د. عبد الله ابراهيم : الرواية العربية طريقي الخاص

abdullah ibrahim 5* حاوره : عدنان الهلالي*

حاز من أيام قليلة جائزة الشيخ زايد للدراسات النقدية عن كتابه«التخيل التاريخي.. السرد والإمبراطورية والتجربة الاستعمارية»، وهو من الكتاب والأكاديميين العرب، مجاله البحثي الدراسات السرديّة والثقافية، ينطلق الدكتور عبد الله إبراهيم من رؤية حديثة تستدعي الوعي، ليقدم قراءة جديدة للنظريات النقدية التي تخضع العمل الإبداعي لمختبراتها الإجرائية. يأتي اشتغاله النقدي متناغمًا مع الفنون الأخرى. يؤمن إبراهيم بأنّ النص الأدبي، هو نتاج مشترك تتداخل في فضائه معطيات جماليّة وثقافية، تتضافر معًا لصياغة هُويته التي ينماز بها عن غيره. تمثل موسوعته الموسومة: موسوعة السرد العربي الصادرة عن المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر في بيروت جهدًا معرفيًّا غير مسبوق، استغرق فيها وقتًا طويلًا، وهي تبحث عن جذور الظاهرة السرديّة في التراث، وتكشف عن الحاضنة الدينية والشفوية التي صدرتها عنها، وتقصي أبنيتها السردية والدلاليّة، من العصور الجاهليّة، حتى الرواية الحديثة. فضلًا عن جهوده في كتابه: المطابقة والاختلاف، وهو بحث جاد في نقد المركزيات الثقافيّة، صدر عن الدار نفسها.
نال درجة الدكتوراه في الآداب العربية عام 1991 / جامعة بغداد، وشارك في عشرات المؤتمرات والملتقيات النقدية والفكرية. عمل أستاذًا للدراسات الأدبية والنقدية في الجامعات: العراقية، والليبية، والقطرية لغاية عام 2003. خبير ثقافي في دولة قطر، اعتبارًا من 2003 لغاية 2013. وهو، أيضًا، باحث مشارك في الموسوعة العالمية: (Cambridge History of Arabic Literature) .
من مؤلفاته: المتخيل السردي 1990، معرفة الآخر 1990، السردية العربية 1992، المركزية الغربية 1997، والثقافة العربية والمرجعيات المستعارة 1999، والمركزية الإسلامية 2001، وتحليل النصوص الأدبية 1999، المطابقة والاختلاق 2005، والرواية العربية: الأبنية السردية والدلالية 2007 وموسوعة السرد العربي (مجلّدان) 2005، والتخيّل التاريخي، 2011 والسرد النسوي، 2011 والهُوية والاعتراف 2011. قرأنا تفاصيل مشروعه المعرفيّ، فكان الحوار التالي:

ينبغي القول بأننا أمّة سرد لا أمّة شعر

÷ كثيرًا ما يكون الاهتمام بالشعر أكثر من السرد في ثقافتنا العربية، والأمر ينسحب على المناهج الدراسية، كيف تنظر لهذا الأمر؟

} تطرح قضية غلبة الشعر على السرد، في الثقافة العربية قديمها وحديثها، خدعة وصفية كبيرة ينبغي تبديدها بجرأة، وتفكيك مسلّماتها، ونقض الأوهام المتصلة بها؛ ذلك أن الشعر منذ العصر الجاهلي إلى يومنا هذا لم يشكّل إلا نشاطاً جزئياً في تلك الثقافة، فقد كان السرد وما زال هو الأكثر حضوراً فيها، لكن كل ذلك يحتاج إلى تحقيق يكشف تلك المنطقة التي أشاح كثيرون بوجوههم عنها جهلاً أو نكراناً، فالمرويات السردية الجاهلية، ثم المرويات التي ظهرت في العصور الإسلامية المتعاقبة، تؤلّف مدوّنة كبيرة لا سبيل إلى حصرها، وقد تجسّدت بأنواع أساسية وثانوية كثيرة، منها: المقامات، والحكايات الخرافية، والسير الشعبية، والسير الموضوعية، والسير الذاتية، والنوادر، والطرف، وقصص الحيوان، ومرويات الإسراء والمعراج، وقصص الأنبياء، والإسرائيليات، وكتب الأخبار والتراجم، ومدوّنات الارتحال في دار الإسلام وخارجها، وكتب المسالك والممالك، وأخبار البخلاء، والمكدّين، واللصوص، والظرّاف، والمتطفلين، والصعاليك، والعميان، والمجانين، والعشاق، والزهاد، والنسّاك، والقصّاص، والمحدّثين، فضلاً عن قصص العجائب والغرائب، وهي قائمة تضم آلاف الكتب الضخمة التي يتعذّر الإلمام بها، ولم يتعرّض معظمها للتحقيق الذي يخرجها من طيات الماضي، ناهيك عن التحليل الذي يكشف طبيعتها وأغراضها وأساليبها وأبنيتها، فبقيت شبه مجهولة في خزائن التراث، مع أنها كانت شائعة، وتتداول لدى النسّاخ في بغداد ودمشق والقاهرة وغرناطة وقرطبة وفاس ومراكش وأصفهان وسمرقند وبخارى، وسائر حواضر دار الإسلام، ولها شأن كبير في كتب الفهارس والمعاجم، وجميعها يندرج ضمن الأنواع السردية التي غفل عنها كثير من القدماء والمحدثين لأنها لم تندرج في إطار الثقافة الرسمية، وقوبلت بنوع من الرفض الديني أو اللغوي لأنها لم تمتثل للمعايير الشائعة في الفكر الديني أو الفصاحة اللغوية السائدة، ومثالها الأشهر «ألف ليلة وليلة» و«مئة ليلة وليلة»، وسير كلّ من: سيف بن ذي يزن، والأميرة ذات الهمّة، وعنترة بن شداد، وأبي زيد الهلالي، والظاهر بيبرس، أما في العصور الحديثة، فقد ازدهر السرد بطريقة لافتة للنظر، فهنالك القصة القصيرة، ثم الرواية التي تكاد تغطّي معظم نتاج الثقافة الأدبية المعاصرة، وهذه التركة الهائلة من المرويات والمؤلّفات السردية هي الحامل الحقيقي لهويّة الأمّة في الماضي والحاضر، والمعبّر الرمزي عن تطلعاتها وانكساراتها، ولا يمكن مقارنة الشعر، لا من ناحية الوظيفة ولا من ناحية الكم، بتلك التركة الضخمة التي صاغت مشاعر الأمة، وعبّرت عن عواطفها وتصوراتها تجاه نفسها، وتجاه الأمم الأخرى.
إنّ مصدر الوهم بأن العرب أمة شعر لا أمة سرد، مرجعه الاهتمام الرسمي بالشعر في قصور الخلفاء والولاة والأمراء، فكان الشعراء يتنادون إلى تلك المجالس كسبا للمال، ما خلا شذرات رثائية، أو غرامية كتبت تعبيرا عن تجارب شخصية، فقد كان حضور الشعر مرتبطا بوجود الشعراء في المجالس والأندية والقصور، وما دام السرد كان يروى بعيدا عن ذلك، فقد جرى إهماله لأن رسالته تتجه إلى ناحية لا صلة لك بالثقافة الرسمية في الغالب، إنما بالثقافة الشعبية، فارتسم تصور خاطئ بأنه غير موجود؛ لأنه يتداول خارج ذلك المجال. لكن ذلك الخطأ بدأ يتعرّض للتعديل وإعادة النظر، بل وللتصحيح شيئا فشيئا، فثمة مراجعة جادة للسرد العربي القديم بأنواعه كافة، وهو سرد شامل لم يقتصر على الموضوعات الأدبية إنما شمل القضايا التاريخية والدينية والاجتماعية، وإلى ذلك فقد انتزعت الرواية المكانة الأولى في العصر الحديث، وهي في صعود مثير للعجب، فيما انحسرت وظيفة الشعر، ويعود ذلك إلى انهيار قيمة القول الشعري؛ لأنه عجز عن تمثيل الأحوال الاجتماعية، ما أدى إلى عزوف القرّاء عنه. هذه الحقيقة ينبغي الالتفات إليها، وإبطال المسلّمة القائلة بأننا أمّة شعر فقط، فإذا كان لا بد من وصف يندرج في تاريخ الأدب العربي، فالصواب هو القول بأننا أمّة سرد لأن السرد نهض بمهمة تمثيل الأحوال العامة للأمة أكثر مما قام به الشعر.

÷ ما رأيك بالنقد الجامعي؟ هل يؤدي غرضه المعرفي في قراءة النصوص الإبداعية، باعتباره فكرة تحليلية استنطاقية؟

} إن كنت تقصد بالنقد الجامعي ذلك النقد الذي يقوم على خطة بحث محكمة، ومنهج نقدي واضح، وتحقيق نتائج دقيقة، فأنا أثني على هذا النقد، وأرغب فيه، وأنتظره، وأدّعي أنني مارسته منذ أكثر من ربع قرن، لكن مع الأسف الأمر ليس كذلك بصورة عامة، فالدرس النقدي في الجامعات العربية انحدر إلى الدرك الأسفل، وأصبح مدرسياً لا صلة له بالاجتهاد النقدي، وهو أبعد ما يكون عن القدرة على الغوص في العالم الافتراضي للنصوص الأدبية، إنما هو مهنة من لا مهنة لهم من حملة الشهادات العليا في أقسام الأدب في الجامعات العربية، فتوهم كثيرون منهم أنهم من جهابذة النقاد، وينبغي أن يتصاغر أمامهم أرسطو، والقرطاجني، وطه حسين، وتودوروف، ومنْ هم في رتبتهم من القدماء والمحدثين، وصارت الملتقيات النقدية في معظم الجامعات العربية مكاناً لأنصاف الموهوبين من مدرّسي النقد الذين يتكدسون على منابر الحديث، ويغالون في ادعاءات إنشائية لا علاقة لها بالنقد، وبذلك انحسر النقد الذي يقوم على فرضيات متماسكة، ومفاهيم واضحة، ومنهج نقدي كفء، وحلّ محله التواء في اللغة، والتحليل، وغلو في الادعاء، فضلاً عن السطو، والمحاكاة، والأخذ عن مصادر غير موثوقة، وفي حدود اهتمامي بالدراسات السردية التي أحضر كثيرا من ملتقياتها أواجه باجترار لمصطلحات غامضة لم يقع فهم سياقاتها، وعجز عن استكناه النصوص السردية، وانحسار للكفاءة النقدية التي تستخلص القيم الفنية من الكتابة الإبداعية.
وبالإجمال إن كان هذا هو النقد الجامعي، فلا حاجة للأدب به لأنه عالة عليه، إنما الأدب بحاجة إلى ممارسات نقدية تحايث النصوص، وتستنطقها، وتقوم بتحليل مستوياتها الأسلوبية والبنيوية والدلالية، وأجد في ذلك ندرة مثيرة للسخط، فلا أعثر على هذا الضرب من الممارسة النقدية. الثقافة العربية تعاني نقصاً حقيقياً في ذلك.

الغرب

÷ من الأمور التي يُوصف بها نقدنا بأنه نقد يقوم في جانب كبير منه على استيراد المفاهيم الغربية؟ متى يبدأ الناقد العربي تأثيث مشروعه بمفاهيم خاصة؟

} هذا الوصف صحيح، فالثقافة العربية استعارت كثيراً من تصوراتها ومفاهيمها وفرضياتها من الثقافة الغربية، وقد حللت كل ذلك بالتفصيل في كتابي «الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة» ويعود ذلك إلى أن الثقافة العربية ما زالت ثقافة مطابقة ولم تصبح ثقافة اختلاف، فقيمة الممارسة الفكرية فيها تأتي من التقليد وليس الابتكار، أي من مطابقتها لقضايا مثارة في سياق الثقافة الغربية، وليس من سياقات الثقافة العربية، فالمطابقة مع الآخر وليس الاختلاف عنه هو ما نجده في معظم القضايا المثارة في ثقافتنا. ترسخ ذلك بسبب التجربة الاستعمارية الطويلة، وصوغ الخطاب الاستعماري لتصوراتنا، وأفكارنا، ولا أكاد أجد ناقداً عربياً نجا من ذلك منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى الآن، فقد وقعت الثقافة العربية في منطقة التأثّر السلبي، أي المحاكاة القائمة على الاستئثار بمقولات الفكر الغربي ومحاولة إنباتها في سياق ثقافي مختلف عن سياقاتها الأصلية، وهو أمر تبارى فيه معظم النقاد العرب، بدل أن يهضموا تلك المقولات والمفاهيم والمناهج ويعيدوا إنتاجها بما يوافق حاجاتهم، بل اقتراح بدائل لها تناسب سياقات ثقافتهم. ولا ينبغي إهمال القضية الأكبر، قصدت تبعية الثقافة العربية للمراكز الثقافية الغربية، وإخفاقها في إنتاج ثقافة موازية تجيب عن الأسئلة الحقيقية التي تحتاجها الثقافة العربية.

÷ «موسوعة السرد العربي» التي استغرقت كتابتها وقتًا طويلًا ناهز عشرين عاما هي عمل غير مسبوق كما وُصفَه كثيرون، برأيك ما المختلف الذي قدمته للقارئ العربي؟ وهل تمثل حجر الزاوية بالنسبة إليك؟

} موسوعة السرد العربي، هي كتاب موسوعي جعل من الظاهرة السردية في الثقافة العربية موضوعا له، وهي ليست كتاباً يتضمن مداخل لدراسة مادة السرد بدون انتظام، إنما هي كتاب مترابط الأجزاء. فقد أردت بالموسوعة إحياء فكرة الكتب الموسوعية التي عرفتها الثقافة العربية، كما وجدنا ذلك في كتاب «الأغاني» وكتاب «خزانة الأدب» وكتاب «صبح الأعشى»، وخالفت المفهوم الغربي للموسوعة، كما ظهر ذلك في الموسوعة الفرنسية أو الموسوعة البريطانية، ومضيت في تحقيق كل ذلك إلى النهاية. هذا من ناحية الشكل العام للموسوعة، أما من ناحية البنية فهي تتكون من ثمانية أجزاء تعقبت فيها الظاهرة السردية العربية منذ العصر الجاهلي إلى مطلع القرن الحادي والعشرين، أي أنها رصدت المرويات السردية، وبينت كيفية نشأة كل نوع، وكشفت السياقات الثقافية الحاضنة لنشأة الأنواع السردية القديمة والحديثة، ثم توسّعت في وصف الأبنية السردية والدلالية لكل نوع بالتفصيل، كما أنها قدمت تفسيراً ثقافياً لظهور الأنواع السردية وأفولها، ومنها تفسير جديد لنشأة السردية العربية الحديثة غير ما هو شائع في الدراسات النقدية، وبذلك استغرق العمل فيها أكثر من عشرين سنة، ومرّت كتابتها بأطوار عدة، لكنها انتهت إلى صياغة موحّدة بما أعتقد أنها سوف تسهم في إلقاء أضواء جديدة على الظاهرة السردية وعلاقتها بالمرويات الدينية والتاريخية. وبالطبع لم تتشكل هذه المدوّنة التي تتألف من آلاف الصفحات بمعزل عن رؤيتي النقدية التي عبرت عنها في كتبي «المركزية الغربية» و«المركزية الإسلامية» و«الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة» فالموسوعة في نهاية المطاف تتطلع إلى استخلاص «سردية عربية» من ممارسة العرب للسرد عبر ألفي سنة، أو ممارسة مَنْ جعلوا اللغة العربية وسيلة للتعبير عما يريدون قوله، فالسردية العربية ليست مستعارة من ثقافات أخرى إنما هي منبثقة من سياق الثقافة العربية، ولم أكتف بذلك، إنما اقترحت منهجية نقدية لتحقيق ذلك الهدف.

÷ أنت متخــصّص في الدراســات الســردية، في تصوّرك هل وُظفت السردية العربية في الردّ عــلى المركــزية الغربية؟

} لم يعد مفهوم السرد عندي مقتصراً على الوسيلة الأدبية لبناء المادة الحكائية، إنما توسّع فراح يشمل السرود الدينية والتاريخية، وكل ضروب التخيّل، مهما كانت وسائل التعبير عنها، وأكاد أقول إن الثقافة العربية في معظم مظاهرها ثقافة سردية، تنظر للعالم ولنفسها نظرة شبه تخييلية، فتعطي للمخيال أهمية فائقة مما يمنحها امتداداً لا نهائيا في التصورات، وبذلك تختلف – ولا أقول تتعارض – عن الثقافة الغربية القائمة على مركزية العقل بمظاهره العملية المباشرة التي انتهت إلى نوع من العقل الأداتي الذي يفتقر إلى النزوع الإنساني الذي أحلّ العزلة محلّ التواصل، وقد نقد هابرماز هذه العقلانية التي اعتبرها من المكاسب السيئة للحداثة، واقترح عقلانية تواصلية تضع النزعة الإنسانية في المقام الأول، وليس في واردي الآن إجراء مفاضلة بين الثقافتين، الغربية القائمة على العقلانية، والعربية القائمة على السردية، إنما ينبغي فتح الممرات المغلقة بينهما، فلا قيمة لمركزية سردية يشطح بها الخيال بعيدا، ولا أهمية لمركزية عقلانية تقوم على مبدأ المنفعة وقاعدة المصلحة، إنما ينبغي تخصيب هذه بتلك، والعكس أيضا صحيح، ولكن قبل ذلك ينبغي تفكيك المركزيتين المذكورتين، وإخلاؤهما من الغلو والتطرف.

÷ ترفض مقولة: الرواية العربية نبتة مستعارة من الغرب جرى زرعها في التربة العربية، كيف يمكن صياغة هُويّة الرواية العربية للمتلقي؟

} التفسير الذي قدّمته لنشأة السردية العربية الحديثة متصل بعملي على تفكيك المركزيتين الغربية والإسلامية، فقد مارست نقدا لمسلّمات الخطاب الاستعماري الذي قدم تفسيرا جاهزا للظواهر الثقافية، ومنها الأدبية، يتوافق مع شروطه، فانتهى إلى أنه لا رواية عند العرب إن لم تمتثل لشروط الرواية الغربية، وحينما لم يجد نصاً، يتوافق مع تلك الشروط نفى عن العرب الرواية حتى عثر على رواية «زينب» التي تتوافق جزئيا مع تلك الشروط، فقال بأن الرواية العربية بدأت بها وطمس نحو مئة رواية قبلها لا تتوفر على شروط الخطاب المذكور. كما أنني نقدت الخطاب العربي القديم الذي وجد في «المرويات السردية» النموذج الأكمل للسرد، ولما وجد أن الكتابة الروائية في القرن التاسع عشر تنشق عن شروطه اعتبرها كتابة دخيلة، والحال هذه، فكلا الخطابين جانب الصواب في تفسير نشأة الرواية العربية، فتقدمتُ بتفسير ثقافي مؤدّاه أن المرويات السردية العربية تفككت، ثم انهارت أبنيتها في القرن التاسع عشر، وتركت رصيداً سردياً كبيراً لا هُويّة نوعية له، أي أنه لا يندرج في نوع معروف، وقد أدّت المتغيرات الثقافية، والحراك الاجتماعي في النصف الثاني في القرن التاسع عشر، ومنه العلاقة مع الغرب، إلى إعادة تشكيل ذلك الرصيد بنوع مختلف عن الرواية الغربية ومختلف في الوقت نفسه عن المرويات السردية القديمة، وكانت تلك هي ولادة الرواية العربية.
وبعد هذه المرحلة، بدأ سؤال الهُويّة نفسه يطرح بشدة، بل إنه طرح بسبب التجربة الاستعمارية، ولهذا ظلت الرواية العربية لنصف قرن في أول نشأتها تمارس مهمة الإصلاح والدعوة للتمدّن، ولكن بأسلوب مستعار من المرويات القديمة، ثم راحت تتفاعل مع الرواية الغربية بداية من القرن العشرين، ومع أن كثيراً من نماذجها تماهت مع الرواية الغربية في نوع من المحاكاة السلبية المجافية للتأثر والتأثير الإيجابي، فقد اختطت الرواية العربية لنفسها طريقا خاصا، وقامت بتمثيل أحوال المجتمعات العربية بأفضل مما قام به الشعر، وبذلك فشأنها شأن الرواية في أميركا اللاتينية، واليابان، وأفريقيا، لم تمتثل لشروط النوع الروائي الغربي بكاملها، إنما تفاعلت معه حسب مقتضيات التمثيل والاستفادة من تقنيات السرد، فتكون قد اختطت طريقا خاصا ينفصل عن تجربة الرواية الغربية لكنه يتصل معها بالمشترك الأعلى للنوع الروائي.

÷ في تجربتك النقدية، هل تضع السرد النسوي مقابل السرد الرجالي؟ هل ثمة خصوصية لكل منهما؟ وهل قراءتهما تكون مختلفة بالنهاية؟

} دارَ جدل كثير في النقد العربي الحديث عن كتابة المرأة، ووقع لبس حقيقي حول طبيعة هذا الأدب، فقد اختلف أولا حول وجوده، ثم اختلف حول طبيعته، واختلف حول تعريفه، وما زال الاختلاف قائما في كل ما يتصل به تقريباً، ومن ناحيتي أكدت في أكثر من مكان أن هُوية السرد النسويّ، تتحدد في توافر الأدب الذي تكتبه المرأة على المكوّنات الثلاثة الآتية، أو بعض منها، وهي: الاحتفاء بالجسد الأنثويّ باعتباره ميزة أنثوية، تحتل مكانة أساسية في العالم الافتراضي للسرد، ثم النظر إلى الذات والعالم بعين الأنثى، بما يؤدي إلى استبعاد الرؤية الذكورية للعالم، وأخيراً ازدراء الثقافة الذكورية ونقدها، وبخاصة علاقات التبعية والهيمنة. فهذه هي الركائز الأساسية للسرد النسوي حسبما انتهيت إليها. وربما تكون هنالك خصائص ثانوية أخرى لم تخطر لي، وأنا أجري تحليلاتي النقدية لمدونة السرد النسوي في الأدب العربي الحديث، ولكن هذا ما خلصت إليه بعد بحث استغرق سنوات عديدة، ولم أتوقف عند ذلك، بل ذهبت إلى أن السرد النسوي يحمل في طياته غاية لا يتوافر عليها سواه، وهي تخريب التوقعات التقليدية للمتلقّي؛ لأنه لا يتوافق مع تصوراته الموروثة عن العالم، ففيه تبرم وسخط، بل خروج على الأعراف السائدة في العلاقات التي تربط المرأة بالرجل، وعلى هذا فهو يندرج ضمن نصوص المتعة التي تستفز المتلقي بإثارة أسئلة غير متوقعة لديه، وبذلك يكون السرد الذي يكتبه الرجال هو كل كتابة لا تتوافر على تلك الركائز.

* كاتب عراقي

شاهد أيضاً

الكاتب حسن سالمي: لا يمكن لرواية واحدة أن تقول كلّ شيء حاورته: الصّحفيّة وحيدة المي- تونس

فاز هذه السّنة بجائزة توفيق بكّار للرّواية العربيّة، يعكس الحياة في كتاباته بكلّ تناقضاتها ويحاول …

صابرحجازي يحاور الشاعرة المغربية جليلة بن الدويبية

في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي …

دردشة على صهيل الفصول مع الشاعرة اللبنانية
د.دورين نصر سعد حاورتها: آمنة ونّاس

وقفت أعدّ زفرات الريح الصافعة للجدران القديمة، لينشقّ صمت من رفوف الصدى، يناظرني بابتسامة، مستسلمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *