مقداد مسعود : الوضع الأجتماعي للنص.. الروائي زهير الجزائري في..(أوراق جبلية)

مقداد مسعود يتحاور مع الروائي والباحث زهير الجزائري/ أربيل كانون الاول 2012
مقداد مسعود يتحاور مع الروائي والباحث زهير الجزائري/ أربيل كانون الاول 2012

الى عباس الجوراني…لولاه لما وصلتني هذه الاوراق
                                      مقداد مسعود
(*)
تجربة حركة الانصار الشيوعين تجربة ذات ثراء زاخرلايستطيع الكتابة عنها إلا من ساهم فيها ميدانيا..وهي تشترط على من أراد تشيدها روائيا، ان يعجن التجربة بماء الفن وملحه،لا بالوقائع اليومية ، عليه ان يعرف برهفه الروائي، ان يجعل الوثائقي منكتبا بسردٍ مشعرن كما فعل الروائي والباحث زهير الجزائري في (مدن فاضلة) أو في(أوراق جبلية).
(*)
أثر إعدام البعث(31) شيوعيا من القوات المسلحة ،أجتمع المكتب السياسي
في تشرين الثاني 1978.. توجيه الرفاق في الإقاليم بإقامة فصائل الانصار في المناطق التي تتواجد فيها قواعد(البيشمركه)..ويذكر (فيصل الفؤادي)..(أختلف الرفاق بشأن تأسيس أول قاعدة للأنصار،وأختلفت الاراء بين معظم الكوادر التي وصلت الى منطقة ناوزنك/22)(2)
هل (14/1/1979) يمكن ان يكون يوم ميلاد القاعدة الاولى وفق شهادة
أحمد باني خيلاني في مذكراته..حيث يغادر قلعة دزة مع مجموعة من الرفاق وبعد مكابدات يصلون الى قاعدة ناوزنك والتي سميت بوادي الاحزاب(حيث كان قد تجمع فيها القوى المعارضة العراقية الكوردية والعربية وبعض الاحزاب الكوردستانية لتركيا وكتل أخرى/ 260)(3)
المهم هنا ان من هذه الشرارات سيندلع اللهب..وعلى المستوى الادبي
فأن الاديب لايتناول التجربة وفق الدقة التاريخية،بل وفق الرهف الانساني
للمكابدات الاشد شراسة..  بالنسبة لروائي مثل زهير الجزائري سيكون ذلك عبر شعرنة السرد،والتعامل مع جماليات الطبيعة حد التماهي الآسر..
الذي ينتج أسئلة شعرية باذخة مثل قول السارد..(كيف لنا أن نلم شظايا الحياة التي كسرنا : أصابع الحلابة وصوت المؤذن وكمون الدجاجة على بيضاتها/ص74)…الروائي..يخوض التجربة مرتين مرة بجسده كله..ومرة ثانية يصيّر الذاكرة محبرة..لتتسايل التجربة ذاتها في قلمه..وهكذا تتحول التجربة من فعل ميداني الى فعل منكتب على ورق..ويتسع  المكتوب كأنه منفرشا على شاشة سينما..في صالة واسعة،تسع فعل القراءة لمن يشاء..
هكذا هو زهير الجزائري،منذ (المغارة والسهل)(4)..وهو في رواياته لايعد من التسجيليين،بل هو روائي،يعيش التجربة في فعلها الكتابي بتفعيل اتصالية بين التسجيل/ الروائي…دائما تكون الغلبة للفعل الروائي،هكذا ترى قراءتي المنتجة لرواياته..
(*)
في (أوراق جبلية)،  تكون حركة الكتابة في تضاد مع حركة الزمكان
الزمن ممحاة..(كل ما مررنا به خلال ذاك المسير الصعب،تحول وجود طارىء…كل ماتركناه خلفنا أختفى دون أن يترك أثرا..كأننا ونحن نغادر
الأمكنة،نمسحها بحركة أيدينا ونحن نسير../ص5..)..أليست هذه من سجايا الزمن..؟ فهو يستقر في نقطتي : الماضي/ المستقبل..
أما الحاضر فهو لحظة رملية المعنى..تتسرب بين مسامات لامرئية،لكنها
محسوسة..(..أخذنا حاضر عجول الى مسير أسرع لالفتة فيه الى الوراء/ص5)..و(لكي يقف الزمن) ليس أمامنا سوى عين الكاميرا..وعلم الكتابة،والثاني يستعيد الزمن ويمنحه سيرورة المضارع المستمر بفعل
قراءة المنكتب من الماضي..وما سوف يقوم به المؤلف،هو أستعادة الماضي عبر كتابته ،وهي أستعادة لاتخلو من أشكالات يوجزها المؤلف في قوله التالي:
*(أعيد كتابة هذه الأوراق بعد أكثر من عشرين عاما على صدورها)
اذن هي اعادة كتابة وليست كتابة جديدة..لكنها ستتجدد وفق سيرورتها الذاتية،التي ربما ستتقاطع نسبيا مع الكتابة الاولى،بمؤثرية أكثر من عشرين عاما من الوعي المضاف الى وعي مؤلف النص الاول..
ثانيا: ثمة فاصل زمني بين الكتابة الاولى والكتابة التي ستكون ثانية
ومن المؤكد ان الكتابة الثانية لايمكن ان تكون تكرارا حرفيا للأولى
بالنسبة لمبدع مثل الروائي والباحث زهير الجزائري..
ثالثا سيخبرنا عن منشأ الاصدار الاولى لهذه الاوراق في قوله
(صدورها من دار وهمية أختفت من الوجود..)
رابعا..وهذا ينطبق على كل من يطبع اوتطبع كتابه/ كتابها..حيث يصادر
الاهداء كل ما بحوزة المؤلف/المؤلفة..(أنا نفسي لم تعد عندي نسخة من هذه الأوراق..)
خامسا: ستكون النسخة التي سيحصل عليها بمثابة شاهد عدل على تجربة الكتابة الأولى..(أهداني واحد من رفاق الجبل النسخة الوحيدة التي أحتفظ بها لمواجهة الإنكار…)….
*لماذا أوراق…وليست رواية؟
ربما في (مدن فاضلة ) قال الروائي قولته الروائية..بخصوص تجربته في
حركة الأنصار..قالها قبل سقوط الفاشية،التي أحدثت متغيرات في بنية المجتمع العراقي..وفي تموضع الشخص الروائي..لكنه الآن يريد ان يكتب
التجربة ذاتها،من خلال ضمير المتكلم الحقيقي وليس الروائي..
وهذا المزدوج  الكتابي لذات التجربة،يذكرني ب(الفاشية ..الفكرة والممارسة) للمؤلف*..
وعلى مستو ثان ،فأن (أوراق جبلية) تمارس حراسة أسئلتها ذاتها..
أعني بذلك..(ما أنواع الكتابة الملائمة أوالتي يمكن اعتبارها ملائمة داخل
فئة الأدب،كيف تطرح النصوص ماتعنيه النصوص،وبأي معيار يمكن أو ينبغي تقييم هذه النصوص../207ص/الرد بالكتابة)(5)

*وظيفة الكتابة الأولى:
الوظيفة الرئيسة للكتابة الاولى..هي أتصالية تضاد مع المحو من خلال تفعيل الثابت الجمعي..(كتبت النسخة الأولى،لأثبتُ كل وجود عابر تركناه
خلال المسير المستمر/ص6) ولهذه الوظيفة فاعلية سيمولوجية..(كأنني أضع علامات الأمكنة التي أغادرها،وأثبت أسماء الذين يشاركوني التجربة
ثم غابوا وأدوّن التفاصيل اليومية لحياة غيرتني دون أن أدري .) في هذه الوحدة السردية الصغرى تمتزج الجغرافيا(الامكنة) مع أرشفة المسرود
(أثبّتُ أسماء الذين يشاركوني..) وهناك أرشفة الشخصي بمؤثرية المتغيرات اللأدرية..(وأدون التفاصيل اليومية لحياة غيرتني دون أن أدري)..ومؤثرية الزمن بعد الفاصل الزمني..(أكثر من عشرين عاما)
التي حددها المؤلف ،لم تشترط متغيرات على المؤلف الذي خاض التجربة، بل وضعت حاجزا بين مَن كابد التجربة كالمؤلف  وسواه
*المؤلف الذي أشعل أجمل سنوات العمر بين الجبال،مقاتلا ضد الفاشية
في العراق.. أما سواه فيحتمل التنويع:
*(لم تتوقف الصبية،التي كنت أرافق فريقها خلال تدريب عملي في السليمانية حين أخبرتها بأنني أعرف هذه الجبال،لأنني عشت مع البيشمركة ثلاث سنوات،لم تتوقف ولم تستوقفها التجربة،إنما دخلت مباشرة
الى محل يبيع أقراص الاغاني لتسأل عما يفضله الشباب هذه الأيام ،خرجت لتخبرني بأن الأناشيد الثورية التي كتبت ولحنت عن البيشمركة،ومنها نشيد شهيدان، تأتي في الدرجة العاشرة من الاهتمامات..بينما تحتل أغاني نانسي عجرم وأليسا وكاظم الساهر ،المراتب الأولى../ص6 )..نلاحظ ان الصبية منشغلة بزمانها هي
وغير معنية بزمن المؤلف،وهي لم تكلف نفسها السؤال،حين أخبرها المؤلف(بأنني أعرف هذه الجبال،لأنني عشت مع البيشمركة ثلاث سنوات)
وهنا كقارىء أتساءل ..هل تعيش هذه الصبية على سطح الحاضر فقط؟
وأي كارثة لجيل يمتد فقط أفقيا؟ وبماذا سيؤثل ذاكرته؟ صبية لم يستفزها
الإستثناء ان يعيش شخص مثل المؤلف بين الجبال؟! وحسب المؤلف
نفسه..(لم تعاود لتسألني:ماذا كنت تفعل هناك في تلك الجبال وأنت عربي
وإبن مدينة؟) وهنا أتساءل ربما تكون هذه الصبية سببا للكتابة الثانية
محفزا للصوغ الثاني..ولكن الخطاب لن يصل لها شخصيا أو لمن كان يتموضع على السطح مثلها،بعيدا عن المرحلة العمرية..
نعم سيرتب المؤلف الاوراق ثانية،لنا نحن الذين/ اللواتي/ ذاقوا/ ذقن مرارات الحكم الفاشي..لنشغل ذاكرتنا لأرشفة مكابدتها..وستبقى نسخ
هذه المرة على أقراص.CD.تغني المؤلف من تكرار التجربة الثانية…
ربما سيتصفحها جيل له فضول معرفي وليس كدحا معرفيا .اذ لاالصبية
ولا(جيلها الذي لايعرف وربما لايريد أن يعرف،أعيد كتابة هذه الاوراق
لأثبت ذاك التاريخ بوجه النسيان/ص6).. هنا يتكشف نوع من الإرجاء..وأعني بذلك سننتظر جيلا يود الاطلاع البسيط على ماجرى،
وهنا أتساءل مرة أخرى..لو كانت الصبية أصغت للمؤلف،ثم سألته السؤال
الذي تمنى ان تسأله( ماذا كنت تفعل هناك في تلك الجبال وأنت عربي وابن مدينة)..هل سيكظم المؤلف سرده الثاني لتجربته مع الجبل؟ أم سيجد المبرر المشروع لسرد أكثر بهجة؟ والسؤال الآخر هل تجاهل الصبية المشغوله بصباها،ولّد جرحا نرجسيا في ذات المؤلف،فقرر ان يحدثها
رغم تجاهلها له؟!
وهنا سيكون الكتاب موجها الى ثلاث جهات :
*الشخص الذي أهدى المؤلف كتابه له:
(الى خضر كاكيل إبن الجبل ووالد المقاتلين فيه) والمؤلف لايكتفي بهذا الاهداء ،فهو يعرفنا بالمهدى إليه من خلال تثبيت صورة تخطيطية له
بالزي الكوردي..
*الى الصبية وجيلها
(أعيد كتابة هذه الاوراق لها ولجيلها الذي لايعرف وربما لايريد ان يعرف)
*رفاق الجبل..الذين اقتسم المؤلف معهم ذات المصير
(لهؤلاء أعيد كتابة هذه الاوراق تذكيرا بذاك الزهد ونبل القضية التي فرشنا لها سجاد شبابنا/ ص7)..نحن هنا أمام الإنسان النوعي في زهير الجزائري،الإنسان النوعي الذي (يسائل حاضره المكتشف ماضيه..كما لو
كانت رغبة الاكتشاف تحول الماضي الى حاضر إبداعي جديد/10) حسب فيصل دراج..
*الرابع/ الأول هو المؤلف:
التراتبية التي نضّدها المؤلف لنا ضمن دوافع فعل الكتابة،أعني تلك الصبية وجيلها ورفاق الجبل وغيرهم..كل هذا التراتبية صحيحة ولكنها ضمن البعد البراني للدافع..أما الدافع الاول لفعل الكتابة،فهو البعد الجواني
الذاتي،والكتابة هنا نوع من المساج الروحي لأتصالية التضاد الذاتوية بين
*ماضي المؤلف ——————– الحاضر
وهو تضاد بين طرفين احدهما ذاتي والآخر: غيري
يلي ذلك تضاد في ذات المؤلف عينها
*ذاكرتي ————- وتذكري..
(سأكتبها لنفسي وأنا أعيش التعارض بين ذاكرتي والحاضر، وبين ذاكرتي وتذكري،أحاول أن أغفل الحاضر لأستحضر  صور تلك التجربة،لكن الحاضر يستغفلني وينسل ليقول لي أنت هنا في بيتك في عينكاوه/ص9)..
هل الكتابة تشبة الضماد لجرح نرجسي سببه تجاهل الصبية ومشتقاتها؟!
أم ان الكاتب..كان يرجىء الكتابة،وفجأة أمتلك القوة الدافعة،لتثبيت التجربة
من خلال كتابتها؟ وهل الكتابة غيبوبة قلقة،يكون الحاضر /البيت في عينكاوه، هو الجرس الذي ينقذ الكاتب من تثبيتات السعادة ؟!

هوامش :
(1) زهير الجزائري/ أوراق جبلية/ منشورات آراس/ أربيل /ط2/ 2011
(2)فيصل الفؤادي/ من تأريخ الحركة الأنصارية/ من تاريخ الكفاح المسلح لأنصار الحزب الشيوعي العراقي(1978-1989)/ دار الرواد المزدهرة/ بغداد/ط1/ 2013
(3)أحمد باني خيلاني/ مذكراتي/ دار الرواد المزدهرة/ بغداد/ ط1/2009
(4)زهيري الجزائري/ المغارة والسهل/ بغداد/ دار الرواد/ط1/ 1976
(5)بيل أشكروفت – غاريث غريفت – هيلين تيفين / الرد بالكتابة/ ترجمة: شهرت العالم/ المنظمة العربية للترجمة/ بيروت/ ط1/2006

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حمود ولد سليمان “غيم الصحراء” : جبران خليل جبران /الأسطورة الخالدة

1/ في مقالته التي دأب علي كتابتها في صحيفة “القدس العربي” اللندنية والتي تعودت أن  …

| إبراهيم مشارة : الإسلام والحداثة – إسلام المؤسسة أم إسلام الرسالة؟.

  كلما هبت  جماعة من رواد التنوير في الفكر الإسلامي يقيضها الله لإحياء رسالته وشرحها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *