نجات حميد أحمد : بنية الفعل اللاتوافقي؛ التجديد الشعري بوصفه قيمة فعلية لاتوافقية – تراجيدية في الشعر العراقي المعاصر(2/الأخيرة)

najat hamid ahmadsargon  2من تسع جمل مركبة وجمل بسيطة تجاوزت الاْفعال التراجيدية الاْختلافية والنافية لحالات معينة سبع جمل متتالية,فهنالك فعلان فقط بين هذه الجمل تنفي النافية نفسها,وهما شروق النجم ونوم الجدول ,وبالرغم من وقعهما المؤثر فاْنهما الاْشراقتان اللغويتان للتعبير ,من حيث كمال الجملة ووقعها.
جميع الاْفعال تنتج الحالة القلقة والتراجيدية والماْساوية,وجميعها تجسد حالة من عدم الرضى والشكوى,وجميعها اْستخدمت من اْجل اْبعاد اْخرى للمعنى كما نبينها :-
الجدول والوميض والقلب والنجم والفؤاد هي كلمات ومسميات لها قيمتها الرومانسية والحسية والنفسية التي تمتلك ذوات الاْنسان  ورؤيته,اْي اْن جميع هذه الاْفعال هي اْفعال تنتج المفارقة واللاتوافق ,تخرجنا من اْستقبالنا العادي للمعنى,اْنها كينونات لها وظائفها اْدوارها في الوقع الحسي والعاطفي للاْنسان,اْلا اْنها تغيرت من اْفعال تبعث البهجة والسلوان والحب في نفوس الاْنسان,الى اْفعال تنتج الحرمان والشوق وعدم الرضى والقلق القاتل,اْي اْنها تدهشنا وتخرجنا من طبيعتنا في فهم اللغة albaiati 3والمعنى,وتشتتنا بين الاْختيارات من اْجل خلق المفارقة الفعلية في رؤيتنا,هذه هي الشعرية التي تحرك اللغة من وضع مستقر الى وضع متحرك,تغير من كينونة وطبيعة المعاني وطبيعة الاْشياء بواسطة القوة البلاغية والوصفية والفعلية,فكلها سخرت من اْجل اْخراجنا عن قبولنا البسيط للاْشياء لكي نكون اْكثر حساسية واْكثر تعاطفا واْكثر شوقا وقلقا اْزاءها.اْي اْحداث المفارقة التراجيدية في نفوسنا,ولهذ جاءت الجملة الشعرية غزيرة ومتشعبة,
في قصيدة(مرثية الى الظلام) تقول نازك الملائكة :

لاحتِ الظلمةُ في الأفْق السحيقِ
وانتهى اليومُ الغريبُ
ومضت أصداؤه نحو كهوفِ الذكرياتِ
وغدًا تمضي كما كانت حياتي
شفةٌ ظمأى وكوبُ
عكست أعماقُهُ لونَ الرحيقِ
وإِذا ما لمستْهُ شفتايا
لم تجدْ من لذّةِ الذكرى بقايا
لم تجد حتى بقايا
انتهى اليومُ الغريبُ
انتهى وانتحبتْ حتى الذنوبُ
وبكتْ حتى حماقاتي التي سمّيتُها
ذكرياتي

في جملها نستمد قوة تراجيدية وماْساوية تسبر اْعماقنا وكاْنها تريد اْن تلصق السويداء والظلمة في النفوس,نلاحظ ومن الجملة الاْولى باْنها تحاول تقديم وصف وتسمية للاْشياء بسمة تراجيدية وماْساوية عميقة,فلنصنف هذا البعد التراجيدي للاْقعال التصادمية الاْختلافية في هذا المقطع:
الظلمة…..لاحت
الاْفق….سحيق
اليوم…غريب,,,,اْنتهى
اْصداءه…..مضت
الغد والحياة…تمضيان
شفة…..ظماْى
في الكوب…لم تجد لذة
الذكريات…لم تيقى
اليوم…غريب..اْنتهى
الذنوب… واْنتحبت…اْنتهى
حماقاتي…بكت
لانجد في كل تلك الاْنواع من الوصف والتسميات العديدة في القصيدة جمل تنافرية مع النسق المعنوي ومن حيث التكوين المعنوي والنسق الشكلي للمعنى,اْن القصيدة تنتج وبغزارة البعد التراجيدي والغير طبيعي للوصف ولتحديد الحالات,فلا تنافر ولا اْصطدام رجعي للمعنى,هذه البنية الاْسلوبية هيمنت على هذه اللغة وعلى رؤية الشاعرة فما كان منها الا اْن تستمر في حبكتها اللغوية والاْسلوبية باْتجاه خلق بعد ماْساوي للكلمة,ففي 11 جملة مركبة وفردية ,هنالك 11 جملة كاملة من حيث المعنى,مغطاة بسمة تراجيدية واْختلافية بارزة .ونكاد لا نرى جملة واحدة مستقلة عن هذا البعد التراجيدي والاْختلافي اللاتوافقي في هذا المقطع,وجميع الجمل الفعلية والوصفية والتشبيهية والخبرية,تعبر عن مركزية للفكر وتحاورية في الاْختلاف,وتشابكية في رؤية الاْشياء,ونافية للتوافق تمضيان للاْبعاد التي نتعامل معها في حياتنا الاْدبية,مثل(الظلمة. سحيق, غريب, اْنتهى, مضت, ظماْى, لم تجد. لم تيقى, غريب. ْنتهى,
اْنتحبت, اْنتهى, الذنوب, ْنتحبت, اْنتهى, بكت),جميع هذه الكلمات تجمع بينهما علاقات ترابطية عميقة في صفاتها وتكوينها المعنوي,فهي تعبر عن حالات عدم الاْستقرار ورؤية الاْشياء من الجانب الدرامي والتراجيدي ,فالشاعرة لها خيارات عديدة لتحديد ماهية الكلمة والخيارات مفتوحة اْمامها لتحديد نوعية الشكل التنسيقي والتنظيمي  للكلمات,ببعد واحد اْواْبعاد متنوعة من المعنى التكوينى لها وفي اْستخداماتها في التعبير الشعري ,فمثلا كيف نصف الظلمة ؟اْو الاْفق؟ من المكن وصف اْو تحديد الكلمات بخيارات عديدة للتعبير ولتكوين الجملة مثل:
الظلمة…تشبه البحار,التي تغني,,الناعمة,,المتورقة…الشفافة…الخ
الاْفق…الراقص..الاْبيض…السكران…الولهان…الجميل..المتورد…الخ
هذه فرضيات تعبيرية تبين اْلاْمكانية الهائلة لدى الاْنسان الشاعر من رؤية الاْشياء في حالات واْوضاع مختلفة,والى صياغة الجمل باْبعاد مختلفة الى ما لانهاية,بغض النظر عن الحقيقة التي نتعامل معها وهي اْن كل مقطع شعري,اْم قصيدة ما,اْنما تعبر عن فكرة اْجمالية لبنية المعنى,لتغطية المعنى الخفي لها.اْى اْن تكوين الكلمات واْختيارها تقع تحت طائلة رؤية الشاعر للاْشياء ,وهي عبارة عن فهم الاْشياء وكيفية التعبير عن العلاقات فيما بينها.
Adnan aswadويكتب الشاعر عدنان الصائغ في قصيدته(العبور الى المنفى)
أنينُ القطارِ يثيرُ شجنَ الأنفاقْ
هادراً على سكةِ الذكرياتِ الطويلة
وأنا مسمّرٌ إلى النافذةِ
بنصفِ قلب
تاركاً نصفَهَ الآخرَ على الطاولة
يلعبُ البوكرَ مع فتاةٍ حسيرةِ الفخذين
تسألني بألمٍ وذهول
لماذا أصابعي متهرئة
كخشب التوابيت المستهلكة
وعجولة كأنها تخشى ألاّ تمسك شيئاً
فأحدّثها عن الوطن
واللافتات
والاستعمار
وأمجاد الأمة
جوهر البعد الدلالي في هذا المقطع يتواجد في الكلمات والجمل الاْخيرة(فاْحدثها عن الوطن,واللافتات,والاْستعمار,واْمجاد الاْمة) فهي تنتج كل الاْفعال النافية والتراجيدية للجملة الفعلية,اْعتقد اْن هذه السطور فيها خروج عن هيمنة وسلطة البعد الاْختلافي والتنافري للفعل التراجيدي,اْنها مهدت السبيل للشاعر في تصوير عالم ذاتي متهرىْ ,وواقع اْنساني ماْساوي,فهي تظل محايدة في بنية المعنى وتسند جميع تاْثيراتها التراجيدية والاْختلافية للجمل التي تسبقه,اْن هذا النمط من التعبير الشعري هو نمط سائد في الشعر العراقي والاْوروبي بشكل عام,عندما يكدس الاشاعر جملة من الاْوضاع والحالات التراجيدية,اْو المعيشية اْو النفسية اْو حالات اْنبهارية وذاتية,يبقي القارىْ مرتبطا بتطور المعنى وينتظر اْنتهاء المعنى لهذه الاْوضاع ,ففي الجمل الاْخيرة تكون المفارقة قوية على نفس القارىْ عندما يقراْ جملة اْعطت كل قوتها للجمل السابقة وكاْن وضيفتها تركز على توفير جو اْنشراحي واْنتعاشي للقارىْ بدفعه للاْستشعار بالمفارقة و بجمل من الممكن وصفها بجمل محايدة اْزاء الفعل الاْختلافي,وفي المقطع هذا جاءت كل الاْفعال التراجيدية الاْختلافية واْنتهت مع هذه الكلمات والجمل ,كما نبينها هنا:-
القطار……..يئن
الاْنفاق……لها اْشجان
الذكريات….سكة طويلة
اْنا…….بنصف قلب
اْنا……نصف قلبي فوق الطاولة
فتاة…..حسيرة الفخذين
الفتاة…تساْل باْلم وذهول
اْصابعي…..متهرئة
الخشب….توابيت مستهلكة
عجولة…كاْنها تخشى
عجولة…لا تمسك شيئا
من المستغرب اْن نجد 11 جملة شعرية تراجيدية ولاتوافقية من اْصل 14 جملة شعرية,اْنها عبارة عن رؤية الاْشياء من الجانب الذي يقسو علينا ويدعونا لمشاركته في الاْحساس باللحظات التي لا يكون الاْنسان في وضع غير ماْساوي وغير تراجيدي وغير طبيعي,اْنها اْوضاع لا يحس الاْنسان فيها برؤية تتخللها التفاؤل والاْطمئنان,بل تنتج وباْسهاب لحظات من القلق الدائم والتراجيديا المفتوحة دائما على الاْلم والندم.فكل هذه الجمل والكلمات تجمع بينهما صلات دلالية بنيوية توجه الشعر الى منحى معين ,موحدة الرؤية والفكرة,((يئن,اْشجان طويل,نصف قلب,حسيرة الفخذين,اْلم ,ذهول,توابيت,مستهلكة,متهرئة,تخشى,لا تمسك شيئا,,,) كلها اْفعال تخرج الاْشياء والاْحساس,والرؤية والذات من طورها الطبيعي,
في قصيدته(العاصية) يقول حسين مردان:

” أظلم أنواع العذاب انتقال الشهوة من العصب الى الرأس … ”
يا ابنة النار واللظى والضرام ِ
قد سرى الحب صارخا في عظامي
فالصقي صدرك الكبير بصدري
ودعينا في نشوة الأحلام ِ
أنت مسكينة ٌ لقد خدّروها
بحديث الخيال والأوهام ِ
نحن إن لفـّـنا الردى واحتوانا
بين أحضانه ظلام الرّجام ِ
لن تعود الحياة يوما إلينا
بعد أن يعبث البـِلى بالعظام ِ
بداْ مقطعه الشعري بفعل حسي بايوفيزكي وهو( اْنتقال الشهوة من العصب الى الراْس) اْنه فعل مفارقة ديناميكية وخبر تخيري.تعبر عن حركة الغريزة لدى الاْنسان,الا اْنها اْظلم اْنواع العذاب! من البديهي اْن العذاب هنا هو عذاب وجودي وخلقي اْكثر منه عذابا فعليا ,اْنه يتطلب فعل له قوة التحيد كما اْنه بحاجة ملحة لفعل الفعل,نقصد من وراء ذلك اْن هذه الجملة لم تحتمل موقفا فعليا معينا بل اْصبحت الجملة التي جاءت تمتدد الى جميع الجمل الاْخرى لتجسيدها كمعنى ترابطي للتعبير وللبنية الدلالية,فهي جملة جامعة,لها القدرة على خلق الجمل ,فاْتت الجمل الاْخرى كتفصيلات فعلية من الوصف والبلاغة والتسمية وهي تنسج علاقات بنيوية مع هذه الجملة ,فجاءت القصيدة خارجة عن التنظيم السائد الذي اْشرنا اليه سابقا عندما تتوالى الجمل الاْولية للشعر لتعبر عن كينونتها المعنوية في الضربة الفعلية الاْندهاشية الاْخيرة للشعر,وحسبها كسابقاتها التي اْحتوت على صدمات حسية تراجيدية كما نبينها هنا فاْنها تعبر عن حالات تراجيدية اْكثر من اْحتوائها على اللحظات السعيدة للاْنسان ولهذا اْصبحت القصيدة مليئة بالجمل الفعلية التراجيدية كم نبينها هنا:
العذاب….اْظلمه
اْبنة…..النار واللظىوالضرام
الحب….سرى صارخا
اْنت …..مسكينة خدروها
الحديث…خيال واْوهام
نحن ….لفنا الردى
احظانه…فيها ظلام الرجام
الحياة…..لن تعود اْلينا
البلى…يعبث بالعظام
كسابقاتها من الاْمثلة المتقدمة اْحتوى المقطع على تسع جمل بسيطة ومركبة تعبر جميعها عن حالات سوداوية وتراجيدية للذات الغير مطمئنة في وجودها وحالاتها النفسية والعقلية ,فلم يكن بالاْمكان اْستحظار هذه الحالات النفسية دون اللجوء الى كلمات وتسميات ووصوفات لها قيمة تراجيدية وماْساوية,ليكون الشعر هذه التشابكات الفعلية الاْختلافية كونها تحتاج دائما الى اْن تكون لها جمل مضادة من حيث تركيبتها المعنوية والدلالية ولتكون في الاْخير بنية للشعر توجه المعنى الى وجهة دلالية معينة.
وفي قصيدته (الناجي) يقول سركون بولص :-
الناجي
قاموسُ الندى، مُعجَمُ الأنداء الساقطة
عبرَ الأفق المجَمَّرِعلى وجهي: أنا قَيلولة ذاتي.
أنا ظهيرةُ أيّامي. أنا لستُ سوى هذه الصفحة المحترقة بنظرتي.
الريحُ وحُنجرتي: أنا من يُنادي بين سارية المستقبل، وراية
الماضي.
أنا العَبدُ. أنا العاجز، بعُكّازينِ تحتَ إبطيَّ أعرجُ نحو المنتهى
يتبعني الموتُ بأرجُلِ عنزةٍ سوداء.
يتركز سركون على تقديم الذات المختلف عن صورها المتعددة,النفسية العقلية والفكرية واْيضا الفلسفية,فالذات هنا هي في حالة تفعيلية ,وبما اْن الفعل الذاتي في وصفها اللاتوافقي هي في الاْساس بحث تاْملي وفلسفي ,فقد جاء الاْختلاف كعبارة شعرية وصفية تعبر عن حللات نفسية وغقلية وفلسفية تراجيدية,داهمت الوصف كسيل من الاْستغراب النفسي,اْنها تشبه صدمة ذاتية وكقراءة ذاتية لما نكون وما سنكون,وما كنا,الذات التي تتشطر في الزمان وتمنع صورة وصفية محددة للذات,فكيف يرى الذات؟
1-الاْنداء……(.كرمزلعلاقة الذات بالزمن ) …..تسقط
2-الاْفق……..مجمر
3-اْنا ………صفحة محترقة
4-اْنا ………اْنادي بين المستقبل والماضي
5-اْنا سارية…….ينادي بالاْنتهاء
6-اْنا …….العبد
7-اْنا ……..العاجز
8-اْنا………اْبطىْ
9-اْنا ……اْعرج
10- اْنا…..يتبعني الموت.
كما نلاحظ ,جاءت اللغة كمساحة مفتوحة اْما التدفق التراجيدي للعبارات الشعرية’الذات الضائعة المشلولة,الذات المسافر بين الحقب والاْزمنة,الذات القلقة العاجزة .الذات التي تنادي باْنتهاء كل ما يربطها بالزمن والمكان وكاْنه يرمز الى الريح اْو الماء,لا تمتلك قوة البقاء اْمام سيل من الاْختلافات في الرؤية مع ما تالفنا معه وما نعيش فيه وما نفكر فيه,ودعوة للاْنتهاء والموت المحتم التي لا تراجع فيه ولا تردد.تمكن الشاعر من خلال هذه البنية المعنوية الفلسفية والفكرية التعبير عن حالة القنوط ,فكل الاْفعال الشعرية تترابط مع البعد التراجيدي .
khazal almagidi 2يكتب الشاعر خزعل الماجدي في قصيدة( ما جدواي….!)
ما جدوى يدي
إذا لم تستطع منع الكارثةِ؟
ما جدوى كتبي
إذا كانت صامتةً إلى هذا الحد؟
ما جدواي
إذا لم استطع إعادة ولدي؟
ماجدوانا ؟
يتكاثر في أعماقنا الوجع بلا حدود
ويتصاعد أنيننا مع الصلوات
شوكٌ يملأ أفواهنا
وسمٌّ يجري في دمنا
عربات الميّتين تجري في شوارعنا
ومواكب النادبات لا تنتهي
وغصون يابسة تتكسر في أكبادنا
العصافير تضحكُ منا
والكلاب تنبح علينا
وعيون القطط تعاتبنا وتقول: متى تشبعون من الموت؟
يتمازج الشعر مع اْظلم واْحلك لحظات التراجيديا.وبالرغم من الجانب التعنيفي الكبيرالذي ينتجه اْلتراجيديا,ظل الشاعر في لغته ينطق شعرا وليس سردا نثريا تختفي فيه الفعل الشعري . واْن اْكثر الحالات التي تنتج القلق والاْلم الدفين,تجسد بنمط من اللغة وهو الشعر. نعني بذلك اْن الشعر كلغة وجودية ذاتية فيها قوة هائلة لاْنتاج شتى اْنواع الخطابات,واْن الخطاب الشعري وفي النهاية هو الذي سيملي الحالات الذهنية القلقة بشكل لغوي مختلف وباْسلوب لغوي تمتاز بصفة تعبيرية تسمى بالشعرية ,ولذلك لم تؤثر على لغة الشاعر معايشة اللحظة الدراماتيكية التراجيدية في لحظة الكتابة  اْلا وهي تطفو فوق مساحة من اللغة والفكر لصالح التعبير الشعري,وبعدها ساد الفعل الشعري كقيمة اْختلافية للكتابة الشعرية .فلنحلل البعد التراجيدي للفعل في هذا المقطع:-
اليد,,,,لا جدوى منه… اليد ….لا تستطيع منع الكارثة….الكتب….لا جدوى لها….الكتب ..صامتة الى حد كبير….هو…لا جدوى له,,هو لم يعد ولده,,,اْعماقنا …تتكاثر فيه الوجع..الوجع …بلا حدود…نحن..,يتصاعد اْنينا,,,اْفواهنا …مليْ بالاْشواك….دمنا يجري فيه السم….عربات…للميتين…..المواكب…للنادبات… المواكب لاتنتهي….الغصن…يابسة…اْكبادنا…تنكسر فيه الغصن ….نحن …تضحك منا العصافير…نحن …تنبح الكلاب علينا….نحن ..تعاتبنا عيون القطط…نحن …لانشبع من الموت.
من المستغرب اْن نقف على عشرين جملة اْختلافية تراجيدية للفعل في سبعة عشر سطرا وجمل اْقل من ذلك بكثير,,غطت مساحة اللغة الاْختلافية التراجيديا حتى فضاءات الفكر والذهن خارج اللغة المكتوبة,فجاءت اللغة عاجزة عن تحمل المزيد من هذه الاْفعال حيث تكاد اللغة تهرب من شدة الوقع التراجيدي في ذات الشاعر,,والجملة التي تحافظ على القوة التعبيرية للشعر وتمنع اللغة من الاْنزلاق الى خطاب يومي هي اْستخدام جملة(ما جدوى) فهي جملة تستوعب كافة الاْنماط والحالات الذهنية لحظة اْنتاج الفعل التراجيدي والماْساوي,وتنتج الشعرية بسلاسة وبغزارة,في اْطار السؤال الكبير ماذا نفعل هنا وكيف لنا اْن نكون اْنسانا,وما جدوى وجودنا,ونحن غارقون في حياة ماْلمة لاْن الاْنسان لم يبلغ بعد الى معرفة وجوده ولذلك فهو اْنسان يميل دائما الى تفريغ المعاني الاْنسانية والطبيعية لوجوده.
وهذا ما دفع بالشاعر الى تجسيد كلمات تراجيدية عميقة الوقع على اللغة من اْجل الحفاظ على التعبير الشعري والحفاظ على البعد الجمالي لهذه اللغة ,مثل(الكارثة, صامتة, الوجع, اْنيننا, الاْشواك, السم,اْلميتين, اْلنادبات, يابسة, الموت…الخ)
ويقول عبدالوهاب البياتي في قصيدة (عن موت طائر البحر)
في زمن المنشورات السرية
في مدن الثورات المغدورة
جيفارا العاشق في صفحات الكتب المشبوهة
يثوي مغموراً بالثلج و بالأزهار الورقية
قالت و ارتشفت فنجان القهوة في نهم
سقط الفنجان لقاع البئر المهجور
رأيت نوارس بحر الروم تعود
لترحل نحو مدار السرطان
و نحو الأنهار الأبعد
في أعمدة الصحف الصفراء
يبيع الجزارون لحوم الشعراء المنفيين
العّرافة قالت هذا زمن سقطت فيه الكتب
المشبوهة
و الفلسفة الجوفاء
دكاكين الواقين
طيورٌ ميتة
فتعالي نمارس موت طيور البحر الأخرى
فوق سرير الحب الممنوع
إنتحب في صمت فالليل طويلٌ
بالرغم من سعة فضاء الفراغات الموضوعية التي هي بحاجة الى التاْمل والاْنحناءة الذهنية,ظلت لغة الشعر تبث النفس التراجيدي في الجمل وتهيمن بشكل واسع على الدلالات الشعرية,وكاْنها متلازمة متقارنة للمعنى ,والتي بواسطتها يتمكن الشاعر من الحفاظ على الاْسلوب التوافقي لكتابة الشعر,ولتثبيت فكرة الفعل التراجيدي الاْختلافي,ليحول لغة الشعر الى  نوعين من الاْسلوب الشعري,اْولا اْحداث المفارقة الفعلية التراجيدية,ثانيا توازي الفعل الوصفي الحيادي اْزاء الفعل التراجيدي الاْختلافي,فهي اْفعال من الممكن وصفها باْفعال توافقية وغير توافقية في بنية المعنى ودلالاتها,ومن الممكن ملاحطة كثرة هذه الاْفعال الحيادية للوصف في لغة الشعر ,الا اْننا وفي هذه المرحلة الاْولية من تحليلنا سنكتفي بتحديد الاْفعال الاْختلافية التراجيدية اللاتوافقية فقط حيث نحدد نسبة هذه الاْفعال فقط في هذا المقطع الشعري:-
منشورات…..سرية
ثورات….مغدورة
الكتب….المشبوهة
حيفارا….يثوي مغمورا
الفنجان….سقطت
البئر…مهجور
الاْنهار…الاْبعد
الصحف….صفراء
الشعراء….يباع لحومهم
الشعراء…منفيين
الزمن…سقطت فيه الكتب
الكتب…..مشبوهة
الفلسفة …..جوفاء
طيور…..ميتة
نحن…نمارس موت الطيور
البحر….الاْخرى
الحب….ممنزع
اْنا ….اْنتحي
الليل…طويل
كما نلاحظ ,ففي 19 سطرا,هنالك 19 جملة تعبر عن فعل تراجيدي اْختلافي غير توافقي,اْنها اْفعال لا تتوافق مع معرفتنا اوقبولنا العادي والماْلوف للاْشياء والحالات الاْنسانية,فجاءت كتعبير لاْفعال لا تلائم وتراثنا الذاتي والاْجتماغي في رؤية هذه الاْشياء ون وجهة نظر غير توافقية اْي اْختلافية,ويعني ذلك اْن لغة الشعر قد اْنقسمت بين نوعين من الفعل كتعبير وصفي,وهيمنت الاْفعال التي تعبر عن الحالة اللاتوافية والحالات تراجيدية للذات,فجاء الوصف الفعلي ,اْو الفعل الوصفي كترجمة رؤيوية لبعد مهيمن في المعنى.من اْجل الحفاظ على حبكة معنوية ذات بعد واحد في التعبير الشعري.
اْما الشاعر يحيى السماوي ,فيكتب في قصيدته(اْذلني حبي) :-
أذلّني حبي …
وجرحيَ الممتدُّ من جدائل النخل
إلى أرغفة الشعب ِ…
أذلّني حبي …
وحينما حاصرني البغاةُ ذات ليلة ٍ
عبرتُ سورَ الوطن ِالمعشوق ِ
زادي قلقي
وكوثري رعبي..
طوّفتُ في حرائق ِ الشرق ِ
وفي حدائق ِ الغرب ِ
وليس من صبح ٍ ومن صحب ِ
إلآ بقايا من رماد الدار ِ
من طين الفراتين على ثوبي..
اْن الحالة الموضوعية لهذا المقطع هي الحالة التي تعبر عن تجذير تراجيدي للاْنسان في اْرضه ومن ثم الحنين لها,بالطبع فاْن هذه الحالة هي حالة تراجيدية للاْنسان,وربما حالة تعثر واْنكسار في العيش في التاْملات الجمالية للفكر,الا اْن هذه الحالة وجدت نفسها في فضاء ذاتي ملئها الاْلم والماْساة واْن لغتها هي لغة غارقة في البعد التراجيدي,وتبقى الحالة الجمالية للذات ممتدة بين قضبان الاْلم والحنين,يعني ذلك اْن البعد الجمالي للشعر من الممكن التعبير عنها في فضاء قاس وتراجيدي,وليس فقط في حالات انشراحية وتلذذية من وجهة النظر التي تقول اْن التلذذ بالاْلم هو تلذذ غير جمالي,فلنحلل هذا النفس التراجيدي للفعل الاْختلافي كمفارقة نافية بين الفعل الوصفي التراجيدي
حبي…اْذلني
جرحي …ممتد
اْنا….حاصرني البغاة
الوطن…..مسور
زادي….قلقي
كوثري….رعبي
طوفت….في حرائق
الصبح…لا وجود له
الصحب…لا وجود لهم
الدار….اْصبح رمادا
الاْنسان الذي يحب يعيش كضحية لحبه,من هذا الفهم الاْولي يكتب الشاعر يوميات اْنسان لا مكان له ولا اْصدقاء ,وحيد في حياته وتنقلاته,يعني ذلك اْن الشاعر كان في داخله ميل لتصوير حالته كحالة تراجيدية ولا توافقية في كتابته,فهو يقتفي اْثر رجع الصدى النفسي لعزلة ذاتية قاسية ,ملئها الحنين الى المكان الاْولي,الذي جعله وبعد تركه اْنسانا يحس بالذلة وكره النفس,اْنها اْحاسيس سائدة ومستمرة كاْلم يدوم ,نقصد بذلك اْن اللغة الشعرية ومنذ السطر الاْول اْختيرت لتصبح لغة لا توافقية واْختلافية,فهي تخالف التعود والرضى والاْطمئنان,لا نجد في عباراتها اشارات متينة عن حالة الاْستقرار والتوافق,بل توغلت القصيدة في تجسيد عمق الاْلم لدى الشاعر,
يكتب الشاعر جان دمو في قصيدة( ساطع كصلاة صباحية )
النافذة مفتوحة ،
القلب مفتوح ،
السماء ، أيضا ، مفتوحة .
