عايدة الربيعي : مفاهيمية وليد سيتي، المحور المتشابك

aida 8أحدث التقدم العلمي والتكنولوجي في القرنين العشرين والواحد والعشرين أثراً في تغير مفهوم الفن وفلسفته، وما أكثر ما أنتج من مكتشفات غيرت في مفاهيم وفي معاني الكثير من الأشياء، كما اكتشفت العديد من الخامات والأجهزة التي استخدمت بدورها في الفن وأدت إلى تغيير المعايير الجمالية للعمل الفني، بل أضاف لغة جديدة في مجال الفكر الفني تتفق ومقدار ثقافة واحتياج الإنسان المعاصر، فأضاف مداخل جديدة للفن مبنية على التجريب، والاكتشاف، والملاحظة، والمقارنة، والتمييز، والتحليل، والتفسير مما أذاب الفواصل بين الرسم والتصوير وباقي المجالات الفنية.
فظهرت مجموعة من الأعمال أخرجت الفن في العراق إلى تجربة ثقافية فلسفية تعد بمثابة الامتداد المعاصر للفن المفاهيمي  وهذا ما نلاحظه عند عدد من الفنانين التشكيليين المعاصرين ومنهم الفنان التشكيلي وليد سيتي (ولد في دهوك 1954م، كردستان العراق) حيث أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة، درس في معهد الفنون الجميلة قسم الغرافيك في بغداد 1971-1976 ثم غادر سيتي إلى يوغسلافيا في 1976 ليكمل دراسته الفنية بين 1976-1982 ليحصل على البكالوريوس والماجستير في الغرافيك من أكاديمية الفنون الجميلة في لوبليانا عاصمة سلوفينيا، حصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير في فن اللوحات الطباعية، ومن ثم انتقل إلى العاصمة البريطانية لندن خلال العام 1984، ليتحول اهتمامه

الفنان وليد سيتي
الفنان وليد سيتي

تدريجياً من فن اللوحات الطباعية إلى فن اللوحات الزيتية والرسم والأعمال التركيبية.  يقول في لقاء معه : “لا الحروبُ ولا المنافي ولا الزمنُ اثنوا من عزيمتي”
صنع الفنان سيتي عوالم تتجه نحو الاتجاه التعبيري، قدم فيها مفهومه الخاص بمواد اعتمدها كأداة للتعبير عن رؤيته الخاصة في قراءة ما حوله من أحداث، فتكوين العمل في مثل هذه الاتجاهات والتي تسمى بالمفاهيمية، تقوم على التنوع والإيقاع داخل العمل،  بين الكتلة والفراغ, بين الداخل والخارج، الفنان سيتي عرض العمل ليمثل عالم متغير بمزيج من أعمال تركيبية ومنحوتات بما يسميه الفنان “اليوتوبيا” (وهو مفهوم فلسفي يطلق على المكان الذي يبدو كل شيء فيه مثالياً).اظهر في عمله قيمة العمل الجمالية في صورة أسلوبية تكشف عن مقدرة فنية، انه يصور رموزا وأشكالا تدل عن محاولته في البحث  عن السلام.
الشكل دون تحته ( على شبكة الانترنت لمطاردة الحركة واليوتوبيا) انجزه من مواد مصنعة واستخدم الاكريليك، بقياس، 40×40×40 سم، سنة انتاجه 2011)  قد استمد فكرته من الطريقة التي يتكون فيها النظام walid 2للشكل (محوري ومتشابك) أي انه تجاوز الشكل إلى التركيب فصور رموزا وأشكالا تعرب في الأخير عن محاولته في البحث عن السلام الداخلي في شمول معرفي وفلسفي إلى نشوء الفن المفاهيمي، والمفاهيمية تعتبر أساس الفنون المعاصرة بجميع جوانبه،ا انبثقت من مبدأ فلسفة الفن المفاهيمي, وتنوعت في الإخراج والأسلوب فعبر بها الفنان ومنهم سيتي عما يشعر به من أحاسيس ومشاعر, وما يريد التعبير عنه من قضايا ومشاكل في المجتمع والعالم بطريقة إبداعية غير مسبوقة في العراق، وعلى المتذوق تفسير ومعرفة مضامين هذا العمل، والعمل الفني في مثل هذه الحالة يمكن أن يفسر بتفسيرات مختلفة كل شخص يؤول بما يتناسب مع  ذوقه الخاص .
الفنان هنا يفسر العالم من حولنا بطريقته الخاصة،  يستكشف التناقض في العلاقات من خلال التركيب لعناصر الموضوع واللون، يتعدى معنى  الخامة  إلى عدد من الرموز الروحية والسياسية المختلفة، والى المعاني والرموز التصويرية التي تثير الانفعال الروحي بقوة  فتتعدى غرضها أو معناها الأصلي، لتصبح استعارات رمزية للتجمعات السياسية أو الروحية أو أي شئ يعنيه، يؤكد على علاقة الكتلة بالفراغ يؤكد القيمة التعبيرية دون أن يتطرق إلى  الهيئات الإنسانية, بل من التكوينات المادية واللونية المختزلة. وفي أعمال له أخرى تناول وليد مواد من الطبيعة أو أحيانا مصنعة، كرمز متعدد الأبعاد والمعاني لها دور رمزي كاستعارة فنية. ليسلط الضوء على أهمية الطبيعية التي دمرت وباستمرار من خلال الحروب ومن تأثير ذلك على العلاقات التي تحكم عناصر البيئة.
عمله الفني التشكيلي الذي أمامنا، يمثل نقطة فاصلة في متوالية اللوحات والأعمال المجسّمة التي تعيد تجسيد شكل الأشياء في الطبيعة والذي يعتبرها الفنان مكاناً أثيرا للتأمّل في البشر وعاداتهم وتاريخهم وتجاربهم. ويتساءل سيتي في هذا العمل عن حالة الحرب فمن يشاهد العمل يشعر بالوجع، إذ استخدم الفنان شعيرات كثيرة حول مكان محدد على شكل يشبه دبابيس إذا ما وضعت على الجسد تؤلمه حتى لو كان وخزها خفيفاً.
الفن المعاصر معقد يخالف النظام الفعلي للأشياء ويصورها على نحو مغاير لما هي عليه في الفعل، ولكن في النهاية يكمل الفن والعلم كلاهما فقد أتاح العلم للفنان رؤية النظم والعلاقات المعقدة والتي لا توجد في الذاكرة البصرية ليتيح التأمل في رؤية الأشياء من حولنا برؤية تحليلية فكرية فلسفية أكثر عمقاً.

القاهرة-2013 م

شاهد أيضاً

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
بقلم: كريم عبدالله

بغداد – العراق 28/9/2020 شعريّةُ الذاكرة في القصيدة السرديّة التعبيريّة . أولاً : الذاكرة الشعريّة …

ساندرا شمعون: كرسي ستار نعمة

غريب تأثير الاعمال الفنية على الانسان ٠ تغمرنا بِموجة عاطفة تلمس خزين الذاكرة وبشكل محبب …

التشكيل العربي المعاصر
8 – الواقعية الطبيعية من المنظر إلى البورتيه في تجربة الفنان العراقي صالح رضا
ذ. الكبير الداديسي

صالح رضا فنان تشكيلي عراقي من مواليد 9 يوليوز 1960 استطاع أن يفرض نفسه رقما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *