حسين سرمك حسن : يحيى السماوي وفنّ البساطة المُربكة (الحلقة الرابعة)

hussain 1سيّدي القارىء :
ومن سمات يحيى السماوي الأسلوبية هو أنه لا يألوا جهدا في توفير “وصلات” ربط بين أجزاء جسد نصوصه ، ليجعل القارىء في حالة من الإحالات الدائمة ، ذهابا وإيابا ، إلى إشارات لغوية تترابط جناسيا أو طباقيا أو صوريا .. إلخ ، وهي الخاصية التي تحفظ نصوصه من التفكك . وهذا هو الداء الأكبر الذي يقع فيه شعراء قصيدة النثر من الشباب خصوصا في ايامنا هذه . وفي هذا المقطع القصير – مثلما هو الحال في المقاطع الأخرى – يوظّف الشاعر هذه الآلية فتجد “العري” يقابله “الستر” من ناحية وتتواشج معه “العورة” من ناحية أخرى . طبعا مع تنامي الدربة والممارسة – والشاعر كالرياضي عليه أن يتدرب يوميا قراءة أولا ثم كتابة ثانيا – تُصبح هذه السمة تلقائية بعيدة عن التخطيط “الهندسي” الذي يكتّف الفطرة الشعرية .
وقد يتهرّب بعض النقّاد “النباتيين” – والوصف للناقد “إيفريم كارانفيلوف” – من النصوص التوريطية ذات السمة التحرّشية الأعمق ، وكأن يحيى مجدّف ديني فعلي ينبغي أن نمسك نصوصه بملقط أو قفّاز . والمشكلة أن هؤلاء النقّاد الأشاوس هم أنفسهم أصحاب أعلى الأصوات الشرسة في مجال النقد الحداثوي وما بعد الحداثوي الذي يرفض أول ما يرفض وجود اي قيمة مرجعية مهما كان نوعها ومهما كانت درجة قداستها . وهذا يعكس جانبا من yahia 11ازدواجية الناقد العراقي والعربي مستعيرين المصطلح الدقيق للعلامة الراحل علي الوردي .
في النص الرابع والعشرين يقتبس يحيى إشاريا من الآية الثانية عشرة من سورة “طه” :
(إني أنا ربُكَ فاخلع نعليكَ إنك بالوادي المقدّس طُوى)
فيقول :
(حتى وهما مغمضتا الأنامل
نوارس يدي
لن تضلّا سواحل صدرك ِ
فاخلعي قميصك ِ
أنت ِ الآن
في الكوخ المقدّس )
وهو مخطط يخالف بنواياه المسمومة المضمون المتعارف السابق . فيحيى لا “يفتش” بل “يجد” – والتعبير لـ “بيكاسو” وهو يصف أوالية عملية الخلق عنده – . إن أنامل نوارسه لا تضل طريقها أبدا ، فهي راكزة وعليمة في معرفة أهدفها الكامنة على سواحل صدر الأنوثة البهي . وحسنا فعل الشاعر حين اختار طائر النورس الذي يُلقب – ويا للطرافة – بـ “قرصان البحر” ومعروف عنه أنّه يدكّ رمل الشواطىء بقدميه وبصبر مثابر حتى يُخرج الكائنات المختبئة التي يطعم عليها . لكن الأهم هو مكان الطمأنينة ومناخ الأمن اللذان يتعهد بهما يحيى لتحقيق عملية الإلتحام . فالعري يبلغ ذروته المشروعة في الأماكن المقدسة كما كان عبّاد المعابد القدماء والبدائيين يفعلون متطهرين ومتخففين – وبالمناسبة حتى مراسم الحج الجاهلي في البيت الحرام كانت تجري على هذا المنوال – .
وبتوفّر هذه الشروط تحصل اللحظة الفائقة المُثلى التي يتحوّل فيها الجسد المغرم إلى نار ولهب لا إلى تراب .. إن أنموذج النار الذي “اخترعه” الإنسان إنما تكمن نواه العميقة في جمرات الغريزة المستعرة تحت رماد الجسد وفي أعماق النفس – راجع كتاب “النار” لغاستون باشلار – .. رماد لا تزيحه سوى أنامل شاعر قادرة على الإمساك بـ “جمرته” ليتصاعد الأنين المقدّس :
(أنين السرير :
غليان روحينا
في
مرجل العشق ) .
# أمثلة أخرى :
—————
.. ولأهمية هذه الموضوعة ، ولكونها واحدة من موضوعتين مركزيتين في هذه الدراسة فسأكتفي هنا بذكر نصوص أخرى أترك للقارىء الكريم فرصة التأمل فيها واستكشاف خفاياها مسترشدا بطريقة التحليل التي سرنا عليها مع النصوص السابقة :
1- المقطع السابع والخمسون :
(أمِنْ ماء جسدك ِ ؟
كلّما حاصرني العطش
أقبّلهُ فأرتوي
أناملي اليبيسة تغدو فراشات
حين تمسّد ياسمينه
الضوء يسيل من بلّورك ِ
مضيئا لشفتي الطريق
نحو
حقول التين والزيتون
فأدخلُ فيك ِ طور سنين
با فردوسي الأمين )
2 – من المقطع السابع والعشرين :
(هادئا كالنعاس
ينساب زورقك ِ
في
أهوار قلبي
صاخبا كالعاصفة
أدكّ قلاع الصحو
بأبابيل الحلم ِ
وسجّيل الأخيلة )
3 – المقطع السادس عشر :
( أأنا جهنم ؟
ما لصحن فمي
كلما أرمي فيه خبز قبلاتك ِ
يصرخ بي :
هل من مزيد ؟
جنّة بعد أخرى
تتكشّف لي
وأنا اشمّك ِ مثل زنبقةٍ
وأقشّرك ِ كبرتقالة
لأحصي مساماتك ِ بالقبلات )
4- المقطع التاسع والسبعون :
( النهر الجالس بين يديّ
يُبطل ُ تيمّمي
حتى لو كان
صعيدا طيّبا
لذا
أتيمّمُ زفيرا طيّبا منك ِ
حين أصلّي
على طرف عباءتك ِ
موجّهاً قلبي نحو الله
وعيني
نحو العراق )
# إقتباسات إشارية من أجناس أخرى :
—————————————
1- إقتباس إشاري من المتنبي :
لكن هناك اقتباسا أخرى لم يلتفت إليها من تناولوا نصوص يحيى هذه : “مناديل من حرير الكلمات” ، منها الإقتباس الإشاري الذي قام به الشاعر في النص الثالث والأربعين من بيت شهير للمتنبي :
أنام ملْ جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جرّاها ويختصمُ
وهذا البيت قاله أبو الطيب من ميميته الشهيرة الرائعة ؛ آخر قصيدة قرأها بين يدي “سيف الدولة” قبل رحيله المرير والمُذل الأخير . يقول يحيى :
(تنامين ملْ عيونك ِ
عن شرودي
وأسهر الليل
ناصبا في براري وسادتي
فخاخ أحضاني
لعصافير الأحلام )
فيا لها من مقابلة انقلبت فيها الأدوار ! ، وصار الشاعر الذي كان نرجسيا منتقخا ومعاندا يقف في موقع الكسير الآسي على ضياع اعتباره الذاتي . لقد كان يطلق صيحاته الشعرية ثم يروح غارقا قي نوم عميق جدا ومشبع غير ملتفت لانشغالات الناس بشوارد تلك الصيحات المدوّخة الأخاذة . أما الآن فإن يحيى المتماهي به قد وجد سيف دولة من نوع مضاعف .. متجبّر ومتغاض عن آلام عاشقه ومريده . ينام آمنا مطمئنا والشاعر يتقلّب على جمرات “شروده” .. شوارد الحبيبة السيف هي التي صارت تشغل الشاعر وتشوّشه بإشارات لا يستطيع لها تفسيرا . لكنه يقضي ليله ساهرا أرقا في عمل مضن ومثمر نفسيا ، لأنه من “جنس” الشوارد . فمثلما كان الخلق يأرق ويختصم حول شوارد أشعاره ، فإنه يسهر ناصبا فخاخ أجفانه في براري وسادته لتصيّد عصافير الأحلام التي قد تأتي حاملة طيف المعشوقة . فيا له من شغل معقّد ومربك لا يمكن أن ينجزه أي عالم في الدنيا على الإطلاق . إنها تجارب تُجرى في مختبرات اللاشعور وعلى يدي شاعر .
لكن أفظع ما يُضني الشاعر العاشق (وكل عاشق هو شاعر) ويوغل في إحباطه هو “الصمت” .. الإحساس بأن نداءاته لا تُستقبل ولا تُستلم .. فالمعشوقة نائمة .. والنوم نوع من الصمت لغته الأحلام . هذا الأمر يحفز الشاعر إلى نوع مقابل من الصمت المُنتج وهو “الصبر” فتتقابل حالتان من الصمت المُعاند : واحدة في “الأعلى” حيث تتدثر الحبيبة الغافية بالغيوم ، والأخرى في “الأسفل” حيث قلب الشاعر المتدثّر بالرمل على شواطيء الإنتظار ، وقد يبست لهاته في انتظار المطر ؛ أن تتمزق شرنقة الصمت وتلتفت الحبيبة النائمة ملء جفونها إلى شوارد الشاعر :
(صمتكِ لم يُتعبني
أنا الذي سأتعبك بصراخي
فتدثّري بغيومك ِ
لعل قلبي المتدثّر بالرمل
سيُعشب
حين تهطلين عليّ )
2- ” أما آن لهذا الفارس أن يترجل ؟! ” :
أما في المقطع الخامس والسبعين فقد زاوج يحيى بين اقتباسين ؛ الأول عن مقولة ماثورة لأم إبن حواري رسول الله (عبد الله بن الزبير) عندما قطع رأسه وصلبه ، الحجّاج ، الذي يراجع بعض المفكرين العرب منجزاته الثورية الآن ، وظل أياما لا يجرؤ أحد على إنزال جسده عن خشبة الصليب ، فجاءت أمه “أسماء بنت أبي بكر” ، ووقفت أمام جسد ولدها المصلوب ، وقالت : (أما آن لهذا الفارس أن يترجّل ؟!) ؛ والثاني عن الآية التاسعة من سورة النجم :
(فكان قاب قوسين أو أدنى)
يقول يحيى :
(أما آن لأمطارك أن تترجل
عن سرج غيومها ؟
حقولي حرثتها بأضلاعي
والربيع قاب قبلتين أو أدنى )
كنْ معنا سيّدي القارىء لنكمل في الحلقة المقبلة رجاء ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.