وهناك ، في مكان ما بعيدا ، تدور حرب .
حرب الكل ضد الكل .
حرب اللا أحد ضد لا أحد .
حرب اللاحرب .
أنسحقُ تحت وطأة الالغاز .
وأمام هذا الغسق الذي لم يعد
فاتنا كما كان ، تبحثُ ملائكة ذاكرتي عن الأرج الذي كان
يلعنها مرة .
نافذة موصدة :
قلب موصد ،
سماء موصدة :
هذه هي مخلفات الصيف .
افاق واسعة من الاْماكن والاْزمنة ظلت مفتوحة لاْستقبال الاْنشراح الذاتي والاْستقبال الجمالي للاْشياء ولكننا نصتدم بحدث الاْنسان وبقدرته الكبيرة على توجيه الاْحداث والاْشياء الى اْسواْ ما كان,اْن عبارة نحو الاْسواْ وليس نحو الاْحسن,كما ترجمتها هذه القصيدة هي في الاْساس اْختيار المؤثرات التي تجعلنا اْن نرى الاْشياء من وجهة نظر مختلفة وغير توافقية مع الذاكرة التي قد اختارت اْن تنسى وتتعايش مع حياتها وكاْن شيئا لم يحدث,فجاءت لغة الشعر غير محايدة في اْختيار الطرح الموضوعي,بل توغلت في منحى ماْساوي واْختلافي,ولذلك هيمنت لغة عدم التوافق مع ما الفنا العيش معها على الفكر والتاْمل,وربما الاْختلاف الجوهري في هذه اللغة الشعرية مع ما وردناه تكمن في محاصرة التراجيديا الاْختلافية في اْطار بعد تعبيري ممتد للغة الكتابة والاْبتعاد عن الجملة المباشرة,اْي اْن الفعل التراجيدي الاْختلافي قد اْصبحت اْفعال تعبيرية ورمزية بكثافة لم ناْلف معها بسهولة وهذا هو الاْختلاف,فلنبين الاْفعال التي تعبر عن هذا البعد الاْختلافي التراجيدي :
المكان…بعيد….المكان اْختلافي ونافية وغير توافقية مع القرب,
المكان…تدور الحرب فيه الحرب….المكان غير مظماْنة وامنة نافية للاْستقرار
الكل ضد الكل ………..الكل اْختلافي مع الكل مع الكل
الحرب…لا اْحد ضد لا اْحد…..غير توافقية مع حرب منهجي
الحرب …اللاحرب …..اْختلافية ونافية لحرب مبرر
الحرب…اْنسحق…….الحرب اْختلافي مع معاني النصر والتقديس
الحرب …له اْلغاز…..غير توافقي مع حرب معروفة الاْسباب
الغسق…. لم يعود …نافية واْختلافية مع اْستمرار بزوغه
الاْرج…كان ولم يبقى….نافية لبقاء الاْرج
ذاكرتي…يلعن…..اْختلافية وتوافقية لاْستقبال المكان
نافذة…موصدة….اْختلافية وغير توافقية مع النافذة التي تفتح
.القلب…..موصد……نافية وغير توافقية مع قلب مفتوح ومنشرح
سماء,,,,موصدة….. نافية وغير توافقية مع السماء التي تظل دائما مفتوحة
وبواسطة هذه التعابير الاْختلافية واللاتوافقية تنتج القصيدة معاني اْخرى وتخلق كلمات مبطنة وخفية اْخرى,كالوصف الفعلي المحدد للحرب,فاْن القصيدة تنتج معاني العبث والفوضى وعدم الرضى عن حياة تسيرها اْحداث ووقائع لا مبرر لها اْطلاقا.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.