتقد بأن أصل كل الأنواع الأدبية العظيمة موجود في النتاجات المتدنية أو الشعبية، يذكر مارك انجينو حالة ثلاثة من كبار كتاب الحداثة هم: لوتريامو، فيكتور هيجو و ديستوفسكي. أفلا يكمن جزء مهم من نتاج لوتريامو في ذلك( التثاقف الهمجي) للمسلسلات والرواية البوليسية التي كان يغترف منها؟ اما فكتور هيجو فهل كان يفعل في روايته “الرجل الضاحك” غير ان يدفع الى النهاية اكثر مضامين الرواية الشعبية استهلاكا. اما دستوفسكي، الذي كان يجمع أعمال يوجين سو، أفلم يكُ يستعير تقنيات رواية المغامرة والرواية البوليسية من أجل أن يبني بعضا من رواياته ك”المراهق” مثلا؟
إن هذه القطيعة المزعومة بين الادب والباراادب يرفضها كذلك برنارد موراليس الذي يعتقد أنه ” في ظل غياب لمعايير جمالية محددة ومتفق عليها، فأن التمعن بالنصوص لا يسمح بأستنتاج ان هذا النص مثلا يجب أن ينتمي الى الادب وان ذاك الاخر يجب ان يُرمى في حقل الباراادب “. إن الخط الفاصل بين هذين الحقلين لايستند على اي معيار نظري لذا فأنه يبدو اكثر فائدة أن نركز ليس على القطيعة ولاعلى وجود قطاعين مختلفين من النتاج الادبي ولكن على العكس أن نجعل إهتمامنا منصبا على طبيعة العلاقة التي من الممكن اقامتها بين هذين المجالين.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الأنبهار أمام الأنواع الباراأدبية واضح لدى الكثير من كتاب القرن العشرين، والبعض منهم استعار العديد من مواضيعه من الرواية البوليسية او من قصص المغامرة. ويكفي أن نشير الى روايات مهمة مثل: “كهوف الفاتيكان” و “مزيفو النقود” لأندريه جيد، “مولان العظيم” لآلان فورنييه ، “رحلة ليلية” (1931) و”أرض البشر” (1939) لانطوان سانت اكسوبيري، “الفاتحون” (1928)، و”الطريق الملكي” (1930)، و”الظرف الإنساني” (1933) لأندريه مالرو. وللرواية البوليسية ورواية المغامرة البوليسية حضور كثيف في أعمال جميع أتباع تيار الرواية الجديدة على وجه الخصوص. فقط لنذكر نماذج مثل “ممر ميلانو”، “الجدول الزمني” لميشيل بتور، “التحقيق” لروبرت بنجيه و”العشيقة الأنكليزية” لمارغريت دوراس. ناهيك عن “المماحي” و”ذكريات المثلث الذهبي” لروب­غرييه. كما يمكن ملاحظة وجود أجناس باراأدبية على مستوى نماذج الشخصيات المستخدمة من طراز: المجرمين، الزناة، السكارى، قتلة الأب، الثوريين والفوضويين، النساء الخاضعات، الفتيات الصغيرات والجميلات، والعاهرات…الخ
ما تقدم يوحي بأن من الصعب على الكتابة، لدى المابعد حداثويين، تجنب استحضار عناصر من الثقافة الجماهيرية لتوضيفها في نصوصهم وسيكون ذلك على مستوى الشخصيات كما على مستوى البنى القصصية. وهكذا يصبح، مما لا مفر منه بالنسبة للكاتب المعاصر، اللعب مع هذه النماذج الراكزة في الضمير الجمعي والمستخدمة كأرضية سيخلق جزء من العمل، إن لم يكن كله، تأسيسا عليها وإنطلاقا منها.
إن ما قيل في أعلاه حول طبيعة فنون الباراأدب يجيز الاعتقاد ان هذا الاخير هو الحيز المثالي الذي تنتشر فيه البنى القصصية المستهلكة والشخصيات النمطية الجاهزة. ولعلنا لانغالي إذا ماقلنا أن عالم الباراأدب، وسنلمس ذلك في مقالة قادمة، يتغذى ويعتاش على هذه الصور النمطية إن على مستوى الشخصيات أو على مستوى بنية القص. ولن نخالف حقيقة أو نجافي واقعا عندما نجهر بالقول أن حضور شخصيات تتميز بعاديتها وعموميتها واستهلاكيتها المتأتية من تكراريتها هي السمة المشتركة لكل الانواع الباراأدبية. وكما يرى الن­ميشيل بويه فان اللجوء الى إستخدام النمط في الباراأدب مطلق وحتمي. يجعل هذا القانون من الباراأدب مجالا يسود فيه وجود نماذج محددة من الشخصيات وأنماط قليلة من البنى السردية تتميز بتكرارية طريقة خلقها وبالتالي بنمطيتها.

كلمة أخيرة
في مجملها، تبدو رواية مابعد الحداثة تتوق عبر التخييل الى تجذير العلاقة مع الباراأدب المرتبط بقوة، هو الآخر، بالثقافة الجماهيرية. إنطلقنا في بحثنا من فرضية أساسية إعتبرت هذا التجذر العلاقاتي ظاهرةً مميزة القت بأثرها على جزء لابأس به من نتاج روائيي مابعد الحداثة. أتضح من خلال تحليل مجموع نصوص المتن أن فعل الكتابة، بالنسبة للكتاب المابعد حداثويين، لا يمكن أن يتجنب إستحضار مكونات من الخطاب الشعبي المتخم بالقوالب النمطية المستهلكة من شخصيات وبنى سردية. ومع ذلك، لا ينبغي أن يفهم هذا التأثر على أنه تمجيد ﻟ “النمط” بل على أنه مجردُ إعترافٍ من قبل جيل ما بعد الحداثة بحضوره، أي “النمط”، في الثقافة المعاصرة، ودور هذه الأخيرة في تشكيل الخطاب السردي للعمل الروائي. وهكذا، فإن إدراجَ شخصياتٍ من الأدب الإستهلاكي في المنطومة السردية يؤسس لربط العمل الفني الى سياقه الإجتماعي والإنساني وفي ذلك نفيٌ ضمني لإنفصال الرواية المابعد حداثوية، المتهمة سلفا بالإهتمام بالتجريب على حساب العلاقة بالواقع التأريخي، عن حركة المجتمع وصيرورته وتأكيدٌ لتورطها الإيجابي في شبكة العلاقات الإجتماعية والثقافية لعصرها. فمن خلال هذه التفاصيل المقترنة بالسياق الثقافي والاجتماعي وذات الطابع الشعبي شيدت رواية مابعد الحداثة خصوصيتها وجدَتَها مؤكدة بذلك الا وجود لأدبيةٍ وحيدةٍ تتجاوز الشروطَ الزمانيةَ والمكانيةَ للإبداع.
ان افتتانَ روائيي مابعد الحداثة بالثقافة الشعبية لعصرهم، بوصفه مساحة للتحول والعبور والتسوية الممكنة الساعية الى تهجين مفاهيم مابعد الحداثة بثقافة العامة من الناس، يجد تجسيده الرئيسي في إعادة إستخدام بعض نماذج وخصائص البنى القصصية وأنماط الشخصيات التي تتحرك في فضاءات الباراأدب. هذا الأنتباه العالي إلى العناصر المكونة لجوهر الخيال الشعبي الراهن، والتي تستمد منها الرواية الحديثة نماذج شخصياتها، يحول الثقافة الشعبية إلى” مولدات ” للكتابة والى مصنع خلاق من خلال تشييد مساحة فنية جديدة تتمكن من زحزحة ثقافة النخبة المتعالية بل وأن تضاهيها وأن تكون ندة لها. في هذا الضوء، سعينا الى تحليل بعض بنيات ومقاصد إشتغال روايات مابعد الحداثة في نماذج مختارة من الأدب الشعبي ِ)أو الباراأدب كما أقترحنا تسميته(، وذلك من منظور إمتصاصها وإستثمارها لصيغ وأنماط وتقنيات الرواية الشعبية.

هوامش :

Alain-Michel Boyer, La paralittérature, Paris: ‹‹PUF››, 1992, p. 103.
Gabriel Thoveron, Deux siècles de paralittératures, Liège: Éditions du CÉFAL, 1996, p. 17.
Bernard Mouralis, les Contre-littératures, Paris: ‹‹PUF››, 1975, p. 37.
Noël Arnaud, Francis Lacassin et Jean Tortel. Entretiens sur la paralittérature : Colloque de Cerisy-la-Salle, 1967. Paris : Plon, 1970.
Marc Angenot, Le Roman populaire, Recherches en paralittérature, Montréal: Les Presses de l’Université du Québec, 1975, p. 4.
Ibid., p. 5.
Bernard Mouralis, les Contre-littératures, op. cit., p. 9.
BIBLIOGRAPHIE
1.    AMOSSY, Ruth. Les idées reçues. Sémiologie du stéréotype, Paris: Nathan, 1991.
2.    ANGENOT, Marc. Le Roman populaire, Recherches en paralittérature, Montréal: Les Presses de l’Université du Québec, 1975.
3.    ARNAUD (Noël), LACASSIN (Francis), et TORTEL (Jean). Entretiens sur la paralittérature : Colloque de Cerisy-la-Salle, 1967. Paris : Plon, 1970.
4.    BARTHES, Roland. Le plaisir du texte, Paris: Éditions du Seuil, 1973.
5.    BOILEAU (Pierre), NARCEJAC (Thomas). Le Roman policier, Paris: Payot, 1964.
6.    BOYER, Alain-Michel. « Du double à la doublure : l’image du détective dans les premiers romans de Robbe-Grillet », L’esprit Créateur, vol. XXVI, no. 2, Louisiana State University Publications,1986.
7.    BOYER, Alain-Michel. La paralittérature, Paris: ‹‹PUF››, 1992.
8.    CAILLOIS, Roger. Puissance du roman, Marseille: Éditions du Sagittaire, 1942.
9.    DÉRUELLE, Aude. Illusions perdues de Balzac, Éditeur Atlande, 2003.
10.    DUBOIS, Jacques. Le roman policier ou la modernité, Paris: Nathan, 1990.
11.    FORSTER, E. M. Aspects du roman, Paris: Éditeur «10/18», 1999.
12.    KRESAGE, Delphine. « Détectives et chroniqueurs dans les romans policiers britanniques » in Formes et structures génériques du roman policier, Nabokov: Presses de l’Université de Paris-Sorbonne, 1996.
13.    LITS, Marc.  Le Roman policie,l’introduction à la théorie et à l’histoire d’un genre littéraire, Liège: Éditions du CÉFAL, 1999.
14.    MOURALIS, Bernard. Les Contre-littératures, Paris: ‹‹PUF››, 1975.
15.    POULIN, Richard. « La fascination morbide “les meurtriers en série”-fictions et réalités » in Alain Pessin, Les œuvres noires de l’art noir et de la littérature, T. II, Paris: l’Harmattan, 2002.
16.    REUTER, Yves. « le système des personnages dans le roman à suspens » in Le roman policier et ses personnages, Paris: Presses Universitaires de Vincennes, 1989.
17.    ROBBE-GRILLET, Alain. les Gommes, Paris: Éditions de Minuit, 1953.
18.    THOVERON, Gabriel. Deux siècles de paralittératures, Liège: Éditions du CÉFAL, 1996.
19.    VAREILLE, Jean-Claude. L’homme masqué, le justicier et le détective, Lyon: Presses universitaires de Lyon, 1989.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زيد شحاثة : لعبة زراعة.. اليأس

يميل العراقيون بطبعهم للحزن والشجن, في كل تفاصيل حياتهم, وربما هذا عائد للتجارب السيئة والكثيرة …

| عبد الرضا حمد جاسم : تحرير أم احتلال (2) .

في 09.04.2021 تحل الذكرى (18) لاحتلال العراق من قبل قوات اجنبيه قادتها الولايات المتحدة الأمريكية خارج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *