الرئيسية » مقالات » عبداللطيف الحرز:حمار وثلاث جمهوريات …الفكاهة الجارحة:

عبداللطيف الحرز:حمار وثلاث جمهوريات …الفكاهة الجارحة:

تذكرنا تجربة كريم كطافة في ((حمار وثلاث جمهوريات)) بكتاب المرحايض للكاتب لؤي حمزة عباس أو كتاب حديث الجثة لمحمد اسليم,وغيرها من تجارب قليلة تمتهن المفاجأة والبدء من الصدمة والركن غير المتوقع للنقد والكتابة.وكلاهما يبدء من اسفل الهرم القيمي وغير المرغوب به ,فاذا بالاشتغال الكتابي يحول غير المنظور اليه وغير المرغوب بالتصريح به من كناية الى نص وتحويل المتن الى هامش.

الرواية هنا لاتعتمد في صداميتها خلق شخوص القاع والمنسي ,كرواية الخبز الحافي ,لمحمد شكري على سبيل المثال ,وانما تبتغي اجتراح قناع كامل  للسرد يكون مغايراً لماهو مشاع في جنس المكتوب.
بالطبع لم يكن كريم كطافة هو اول من استخدم الحمار كقناع كتابي فهناك كثيرون غيره مثل رواية حمار في المنفى لـ انس زاهد. ورواية الحمار الميت لعزيز نيسين ,ومجموعة كبيرة من الكتابات الشعرية والخواطر.وتجربة توفيق الحكيم معروفة

تنطوي الرواية على مقدمات وتمهيدات تحرص على تقليل قوة الصدمة باستخدام الحمار موضوعاً سردياً ,فمرة نقرأ عن تاريخ الحمار ومرة عن الاخطاء الشائعة عنه ومرة عن سبق استخدام كتاب وباحثين معروفين للحمار.

واذا كان اي جزء في الانسان مهما كان مستخفاً به اخلاقيا او متوارى بسبب القيم الاجتماعية ,هو جزء مهم يمثل فقدانه خطرا على جسم الانسان ككل ,حسب كتاب عباس ,فإن رواية كريم كطافة تصنع ذات التماثل ,فانقراض اي مخلوق في الطبيعة مهما كانت الاعراف تستهجنه وتحوله الى استعارة هزلية ,هو خطر على باقي عناصر الطبيعة بما فيها الانسان نفسه.

يتخذ السرد في ((حمار وثلاث جمهوريات)) ضمير المتكلم.المتكلم الذي يبقى شبه مجهول لاندرك من صفاته سوى المقدار الضئيل فقط.كذلك الشخصيات الرئيسية  غفار وعمار وزهارونصار, حيث تبقى صفاتهم فقيرة ,ماعدى وضوح الكناية بين الاسماء الثلاثة في مناسبتها الصرفية مع اسم الحمار,وهذه هي احد طرق الايهام في النص الذي يبتغي توصيل نقوداته الى الانسان الذي بات جدار يعاند وسائل التواصل والتلقي ابتاغ مزاولة ارتكاباته النرجسية والعصائبية غير المنتهية.

هذا في القسم الاول اما القسم الثاني فيأخذ ضمير المتكلم بالحديث ايضا لكن بصفة موضوع الرواية او قناعها وهو الحمار.حيث ان الحمار يستخدم مرة ككناية عن مشكلات الانسان السياسية ,ومرة عن مشكلات الانسان الاجتماعية,حيث ان النقد جزء جوهري في كل عملية سخرية وفكاهة.

ينجح النص في خلق عوالم مختلقة خاصة به ,رغم اعتماد عناصر واقعية كثيرة .كما تبتعد الرواية عن الامور العادية والتي كان بالامكان خلق اشتباك معها مع القضايا الكبيرة ,السلطة ,الدين,محرمات المجتمع,مخططات الدول الكبرى,الاحتلال,..الخ,وجعل قناع حمار وثلاث جمهوريات ممثلا لكافة سبل الحياة المختلفة ,وتحويلها عن طريق السرد من امور عادية الى جزء من اللوحة الابداعية للجهد الفني.

مع ذلك حاول المؤلف ان يجمع في الرواية بين امكانية التفكيك النقدي العميق للقراءة المتخصصة,وبين القراءة الانطباعية المتوسطة للمتلقي العادي.والذي سهّل المهمة هو آلية السخرية كقناع وكون الرواية رواية تحوي الكثير من الافكار ,فهي فكرية في جانبها الاكبر . وكأن السرد يقدم نفسه هنا باعتباره جدل بين هيمنة ذهنية التسلط للسياسة والدين والمجتمع,وبين مقاومة الادب وحرية الاجتراح الابداعي.فالتخييلي هنا يتعالى كي يكون هو الناقد والفاضح والمحلل والمعيد الى الامر الخارجي مكانه وحجمه الحقيقي في نظام الطبيعة ,سواء كان في السياسة وحيلها او في الاجتماع وامراضه.

بيد ان الهم السياسي يستنزف السرد ويضمر مقدار الحكاية ,خصوصاً في الصفحات الثلاثين الاولى ,والفصل المعون بـ (شهادة رقم 2 جمهوريات الفوتوغراف الثلاثة) ,هكذا في النص  وان كان الابلغ ثلاث ,وكثرة التفرعات الزائدة كان يمكن التخلص منها او استبدالها كي يتم التركيز اكثر من اجل بناء كثافة رمزية اشد والذي هو المسعى الاخير لصناعة الفكاهة والسخرية.واذا كانت الرواية انطلقت من فكرة جمعية لحماية الحمار ,فان الغاية تتبدل بدون معرفة السبب الى البحث عن حمار مخصوص بعينه تحول الى وسيلة من وسائل المعارضة لفضح السلطة.ثم تنتهي الرواية بنهاية لاعلاقة لها بمصير هذه الفكرة ابداً.

في الرواية تحديث لتكنيك ابن المقفع واستخدام حياة الحيوانات ومعيشيتها لفضح عيوب الانسان وتقديم الحكمة اليه.وهو تكنيك ضمر اليوم في الادب المعاصر الى حد بعيد.بالاضافة الى ان لغة الاحزان طاغية بحدود ما بات اليأس هو الموضوع الاكثر جاذبية .وهنا تأتي اهمية الفكاهة لتفعيل طاقة الامل مرة اخرى .لكن مع ذلك تسقط تجربة كريم كطافة,رغم كافة سبل الحيل الفنية والمراوغة السردية, في شباك الحزن واليأس يكون هو منعطف الرواية الاخير.

وكريم كطافة في هذه الرواية يخترق اربعة محارمات :

1_مسئلة الشذوذ الجنسي في المجتمعات الاسلامية.

2_الارهاب وكيفية تحويله بيد الاعلام العربي ,مثل قناة الجزيرة وغيرها,الى مادة للاتجار .

3_نقد السياسة,حكومة ومعارضة ,وكيف انهما ذهنية واحدة في الاصل .

4_نقد طبيعة العنف والتمييز الموجهة من قبل الانسان ضد الحيوانات وضد الانسان نفسه.

وقوة السرد هنا انها تقارب هذه المسائل اجمع عن طريق مأساة الحيوان الضعيف المستهجن الحمار.دولة الرئيس تستخدم الحمار لتجارب الاسلحة المحظورة,المعارضة تلبس الحمار صورة الرئيس وتصنع ثورة, قواعد الارهاب تستخدم الحمار لتخريب المجتمع وقتل الابرياء.

اهم امر في نص كريم كطافة هذا ,انه تجربة تقع خارج النسق الكثيف للرواية العراقية(والعربية) في مشهدها الاخير,حيث الموضوعات التي باتت شبه حصرية :اشكالية الوطن والمنفى ,قضية الاحتلال ,نقد الوضع السياسي القائم,الحنين الى المكان .بحيث بات هذا النسق شبه حزبية ادبية تضم الاطراف المتناقضة في رأيها حول هذه المسائل وخصوصا مع المنشطات التي يمنحها الاعلام العربي وحكوماته الطائفية ,من اجل توسعة الدفاع عن وجه الدكتاتورية وتشويه حركات حقوق الاقليات او الاكثريات المسكوت عن مذهبها وقوميتها .وهو نسق يشابه الى حد بعيد نسق الرواية الجزائرية_المغربية عن نضال الاستقلال ومناحة مابعد التغيير.تجربة كريم كطافة تقع هنا في زاوية الاختلاف بكونها رواية مضادة للنسق الراهن في المشهد الادبي العراقي.

وهكذا تتحول الممارسة الادبية الى ثقافة حزبية وحزبية مضادة.ونحن نعلم مقدار ما تشكله الحزبية من اضرار على الحراك الانساني عموماً والابداع الادبي خصوصاً.ولعله لذلك طالت الرواية في سخريتها من كل شيء بما في ذلك الكتابة ذاتها ,روايةً وشعراً .فالادب بأقنعته الكاذبة يبحث عن التجربة الصادقة باعتبارها هي التمثيل الانساني بوجه الصافي ,الخالي من كدورات السلطة وقمع الاحتياجات التي يفرضها الواقع.ومن هنا خاضت الرواية بصفحات عديدة حول تجربة الرجوع الى البدائية حيث كان الانسان بعقله وغرائزه ,عارياً .وهو مشهد نقرأه عبر الاستعارة التي فضل الاشتغال عليها المؤلف ,فنقرأ كيف ان شباب القرية حينما يذهبون لصطياد ذكور الحمير ويبتعدون عن سلطة الشيوخ والعادات والدين والمجتمع ,سوف تنطلق غرائزهم ويمارسون اللذة المحظورة والتي حرص كبار القرية على نفي اناث الحمير الى الاماكن البعيدة من اجل التخلص من عادة نكح هذه الحيوانات ,بسبب ما اثره فصل النساء وتحجيبهن ,في انحراف الطاقة اللبيدة لدى الشباب :

{ أكثر من ذلك، كان المرح والانطلاق والحرية تأخذهم بعيداً، إلى حدود مؤانثة بعضهم للبعض الآخر. -هنا استدرك وأسحب مصطلح المؤانثة، لأن الذي يجري هناك كان دخول ذكر في ذكر..!! يعني ملاوطة- يواصل الحمار.. صحيح أننا في القرية لم نكن نشاهد هكذا مواقعات بين الذكور، لكننا، في البرية حصلنا على مثل تلك المشاهد. حقيقة، يظل سلوك البشر يحيرنا نحن معشر الحمير!! لماذا هم يواقعون بعضهم، بعد أن توفر لهم رخاء مؤانثة الأتان.. ولماذا هم يؤانثون الأتان بعلنية وشفافية بينما يواقعون بعضهم بسرية تامة، مقتنصين ظلال الأخاديد والأشجار وظلام الليل.. لماذا كل ذاك والفعل واحد..!!؟ سنظل غير قادرين على فهم البشر ونزواتهم وحاجاتهم وسلوكهم غير السوي.. ربما لأننا حمير!! }

هكذا ينجح المؤلف بجعل اضطهاد هذا النوع من الحيوانات ,قناعاً يمثل كافة انواع الاضطهاد الواقعة على الانسان العربي والشرقي, وبقية الكائنات على حد سواء.ذلك الاضطهاد الذي ينزل بالانسان الى مراتب ادنى من الحمار وبقيت الكائنات ,حينما ينغمس في الشذوذ والانصياع للظلم والعمى الاختياري للشهوات والانانيات وحب السلامة .او من اخلال انتفاخ الانويات التي تحول الذات الانسانية الى جحيم تكوي وتشوه الاخرين من اجل تحقيق رغبات مقززة ومفزعة ,لا فائدة فيها ولا جمال سوى لذة تعذيب الاخر واغتصابه والتشفي منه .وهي خصال من الدركات لايهبط اليها سوى المخلوق البشري فقط.
………………………………………………………………………………..
ملاحظة :المقال جزء من دراسة طويلة سوف تظهر كاملة في احد كتبنا التي هي على قيد الطباعة والنشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *