ناطق خلوصي : قراءة في المنحى الفكري ــ السردي لفهد الأسدي؛ الرجوع الى حوار قديم

يقف القاص الكبير فهد الأسدي في الصف المتقدم لكتـّاب القصة في العراق . ومع انه يُحسب على جيل الستينات القصصي ، ألا انه يختلف مع العديد من توجهات أبناء هذا الجيل ، وتشي قراءة لمنحاه الفكري ــ السردي بهذا الإختلاف . كان فهد الأسدي مقلاّ، متأنيا ً في النشر . صدرت مجموعته القصصية الأولى ” عدن مضاع ” في عام 1969 وصدرت مجموعته القصصية  الثانية ” طيور السماء ”  عام  1976أما روايته ” الصليب حلب بن غريبة ” فقد صدرت عام 2008 ، أي بعد صدور مجموعته الأولي بأربعين سنة . ولاشك في أن الموهبة أو القدرة على الابداع لا تقاس بكم ما ينجزه المبدع وانما بنوعه ، لذلك ظل النوع شاغل الأسدي على حساب الكم .
يقول في المقدمة التي كتبها لـمجموعته ” عدن مضاع ”  : ” أحببت شعبي ، لذا لم أجد أصدق من أن أكتب عن تجاربي معه . ولعلـّي قد تعلقت بالحقيقة . وحتى اذا ما طفا على رغبتي هذه ما يوحي بالذاتية أحيانا ً.  فقد جاء ذلك بعضا ً من آثار خلـّفتها معركتي من أجل أن تنتصر البسمة على الجراح ، وأن يطل في تاريخ بلادي فجر يمسح تلك السلبية التي تترجم في بعض الأعمال الأدبية بذاتية تحكي ضياعها .. ان جراحي بعضٌ من جراحات الناس المحيطين بي .. ناس سلكوا الدروب التي سلكتها ، وعانقوا الخيبة التي عانقتها وحاصرهم قدر التاريخ الذي حاصرني …… ولذا فاسمحوا لي القول بأنني لا أرى أدبا ً سوى ما يحقق صلة الفرد بالوجود  وبالانسان أولا ً لأنه الألصق والأقرب . ويقيني انني في حبي هذا لا أخطىء الهدف  . ”
وكتب على الغلاف الأخير للمجموعة يقول عن نفسه ان ” الكتابة لديه عملية صحو مفاجىء ، تأخذ حدة الصراخ عندما يبلغ به كابوس التراكمات حد الاختناق .. لذا فهو لايؤمن بالفن المجرد ، ولا يقر مشروعية كون الأدب ترفا ً حضاريا ً . ”
يشخـّص الناقد فاضل ثامرأبرز ملامح المنحى الفكري / السردي لفهد الأسدي  في دراسته المعنونة ” علامات في طريق تطور القصة العراقية ” المنشورة في كتاب ” قصص عراقية معاصرة ” الذي أصدره مع الناقد ياسين النصير عام  1971 ، فيقول : ” ان فهد الأسدي قاص واع مؤمن بقضية الانسان والمستقبل ، وهو ينطلق في أقاصيصه وخاصة تلك التي قرأناها  في مجموعته الأولى ” عدن مضاع ” من رؤيا واضحة ، ومن منطلقات فكرية وفنية سليمة وبفهم ذكي للواقعية الجديدة وامكاناتها ، دونما سقوط في المباشرة والهتافية ، وبحب غامر للانسان والحياة . والقاص في جميع قصصه منحازالى قضية الانسان وهمومه وتطلعاته ، ولا يتهرب من مواجهة التناقضات بصراحة ومن طرح رؤياه الثورية للاحداث والمستقبل . “
ان من يتتبع المنحى الفكري ــ السردى الذي اعتمده ، من خلال ما نشره في مجموعتيه القصصيتين وروايته ، بشكل خاص ، سيجد أنه ظل أمينا ً على أفكاره  عبر مسيرته الابداعية التي امتدت لما يقرب من نصف قرن من الزمن : الأفكار التي أفصح عنها أيضا ً  في الحوارات التي أجريت معه ومنها الحوار/الوثيقة الذي نحن بصدده والذي يزيد عمره عن أربعين سنة.
تمتد جذور علاقتي الشخصية والأدبية به الى أوائل سبعينات الفرن العشرين . وفي مطلع العام 1972 ، اقترحت عليه أن أجري معه حوارا ً للصفحة الثقافية لطريق الشعب ( وكانت في الأشهر الأولى لصدورها العلني آنذاك ) ، فلم يتردد في القبول . لقد اخترت قوله  : ” البشرية تمجّد الأدب الذي يقف الى جانب معارك الانسان ” عنوانا ً للحوار الذي كان راضيا ً عنه . غير انه عاتبني معترضا ً لأنه وجد عنوانا ً فرعيا ًيقول ” لقاء مع الكلمة الشابة ” اجتهد محرر الصفحة بإضافته الى العنوان الذي اخترته . وكان محقا ً في اعتراضه إذ انه كان آنذاك صاحب تجربة قصصية تنضج وتترسخ بشكل متواصل وقدخلـّف مرحلة الشباب وراءه . ( لقد نُشر هذا الحوارفي الصفحة الثقافية لطريق الشعب في العدد 139 الصادر في3 / 2 / 1972  وقد غاب اسم المحاور عنه بسبب حرص الجريدة على المتعاونين معها آنذاك .)
****
     لقاء مع الكلمة الشابة
                         ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
    البشرية تمجّد الأدب الذي يقف الى جانب معارك الانسان

في ” طيور السماء ” و ” نهر الجنوب ” وقصصه الأخرى لا يبتعد فهد الأسدي عن الواقع الذي يعيشه ، ومن هذا الواقع يحسن اختيار شخصياته ، يطرحها مثقلة بهموم القهر الطبقي ومحمّلة ايضا ًبتطلعاتها لدحر هذا القهر وكل اشكال الظلم . ولأن فهد الأسدي قاص واع مؤمن بقضية الانسان والمستقبل ، كما يقول عنه الناقد فاضل ثامر ، فانه ينحاز الى هذه القضية انحيازا ً كاملا ً ويوظف طاقته الابداعية لتأكيد هذا الانحياز . هنا في هذا اللقاء يحدثنا فهد الأسدي عن علاقته بالقصة الستينية وموقفه النقدي منها . يحدثنا أيضا ً عن ” حلب بن غريبة ” بطل قصته ” طيور السماء ” التي كان مفررا ً أن تـُعد كفيلم سينمائي ، ولسبب غير معلوم صُرف النظر عن ذلك . ولنبدأ من علاقته بالقصة الستينية .
ــ  أنت بدأت الكتابة في الستينات ، وقد ارتبط اسمك بجيل تلك الفترة ، فما تقييمك الآن للقصة الستينية ؟
ــ الواقع مادة الكاتب ولذا حين استلم القاص الستيني ــ مع بعض التحفظ ــ واقعا ً مضطربا ً نتيجة للانتكاسات التي رافقت عملية التحول الثوري عندنا ، لم يستطع استيعاب هذا الواقع استيعابا ً كاملا ً . لقد فتح عينه على شاشة مشوهة نتيجة لكونه برجوازيا ً صغيرا ً في تفكيره وواقعه الطبقي من جهة ، ونتيجة لخيبة الأمل التي شكـّلها ذلك الاحباط في نفسه ، في مواجهة ذلك الواقع المستلب المضطرب ، احتمى الستيني في شرنقته . تصوّرَ  انه قطب العالم ، تجري الأحداث على قرنيه وحده . كان نكوصيا ً لقي ضالته في الفلسفات الفردية فجعلها بديلا ً عن الثورة ، أفرغ أزمته من خلالها واستعاض  عن الواقع الذي لم يهضمه بالثقافة لذا سقطت تجربته في التجريد . ان الثقافة المكتبية وحدها لا تجعل من الكاتب قاصا ً ، فالقاص مثقف وفنان معا ً ، والفن لا يولد عنده الا من المزاوجة بين الخبرة والواقع . من هنا جاءت القصة الستينية في بدايتها مضطربة ، تعيش حالة فصام كامل مع الجماهير التي توجهت لها . ان تعقيّدها الفكري جرّها  الى تعقيد فني أيضا ً . كانت  اصواتها الأولى انشائية  ، تجريبية تختنق داخل أنابيق الشكلية . ولذا فقد ولدت أعمالها قسرية مجهضة ، ولم تكن تلك الأعمال قصصا ً ، ولكنها مشاريع تبحث عن قصاصين . أما عن ارتباط اسمي بجيل تلك الفترة فهو قدر تاريخي لا أكثر ، إذ انني ضمن تيار له تشكـّل خاص في تلك الفترة .. تيار كان غرور المراهقة الفكرية يتهمه بالتخلف بحجة انه يكتب عن هموم البسطاء !!
ــ بدأت القصة تتعامل مع الواقع من جديد ، وتطرح نماذج انسانية مثقلة بالهموم والتطلعات . فما هي توقعاتك لمستقبل هذا الاتجاه ؟
ــ منذ البدء كان الى جانب التيار التجريبي في القصة الستينية تيار واقعي يتعامل مع الواقع ويطرح نماذج انسانية فيها رائحة الطين العراقي الا ان صوته كان يختنق في طوفان الكلمات والمانشيتات ( حيث استعار فرسانها ــ لسهولة النشر ــ سياسة الدمبنك ( ألإغراق ) من الاقتصاد وطبّقوها على الأدب ) . ولكن نتيجة لوضوح منظور الواقع بشكل افضل نتيجة لافلاس البرجوازية في تعبئة الجماهير أثناء هزيمة حزيران وانحسار ضبابية فكرها ، هذا من جهة ، ونتيجة للدرس القاسي الذي تلقته القصة الستينية من احباطاتها ، ولظهور دراسات نقدية موضوعية من جهة أخرى ، تأكد التيار الواقعي الذي يطرح الشخصية الانسانية من زاوية كونها موضوعا ً ، لا ذات فحسب ، من كونها جسرا ً لهموم الآخرين لا جزيرة منعزلة عنهم . ولأن البشرية تمجّد الأدب الذي يقف الى جانب معارك الانسان ، فالمستقبل حتما ً لهذا المسار . هذه التفاؤلية ليست هيّنة ، إذ تجيء من تلك الحتمية ، ومن مراقبة الواقع الأدبي اليوم ونحن نشهد انحسار تلك الموجة التجريبية وتخلّي فرسانها عنها الى الصمت، أو الى التحول الى مواقع جديدة . ان المسار للأدب الذي لا يعنى بالباروكية ، ولا يحتمي خلف الصور المنحوتة والحذلقة اللفظية ، لا يساوي بين الانسان والكرسي ،  ولا يضبّب الوعي . ان أدبا ً يجعل من العذابات الانسانية عذابات ميتافيزيقية ، لا صلة لها بعملية  الاستلاب والاستغلال التي تجري في ساحة الواقع ، لهو أدب ديماغوغي منحاز الى أعداء الانسان  أو على الأقل فهو أدب ينقصه الوعي . ان النيّات الطيبة وحدها لا تكفي .
ــ  طرحت شخصية  ” حلب بن غريبة ” في قصة ” طيور السماء ” فماذا كنت تطمح أن تجد في هذا النموذج ؟
ــ قيل : من المأساة ينبع الأمل .. ومن الكوميديا ينبع اليأس . شخصية حلب شخصية العبد الذي لم يحاول تجاوز عبوديته فقتلته ــ ومن وراء هذه المأساة أردت أن أفجّر انتفاضة الحر حين يحس العالم اعتدائيا ً مزوّرا ً ولذا جاءت شخصية الفلاح عواد ( المطروحة في القصة المعدة للسينما وغير المنشورة ) تجسيدا ً للأمل ينبع من تلك المأساة  . حلب ذلك الانسان الأسود ما زال في بعض البيوت الكبيرة ضحية العلاقات البطرياركية . لقد حررت الثورة الفلاح ولكن الوعي الثوري لم يصل الى طبقة من السود ما زالت أسيرة اخلاصها الغبي لتلك العلاقات . طبقة لم تعرف الهداية من البداية . تخاف من حريتها . وحين أظل أبصر انسانا ً عبدا ً لا يمكن أن استمتع بحريتي . من هنا جاء طموحي في أن تكون ماساة حلب صرخة تفزز النيام . ولكي تنتصر الحرية ينبغي أن نربي الانسان الحر ، مثلما تتجسد الاشتراكية في الانسان الاشتراكي فقط .
ــ لماذا لم  ينفذ السيناريو الذي أعدّه عباس الشلاه عن حلب بن غريبة ؟
ــ أحيل هذا السؤال أصلا ً على المؤسسة العامة للسينما . في البداية كان النشاط محموما ً لتلقف قصة حلب . ما كتبته الصحف وقتها ، وما قاله النقاد عن القصة ، والمبادرات الطيبة التي لمسناها من بعض الفنانين والفنانات ( لقد تبرع البعض بالتمثيل مجانا ً ) الى جانب ترحيب مسؤولي المصلحة وقتها ، شجعنا أنا والأخ عباس الشلاه على مواصلة التعب والجهد في تعميق القصة والحوار وإعداد السيناريو . أذكر مقطعا ً من تقرير المستشار الفني الاستاذ يوسف العاني عن العمل :” ان القصة قاعدة صلبة لبناء فيلم تفخر به السينما العراقية بعد سلسلة من النكسات التي منيت بها . ” وطالب المصلحة وقتها ألا تبخل في تهيئة كادر فني لاخراج هذا العمل . وكنا وقتها قد أوسعنا الصدور لكل ملاحظة تسهم في إغناء وتعميق موضوع الفيلم وسار المركب تحت رياح مواتية ثم فعلت فعلها الرياح المضادة ووضعت المعوقات .. فتوقف العمل . وهذه المسألة لا أناقشها لأنها خاضعة لرؤية المؤسسة وإن كنت أطمح طموحا ً مشروعا ً في أن تكون رؤية موضوعية ويشاركني في هذا الطموح كل كتابات الصحف عن الموضوع . لم أكن متفائلا ً كثيرا ً على مستقبل قصتي في يد سينما ناشئة مع احترامي لبعض الوجوه   الفنية فيها ــ ألا انني حاولت اثبات ان هناك قصة عراقية لمن ألقوا وزر تخلف السينما عندنا على غياب النص . لقد استطاعت السينما المصرية أن تنتج فيلما ً جيدا ً من قصة ” وجفت الأمطار ” للطوخي والتي لم تكن تتجاوز الثلاث صفحات .
ــ أعلن مؤخرا ً عن قرب تنفيذ ستة أفلام روائية عراقية . هل تعلـّق بشيء ؟
ــ  أتمنى أن تتجاوز السينما عندنا سلسلة مصاعبها أو تتخطى ــ في هذه المشاريع ــ الى مساحات أكثر اشراقا ً . ولا يهمني أن تختار لي أو لزملائي الآخرين . أمنيتي فقط أن أصفق يوما ً لفيلم عراقي . .. فهل …. ؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.