كفاح الآلوسي : إشكالية الخروج وتشظي الدلالات .. ذهاب الجعل إلى بيته أنموذجاً

kefah  alalosiمرت عشر سنوات، ونص  (ذهاب الجعل إلى بيته)*  لم يغب عن فضاء انشغالي  وقراءاتي،
حيث كنت أعود إليه وفي كل مرة أجد فيه ما هو جديد، وكان يستفزني ويعطيني نفسه على نحو مختلف، حتى أصابني سحر التلقي بنوع من حيرة التأويل، لما فيه  من ثراء وتداخل في السرد . فالمقروء يزيد وينقص ويتبدل مع تكرار القراءة .
فالنص في بنائه المعماري أشبه ما يكون باللوحات التشكيلية المهندسة  بلغة شاعرية رصينة اعتمدت الوصف الدقيق للفعل والحركة، مستفيدا ً من تقانات السينما .
كما يتلقى أصداءً من كثير من الروايات العالمية والعربية مثل : قصة خروج آدم، ملحمة كلكامش، قصيدة (الرحلة)  لأمير الشعراء اليونان (كوسي بالاماس)، ورواية المسخ لكافكا،  رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، ورواية المخاض لغائب طعمه فرمان،  رواية سيد هارتا لهرمان هسه، وكذلك العديد من روايات نجيب محفوظ  الرمزية (حارة العشاق، الطريق، الشحاذ، دنيا الله.) هذا بالإضافة إلى حكاية  أبو الجعل في موروثنا الشعبي ….الخ .faraj yaseen 3وهو نص  يخبئ أكثر مما يعلن، ويومئ ويلمح أكثر من أن يصرح، ويشكك بعاداتنا الرتيبة في إدراك الأشياء، كل هذا استدعى  منا  تصنيفه ضمن الأدب الرمزي (ذلك الأدب الذي يتطلب من القاري مشاركة في المتعة الفنية عن طريق الوصول إلى المعنى خطوة خطوه، تساوقا مع نمو الأحدث وتطورها، مما يستدعي من المتلقي قدرة على متابعة الظلال ولم شعث الأفكار، وإكمال رتوش الصورة والإسهام في خلق معانيها، وذلك كله يستدعي قارئا ذكيا مثقفاً له القدرة على فهم النص والتأثر به وتذوقه والتفاعل معه)  .

وعلى القارئ أن يجد لنفسه مخرجاً من  هذه المتاهة  ويكتشف اللعبة، لعبة أن النص الجيد كما يقول كوتو  (كذبة تقول الحقيقة)  ولا تستقيم  الرؤية فيه إلا أن يجعل القارئ نفسه في خضم هذه الأحداث ويتفاعل معها فكريا ً ونفسيا ً، ويكون شريكا ً في الحلم والتخيل، فالنص الحديث كما البصلة بلا لب، كل قشرة تعطي مستوى معين من الفهم  . على حد تعبير(بارت) .

يتناوب في هذا النص ساردان اثنان هما فرج ياسين (القاص) وفرج ياسين متقمصا ً روح خليل الطرفاوي (البطل)، حيث اخذ الثاني على عاتقه استهلال السرد بصيغة المتكلم (صورتان صغيرتان خطفتا في سراب المخيلة، واحدة لنظرة زوجتي في اللحظات الأخيرة، والأخرى لربى وحقول …) راصداً لنا تفاصيل الساعات الأخيرة من الرحلة، ملمحا ً للأيام السبعة الأخرى وما قبلها عبر الفلاش باك، أما  السارد   الآخر (الراوي العليم) فقد اخذ على عاتقه أن يقطع خيط السرد لينقل لنا في كل مرة وعبر تكنيك الفلاش باك لقطات من حياة البطل: (كان على ظهر سفينة مبحرة في المتوسط يوم رآها أول  مرة ….)، كما  نلحظ  أصوات ساردين آخرين مثل (ندى) و(فؤاد العطار) و(باقر الأميري) و(الغجري) …الخ
وهذا أول خروج إشكالي أجراه القاص ليهشم به ومن خلاله بنية السرد،  مخرجا ً النص عن شكله المألوف . فنجد مثلا ً احد المقاطع ينتهي بعبارة (إذ كنت أمد  رأسي من النافذة، أسأل أول عابر أراه في الطريق، وكان القرويون يهزون رؤوسهم مستنكفين أن يجري السؤال عن مكان لا يمت إليهم بصله)، حيث ينقطع خيط السرد فجأة  لينتقل الحدث  إلى زمكان آخر: (قال له صديقه باقر الأميري: سيكون لك مصير أفاق، لذلك فإن عليك التحلي بأخلاق غجري، لأن احتمال الاستضافة يعد واحدا ً من صفحات مدرسة الخروج ……)  .
وفي هذا التكنيك يحذو  القاص فرج ياسين حذو رائد الرواية الحديثة جميس جويس ويتناص من ناحية الشكل مع رائعته يوليسيس .
لذا اعتقد ان هذا النص هو اقرب ما يكون  إلى رؤية متشظية وعلى القارئ إن يتحسس جمالياتيها وصولا ً إلى المخبوء خلف السطور، فما يظهره النص غير ما يبطنه، ظاهره مسلي وباطنه مفزع، كونه لمح  لهواجس البطل المتمثلة بالشك والغيرة والتي حفزته لفعل الخروج .
فالنص في ظاهره يحاكي بطلا ً فردا ً، يعاني من أزمة مركبة (نفسية ومجتمعية )
وبهذا المعنى اشتغل النص على ما يمكن ان نطلق عليه بالفكرة المزدوجة، وهذا ما جعل القارئ العادي على صعيد التلقي في حيرة من أمره في تأويل النص كقصة واقعية أو رمزية .

في هذه القراءة  وقبل أن  نتأمل  إشكالية الخروج وتشظي الدلالات في هذا النص المخاتل، نرى من المفيد أولا ً العودة لمنجد اللغة  لتحديد معنى مفردة الخروج، كما وردت وبدلالات  منها:

(خرج ــ  خروجا: برز من مقره أو حاله وأنفصل  /  وخرج به: أخرجه  / وخرج عليه: برز لقتاله /  وخرج إلى  فلان من دينه: قضاه إياه / اخرج الشيء: أبرزه  / ألخرجه: الكثير الخروج ورجل خرجة ولجة أي كثير الخروج والولوج / الخراج: كثير الخروج /  ورجل خراج ولاج كثير الظرف والاحتيال /  خرج خروجا ومخرجاً  وخرجت الرعية عن الملك: تمردت / والخارجي من خالف السلطة  والجماعة) … الخ
في حين أتاحت لنا قراءتنا المتأنية للنص إحصاء  أكثر من أربعين  خروجاً، نذكر منها :
1 ــ  في جملة الاستهلال الأولى (صورتان صغيرتان خطفتا في سراب المخيلة) أي خرجتا وبرزتا .
2 ــ  مغادرة البطل لآخر قرية مر بها، أي خرج منها
3 ــ سفرة البطل في رحلة على ظهر سفينة مبحرة في البحر المتوسط،  هي نوع من الخروج .
4 ــ   تفكير الدكتور خليل بعدم الإنجاب (يجب أن ننبذ فكرة الإنجاب ونسرحها من أذهاننا إلى الأبد)
5 ــ انتقال باقر الأميري من الريف إلى المدينة (جاء بغداد منتصف الثلاثينيات من اجل الدراسة) .
6 ــ هجرة البطل من بغداد إلى أوربا (ومع انه كان في سن التاسعة عشر . وكان قد حزم أمره للرحيل مأخوذا ً بفكرة ما عن الريف الأوربي، فضلا ً عن آداب المعاشرة بين الجنسين) .
7 ــ  تجوال البطل وهو في بداية المرحلة المتوسطة وما حكاه له عن جده الطرفاوي (…. سأؤكد لك بأن لجدك مزايا وأخلاق وتهور أمير ولكن بنكهة اقرب ما تكون إلى النكهة البدوية المعجونة بلعاب ثور تركي .) .
8 ــ  ذهاب الغجري وهو صبي في أول رحلة مع والده من الريف إلى المدينة، وكذلك ملاحقته وهو شاب وراء الفتاة الغجرية، ومن ثم بحثه عن العمل في المدينة.
9 ــ بحث فؤاد العطار عن جده في الوثائق والسجلات  ( إليك كل هذا وعليك أن لا تكتفي بقراءة ما بين السطور فقط، بل ما خلفها، لكي يتاح لك أن ترى المستقبل) .
10ــ عودة البطل من أوربا  ورجوعه إلى بغداد مدفوعا ً برؤية الخال الوهمي على الشفة السفلى لفتاة المكتبة .
11: غارة الذئب للقنص، وكذلك ظهور الأرنب فجرا ً ليقتل، وانصراف بنات آوى لممارسة الحب في أحضان الطبيعة .

كل هذه الخروجات لها دلالاتها الواقعية والرمزية داخل النص وجاءت مبثوثة ومتخفية  وتلتقي على هذا النحو أو ذاك مع بعضها البعض لتضفي نوعا من الإيحاء بالحالة ونقل أثرها إلى  نفوس القراء، وما خروج البطل إلا أحد أهم تلك الخروجات وأكثرها  مكراً .
وهي كما نرى متنوعة وكثيرة وقد  وظفها القاص بأشكال تعبيرية مختلفة، أراد من ورائها ان يشيع  في أذهاننا  كل تلك المعاني الملونة لمفردة الخروج بدلالاتها المختلفة، وبإمكان القارئ إن يمسك بها ويتحسسها ويقارن بينها ويكتشف جمالياتها شكلاً ومضموناً .
بيد أن القاص وهو يحيلنا  لكل هذه الخروجات، لم يكن معنياً بها كشكل جمالي حسب أو مجرد زخرفة لفظية بل أوردها ليغني النص من الداخل بمجرة من الإشارات والإيحاءات وتنوع المضامين، وليثري خيال قراءه المجدين بهذا الكم المدهش من الخروجات واختلافها وتقابلها أو تشابهها وتنوع دوافعها، فخروج الطرفاوي بوصفه قاتلاً غير خروج الغجري بوصفه عاشقا أو عاملا، وخروج الشيخ عفتان الطرفة في أيام شبابه ليحارب مُكرهاً مع الأتراك يختلف عن خروج باقر الأميري في مطلع شبابه مدفوعا بحب التعلم، وخروج الدكتور فواد العطار بحثاً عن أصله في الوثائق والسجلات يختلف من حيث الوسيلة ولكنه يلتقي من حيث الهدف مع خروج الدكتور خليل الباحث عن جده ميدانياً، كون البطلين  في بحثهما  قد توصلا  لذات النتيجة في عدم العثور على الجد !
وإذا ما كان النص برمته دعوة للخروج  فمن حقنا أن نتساءل:  لماذا  وعلى من  !؟   وكيف والى أين !؟
ولأن النص على هذه الدرجة من الثراء، فيمكننا أن نعتقد جازمين ان لكل قارئ قراءته الخاصة التي  تتلاءم ومزاجه النفسي ووعيه الثقافي في التأويل وتحسس النص على نحو  مختلف .
كون كل هذه الخروجات، جاءت مبثوثة على نحو خفي وممزوجة في روح النص كرواية قصيرة مسبوكة بشكل جيد وليس شيئا آخر، وهنا تكمن أصالتها  وتميزها .
فلو دققنا النظر بمجمل الخروجات لاكتشفنا بان كل خروج له خصوصيته داخل النص وله علاقته بهذا الشكل أو ذاك برحلة البطل وبحثه عما خرج من اجله وغايته والتي  أخفاها النص ولم يكشف عنها القاص بشكل واضح
ويبقى السؤال الأصل برأيي: لماذا خرج الدكتور خليل وفي هذا الوقت بالذات؟
حيث تبدأ رحله البطل  في أوائل شهر آب ــ أوائل التسعينيات وتنتهي في  اليوم العاشر من آب (وهذا يحيلنا إلى أكثر الأيام قيضاً وحراً  في السنة العراقية)
هذا النوع من الخروج وما يكتنفه من غموض  يجعل القارئ في حيرة من أمره لمعرفة الأسباب التي دفعت الشخصية الرئيسية للخروج .  وبرأيي لا يمكن فهم النص من دون الرجوع لتلك الأحداث التاريخية الشائكة والمعقدة من تأريخ العراق أوائل التسعينيات وما أعقب حرب الخليج الثانية من أحداث كابوسيه، ممثلة بفرض السلطة ان يبحث كل مواطن عن أصله وان يأتي بوثيقة تؤيد انتماءه  لهذه العشيرة أو تلك، والويل والثبور لمن لا يفعل،  ومنهم بطل قصتنا .
هذه حسب قراءتي هي  الثيمة التي أراد القاص ان يعبر عنها وخبأها  داخل النص تخلصا من ضغوط الواقع السياسي وهرباً من تبعات الموقف الذي يمكن ان يلحق به من جراء تصريحه بآرائه تلك، معولا على ذكاء القارئ في أن يجد في القراءة ويكتشف المغزى الأساس والتمتع بما وراء السطور من معان ودلالات ومعرفة ما أراد القاص ان يرمز إليه  .
ورب سائل يسأل ولكن النص قال بأن الدكتور خليل  لم يخرج  للبحث عن عشيرته بل عن أثر لجده الطرفاوي … وهنا تكمن الحاجة للتأويل، لأن النص لم يقل في ظاهره إلا بان أستاذا في التأريخ الحديث عاد من أوربا بعد ثلاثين عاما من الغربة  فوجد نفسه في ورطة . ما كان ليفكر بها لو انه ظل في المنفى ! لأنه  لا يملك أية وثيقة أو شجرة نسب تؤيد انتماءه لأي عشيرة، سوى تلك الحكاية التي رواها له أبوه في مراهقته، لذا لم يبق أمامه إلا أن يخرج ليبحث عن ذلك (الأثر) المادي  الذي خلفه جده الطرفاوي  على أرض الواقع (وما أن تكشف الفجر حتى كان جده يمتطي جواده محاطا بأكثر جماعته الذين احتفظوا بأرواحهم الباسلة  ليلقوا نظرة أخيره على الميدان المصطبغ بالدم، وغادرت نباتات الطرفاء خضرتها إلى الأبد وقد أصبحت حمراء تقطر أغصانها دما في ضوء الفجر … وقد تحولت الأرض منذ ذلك اليوم إلى لوح رخام كبير لا تأوي إليها إلا  الغربان والشياهين والحبارى للقيلولة دون ظل)  وبهذه الطريقة فقط، يمكنه أن يجد عشيرته ويوصل نسبه بهم، ويثبت عراقيته  أمام السلطة …
وبهذا أصبح (الأثر)  المزعوم في الحكاية  هو المعادل الرمزي لكل أشجار النسب المزعومة التي أُرغم الناس على البحث عنها  لإثبات عراقيتهم . فإذا وجد الأثر فأنه سيهتدي للجد وبالتالي سيعرف عشيرته . كل هذه الأمور وغيرها  أومأ  لها النص وأشار ولمح، وترك الباب مفتوحا على مصراعيه للعديد من التأويلات . إذ كيف سيواجه   تلك الإشكالية مع السلطة يا ترى؟ وكيف سيقنع أصدقاءه وزوجته  بأنه الحفيد الأخير للطرفاوي من دون أن يخرج ويثبت ذلك واقعيا ؟  مع ذلك فأنه لم يخرج حال عودته من أوربا بل ظل سنتين في بغداد يلوك الفكرة  حتى قرر القيام بتلك الرحلة العجائبية !  خروجه بعد سنتين يؤكد لنا بأن ظروفا ألمت به  هي التي اضطرته اضطرارا ودفعته عنوةً لأن يخرج . فكانت  النتيجة التي  خلص لها بعد ثمانية أيام من الطواف، على الصعيد الفردي:
ــ إنه لم يجد الأثر الذي خرج لأجله  .
ــ إن العشيرة التي وصل لها لم تعترف به
ــ إن جده الأسطوري  مجرد ارنب جبان
ولعل دلالة (الأرنب) تبدو أكثر وضوحاً في علاقتها بالطرفاوي، كلما تقدم بنا الحدث حتى لتبدو أكثر مطابقة  بين شخص الطرفاوي ومعادله الرمزي الأرنب في الجزء الأخير من الرواية
وكذلك تبدو دلالة (الجعل) مطابقة  للبطل خليل وإنها معادله الرمزي  كبطل جعلي، فهذا يدحرج بكرة الروث وذاك يدحرج بكرة همومه .
إما شخصية الغجري التي ظهرت على مسرح الأحداث في الجزء الأخير من الرواية فقد جاءت مكتنزة بالدلالات  كمعادل رمزي للإنسان القروي المحرض على الخروج، فهي على الرغم من طرافتها البادية  فإنها  فسرت لنا ما آل إليه مصير الطرفاوي وكيف تحول إلى مجرد أرنب  يُقتلُ كل يوم عقابا على فعلته وجبنه  .

وضمناً صرنا نعرف أشياء كثيرة عن فلكلور قُرانا وعاداتهم وتقاليدهم وكرمهم وتكافلهم اجتماعياً، وكيف هي أحوالهم  وما ألم بهم من بؤس وفقر  خلال فترة التسعينيات من القرن المنصرم .  فكان النص بحق سفرة مجانية للطواف في تلك القرى النائية . صحيح ان النص لم يسم تلك القرى، ولم يتحدث إلا عن قرية واحدة منها، ولكنه واقعياً  كان يعني كل القرى التي  تحيط بمدينة تكريت من ناحية العلم  صعوداً حتى منطقة الطرفاوي .  لذا أعتقد جازما بأنه من حيث الموضوع يعد هذا النص  أفضل  دراسة وصفية انثربولوجيه، تناولت أحوال الناس في هذا المكان،  وهو  أول نص يتناول هذه القرى ويكتب عنها بهذه الموضوعية في الأدب العراقي .

ويبقى السؤال: من هو الطرفاوي ؟ هل هو اسم رجل أم اسم مكان أم اسم مهنه !؟  النص أوحى لكل هذه الاحتمالات ضمناً من دون أن يعطي  في ذلك  رأيا  قاطعاً .. تاركا لخيال القاري أن يؤول النص ويختار التأويل الذي يراه مناسباً … كون لقب الطرفاوي  قابل لكل هذه الاحتمالات  فقد  يكون اسماً للرجل أو لمنطقه، وقد يكون اسما لمهنة أي لمن يعمل حطاباً لنبات الطر فاء، ولكن القاص لم يكن معنيا بكل هذه الأمور إلا على صعيد تشظى الدلالة ورفعه لمرتبة الرمز ليوحي لأمر آخر ألا وهو تطرفه بالقتل والهرب والاختباء  وتطرفه في المكان (إلى الجنوب قليلا ً من الكاظمية) كل ذلك  جعل منه طرفاوياً .
وعن هكذا جد ملتبس الهوية  والجذور، خرج الحفيد باحثا، لذا فكل الاحتمالات قابلة للتصديق والدحض، وهنا تكمن محنة هذا الخليل وعلاقته بجده الوهمي .
لهذا السبب عاد لبيته دامع العينين، كون الرحلة التي قام بها ثبتت له وبالدليل القاطع  بأن جده الذي تطرف بالقتل ما هو في الحقيقة إلا أرنب جبان في نظر أولائك القرويين المسالمين، وهذا يعني ضمناً بأن كل الأمجاد التي قال بها الأب ما هي إلا  بطولات زائفة، لا تتعدى أن تكون كلاماً في التفاخر، جاءت الرحلة لتفحص تلك الحكاية وتضعها في سياقها التاريخي الصحيح، كون الجد في حقيقة أمره ما هو إلا  قاطع طريق أو رئيس عصابة، غار على قرية مسالمة ونهب ثرواتها  !!  هذه هي حقيقته وكل ما عدى ذلك أباطيل وأكاذيب . كما يمكننا ان نقول في ذات السياق بان  النص  في خطابه العام جاء ليسخر من كل الأجداد الأشاوس ومن كل البطولات الزائفة  والمتطرفة، وما البطل  في الحقيقة إلا امتداد لذلك الجد الطرفاوي،  هذا هو المسكوت عنه، وما أراد أن يلمح له النص ويتحرش به، وعلاقة كل ذلك بحياتنا المعاصرة، تاركاً للقارئ فسحة كبيرة للتأمل وأن يكون شريكاً في لعبة الـتأويل، وان يكون له موقف واع مع الطرفاوي أو ضده، وما هو موقفنا من شخصيات متطرفة معاصرة لنا  تتصرف بذات الطريقة !!!

omas4@yahoo.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.