داود سلمان الشويلي : التشابيه.. صفحات مروية عن الايام الخوالي (1)

تنويه :

اليك يا من سألتني – اعزك الله – ما كنت ترغب بقراءته من صفحات عن الايام الخوال ، وما حدث فيها في مدينتي 0

انا داود بن سلمان الشويلي ، وضعت اسمي على هذه الصفحات لا لشيء سوى لانني قمت بعملية تنظيم وتدوين احداث سجلتها ذاكرة المدينة 000 فكان القسم الاول الذي حاولت صبه في قالب ادبي فني ، وعند الانتهاء من تدوينه ، رأيت ان من يقرأ هذه الصفحات سيقف اكثر من سؤال في طريقه ، لما فيه من ثغرات وفجوات ، ليس في نوعية الكتابة ، او في فنيتها ، وانما في غياب بعض الاحداث ، فدفعني ذلك للبحث وطرح مئات الاسئلة وتقصي الحقيقة في عقر دارها ، فكان القسم الثاني وهو (التقولات ) التي جاءت بمثل الهوامش التي يدونها قاريء كتاب ما يعرف عن موضوعه اكثر مما يعرف مؤلفه ، لهذا انبهك – حفظك الله – وانبه من خلالك القاريء اللبيب الى ذلك 000 والسلام عليك ورحمة الله وبركاته 0
   مرتب ومنظم الاحداث
( 1 ) امتلأت اذناه بصرير حاد ….
كان الظلام يملأ ( الخصّ ) القصبي ، فيما ذبالة ( الفانوس ) النفطي ، تتراقص بتراخ ٍ كليل ، وهي ، بالكاد تدفع بنورها الشحيح الى ما حولها من ظلام صقيعي جمد عيدان القصب والبواري .
كان الضوء الخابي للفانوس ، يصارع كتلة الظلام الهائلة في الركن الجنوبي من  ( الخص ) .
امتد نظره الى الركن الشمالي منه ، حيث امتلأ بصوت ناشز ينبعث من مكان لم تتوضح معالمه بعد ، لكنه ، وهو يفرك عينه السليمة براحة كفه ، انهالت امامه صورة ذلك الجرم الاسود الممدد عند ذلك الركن 000 وكمن اكتشف الحقيقة ، ضحك في سره ، وردد مع نفسه قائلاً :
– انها ( الملحة ) 0
وبأشمئزاز ، ادار وجهه الى حيث الظلام والسكون الثلجي خارج ( الخص ) ، فبدا له اسود من فتحة الباب 00  مد رأسه مثل بوز كلب اجرب يحاول اكتشاف طريقه بعيداً عن عبث الاطفال قبل ان يخرج من مخبئه000 فلفحته سياط باردة ، احس بها وكأن موساَ حادة اخذت تشقق جلدة وجهه 000 فيما راحت عينه السليمة ، تتشرب كلياً لون الظلام 0
رفع رأسه الى قبة السماء ، فهاله ما رأى ، اذ راحت كتل من الغيوم الداكنة الثقيلة تنتشر في المكان الذي حملقت فيه قبل ساعات مئات العيون تبحث عن هلال عاشوراء في سماء الله الواسعة ، وكأنه طفل خبيث يلعب ( الختيلة ) 00 وعندما لاح لعينين من تلك العيون التي اضناها البحث ، انمحى تاركاً اصوات التهاليل والتكبير تملأ الفضاء 0
ارتد ( جاسم الاعور ) الى الوراء 00 اعاد اغلاق الباب جيداً ، ، كان شخير ( الملحة ) يملأ اذنية بطنين مزعج ، فيما ذبالة فانوسها تصارع سخام زجاجه ، فكان الليل والظلام ، و البرد والشخير 0
ردد مع نفسه ، كأنه يمدها بشجاعة افتقدتها ، ودفء يمنحها قوة وارادة :
– انها تنذر بالكثير 00 يالها من سماء حبلى 000 ستمطر برداً يجمد الدم في العروق 00
حل الرباط القماشي للباسه الداخلي الابيض الطويل ، والذي كان هو الشيء الوحيد الذي ارتسم في سواد الأشياء 00 وبيدين خاويتين ، سحب طرفيه الى الاعلى ، ثم شدهما جيداً الى بطنه 0
مد يده – كالاعمى – في الظلام الذي خلفه في وسط ( الخص ) ، قبالة الباب ، وبتكاسل ، رفع من الارض ( دشداشته ) ذات اللون الداكن 000 البسها جسمه 000 ثم لف رأسه بيشماغه ، فبرزت عينان ، احداهما ترى الظلام الذي حوله والثانية نسيت لون الضوء منذ سنين طويلة 00 وقبل ان يدفع بجسده عبر الباب ، الى حيث كتلة الظلام الهائلة ، القى نظرة سريعةالى الكتلة السوداء الممددة على الارض في ركن ( الخص) ، فالفاها سوداء  ساكنة ، سوى صوت الشخير الذي – هو الآخر – قد ملته اذناه  بعد ان يصل اليهما متكسراً حاد الحواف كقطعة زجاج مهشمة 0
رسم ابتسامة أنتصار على شفتيه ، أوهكذا حاول ان يجعل منها ، تمتم مع نفسه ، وهو يلف عباء ته السوداء المهترئة الحواف ، على جسده الخاوي ، وكأنه يخاطب تلك الكتلة السوداء :
– لقد تذكرك الحاج ايتها ( الملحة ) 00 سأ فتقدك كثيراً 0
ثم استدار ، وخرج ، وهو يسحب الصرير من خلفه ، فابتلعه ظلام ازقة القرية الصقيعي ، الذي اخذ يجلد صفحة وجهه  بآلاف السياط الباردة ، فيما امتلأ الفضاء بعواء الذئاب ونباح الكلاب الذي يأتيه من بعيد ، فراح يسير محاذياً لاسيجة القصب المحيطة  ( بصرائف ) خاوية ، ملفوفة بالظلام ، مثل لص يحاول الافلات من مطارديه 0 فيما كانت السماء من فوق رأسه ، سوداء كسخام الفانوس ، و كأن النجوم الذهبية والفضية التي تمتلأ بها ، قد تساقطت كلها 000 او ان يداً عملاقة مسحتها من صفحة السماء ، واخذتها الى جهةغير معلومة ، لكن ما فا جأه ، هو الشبح الذي تراءى له على بعد مسافة ثلاثة دور ، كتلة سوداء تتحرك عبر الزقاق ، محاذية لاسيجة المساكن المبنية من القصب ، وقد بانت حركة تلفته الوجلة من خلل الظلام الدامس الذي ملأ الفضاء كلص ، اندفع الشبح – الذي كان جاسم الاعور يرقبه وقد لسق جسده بالجدار القصبي لـ (خص)  الملحة – وولج باب مسكن الشيخ عبد الكريم ، اذ انصاع الباب له وكأنه ظل مفتوحا حتى هذه اللحظة : انه هادي ، لكن 00 ما  الذي يفعله في هذه الساعة المبكرة من الفجر ، وفي هذا الليل الصفيعي الاسود ؟
الا ان برودة الجو ، والخوف من ان يراه ذلك الشبح الذي انبثق من ذلك الظلام انساه كل شيْ ، فترك مكانه وراح مسرعا كالمطارد 0
حرك رأسه وهو يعرج على ساقه السليمة ، بهدوء تام ، وكأنه لا يريد ان ينبه الظلام الذي حوله ، مد نظر عينه السليمة الى صفحة السماء كي يراها كلها ، اذ حجبت عينه الاخرى رؤية القسم الآخر منها 0
كل شيء – قد بدا له – اسود ، دا كناً  ، ظلاماً ، و سخاماً 00 حياته كانت – كذلك – سواد بسواد ، باردة كبرودة هذه الليلة 00 اذ مازال البرد يجمد وجهه ، والريح ، آه ٍ من الريح – حدث نفسه – ياليتني كنت كالريح 00 لقد جمدت 000 يالها من ريح عاتية 00 تدفع به وكأنها ايدي عمالقة تدفع به الى امام …
:- الله يرحمك ياأماه 00
قال مع نفسه متأسفاً 00 ثم تابع قوله وكأنه يحدث امه الغائبة الحاضرة :
– ألم تجدي غير هذه ( العوراء ) لتكحل عيني 00 ؟ ألم تفكري بعاقبة ذلك  ؟ سامحك الله 00 ( عوراء تكحل طفلاً ! ؟ ) وها هي النتيجة 00 سامحك الله ياأماه 0
كثيراً ماكان يلوم امه 000 لامها وهي في الحياة 00 ولامها وهي في الممات 00 كان ذلك ديدنه ، كلما حاول ان يرى الاشياء كاملة 00
ومرة عندما كان جالساً مع الحاج وجماعته ، سمع احدهم يقول :- تستطيع الطيور ان ترى مسافة واسعة من الفضاء 000 ان الله خلق لها عينين حادتين وواسعتي النظر ، انها ترى كل الاشياء التي امامها 000 ان بصرها اقوى واشمل في الرؤية من بصر الانسان  0
في ذلك الوقت ضحك من نفسه 00 هز يده استهزاءً وترك المجلس ، وهو يصب جام غضبه على امه المتوفاة 0
لكنه – وكعادته كل مرة – كان يترحم على روح امه 00 تلك المرأة التي تحملت الصعاب في سبيله 00 لقد كانت تعمل في بيوت الناس الاغنياء لتطعمه 000  اذ تركهما والده وهي حامل به 00 الى اين ذهب ؟ لاأحد يعرف 00 حتى أمه 00 وعندما سألها وهي في فراش الموت ، لم تخبره بشيء ، لماذا 000 لماذا 00 لماذا ؟

(2)

نهض الشيخ عبد الكريم من فراشه الدافيء ، وبصوت اكله التثائب ردد  قائلاً :
– بسم الله الرحمن الرحيم
فصر سرير ( الجريد ) من تحت جسده الهزيل ، كأنه يكمل له بسملته التي بلعها التثاؤب ، وقف في منتصف ( الصريفة ) ، وهو يرتجف من البرد  00 قال مع نفسه :- هذا موت وليس برد 00 ألطف بنا يارب 000 ألطف بعبادك الصالحين 00 انهم اناس فقراء ، وعلى قد حالهم 0
ثم وكمن كفر بشيء مقدس ، قال مستغفراً: استغفر الله العلي العظيم ، ولعنة الله على الشيطان الرجيم 00 ان هذا البرد جزء من برودة اجواء الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين 0
مد يده الى حيث الفانوس المركون على ديلاب صغير، والذي راح ينشر ضوءه الخافت في ارجاء الصريفة، حمله بيده ، واخذ يحرك عتلته الصغيرة باليد الأخرى 00 عندها امتلأت الصريفة بضوء اصفر شاحب، تراءى له السرير كتلة لا لون لها سوى لون اللحاف الاخضر اللامع وهو يخفي تحته جسد زوجته ام مهدي ، بعد ان تكور باحثاً عن الدفء في ثلاجة صريفتهم القصبية 0
ارتدى جبته ، ولف رأسه بالياشماغ ثم احاط جسده بعباءته الصوفية السوداء ، وقبل ان يتحرك ، استعاذ بالله من شر الشيطان الرجيم ، ثم فتح باب الصريفة وخرج الى كتلة الظلام البارد 0 والفانوس بيده ليبدد بالكاد بعضاً من كتلة ذلك الظلام 0
هكذا هو في فجر كل يوم ، وقبل ان يتحول لون العالم من السواد الى اللون الرمادي 00 ثم الفضي 00 ثم 000 كان الشيخ عبد الكريم ينهض من سرير نومه 00 يتعوذ من الشيطان ، يبسمل مرات 00 ويحمد الله كثيراً 00 ثم يخرج من صريفة نومه الى ( المرحاض ) مباشرة ، وبعد ان ينتهي من عمله في تغطية الشيطان بغطاء سميك كي لا يظهر له في النهار – كما كان يحلو له التفكه مع جماعته واولاده بمثل هذا القول –  يتوجه الى مكان الوضوء ، اذ ينتظره هناك – في أحد اركان حوش البيت ( الابريق وتنكة الماء ) بعد أن اعدتهما له أم مهدي في الليلة الماضية وهما مغطيان بصينية معدنية قد وضعت عليها طابوقه كامله كي لاتعبث بهما القطط السائبة 0
كان نباح الكلاب يملأ ارجاء القريه كلها ، فيما يتردد في الارجاء عواء ذئاب آت من بعيد ، والريح تعصف  تحت سواد الليل بأرجاء حوش البيت ، و قصب السياج يهتز بصفير حاد ، كأنه يدفيء نفسه ، عازفاً موسيقاه الخاصة 0
ادار بصره في ارجاء الحوش ، فاصطدم بالظلام 00 بالسواد البارد ، فيما جلدت صفحة وجهه الملتحاة ، سياط باردة جعلت من شعيرات لحيته البيضاء والسوداء على السواء دبابيس حادة النصال تنغرز بالتوائها صفحة وجهه المتغضنة0
انهى الشيخ عبد الكريم عملية تغطية الشيطان ، ورسم الوضوء ، بعدها توجه الى           ( صريفة الخطار ) المبنية في مدخل البيت ، وهو يتسمع الى صرير سرير الجريد الذي تنام عليه ابنته ( هدية ) آتياًً من صريفة المطبخ ومخزن المؤنة0
أنتشر ضوء الفانوس في صريفة الخطار ، فارتسمت الوان متنوعة ، واشكال هندسية مختلفة وهي تنبسط على ارضيتها ،  فثمة اكثر من سجادة ملونة قد فرشت على ارضيتها ، فيما توزعت مجموعة من الوسائد المختلفة الالوان والحجوم عليها بتكاسل ولامبالات ، وكأنها هي الاخرى تغط في نوم عميق 0
تحرك والفانوس بيده ، فتحركت امامه هالة الضوء الصفراء منتشرة وكأنها تتقدم امامه الى حيث انزوى سرير ( هادي ) في الركن القصي من الصريفة هادئاً سوى همس خفيف لصوت تنفسه ، فيما كانت هناك صورة ملونة لاحد ابطال كرة القدم وقد شحب لونها ، علقت على جدار الصريفة بواسطة بعض الغراء الرخيص 0
عاد الى حيث مكانه المعتاد في الجهة الثانية من الصريفة ، رفع الفانوس قريباً من وجهه ، فمرت هالة الضوء على الجدار الطولي للصريفة ، فانكشفت بعض الأطر الخشبية ذات اللون الكالح والمتسخة بمخلفات الذباب 0
كانت الصورة الاولى تمثل رسماً للامام علي بن أبي طالب ، وهو يجلس على شيء مرتفع ، فيما سيفه ذوالفقار ملقى على ركبتيه ، وثمة اسدا رابضا قريباً من قدميه وهو ساكن – كما ارد له الرسام – وقد وقف خلفه احد مواليه، وهالة من الضوء القدسي – كما تخيلها الرسام – تحيط برأسه الملفوف بغترة خضراء 00
كان الشيخ عبد الكريم قد اقترب بفانوسه من الصورة ، وراح يتملاها وكأنه يراها لاول مرة 00  مردداً مع نفسه : السلا م عليك ياأمير المؤمنين وعلى ابنك الحسين سيد الشهداء ، وابنائك  واصحابك واصحاب ابنك الشهداء 00 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 00 قد اوفيتم العهد 00 و صدقتم الوعد 00ورحمة الله عليكم  0
بعد ان انهى سلامه ، عاد الى حيث منضدة الكتابة الخشبية الواطئة ، وجدها كما تركها ليلة البارحة ، حيث انتشر عليها شرشف اخضر من قماش حريري رخيص وقد صُفت عليها بعض الكتب القديمة  ، وبالقرب منها انتصب الحامل الخشبي لكتاب الله  وكأنه يعلن وجوده لمن يدخل الصريفة 0
جلس قبالته ، وقبل ان يفتح الكتاب الذي اصفرت اوراقه وكلح لون غلافه الجلدي ، ردد   وبخشوع من بين شفتين باردتين كالثلج  ، قائلاً :-
– اعوذ بالله من الشيطان الرجيم 00 بسم الله الرحمن الرحيم 0
رفع كتاب الله الى شفتيه ، قبله مرات ثلاث ، وكان بين قبلة واخرى يحني رأسه عليه ، و يضع جبهته السمراء على جلده الاخضر المذهب البارد 0
أعاده الى مكانه ، فتحه على صفحة كان قد اهتدى اليها بوضع ريشة طائر سبق ان  ( شطفها ) ثلاث مرات  بماء جار ، وصلى عليها كي يزيل عنها نجاستها 00 ثم صدح صوته قائلا : بسم الله الرحمن الرحيم
تعالى صوته الرخيم ، مترنماً بآي من القرآن الكريم 0

(3 )

تململ الملا أبو ناجي  في فراشه ، فصرت ( سبرنكات ) السرير الحديدي الابيض كأسرة مستشفى حكومي ، والذي اشتراه له  الحاج فريّح مع آثاث الجامع ، وامتلأت اذناه بصوت مزعج صديء 00
تقلب جسمه يميناً وشمالاً 000 فيما راحت اذناه تمتلأ بصوت آذان الشيخ عبد الكريم آتياً من طرف القرية الشرقي0
ردد مع نفسه جملته المعهودة التي تعوّد ان يرددها في مثل هذا الوقت منذ ان نام ليلته الاولى في هذه القرية قبل اكثر من عام : متى نرتاح من صوتك يا شيخ عبد الكريم000  متى ؟
رفع وسادته ووضعها على اذنيه ليبعد عنهما صوت الشيخ عبد الكريم ، لكنه كعادته دوماً ، اعترف مع نفسه ان لاجدوى من كل ذلك 000 عليه ان ينهض حالاً وهو يردد قولته المعتادة : لعنة الله عليك ياشيخ عبد الكريم 000 وانت كذلك ياحاج فريّح 00 وانتم الذين تنامون مع نسائكم في بغداد 000  وكمن يحمل ثقلاً كبيراً ، هبط من سريره بتكاسل ، والنعاس يكبل جسده كله 00
كان جسمه مخدراً بنشوة النوم والاحلام التي تراء ت له 000 ورأسه – كما في الليالي السابقة – يحس به كـ (( اسفنجة )) كبيرة ، يحيط بها ألم حاد ، جعل اوردة صدغيه تنبض بصوت حاد ، وقاس 00
ارتدى ( جبته ) الكالحة اللون ، ووضع عمامته البيضاء على رأسه الكبير ، وخرج 0
كان اول ما لطم  وجهه اللحيم المحمرّ ، سوط صقيعي ، جعله يرتد الى الخلف ، ويغلق الباب ، وهو يتمتم مع نفسه : لعنة الله على هذه المدينة ، هل هذا برد ام جليد 00 في الجنوب ، وباردة هكذا 0 ؟
عاد الى غرفته ، وهو يفرك يديه طلباً للدفء ، وبسرعة خاطفة ارتدى عباءته ( الجوخ ) السوداء 00 وضعها على رأسه ، لفها جيداً على جسده ثم بشفتين باردتين ، ردد مع نفسه كلامه المأثور : الله يلعنك يا شيخ عبد الكريم 0
فتح باب غرفته مرة اخرى ، ودفع بجسده الملفوف بالعباء ة السوداء الى الفضاء البارد الاسود لحوش الجامع ، حيث توجه – متمايلا ً– الى السلم الذي تعود ان يصله حتى لو كان مغمض العينين 0
كان كعادته بعد ان يوقظه صوت الشيخ عبد الكريم  ، يرتقي درجات السلم العشر، ليقف في صحنه ، ومن هناك يرفع الآذان 0
وكعادته ، كان قبل ان يرفع صوته بـ (( الله أكبر )) يغسل فمه – كما يقول مع نفسه – بالفاظ السباب التي يزجيها للحاج فرّيح الذي وعده بشراء جهاز صوت للجامع ، ولم يف بوعده –  لعنة الله عليه- لحد الآن 0
كان يعرف ان لافائدة من صراخه الاجش وهو يرفع الآذان في سماء هذه القرية ، لان مؤمنيها قد انهوا صلاتهم قبل ان يرفع هو صوته 000 لقد سبقه الشيخ عبد الكريم 00 وهذا حسن 00ماذا كان يفعل لو لم يكن الشيخ في هذه القرية 00 ؟ 00 ها 00
انتبه لنفسه 00 لقد تأخر كثيراً 00 فرفع كفيه المفتوحتين ، أحاط بهما اذنيه وراح ينغّم بهما الصوت الاجش للآ ذان المنطلق من حنجرته 0
بعد ان ينتهي من رفع الآذان ، يعود مسرعاً ، وهو يتثائب ، متخطيا درجات السلم المبنية من الطين درجتين ، درجتين ، وعندما تطأ قدماه ارض حوش الجامع ، تمتلأ اذنيه الكبيرتين كأذني حمار غبي – على حد وصف الحاج فريّح  – بشخير( خبالو ) 0
يقف لثوان متردداً ، بين الذهاب الى حيث حوض الوضوء قبالته ليتوضأ ويصلي ركعتي الصباح ، وبين العودة الى حيث الدفء في سريره الحديدي الابيض ، وكعادته في كل مرة ، يقطع خيط التردد الذي يجول في خاطره ، ورأسه المخدرة ، يعود الى غرفته مهرولاً ، ليعيد رؤية احلامه الجميلة مع   ( الملحة ) بعد ان يردد مع نفسه قائلاً : الصباح رباح، لم تهرب الصلاة ، سأصلي قصراً 000
ثم يسحب الغطاء على جسده ، ويغمض عينيه ، ويبدأ صوت شخيره يتجاوب مع صدى شخير(خبالو ) ، وكأن الصوتين قد اتفقا على عزف موسيقاهما الناشزة ليتبدد من حولهما ظلام الليل البارد 0
وكما في كل مرة ، تستعصي ( الملحة ) على احلامه ، فيتقلب في فراشه حتى الصباح دون ان يراها 00
كانت الملحة بالنسبة له حلماً كبيراً 00 وكان يحسد الحاج فريّح عليها 00 اما جاسم الاعور فقد فعلها مرة واحدة فقط  و كما اخبره ، ولكن – ردد مع نفسه – لا ، ربما يكذب عليّ هذا الاعور الاعرج 0

( 4 )

ثمة غيوم سوداء تملأ سماء القرية قادمة من الشمال ، تنذر بيوم شديد المطر 00 فيما تصفر في ازقة القرية الخاوية ريحاً صقيعية وهي تمر بين عيدان القصب المبنية منها الصرائف الصغيرة المنتشرة بلا انتظام ، حانية على أجساد خاوية بأكسية بالية ، ودشاديش كالحة اللون ترتعش مصعوقة بهذا البرد الذي غزى المدينة والقرية على السواء ، كما يغزو الجراد مزارع الحنطة عابثاً فيها دون رادٍ  له 0
كانت القرية معزولة بتل ترابي عالٍ عن مدينة الناصرية ، يحاذيه نهر ماءه اسود برائحة نتنة ، تنتشر فيه بعض جثث الحيوانات النافقة 0
كان ( اشطيط ) يجمع كل مياه  سواقي المدينة ليوصلها الى حيث المضخات التي ترفعه لترميه في الفرات 00 فيما التل الترابي ، المحاذي له والذي تكوّن جراء حفره ، يحمي المدينة من خطر الفيضان الذي يهددها في كل موسم ، كان سطح التل ، اوما يدعوه الاهالي بـ ( الروف ) عباره عن نتوءات ترابية غير منتظمة، تجعل صبية الدور المجاورة الممتدة بمحاذاته تبتعد عنه ليلاً خوفاً مما يترآى لها من اشباح سود متحركة 0
كان بيت  الحاج فريّح المبني حديثاً بالطابوق ، يقع على الطرف الثاني من ( شطيط ) داخل حدود المدينة ، يفصله عن المدرسة الأبتدائية والمستوصف الصحي الذي بنيا حديثاً شارع ترابي كثيراً ما يصبح موحلاً صيفاً وشتاءً، يوصل بين المدينة والقرية جسر كونكريتي ضيق ممتد على عرض( شطيط ) فيما يمتد في جانبه الثاني – داخل القرية – شارع طويل يكمل شارع المدرسة والمستوصف 0
هتف الحاج فريّح  وهو يدخل الباب الخشبي للغرفة بجاسم الاعور صائحاً :-
– ها اعور الشوم 00 متى وصلت ؟
كان جاسم الاعور قد دخل بيت الحاج بعد ان ترك جسده مقرفصاً على الدكة امام الباب طوال ساعات الصباح الاولى ، قبل ان يستيقظ الحاج من نومه00 كان محتمياً بعباء ته الصوفية الممزقة من برد كانون القاتل 0
صاح جاسم الاعور وهو يرى الحاج :
– صبحك الله بالخير ياعم 00
وكعادته صباح كل يوم  يهرول مسرعاً الى يد الحاج ، يأخذها بين كفيه ويقبلها 00
كف حمراء لحيمة ( هذه النعمه !) ردد الاعور مع نفسه ، لكن الحاج في هذا اليوم البارد – بالضبط – سحب يده ودفع جاسم الاعور جانباً وهو يصيح به :
– رجعت  مرة اخرى الى اعمالك المشينة يا اعور الشوم0
وقبل ان يجلس على المصطبة الخشبية في الجانب الامامي للغرفة ، يسمع صوت الاعور مبعداً عنه التهمة :- والله يا عم 000
الا ان الحاج يقاطعه ، وهو يرسم ابتسامة خبيثة على شفتيه :
– قل لي اين نمت ليلة البارحة ؟
فوجيء الاعور بالسؤال ، لم يقل شيئاً ، كان متردداً في الاجابة ، بل كان ضائعاً 00 وقبل ان يدع الفرصة للحاج بالهجوم عليه مرة اخرى بكلام آخر ، راح يغيّر موضوع الحديث ، وهو يقول :
– عمي ، الجو بارد في الخارج 00 ثلج 000 ارتد معطفك 0
كان الحاج فريّح ، كعادته في شهر محرم ، وبالضبط في مناسبة عاشوراء من كل عام ، يرتدي بدلته السوداء ذات القطعتين (( الصاية والسترة )) ويعتمر اليشماغ الاسود و العقال (( الشطراوي )) الذي يحتفظ به ليضعه على رأسه في المناسبات الاجتماعية والدينية المهمة0
كان سواد بدلته قد بهت ، فبانت لمن يراها كالحة اللون من كثرة ارتدائها طيلة عمرها الطويل ، اما رائحتها فكانت لاتطاق لوضع كرات النفتالين بين طياتها عند تركها في الصندوق الخشبي الخاص بملابسه 0
رد الحاج ضاحكاً :- خبيث 00 حيوان 000
ثم نهض ليرتدي معطفه الصوفي الاسود الذي اشتراه في العام الماضي عند سفره الى بغداد من منطقة ( تحت التكية ) والذي كان يحلو له ان يخبر اصدقائه ومعارفه بعنوان المكان ، وكيف الوصول اليه في بغداد 0
كان الحاج فريّح ، طويلاً ، رفيع القوام متناسق الاعضاء ، كأنه جذع شجرة( غرب ) ناعم الجلد ، يرتسم تحت انفه شارب رفيع ناعم ،  يصبغه بين حين وآخر ، ليحيل لون بعض شعيراته التي امتد اليها الشيب الى لون اسود داكن ، فيقل عمره لمن يراه ودون ان يعرفه عشر سنين كاملة ، فيما كانت صفحة وجهه صقيلة ، اذ كان عندما يجلس على كرسي الحلاق يطلب منه ان ( يحف ) له صفحة خديه 0
خرج جاسم الاعور مسرعاً الى حيث تقف سيارة ( الفورد ) السوداء ، لينظف زجاجها و معدنها الصديء ، مثل كل يوم 0 لكنه ، وقبل ان يصل الى باب الدار ، سمع صراخ الحاج ، وهو يستدعيه 00 اختض جسده ، واحس  بالدم قد تجمد في عروقه ، فيما تصلبت قدمه السليمة عند عتبة الباب : ياستاراستر 000 ردد مع نفسه ، ثم عاد مسرعاً وهو يعرج ، والبرد يخض جسده رغم العباءة الصوفية ، والثوب السميك ، واليشماغ الملفوف على رأسه ، جاءه صوت الحاج :- هل اخبرت البغل ؟
نظر الاعور اليه باندهاش ، وبله تامين0
كان الحاج قد انتبه الى مااعتوره ، ليس من وقفته العرجاء ، بل من رفرفة جفني عينه السليمة ، فبادره قائلاً :-
– اقصد الملا أبو ناجي 0
عندها استراحت تلك العين 00 وهمدت رفرفة رمشيها ، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة خبيثة ، وقبل ان ينبس بكلمة ، حمد الله في سره لان الحاج قد نسيَ الموضوع الاول:
– نعم عمي0 رد عليه بصوت مرتجف 0
– والشباب ؟ سأله مرة اخرى 0
– نعم عمي 000 اجابه والخوف مازال متمدداً في نفسه وكيانه من اطالة الحديث هكذا 00 وفي محاولة منه لأ نهاء هذا الحديث ، قال الاعرج :
– نعم عمي ستجد الجميع في الجامع 0
وقبل ان يفلت الاعرج خارجاً من الغرفة ، سأله الحاج فريح :-
– وقحبتك ؟ !
تسمر جاسم الاعور في مكانه كمن شكـّته شوكة في راحة قدمه السليمة ، قال مع نفسه: هذا ماكنت اخاف منه 0 00
لم ينبس بكلمة  كمن لم يسمع شيئاً محاولاً الافلات من محاصرة الحاج له 00 ( خبيث هذا الحاج ) ردد مع نفسه 00 ( خبيث بكياسته 00 خبيث بتعقله الزائد عن اللزوم امام الناس ، وخبيث في صلاته وهو يؤديها خلف صاحبه الملا أبو ناجي – البغل – وخبيث هذا البغل الذي جاء الى القرية من مكان لا يعرفه ، برأسه الكبيرة كرأس بغل غبي ، وبلون بشرته الحمراء ، وعمامته البيضاء الكبيرة 00 ربي خلصني من هذا الحصار ) 0
– هل اخبرت الملحة بالمجيء الى البيت؟
سأله الحاج مرة اخرى وهو يعرف انه قد اخبرها  0
اجابه الاعرج بانكسار :
– نعم عمي 00 وسوف تحضر معي هذا المساء 0
– لاداعي لمجيئك معها 00 هي تعرف طريقها 00 اليس كذلك ؟
– نعم عمي 00 هي تعرف طريقها 0
(( جرجرتها بيديّ هاتين كمن يسحب نعجة الى دكان القصاب )) ردد مع نفسه بانكسار وآلية ممجوجة (( ارشدتها انااليه – تابع مع نفسه –اصبحت قواداً منذ أول مرة جئت بها الى هذا البيت 000 بل منذ ان جئت بها الى المدينة )) 0
– اعرج 000
اخرجه صراخ الحاج من لوم نفسه 00
– اغرب عن وجهي 000

( 5 )

:- اعوذ بالله من الشيطان الرجيم 0
قالها الشيخ عبد الكريم متأ ففاً ، وعاد ادراجه مرة اخرى الى باب داره بعد ان ابتعد عنه خطوات قليلة 0
كانت( الملحة ) ، الساكنة في الزقاق نفسه الذي بنى فيه الشيخ بيته من القصب والبواري قبل اكثر من عامين ، هي أول من التقت عيناه وجهها ( الاملح ) 00 الذي غلب عليه سواد فوطتها الغبراء 0
كانت في الثلاثين من عمرها 00 سمراء ، طويلة ، مضمومة الجسد ، يلوح على صفحة وجهها الاسمر لون مغبر ، لايعرف لها اسم سوى اللقب الذي اطلقه عليها الحاج فريّح عند ما رآها أول مرة مع جاسم الاعور، اذ لقبها بـ ( الملحة )  0
:- انه الشيطان بعينه 00 اعوذ بالله منها ومنه  00
ردد الشيخ ذلك مع نفسه وتأفف كثيراً وهو يتذكر محاولاته العديدة مع الحاج فريّح لاقناعه على ترحيل هذه المرأة الملعونة التي جاء بها جاسم الاعور قبل اكثر من ستة أشهر، الا ان محاولاته باء ت بالفشل ، رغم ماقدمه – مع ساكني الزقاق – من ( عرائض ) الى اعضاء المجلس البلدي، والتي طلب فيها حماية نساء القرية وبناتها الشابات من اخلاق هذه المرأة الغريبة التي لايعرف لها أصلا 00 وذهبت محاولاته كلها ادراج الرياح 0 وقتها لم يبق امامه وامام أهل القرية سوى المتصرف ، ومن خلال معارفه ، وصل الشيخ عبد الكريم اليه 00 شرح له قضية هذه المرأة ، فأرسل احد موظفيه للوقوف على صدق دعواه ورفع تقريرا بذلك 0
:- ( سبحان الله ) ردد الشيخ عبد الكريم مع نفسه وتابع ( انها بلوى 00
بلوى سوداء 00 ) وهكذا ردد سكان الزقاق بعد ان تجمعوا في صريفة الخطار في داره 00
قال لهم :- بلوى سوداء 000 انها امتحان لنسا ئنا وبناتنا 000
كان لسان الشيخ يلهج بآيات المعوذات بعد أن سمع بما في تقرير الموظف من الفاظ الشرف والعفة التي وصفت بها  ( الملحة ) ، وبعد ايام شاهد سكان الزقاق أفندياً غير جاسم الآعور يتردد على ( صريفة ) الملحة بين فترة وأخرى ، عند ذاك اخذت الوجوه في هذا الزقاق الضيق تستدير مشمئزة من مرآها 0 والالسن تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم الذي تصور بصورتها الفاسقة ، وقتها قال الحاج متفكهاً بعد ان سمع عن التقرير 0 لبعض خلصائه 00
:- ماذا يريد منها هذا الشيخ 00 لولاها لاصبحت ابنته أو ابنة أي منا مثلها ، لتأخذ دورها في مثل هذه الاعمال 00 انها نعمة ( اكد الحاج لخلصائه ) نعم ، نعمة ربانية 00 جاء بها الله سبحانه وتعالى الى قريتنا 00 في المدينة ( فطيّم ) 00 و( الملحة ) في القرية ، اليست هذه نعمة كبيرة ؟ ! استغفر الله العظيم ، اناس لا يستحون 00 لا عمل لهم سوى النبش بأعراض الناس 0
كانت ( الملحة ) قد خرجت حاملة ( زنبيلها ) المصنوع من خوص جريد النخيل حيث سوق القرية 00 لم تترك احداً في البيت سوى اسمالا بالية ، وفراشا قديما ، واغطية متسخة00 ولم تحمل في جيوبها نقوداً 00 اذ ان جاسم ينتظرها في السوق ، كما اتفقا ليلة البارحة 0
قبل اكثر من ستة أشهر ، دخل جاسم الاعور محل الحاج فريحّ للعقار بعد عودته من بغداد لقضاء بعض أعمال الحاج هناك 00 جاء بها الى المحل  وتركها واقفة ليس بعيداً عن بوابة المحل الزجاجية ، وعندما شاهدها الحاج ، كان وجهها تملأه الاصباغ ، كأي قروية ليلة زفافها 00 جميلة كفتاة عذراء 00
:- من اين اتيت بها ؟
سأله الحاج  بأبتسامة خبيثة رسمها على شفتيه 0
:- من السيارة 00
اجابه الاعور بخبث مبطن ، وهو ينظر بعينه السليمة الى وجه الحاج ليقرأ على صفحته رد فعله تجاه هذه الهدية 0
:- هل هي من المدينة ؟
سأل الحاج فريحّ بعصبية 000
:- تقول انها من بغداد 00 ولا احد لها هنا 00
مد الحاج فريحّ يده الى جاسم الاعور وهي تحمل مفتاحاً كبيراً ، وقال ببرودة تامة :
:- خذها الى البيت الصغير 00
سكتت كل حركة فيه 00 كانت عينه السليمة هي الوحيدة التي اختلج فيها شيئاً ما 00 ربما رموش عينه السليمة 00 او ان شيئاً مادخل فيها ، ربما دخان سيكارة الحاج 00 ربما 00 فأخذ ينبش في جوانبها ، الا انه  لم يعرف بالضبط ماهو 0
:- هل شللت ؟
اخرجه صياح الحاج من اختلاجة عينه 0
كانت اليد مازالت ممدودة في المسافة التي تفصل بينه وبين منضدة مكتب الحاج عندما مد يده لأستلام  المفتاح 0
:- اطلب منها ان تغتسل وتعد الطعام ، ولاداعي لبقائك معها 00 انك تعبا من السفر 00 اذهب لترتاح 0
قال كل ذلك بأمر جازم لينهي قضية علاقة ( الملحة ) بجاسم الاعور منذ لحظة وصولها0
في اليوم الثاني ، بعد ان انمحت كل اصباغ وجهها الملونة تحت لهاث الحاج فريحّ وبخار زفيره المشبع برائحة العرق المستكي 00 خرجت من البيت الصغير الى بيت القصب  بأسم جديد غير اسمها غير المعروف 0

(6)

:- ها 00 وهل الحاج سيأتي معهم ؟
تسأءل خبالو وهو ينتهي من كنس ارضية غرفة المسجد بمكنسة الخوص 00 فيما كان المله أبو ناجي يضع سيكارة    ( الجمهورية ) بين شفتيه ، منشغل الفكر ، لما رآه صبيحة هذا اليوم 000 لقد وصلوا الى عقر داره مرة اخرى 000 اذ هاله ما رآه على جدار المسجد المبنية من الطابوق00اربعة اوراق بيضاء مكتوبة بخط اليد ، ومستنسخة بالكاربون ، وهي تدعو الناس الى الثورة على حكم عارف 000 اسرع الى رفعها على الرغم من ان المادة المستخدمة في لسقها كانت قد تيبست ، فتمزقت الاوراق كلها بين يديه عند رفعها 000 وهذا ما يريده بالضبط 0
:- سيكون اجتماعاً عظيماً 0
قال ذلك خبالو ، واكمل مع نفسه : بالنسبة لي على الأقل 000ثم حمل ( تنكة ) الماء وراح يرشه بكفه ذات العروق الناتئة على الارض  الترا بية للغرفة ، فيما امتلأ الفضاء داخل الغرفة بذرات التراب الخانقة 0
:- هل تكلمت معه ؟
سأل خبالو 00 فيما راح المله يشعل سيكارة ثانية ، يسحب منها نفساً عميقاً ليبعث الدخان من منخري انفه الاحمر الكبير بتلذذ وهو يقف في منتصف الغرفة مصالباً ذراعيه على صدره طالباً الدفء لجسده وهو يلف العباءة عليه 0
:- اكلم من ؟ قال المله بغير انتباه 0
صرخ خبالو عالياً بعد ان ترك تنكة الماء تسقط من يده لينساب ماءها على ارضية الغرفة مكوناً بركة مائية صغيرة  :
:- آخ  راسي 0
ثم انهد الى الارض تاركاً جسده  في ماء البركة 00 فيما راحت يداه تعمل في شعر رأسه جذبا  00
كانت هستيرية خبالو حالة قد تعودها المله منه ، فلم يندهش لذلك ، فصرخ به :
:- ماذا فعلت يا مطي ؟ انهض وامسح الارض 0
صاح خبالو وهو يحث الوحل من البركة ويمسح به شعر رأسه :
:- لماذا 00 لماذا ؟
صاح به المله غاضباً وهو يرفعه من كتفيه :
:- انهض قبل ان يأتي الحاج وجماعته ، انهض 00
صرخ خبالو بوجه المله قائلاً :
:- الفلوس 00 الفلوس يا مله 00 يا 000
كان يريد ان يقول له يا (غبي ) ، الا انه عدل عن ذلك ، وبدأ بتجفيف بركة الماء 0
كان المله ينتظر بفارغ الصبر تجمع الشباب هذا اليوم ، انها فرصته الوحيدة التي كان ينتظرها بعد ان ضاعت منه فرحة معرفة موزعي المنشورات ، وعليه ان يستغلها 00 اذ انه سوف لن يراهم مجتمعين هكذا مرة اخرى ، وسوف لن يستمع لأحاديثهم 00 انها فرصته الوحيدة – هكذا راح يكلم نفسه – سيتعرف عليهم 00 سيجعل من نفسه صديقاً لهم 00 وسيقدم لهم يد المساعدة ، او على الاقل ان يصاحب احدهم 00 وعند ذاك سيعرف كيف يستفيد منهم 00
في ذلك اليوم لبس المله ملابسه النظيفة التي سبق ان ارسلها يوم امس بيد خبالو الى محل (الاوتجي ) في المدينة، واشترى علبة سكائر ( الجمهورية ) ليوزعها على الحاضرين 00 يجب – هكذا اكد مع نفسه – ان يستغل هذه الفرصة 00 يجب ان يقدم شيئاً للمسؤولين هناك0
هكذا فكر المله 00 فيما انهى خبالو تجفيف الماء وفرش ارضية الغرفة بالحصران والسجاد 00 ثم اعاد المنضدة الخشبية الصغيرة الى مكانها عند احد اركان الغرفة ، بعد ان ملأ حوضها بمجموعة من ( التـُرَب ) الصغيرة 0
كان المله يقف قرب الباب وهو يراقب عمل خبالو فيما كل ذهنه منصرفاً الى ما ستجري من احاديث بينه وبين الشباب ، وكيفية استغلال كل ذلك لصالحه ( يجب ان اعرف مصدر هذه المناشير ومن يوزعها ) ، وكان دخان سكارته يتطاير امام وجهه ، والبرد يقرص جلده على الرغم من عباءته الصوفية ، وفي لحظة من لحظات التفكير بما سيكون عليه الاجتماع ، انقلبت حمرة وجهه الى صفرة ليمونية ، اذ راح تفكيره يطوف خارج غرفة الجامع ، فردد مع نفسه : غبي 00 غبي 00 الى متى سيطول بك البقاء في هذه الغرفة النتنة وفي هذه القرية القذرة ، وانت تتحمل سفالة هذا الحاج وصوت الشيخ عبد الكريم وهو يؤذن في الصباح 00 الى متى 00 الى متى ؟!
اخرجه صوت خبالو وهو يسأله قائلا ً :
: – ها مله ؟
: – ماذا ؟ ! قالها دون ان يعرف ما يريد قوله 0 الا انه ، وهو ينظر الى ارضية الغرفة ، صرخ بخبالو :
:- اذهب الى عملك 0
: – والحاج ؟ سأل خبالو 0
رد عليه المله بغضب : ماذا به ؟
: – الفلوس 00 قال خبالو وهو يمسح كفيه المتسختين بثوبه الممزق 0
: – اغرب عن وجهي الآن 00 اخرج 00 هيا 00
حرن خبالو امام الباب، كحمار عاند صاحبه  ، ثم استدار نحو المله مستفسراً :
: – مله 00
: – نعم 00 صرخ به المله 0
وبأستهزاء ، وقد بدت اسنان خبالو الصفراء من بين تكشيرة شفتيه ، صاح بالمله :
:- السكارة مله 0
لم يفهم ما قاله خبالو ، فصاح به ضاحكاً :
: – السكارة منطفأة يا مله 0
عندها سحب المله خبالو من يده واوصله الى باب المسجد ، ثم وضع كفيه خلف ظهره ودفعه الى خارج المسجد ، واغلق الباب دونه 0
منذ اكثر من سنة ، وهو يحاول دون جدوى 00 هل هو الغباء كما قال له رئيسه في بغداد ؟ ام انه كان بغلا ً، كما دعاه الحاج ؟ الا انه ردد مع نفسه : – ما ذنبي انا اذا كانت الجبة والعمامة لا تليقان بي ، وربما انا لا اليق بهما 00 ها000 ما ذنبي انا ؟ لقد اخبرتهم في بغداد ان ملابسي هي السبب 00 قلت لهم انها تبعد الشباب عن مجالستي والحديث معي 00 وقلت لهم كذلك ان الناس يحترمون الشيخ عبد الكريم اكثر مني ومن الشيخ فريّح ، وقلت لهم ارسلوا احداً غيري لينفذ هذا الواجب 00 قلت وقلت ، الا ان كل ما قلته ذهب ادراج الرياح ، هل انا الغبي ام انهم هم الاغبياء 000 ها ؟ وعندما طلبت منهم ان اغير ملابسي ، رفضوا ، قالوا ستفسد كل شيء ، قالوا هذا هو واجبك وهذا هو زيك 00 وسيأتيك شهر عاشوراء وستحتاج لهما كثيراً 0
ذهبت كل محاولاتي ادراج الرياح 00 دون جدوى 00 لم اصل معهم الى نتيجة ، فعدت الى هذه القرية اللعينة وشيخها الملعون وحاجها الفاسق كما ذهبت 00 ظلت الاوامر كما هي 00 منذ عام وحتى هذه الساعة 00 وفي كل يوم تمتلأ الجدران بالشعارات المعادية للحكومة 00 ولا احد في هذه المدينة يحرك ساكنا ً ، وعندما اخبر من في بغداد يقولون هذا ليس واجبك 00 انه واجب الامن في المدينة 00 هنيئاً لكم بالامن في المدينة 00 ها 00 ها 00 ها 00
لم ينتبه لصوت ضحكته العالي 00  فتابع حديثه مع نفسه : حتى العجين والدبس قد استعملوه في لسق الشعارات على الحيطان والابواب الخشبية 00 يا لهم من شياطين هؤلاء الشباب 00 ولكن ، الى متى سأبقى هنا بعيدا عن مباهج بغداد ؟ ها الى متى ؟

(7 )

عندما عاد الشيخ عبد الكريم  واجتاز عتبة الباب الخشبي الذي ينتصب بين دعامتين مبنيتين من الطابوق الاصفر ، اعاد ( طلاقة ) الباب بعصبية وهو يردد مع نفسه كلمات غير مفهومة ، فيما كان وجه هادي اول من قابله في حوش البيت 0
:- استغفر الله العظيم من كل شر عظيم 00 واعوذ بالله من الشيطان الرجيم 00
اندهش هادي من عودة والده المفاجئة ، ودمدمته غير المفهومة مع نفسه ، بينما اندهش الشيخ في الوقت نفسه من رؤية هادي وهو يهم بالخروج في مثل هذا الوقت المبكر من الصباح واليوم جمعة0
: – الى اين ؟
سأل الشيخ عبد الكريم ابنه هادي ، وما زال وجهه معبساً 0
:- الى المسجد 000 رد هادي بهدوء ، ثم اردف قائلاً : اقصد سأمر على بعض الاصدقاء ومن ثم نذهب جميعاً الىالمسجد 0
تسمر الشيخ في مكانه وهو ينظر الى ولده بأندهاش تام ، اذ ما سمعه  قد فاجأ ه 0، ذلك لأ نه يعرف ان ابنه لم يصل ِّ يوما في مسجد القرية الذي بناه الحاج فريّح وجاء بهذا الفاسق ليكون مؤذناً فيه ، ولا يعرف الناس عنه شيئاً 00
: – الى المسجد 00 سأل بأستغراب ، وكأنه صعق مما سمع 0
:- نعم 0
سأل الشيخ ابنه وهو يضع مسبحته السوداء في جيب جبته :
: – وماذا تفعل هناك ؟
و دون ان يسمع الرد من ابنه ، توجه الى حيث باب ( صريفة الخطار ) فيما تبعه هادي بأدب الى داخل الصريفة 0
لم يرد هادي على سؤال والده ، وانما اسرع هو ليسأل والده عن سبب عودته دون الذهاب الى عمله ، بعد ان احس ان الحديث معه على هذه الشاكلة سينسيه ذلك 00
: عدت سريعاً يا ابي 00 هل نسيت شيئاً ؟
ابتسم الشيخ بوجه ولده ، فيما ترك جسده يتكوم على واحدة من الوسائد 00 ثم تمتم بكلمات لم يسمعها هادي ، بعدها قال :
:- قبل ان انسى ، اما زلت مصراً على الاشتراك في ( التشابيه ) ؟
رد هادي على والده وهو يقف عند مدخل الصريفة :
:- نعم 00 وقد وافقت انت على ذلك 0
:- نعم لقد وافقت ، ولكن بشرط 00
سأل هادي والده بتودد وهو يعرف ذلك الشرط  :
:- لماذا يا والدي تحرمني شرف اداء ذلك الدور 00 ها ؟
رد الشيخ عليه قائلاً :
:- لا يمكن لمثلك ان يقوم بهذا الدور ، ولا لأي شخص آخر 0
قال هادي :
:- سيعطونه الى شخص آخر انا اتقى منه 00 او على الاقل انا احسن منه 0
:- سننظر في ذلك فيما بعد ، رغم اني غير مقتنع  بما تقومون به 0
وهو يداعب مسبحته السوداء التي اخرجها من جيبه ، والابتسامة مرتسمة على شفتيه اليابستين ، تابع قوله :
:- هل ستذهب للاجتماع مع هذا الحاج 000 المؤمن جدا ً  ؟
رد هادي بهدوء :
:- الحاج ليس سوى وسيلة نستغلها ، اما ايمانه او عدم ايمانه 00
قاطعه والده الشيخ بعد ان فاجأه قول ابنه :
:- ماذا تقصد بـ  نستغله 000ها ، من انتم الذين ستستغلون الحاج في هذا العمل ؟
فوجيء هادي بأنتباهة والده الى ما قاله ، وبسرعة اجاب :
:- اقصد انا وشباب القرية 00 اصدقائي 00
:- هادي اتظنني جاهلا ً00 ها ؟!
:- صدقني انا واصدقائي 0
:- اذا كانت جماعتكم يعولون على التشابيه فقل لهم ان هذا اكبر خطأ يرتكبونه 0
:- ابي ليس لجماعتنا دور في ذلك ، صدقني 0
:- ليكن الله معكم 00 ولكن انتبهوا لأنفسكم 0
سأله هادي :
:- الست موافقاً على ذلك الاجتماع ؟
: – كلا 00 رد الشيخ ، ثم تابع قوله :
:- اذهب 00 الا انك ستعود بغير ما ذهبت به 0
لم يفهم هادي ما قصده والده بكلماته الاخيرة ، الا انه ، ولكي يتخلص من هذا الحصار الذي ضربه حوله الشيخ عبد الكريم والذي  حتما – كما قال مع نفسه –  يعرف كل شيء عن جماعته اجتاز بسرعة عتبة باب الصريفة ، الا انه سمع صوت والده يأتيه من داخل الصريفة قائلا ً :     :-  انتظر 00 سأذهب الى المكتبة 00 وعندما تنتهي من الاجتماع 00 الحق بي 0
وقف هادي قرب باب الدار ، وانتظر والده حتى خرج من الدار،الا ان الشيخ تذكر امرا اخر ، لهذا سارع بسؤال ابنه :
هادي ، لقد وجدت باب الدار غير مقفل وقد قفلته ليلة البارحة بعد مجيئي 00
الا ان هادي ادار وجهه الى ناحية الباب كي لا يدع والده ان يرى ما انتابه لحظة سؤاله من خوف وقلق على مهمته ليلة البارحة ، ودون ان ينظر الى والده ، قال :
– لا اعرف ، ربما نسيت قفله انت 0
رد الشيخ :
– ربما 000
هادي هو الابن الثاني للشيخ عبد الكريم 00 طالب في الدراسة الاعدادية 00 جاء به والده مع والدته ام مهدي واخته ( هدية ) قبل سنتين الى هذه القرية من احدى قصبات مدينة الناصرية ، بعد ان هرب ابنهم الكبير مهدي من مطاردة رجال الامن له وسكن بيت عمه ، وبعد ان  جيء بجسد عمهم الشاب عبد الحليم ملفوفا ً بملابسه المدماة بلا روح 00 اما عمهم الزاير عبد الجليل ، فما زال يسكن احدى القرى القريبة من الهور 0
ترك والده يخرج قبله ، وانتظر دقائق ليغيب عنه ، اذ ما زالت  كلمات والده تصطخب في فكره ، وهي تحز في خلايا جسده كمشرط جراح غير ماهر ، فتاه به تفكيره في شعاب لا نهاية لها ، والريح الباردة تلسع عظام وجهه الاسمر 00 تساءل : هل يعرف والدي اشياءً لم اعرف بها ؟  لكنه ترك الاجابة لحين انتهاء الاجتماع 0
سحب هادي السلسلة الحديدية للباب ، فسمع اصطفاقه وهو ينغلق 0
زرر معطفه الاسود جيداً بعد ان احس بعظامه الناعمة تتنشق برودة هواء كانون الثاني الصقيعية 00 طوّف بناظريه بعد ان جعل الباب خلف ظهره  في طول الزقاق الذي يقع دارهم على احد جانبيه ، فأصطدم بصره بذلك الشق الاسود الذي يقسم الزقاق طوليا ً الى نصفين ،  فلاحت لعينيه طبقة متجمدة على صفحته السوداء ، فيما الرائحة ما زالت تزكم انفه 0 تساءل مع نفسه وهو يزرع نظره في احد الصبية الذي راح يحاول تكسير طبقة الجليد بقضيب حديدي : كم من السنين بعد ، كي تزول مثل هذه السواقي النتنة ؟  وعندما كان الجواب جاهزاً في ذهنه ، لوى شفتيه امتعاضا ً ويأسا ً ، وحرك قدميه الباردتين ميمماً صوب الطرف الثاني من الزقاق ، الى حيث يفضي به الى الشارع الرئيس للقرية والذي يقع فيه الجامع 0
على جانبي الزقاق ، تصطف مجموعة من الصرائف المسورة بأسيجة مجدولة من القصب 00 اكثر من عشرين داراً مبنية من القصب والبواري ، وكأن الطابوق قد حرم على ساكنيها 0
فعلى يمين دارهم ، تقع داراسطه كاظم البناء : – بنه ابن بنه وبيته ليس فيه طابوقة واحدة 000 ردد مع نفسه تلك النكتة التي اشيعت عن دار الاسطة 00 وعن يساره  يبدأ خط البيوت ممتداً حتى نهاية الزقاق 000 دار ابو حسين  المكاري ، ثم دار جميل العامل ، وبعدها دار جواد الحلاق 00 ثم 00 لايعرف اسم صاحب الدار 00
اما الخط الممتد في الجهة المقابلة ، فيبدأ بدار 00 أه 00 اللعنة عليها وعلى اهلها 00 انها أول الدور 00 ( الملحة ) 00
عندما نطق بأسمها ، احسن بخيط من الحرارة يسري في خلايا جسده ، اسم على مسمى – قال مع نفسه وهو يتنهد – ياله من جسم لدن 00 استغفر الله 00 وركين ممتلئين 00 ونهدين نافرين ملأى صدرها بتحد كبير 00 و 00
:- هادي ، ماذا بك ؟
كانت ( الملحة ) امامه ، سمراء وقد تلطخ وجهها بكل الوا ن وجوه نساء المدينة دون انتظام 0
جمد في مكان 00 دار برأسه الى كل الاتجاهات 00 كان الخوف هو ماكبله تماماً 00 فطوف ببصره عن يمينه وعن شماله 00 التفت وهو مصعوق الى الخلف 00 لم يكن ثمه شخص في الزقاق سوى ناجي ابن حسن باعوامه السبعة جالساً امام باب بيته مكوراً ساقيه بين ساعديه، بعدان اتعبه تكسير الجليد في الساقية النتنة 0
:- اهلا ًً 00
قالها ، وكأنه يزيح عن كاهله ثقلا ً كبيراً 0
:- كيف الحال 00
سألته بتحد ، وهي تسد الطريق امامه بتعمد ظاهر ، بعد ان أحست برغبته في التخلص منها 0
:- عن اذنـِك 00
كان في صدره ثقل قد أحس به يجثم على قلبه ثم تابع قوله بتلعثم بيّن :
:-  هناك اجتماع في المسجد ، ولا اريد ان اتأخر عنهم 0
كان الزنبيل في يدها 00 مليء بالخضروات واللحم واكياس ورقية متنوعة فيما عينيها يختلج بياضهما بحمرة متبقية من سهر الليلة السابقة 0
: – اعرف ذلك 0
اجابته ، وهي تفرش على شفتيها الملطختان بحمرة قانية ابتسامة عريضة كشفت عن صف من الاسنان التي صبغتها بقايا دخان السكاير 000 سقط نظره على مثلث فتحة ثوبها العلوية ، دمدم مع نفسه: اعوذ بالله من الشيطان الرجيم 000 ثم غاص بعينيه في دكنة زاوية ذلك المثلث الحادة 000 نهدان نابضان الى ا مام ، حاول ان يرفع يده ليجوس باصابعه في ذلك المثلث ، كما فكر مع نفسه ، وقد اجتاحت جسده كله لفحة ساخنة حملها دمه واحس بها تتجمع في وسط بطنه ، فيما راحت معدته تتقلص وتنبسط بسرعة ، وألم حاد يدور فيها ، فيما فمه قد امتلأ بسائل لزج 000 الا ان ضحكتها العالية وصوتها الانثوي الابح اخرجه من كل ذلك :
:- هادي 00 هادي 00

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

2 تعليقان

  1. زيد الشهيد

    النص جميل جداً .. جاءت لغته لتكون وسيلة مثلى لايصال الفكرة وجعل المتلقي يرافق عملية السرد مع لذاذة تتنامى شيئاً فشيئاً في دواخله …

  2. nidhalmohammedali

    كم هي جميلة كلماتك! نص يتطائر فوق هامات الابداع …… مفردات تختارها بعناية من بنك اللغة ….. حروف ..صاغها ..إحساس.. راقي..

    ومشاعر ..خطت ..بقلم .. مميز .. سلمت اناملك استاذ داود سلمان الشويلي

    دمت مبدعا ومتألقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.