حسين سرمك حسن : يحيى السماوي وفن البساطة المُربكة (الحلقة الثالثة)

hussein sarmak 4# يختتم يحيى – سيّدي القارىء – المقطع الثاني والستين باقتباس إشاري يقول فيه :
(فأنا شُعيْبُك
إذن فاجعليني كليمك ِ
لأؤجرك ِ العمرَ كلّه )
وهو اقتباس إشاري من القرآن الكريم ؛ من الآية 26 من سورة القصص :
(قالت إحداهما يا أبت ِ استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين)
لكن هذا الرأي هو جزء من سياسة “التقطيع” التي تشوّه النص وتمسخه . فهذا القول في القصة القرآنية هو لإحدى الأختين اللتين ساعدهما موسى “عليه السلام” في الحصول على الماء وسط صخب وزحام الرعاء ، وهو “مُقترح” منها قدمته لأبيها الشيخ الكبير – كونه “شعيب” مثار خلاف كبير – كي يجزي موسى على موقفه المشرّف . لكن أين معنى التضمين ، وما هي وظيفة هذا الإقتباس في النص ؟
إذا اكتفينا بهذه الإشارة فقط سنقع في ربكة وتشوش تفسيري ؛ إذ ما علاقة “شعيبكِ” بـ “كليمكِ” ؟
لنمشي – سيّدي القارىء – مع يحيى خطوة خطوة . لكن ليس على الطريقة “الكيسنجرية” المقيتة ، فنقول ابتداءً أن يحيى استهلّ هذا المقطع بالقول :
(التفّاحة المحرمة
طردت “آدم” من جنّته )
وهو تقرير حال معروف حيث أن جدّنا آدم طُرد من الفردوس بسبب تناوله التفّاحة التي yahia 9حرّمها الله عليه . لكن الشيطنة الشعرية تكمن في المستتر اللائب ، فليست التفاحة هي جهة الطرد بل الإرادة الإلهية .. إن التفاحة هي جهة “التوريط” وأداته . أمّا الإغواء والإستدراج فقد تم على يدي حواء المباركتين . حوّاء هي التفّاحة والتّفاحة هي حوّاء . وهنا ينهض شيطان الشعر بكماله البهي ليقلب الأمور المسلم بها عاليها سافلها حين يخاطب يحيى حبيبته/ تفّاحته قائلا :
(أنتِ أدخلتني آلاف الجنّات ِ
أأنا “آدم” الجديدُ
يا تفّاحتي ؟ )
حوّاء يحيى / تفّاحته ليست سببا للعنة الشقاء التي حلّت بأبينا وبنا من بعده ، ولا هي مفتاح الخطيئة التي نعاني من أعبائها اللذيذة حتى يومنا هذا . هي النقيض تماما . فإذا كانت حواء التفاحة القديمة قد تسببت في طرد “آدم القديم” من جنة وحيدة ، فإن التفاحة الجديدة أدخلت “آدم الجديد” آلاف الجنّات . وما آدم الجديد سوى يحيى السماوي .
kh albasataa 1إن الشعر – بروحه التعرضي الجسور – يقلب أسطورة الخطيئة على بطانتها ، ويرسم لها مسارات مضادة للمسارات التي رسمتها الآلهة . إن التفاحة القديمة كانت مغوية ومورّطة ومدمّرة سابقا من ناحية النتائج التي ترتبت على الإشباع الغريزي الذي تم بخلاف ما اقتضته الإرادة الإلهية . لكن التفاحة الجديدة ؛ تفّاحة يحيى ، صارت أداة إشباع مسرّ أوصل إلى أعظم النتائج متمثلة في الظفر بآلاف الفراديس .
لكن التفاحة الجديدة هي نفسها القديمة : الأنثى المباركة حيث سرّ الحياة والنماء والتجدد ومعنى الألوهة الاصل الكامن . ولهذا لم يُسمَ يحيى التفاحة بقديمة أو جديدة . التفاحة هي نفسها ، لكن الذي تغير من “قديم” إلى “جديد” هو آدم الرجل الذي طُرد من الفردوس لأنه قام بالفعل المتوقع والمشروع لكن المنهي عنه إلهيّاً . إن الرجل الأول ؛ رجل الخطيئة ، وحسب تأويلنا لرؤيا يحيى هذه ، هو كائن سلبي اقتنع فورا بأنه إنما ارتكب – بمواقعته امرأته تحت عيني الآلهة الراصدتين – إثما لا يُغتفر فغادر مدحورا مذموما . أما رجل يحيى فهو يقوم بالفعل بكل بساطة وتلقائية آلاف المرات لينعم بآلاف الجنّات . والفضل في ذلك لحواء .
الآلهة تخاف من الأنثى لأنها خالقة . هي أنموذج الألوهية الأول ، وليس عبثا ان أول إله عُبد في أرض الحضارة الأولى ” سومر ” كان امرأة ، وكان أنموذج العبادة في المعابد هو تمثال لفرجها الكريم . وأعظم ما في هذه الأنثى الآن هو أنها مازالت تقوم بدورها الكوني المبارك مع سبق الإصرار والترصّد على الرغم من كل المحظورات والتحذيرات السماوية ، منعمة على الرجل البكّاء بالنعيم المفقود ، ولكن بصورة دائمة ومتكرّرة الآن . وهذا الرجل – وهذه علامة على سلبيته – مازال يلوذ بظلال الآلهة الساخطة فيشبّه نفسه الآن بـ “شعيب” النبي :
( “شُعيبٌ” أعمى عينيه البكاء شوقا لله
حبّك أعمى قلبي فما عاد يرى إلّاك )
ولاحظ جسامة المقارنة التحرّشية عبر طرفي الصورة .
ولأنّ الحب بالنسبة ليحيى ليس أعمى كما أعلن في المقطع العاشر الذي حللناه سابقا ، فإنه يعرف طريقا واحدا وحيدا لا يوصل إلّا إلى الحبيبة ، وهذا نوع من “العمى النفسي – psychological blindness” ، وهذا ما تقصده الحكمة الشعبية الباهرة حين تقول “الحب أعمى” .
والآن تتضح جوانب من معاني هذا الإقتباس المربكة المتمثلة في فعل “العمى حبّا” بالمعشوقة الذي أسّسه يحيى السماوي على غرار أنموذج “العمى إيمانا” بالله .
ولم يحاول بعض النقاد الغوص عميقا في تحليل نص يحيى القصير والمركّب والمُربك هذا لضعف في ثقافتهم الدينية أو لتسرّعهم – وهو التسرّع نفسه الذي جعلهم يفترضون سفر نشيد أناشيد سليمان مرجعا لنصوص يحيى – والتسرّع من امراض الثقافة العراقية عموما والنقد العراقي خصوصا . ولو صيروا على التحليل وغاصوا عميقا لاكتشفوا ببساطة إقتباسا آخر إشاريا من حديث نبوي شريف لرسول الله (ص) عن نبي الله “شعيب” وذلك حين قال :
(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : بكى شعيب عليه السلام من حب الله عزوجل حتى عمي ، فرد الله عزو جل عليه بصره ، ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره ، ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره ، فلما كانت الرابعة أوحى الله إليه : يا شعيب إلى متى يكون هذا ؟ أبدا منك ؟ إن يكن هذا خوفا من النار فقد آجرتك ، وإن يكن شوقا إلى الجنة فقد أبحتك ; فقال : إلهي وسيدي أنت تعلم أنى مابكيت خوفا من نارك ، ولا شوقا إلى جنتك ، ولكن عقد حبك على قلبي فلست أصبر أو أراك ، فأوحى الله جل جلاله إليه : أما إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا ساخدمك كليمي موسى بن عمران ) .
وهكذا يحلّ يحيى السماوي وببراعة ساحرة سرّ هذه النقلة الغريبة نسبيا للقارىء العادي من “شعيبك ِ” إلى “كليمك ِ” ، ويكشف البعد الشاسع لدلالة كونه “كليما” لمحبوبته ، يؤجرها عمره كلّه . لقد قلب الأدوار بمكر مدوّخ وعقّد سلسلة العلاقات بروح شيطاني لعوب :
(فأنا شُعيبك ِ
إذن ، فاجعليني كليمك ِ
لأؤجرك ِ العمر َ كلّه )
وقد تكون هناك وشيجة لاشعورية أخرى قد انسربت من مخزون ذاكرة يحيى الدينية الثرة بين شعيب والكليم ، لأن الأول كان يُلقّب في المصادر الدينية بأنه “خطيب الأنبياء” لفصاحته وحلاوة عبارته وبلاغته ، بخلاف نبي الله موسى الكليم المصاب بداء “التأتأة” .
# وقفة :
———- 
قبل هذا المقطع الثاني والستين كان يحيى قد عالج موضوعة “التفّاحة المحرمة” في المقطع السادس والعشرين :
(سأرضى
من زهور ياسمين صدرك ِ :
برائحة القميص ..
من شفتيكِ :
بالهديل ..
من فضّة جيدكِ :
بالندى ..
من ساقيكِ :
بعزفهما على الرصيف ..
من عينيكِ :
بفضلة كُحل الأجفان ..
من خصرك ِ :
بشمّ وردة السرّة
ومن جنّتك ِ :
بعطر التفّاحة المحرّمة )
حيث تلاحظ تنامي الجسارة في “القطف” التي تتصاعد من رائحة القميص رمزا لزهور الصدر إلى عطر تفّاحة الجنة المحرّمة تعبيرا عن قضم تفاحة الجسد الأنثوي بأكملها . ثم يتحدثون عن النزوع المتأبّد لدى يحيى “المسكين” إلى الحب الصوفي والروحاني ! . جنّته تذكّرنا بجنة أبي العلاء في “رسالة الغفران” .
# عودة :
———–
.. وفي المقطع الخامس والستين يقتبس يحيى إشاريا من الآية 180 من سورة الأعراف :
(ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يُلحدون في اسمائه سيُجزون ما كانوا يعلمون)
أو من الآية 110 من سورة الإسراء مادام التعبير المقتبس هو “الأسماء الحسنى” فقط :
(قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً )
حيث يختتم الشاعر هذا المقطع بالقول :
(أنت ِ أسمائي الحسنى
بعشبك ِ
سترتُ عورة صحاراي )
تصبح المعشوقة هنا أسماء يحيى الحسنى التي يُعرف بها وتُحدد من خلالها خصائصه وصفاته الخارقة والمتعالية . وطبعا هذا الإحساس يتم بالتداعي وبالارتباط الشرطي في الوقت ذاته الذي ينبثق في أذهاننا وفق ما نختزنه في ذاكرتنا ووجداننا من معان ترتبط بتعبير “الأسماء الحسنى” . لكن سيتضح بعد قليل أن في الأمر “لعبة” مخاتلة وأن الأسماء الحسنى لا تعود إلى الشاعر .
ولكن كيف وصل الشاعر إلى هذه “النتيجة” النهائية التي يعتبر فيها حبيبته أسماءه الحسنى ، وأن عشبها ستر عورة صحاراه ؟
لقد وصل إليها عبر خطوة سنعود إليها بطريقة “تراجعية” وليس وفق الطريقة “التقدمية” التي اتبعناها مع النصوص السابقة :
(أكانت أشجاري ستُثقل بالعناقيد
لولا عبوديتها لنهرك ؟ ) .
أي أن دور القوة المحيية أو “الإسم” المحيي يتصل بالحبيبة الأنثى في فعلها الخصبي الإنقاذي – هذا يعيدنا إلى الخطأ الذي وقع فيه الباحثون الإسطوريون بعدّهم دوموزي الإله البكّاء هو إله الخصب والمنقذ – فهي قوة الخصب والإنبعاث التي جعلت أشجار عمر الشاعر اليابسة الجرداء تثقل بالعناقيد والثمر . وهذا “ثواب” يكافىء إيمانه بنهرها وعبوديته لها .
ووصل إلى هذه الحقيقة من خلال خطوة “تمهيدية” سابقة أخرى أفصح فيها بلا تردد عن إيمانه بقوة اسمها وفعله المُعجز :
(إسمك مُعجز
كيفَ محا جميع الأسماء
من “سبّورة” ذاكرتي )
وقد جاء إقحام مفردة “سبّورة” مُضعفا لحدّة الصورة وتماسكها ، صورة خُطط لها كي تكون تعبيرا متعاليا وساميا لا تشوبه مصطلحات أرضية ، ومؤثرا على موضوعة “الأسماء الحسنى” اللاحقة . لقد استولى اسم المعشوقة على ساحة الأسماء في ذاكرته وتسيّد ، ولم يبق إلا هو . وفقدان القدرة على التسمية يعني فقدان الوجود وضياعه ، فالإنسان “إسم” ، ولم يكن ممكنا أن تبدأ عملية الخلق من الله سبحانه وتعالى إلا بالتسمية . والإسم الذي يمحو كل الأسماء هو الإسم الخالق والماحق ؛ هو سيّد الأسماء الحُسنى . وها هو اسم الحبيبة ، وبعد أن تربّع على عرش الأسماء ، يجعل حنجرة الشاعر وهي إداة إصدار تلك الاسماء – أداة فقط لأن الإسم يُصاغ في ظلمات اللاشعور و”يُخرج” في الشعور و”تُصوّت” خصائصه في الحنجرة – ، عارية مستباحة له حسب فقد جرّدها من أعظم مصادر قوّتها وهو تصويت “التسمية” ، ومن دون التسمية يكون الإنسان حيوانا أبكم ، فالإنسان ليس حيوانا ناطقا بهذا المعنى العام كما يقول الأخ أرسطو حسب ، فهناك حيوانات تم تعليمها نطق الكلمات ولو بحدود ، ولكنه حيوان لغوي “غائي” اي أنه ” حيوان يُسمّي” :
(حنجرتي عارية
إلّا
من ملاءته ) .
وعليه فتعبير الأسماء الحسنى ينطوي على التباس في الظاهر قد يربك صاحب القراءة السريعة . فهو ليس ليحيى . الحبيبة هي “الأسماء الحسنى” المحيية المصوّرة الرافعة الخافضة المانحة القابضة .. وما الشاعر إلا “عبدها” الذي يتنعم بعطاياها الوارفة المنعمة .

شاهد أيضاً

الصراع في رحلة البرزخ
مادونا عسكر/ لبنان

تتوجّه هذه القراءة نحو قصيدة “البرزخ” للشّاعر الفلسطينيّ كميل أبو حنيش، متّخذة من “البرزخ” والبرزخيّة …

د. وليد العرفي: تقنيَّات أسلوبيَّة في الومضة الشَّعريَّة

يُحاول الشاعر: شوقي مسلماني أن يُقدّم الشعر في إطار فلسفي يُوجّه سمت بوصلته إلى العقل …

الحركتان الخارجية والداخلية في قصة “صعلوك” لنازك ضمرة د. أفنان القاسم

التحليل سيقارب نقدي المنقود ليس تبعًا لما تقترحه المعاني التي تمتلئ به، لسبب بسيط ألا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *