الرئيسية » نصوص » أسعد الجبوري : الممحاة ؛ وردة النار والحمّى

أسعد الجبوري : الممحاة ؛ وردة النار والحمّى

asaad aljobori 10على متن الريح

دونكيشوت:كيف يصبح المرءُ واقعياً يا سانشو؟
سانشو:عندما يموت.فالقبر هو آخر الوقائع كما تعلمت ذلك يا سيدي الدون.
دونكيشوت:ومتى يبدو المرء رومانسياً ؟
سانشو:وقتما تشيخ عضلات قلبهُ ،بحيث تسكن العواطف مثل الملابس على هي تلك الحبال التي كانت لا تحركها الريح في أيام العنفوان.
دونكيشوت:وكيف يصبح المرء اشتراكياً؟
سانشو:عندما تصفرُ الريح بجيوبه ،ويكون من رموز الصعاليك.
دونكيشوت:ومتى يرى المرءُ نفسه سريالياً يا سانشو؟
سانشو:السريالية هي أن يمضي حذاء الشخص في  المسير وحيداً دون صاحبه ،بعد أن تسقط المواطنةُ في الوحل، ويسقطُ المواطنُ مغشياً على الأرض.
lohat asaad 5 (2)دونكيشوت:الآن أدرك لماذا أفضلُ الليلَ مؤرخاً على النهار.
سانشو:إنها لمفارقة يا سيدي الدون !!
دونكيشوت: كأن يكون  الأعمى  مؤرخاً أم ماذا ؟!!
سانشو:بالضبط يا سيدي الدون.ذلك هو السؤال !
دونكيشوت:لا تظنن بأن للوطن أو للمواطن ليلاً واحداً وينتهي الأمر عند حدود ذلك الزمن .
سانشو:وكيف تفسر لي ما ذهبت إليه في كلامك الغامض يا سيدي الدون؟
دونكيشوت:ليس من غموض هناك. فما أن أصبح المواطن من تابعية الليل وخزائن أسراره،حتى تراه وقد اختصر مهنة الحياة بتتبع حوادث الظلام وسبر أغوار النفوس النائمة فيما وراء الحجب.المرء يفعل ذلك، باعتباره كائناً من تلك الكائنات السوداء.ولذا تجدهُ في صميم الحوادث العظمى ،يكتب ويرسم ويؤول ويجتهد بحماية نفسه من البشر والغيلان والتماسيح والقراصنة والنيازك والأشباح.
سانشو:وهل أنا ليلي أم نهاري يا سيدي الدون؟
دونكيشوت:أنت تسكن ما بين مد الليل وجزر النهار يا سانشو.
سانشو:وحصاني يا سيدي الدون؟أهو معي في الحال وفي الأحوال؟
دونكيشوت:من لا يملك في داخلهِ حصاناً،يكون صعباً عليه أن يؤرخ لأحداث مملكة الظلام.
سانشو:أعرف إن دولاً لا تربي غير طيور الظلام في خلاياها ،ولا تكتب إلا بالسياط تاريخ العبيد وسيرة الوطن الذاتية.

آبار النصوص

ليس صدفةً../
النشيدُ سكران بين الحقول.
الليلُ طفلٌ مطري يُلخصُ الذكريات.
المرأةُ طبقةُ الفسفورِ في العين.
البيانو ينبوعٌ عليه الفراشات.
البلدانُ متأرقةٌ تحت الجليد في المنفى.
الحكمةُ فستانٌ طويلٌ للفكاهةِ والدمِ.
الرقصُ بكاءٌ بحركات.
الحبّ ناطورٌ هاربٌ من مقدمةِ المعجم.
ليس صدفةً..
الحزنٌ تاجُ الإمبراطور.

غرفة للغرائز

منذ زمن ليس بالقصير،وأنا لا أعرف الكتابة إلا برفقة الموسيقى.كأن النص عندي من الألواح الزجاجية وسط صحراء،وما منقذ لنا من القحط إلا بأنين الكمنجات أو بما تبثه الأوبرا من هيدروجين في جسد النص،ليطير بعيداً،ويكسر جدار الجاذبية الخاصة بالواقع أو بظلاميات الوقائع الجارية مع دم  المخلوقات على الأرض.
قد لا يتأثر الجسم الخارجي للنص الشعري بمؤثرات الموسيقى،ولكن الداخل الشعري عموماً،لا يجرد خلاياه ولا أرواحه مما ينزل عليه من أنغامٍ تنقحُ الوجود الباطني من مناطقه السوداء المتعثرة بالتصحر والعوسج والفراغ،لتجعل منها مستوعبات للتداخل الحر ما بين أصوات الخارج والداخل ،خدمة لبنية النص،وتحريره من الأوثان والمقامات الصوتية الباردة.

بنك الخيال

تفتشُ الحربُ في جيوب الموتى
فلا تجدُ سوى وردة النار والحمى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *