د. ماجدة غضبان المشلب : قصص قصيرة جدا

majidah-5عند تلك المسترخية كغيمة ، الرحبة كسماء ، الدامية كأصيل ، الفضية كفجر جديد ، تقيم كل ايامي التي بجهلها تأريخي المشرد بين سطور افتراضية.
 
يوم في مقبرة “قلعة سكر”
اهل قريتي يسمونني العمياء ، و حين يضلون السبيل ، و يستعصي عليهم امر تضيق غرفتي الطينية بهم ، و ينصتون لما اقول فحسب.
ما طلبت منهم ان يطهوا لي طعامي او يغسلوا ثيابي في نهر الغراف ، لي يدان و ساقان قويتان ، استطيع اكتشاف اين يختبيء الفطر ، كذلك استدل على اماكن نمو “التولة”* لأصنع منها صحني المفضل ، تنوري الطيني يشهد اني اضع حطبي فيه و اصنع الخبز ، كما انني اسلق بيض دجاجاتي و اطعمها ، و يشق علي احيانا حمل احداهن لغرض ذبحها ، و حين تفوح رائحة اللحم يتحلق حول مائدتي اطفال اجهل وجوههم ، اوزع عليهم قطع اللحم ، و اصنع الثريد باطباق كبيرة الحجم ، رغم ذلك لم ينادني احد باسمي الحقيقي “علاهن” ، و انا لم اغضب بسبب ذلك ، فغالبا ما ارى في الغراف كائنات لا يراها احد غيري ، ملونة و تسبح بحرية تامة ، أوان المغيب تحلق المخلوقات في حضن الاصيل ،  مشكّلة تضاريس لا يفك شفرتها غيري ، فأصفها لمن لا يجدون سبيلا للتسلية سوى الاستماع الى اوهامي ، اوهام العمياء.
جدي الاعلى دلني ذات يوم على كنز قديم ، لم اسرف في بيع حطامه ، بعيد شجرة في البرية ، تقيم دولة سومرية اثرية ، اخذ منها ما احتاجه من الذهب بين الحين و الحين ، و لأنني العمياء فقد ايقنوا ان والدتي قد تركت لي اساورها و قلائدها ، و إنني دفنتها في حوش الدار ، و لم يشغلوا أنفسهم كثيرا في مصدر اموالي ، فانا غالبا ما اتناول طعامي من عطاء الأرض ، لا مما يبيعونه في سوق المدينة.
قبل ان يدفونني جوار الشجرة البعيدة ، نصحت الشيوخ ان يجعلوا القصب متاريس لهم في الاراضي المنخفضة من الاهوار ، و ان يرتدوا الشوك دروعا ، و يقيمون من “المطّال”** حزاما حول القرية………
حين الغروب رأيت غمامات جهنم ، و قوس الموت الاسود ، و في الغراف لمحت عند القعر اجتماع الافواه العظيمة باسنان لا تحصى……
_علينا بدفن العمياء.
_ان فاهك اسود يا هذا ، و انت من اهل قعر الغراف!.
_يا شيخنا ، احتملنا كثيرا هراء العمياء!
_اني ارى قومك و ما ستفعلون بالغراف و أهله!.

عند الشجرة البعيدة ، و انا اتنفس تراب قلعة سكر ، و اثار السومريين و عظامهم تضطرب لأضطرابي ، سمعت معهم ، مع اقوام اخرى دفنت كما دفنت انا صراخ اهل قريتي و و وقع اقدامهم :
_لنجعل من كوخ علاهن متراسنا ، من دخل بيتها فهو آمن.

يوم بلا لون
قطرات حمراء على زغب الريشة يتأرجحن ، رنوت بعيدا ، القرية تصاهر أفول نهار آخر ، و انا لم اصل بعد ، كل عدة الرسم معي الا النهر و النخيل و اشجار الرمان و النساء الرائحات الغاديات ، رجوت الليل ان لا يلقي بدهمائه على البيوت الهادئة البعيدة ، القطرات معلقة ، و ادوات الرسم كلها معي…الا هم..هؤلاء الذين اردت ان يرحلوا معي بالوانهم.
الليل يحصد اشتات ضياء الشمس الراحلة ، و ستارة مسرح مدلهمة تهبط من السماء…..، الان ادركت ليس بين يدي سوى الريشة و القطرات الحمراء…

يوم ثورة الخزف
اضحت اصابعها صلبة كالطين المفخور حتى انها عجزت عن تمييزها مما احاط بها من الوان الخزف ، حمل الرجل مقتنياته الخزفية ليضعها في خزانة زجاجية تشرف على الشارع.
_مقلتاها تلتمعان بدمع غريب..!!!!.
اضطرب قلبها ، انها المرة الثانية التي يتأملها فيها ، اعتادت العري في هذ المخزن ، ثوبها الرث ملقى هناك بين كثير من امتعتها التي فخرت او تحولت الى قطع زينة تضاف الى قطع الخزف الاخرى.
_لعل امرأة اخرى في الدولاب تتقن همس الخزف سوى تلك التي اصبحت بعيدة؟؟؟…
هذا الرجل الاصم لا يسمعها ، و هي متصلبة في مكانها تحاول ان لا تحطم جسدها بحركة غير مقصودة.
_حان دورك لتري الشارع.
سورتها هالة حياء ، اضطربت الخزانة الزجاجية حتى تشققت كطين لم يلامسه المطر ، تكورت على نفسها يلفها وشاح صرخة مؤلمة ، و تناثرت اجزاء جسدها الخزفي على الرصيف مختلطة بشظايا زجاج الخزانة.

يوم اينشتاينيّ
في حضرته توقفت العيون في محاجرها دون ان تطرف ، انتحب الضوء مرائيا ، و انتحى الظلام جانبا ، ثيابنا الممزقة رفت كرايات حمقاء ، و ارجلنا الخشبية اصدرت صوت تحطمها ارتجافا و ارهاقا و خجلا…
من منا يجرؤ على نطق الحرف الاول كمدخل لانبهارنا؟؟؟؟؟.
تجنبنا النظر الى بعضنا الآخر ، تنفسنا عبراتنا و كلماتنا المتحجرة بشكواها سرا…
في قبضته و على يمينه بضع غيمات و تشكيلة قوس قزح..، ربما هذا ما خيل لنا اننا قد رأيناه..
في حجره شمس و نثار نجوم ، على كتفيه اراض تشبه ارضنا في كتاب الجغرافية…
_أكان ذلك حقيقيا؟؟؟؟
_إن اتفقنا على وصفه سنؤمن اننا رأيناه معا…….
_ هل رأيت الزنابق العملاقة؟؟؟
_لا لم ار ، تلك كانت بضع مجرات معلقة امامه…
_ايها الاحمق انها زنابق لا اكثر..
_الاحمق من يظن المجرات زنابق..
_الاحمق من يظن ان بإمكانه رؤية مجرات على هيئة باقة زنابق…
_بل الأحمق من يظن ذلك مستحيلا…
_كلاكما من الحمقى…انا لم أر شيئا

يوم اينشتايني اخر
التقطتُ عينه بملقط كبير ، و وضعتُها في محجري المجوف ، و اعدتٌ النظر الى ذات البقعة ، التفتٌ اليه:
_ويحي ، ان ما قلته انت كان حقا!
_هات عينك لأرى ما رأيت..
حمل عيني و وضعها في حفرة عينه الفارغة:
_ويلي ، انت ايضا لم تكذب ، قد قلت حقا!!
_ماذا علينا الان ، هل نتبادل الأعين؟؟.
_لا ، عليك ان تصدقني فقط ، حين اصف لك ما ترى..
_اظن ان عليك انت ان تصدقني اولا…
قال صاحب المتجر ضجرا:
_هل عدتما للشجار؟؟؟؟؟
لم لا انسخ لكما عينين متشابهتين تماما ، لتتفقا ابدا؟؟؟؟؟.

هامشان :
*التولة هي نبات بري ، يعرف لدى المصريين بالملوخية ، و تسمى في العراق بالخباز ايضا ، اسمها العلمي Malva sylvestris
** المطّال هي اقراص تصنع من فضلات البقر و تجفف تحت الشمس بغية استخدامها كوقود لنار التنو

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : قصتا لمحة (وحش , دينة العمى).

وحش وحش مخيف أخذ يطارده من مسافة هائلة البعد وفي أثناء هربه شخصت له وسط …

| سلوى علي : همسات لا تقوی علی الصراخ.

تلك الجمرات الصامتة مفارق احلامها قلقة تصارع عواصف الوحدة المملوءة  بالضجيج بین زمهرير الانتظار واحضان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.