د. محمد جاهين بدوي:تَجْرِبَةُ العِشْقِ وَالاغْتِرَابِ في ديوان ” قَلِيلُكِ لاَ كَثِيرُهُنَّ” ليحيى السماوي
دراسة تحليلية (الحلقة الثانية)

2- تجربة العشق الخالص ( الأنثوي ).
ولعلّ من أكثر النماذج مباشرة في هذا الباب وأنصعها وشايةً ودلالةً على تجربة العشق الأنثوي الخالص في ” قليلك لا كثيرهنّ ” قصيدة ” طَرَقْنَا بابَكُمْ فأجابَ صمتُ “، ففيها ما يدلّ على أن السماوي قد ” أنجدَ ” إنسِيًّا في غرامه وتهيامه هذه المرّة، وقد كان عهدنا بغرامه القديم أنه وطنيّ عراقيّ خالص، فها هو ذا يخفق قلبه مستهاما بذلك الحسن الملثّم، قد لوّح له بالريّ والسقيا، وهو من تقاذفته الفلوات صديان حيران، فإذا ذلك الحسن يُطمِعُ ثم يُيئسُ، ثم يولي محتجبا، كما تلوح زُهرُ الأمانيّ، فتنشرح لها مضمرات الصدور، وتنغرس بها شجيرات الحبور، ثم تولّي فلا تترك في النفس إلا الويل والثبور، وحُمَمًا من سعير، يقول:
تمكّنَتِ الصَّبَـابةُ من صًبُـورٍ على ما ليْـسَ تحملُهُ الجُسُـومُ
فَأضحَى يستغيثُ بطيْـفِ جفْنٍ وقَدْ مَطَلَـــتْهُ فاتنَةٌ ظَلُومُ
رأى فيها بـ” بَنْدَةَ ” خلفَ سترٍ صَبَاحًا خلفَ داجيةٍ يقيمُ
تَبَعثَــرَ جَمْـعُهُ واحتار قلبٌ وغادرَ ثغرَهُ الصَّــوْتُ الرخيمُ
وكادَ يَشُدُّ عَـنْ وَجْــهٍ نِقَابًا لِيُشْرِقَ مُشْمِسًا صُبْـــحٌ كريمُ
فَـ” بَنْدَةُ ” حين قابلها نعيمٌ وبَنْــــدَةُ ” حين فارقها جحيمُ
والأبيات – كما نرى – ترسم لنا على نحو وثائقي لوحة مشهدية تامة التكوين، واضحة التلوين، مصحوبة باعتراف صريح لشاعرنا بانهزامه وجدانيا أمام طوفان الصبابة، وأمواج الفتنة التي غشي قلبَه منها ما غشيه، وذلك إذْ رأى بِـسُوق” بَنْدَةَ ” ذلك الوجه الصباحيَّ تلوح تباشيره الزُّهْرُ من ثنايا نقاب صاحبته، وهو الداحي الكتوم، والحاجب الظلوم، فإذا الشاعر – وهو الصبور – يحمل من أثقال المواجيد ما تنوء بحمله جَسِيمَاتُ الجسوم، وتطيش من لذعه الحلوم، ويتبعثر جمعه بددا، ويحار قلبُه ولَهًا، وتحلّ عقدة لسانه، وقد ضاق صدره، فانطلق بيانُه بائحا بما أسرّه وتكتمه حتى أعياه الإسرار والكتمان، وكيف لا؟ وقد أرسلت إليه الصبابة رسولها الملثمة، تلك الفاتنة الظلوم الحسن، ببندة الرياض: طُوَى الإشراق والتجلّي، التي سرعان ما صارت بندةَ الوجد والوله والعذاب، وقد أفلت شموس المحبة، وأقمار الغرام مع الآفلين، وتبقى لشاعرنا مواجيده، وأحاديث نفسه، ونجوى فؤاده، وتلاوُمُ حواسّه وجوارحه، ومساءلة ذاته لذاته، فيقول:
وَعَاتَبَنِي فَـمـِي: أَيَجُــــوزُ قَتْلِي على عَطَشٍ.. وفي عِيدٍ أصُومُ ؟
فَدَعْنِي أَسْتَقِي مِنْ نَبْعِ شَهْدٍ لِيَعْسُــلَ فِي دَمِي صَابٌ صَمِيـمُ
وَكِــدْتُ أَقُولُ: لا نُسْــكًا ولَكِنْ مَخَافَـــةَ أَنْ يُقَـــــالَ فَـــمٌ ذَمِــيمُ
وَخَشْيَةَ أَنْ تَعِيشَ فَمًا طَرِيـدًا كَـ ” آدَمَ ” حِينَ أَغْوَاهُ الرَّجِـيـمُ

وشاعرنا ينوّع في الأبيات على موروثه الديني والروحي والثقافي في براعة استدعاءٍ لذلك الموروث، وقدرة على التوظيف الفني لافتة بثرائها الدلالي والإيحائي، ترى ذلك في عتاب فمه إياه: ” أيجوزُ قتلي على عَطَشٍ ؟ ” لما في ذلك من شديد النكاية، والإيغال في النكال، ولا يخفى ما في هذا التركيب من إشارة إيمائية لافتةٍ من طَرْفٍ خفيٍّ إلى ذلك التماهي الروحي الغائر بوجدان الشاعر بصورة الشهيد الحسين بن علي عليهما سحائب الرحمة والرضوان عندما قُتِّل هو وعياله ظماءً، والفراتُ يجري أمام أعينهم عذبا زلالا !، وذلك إمعانا من قاتليهم في الحقد والكراهية، والمثلة والنكال !.
وكذلك لا تخفى إشارته في عَجُزِ البيت حيث يقول: ” وفي عِيدٍ أصومُ ؟ ” وما فيها من توظيف جيد لما هو مقرر في الفقه الإسلامي من امتناع صوم التطوّع في يومي العيدين، إذ هما في المقام الأول يوما بَسْطٍ وبهجةٍ ومسرّة واستمتاع بالمباح من الملذّات في غير ما سرَفٍ ولا بطر، لا يَوْمَا قبضٍ وحرمان، وفي هذا الاستفهام الدهش المتعجب من فم الشاعر إياه ما يفيد مضاعفة أحزانه، وتكاثف حرمانه، وتواتر لواعجه وحرمانه.

ثم يطلب إليه ملحًّا ذلك الفمُ الظامئُ والروح الصديان أن يدعه ونبعَ الشهد يستقي منه مرتويا ناقعًا غُلّته، وقديم ظمئه الحسيّ والروحي، لكي تتحوّل المرارة المستكنّة في شرايينه إلى عسلٍ مصفَّى، وغير خافٍ ما في البيت من مقابلةٍ كاشفة على نحو بارع بين ما يراه الشاعر من موارد السقيا، ولذيذ الرحيق، وما يسكنه من ظمإٍ عتيق عريق، يجري منه مجرى الدم من العروق، وما بين هذين من منازعة النفس، ومغالبة الهوى، تصوّنًا وتعففا ومروءةً، وإن صاحبنا لموزّع النفس، مقسّم الفؤاد، يهمّ بالقول يدفعه الرجاء، فيمسكه الخوف، وتثنيه خشية الملام، ومخافة أن يحيا طريدا من جنة الهوى، وإن كان قد حُرِمَ الرِّيَّ من غدران لبنها وخمرها.
ولا يخفى ما في قوله: ” كآدمَ حين أغواه الرجيمُ ” من تلميح بديعي لطيف شفيف لمعنى قوله تعالى حكاية عن حال ” آدم ” عليه السلام إذ استزلّه الشيطان عما كان فيه هو وزوجه من سكنى الجنة: ” فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلَى * فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لهما سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ” . وشاعرنا يعلل بهذا التلميح سكوته عن البوح والإفضاء والجهر بطلب الري والسقيا، على مضض الصمت والظمأ، ولذع الكتمان وحرّ الجوى.
ثم يلتفت إلى أولئك الأحبة الساكني ضميره وفؤاده، وكأنهم قد شخصوا لعيانه مستعتبًا متحسِّرًا فيقول:

وَيَا أحْبَابَـــنَا لَوْ كَانَ يُجْـــدِي عِتَــــابٌ لا نْبَرى قَلْــبٌ هَضِيـمُ
تَحَصَّنَ بالجُنُــونِ لِدَرْءِ نُصْحٍ يَقُـــولُ بِهِ المجَـــرِّبُ والحكِيـــمُ
يَغَــصُّ يَرَاعُهُ لَوْ خَطَّ سَطْرًا لِغَيْرِكُــــمُ ويَجْـــــفُـــوهُ النَّعِيـــمُ
أَتُغْنِي الطَّيْرَ عَنْ غُصْنٍ نُقُوشٌ لِتُغْنِيَنَا عَنِ الوَصْلِ الرُّسُومُ؟

ومن الواضح في هذه الأبيات أن هذه التجربة الوجدانية أصيلة متجذرة في نفس الشاعر ووجدانه، وليست مجرد أصداء عابرة لتجربة موقوتةٍ، أو إعجاب آنيٍّ بصورة جمالية مسطحة لاحت له عبر بعض المجالي، ولكن هذه التجربة تكتسب مذاق خصوصيتها من خصوصية تجربة الشاعر الحياتية، ومأساته الوجودية عامةً، فالعشق بالنسبة لنفس الشاعر نفخة الروح في طينته، وابتعاثه طائرا غردا من رماد الحياة المهيل، ولكنّ شاعرنا حُرِمَ – مع حرمانه من نعمى القرار إلى صدر الوطن – الكثير من معاني السكينة وطمأنينة الفؤاد، وقرارة الوجدان، والسكنى إلى حضن الحبيبة على نحو تظلله وارفات الأمن والسلام، فأنى يعشق وهو المطارد في الأرض، مستطار النفس واللب والفؤاد، باحثًا عن ظلال فردوس مفقود يحمله بين جوانحه مهيضًا نازفا؟ وأنى تستقيم مذاهب العشق ومسالك الغرام، وتعذب كؤوسه وقداحه لمن هذا شأنه ونصيبه في الحياة؟!.
وإن هذا لهو المعنى الذي يقرره الشاعر في صراحة لذاعة ممضّة في نفس القصيدة حيث يكاشف الحبيبة ويكاشفنا ويكاشف نفسه بلباب هذه المأساة الوجودية، والمعضلة الوجدانية فيقول:
تَهَيَّمَــكُمْ.. ويَعْــــلَمُ أنَّ عِشْقًـا عَصِيَّ الوَصْـلِ “مَرْتَعُـهُ وَخِيمُ ”
ولعمري إن هذا لهو بيت القصيد، وإنه لهو صوت الضمير، وصوت الناصحين، ولكن المحب الواله عن الناصحين وأقوالهم في حصن حصين، فما هو بتارك حُبَّه، ونداءات قلبه، ليصغي لصوت العقل وعتابه، وإنه ليدّرع في ذلك بأشهى الجنون، مُطّرِحًا أقوال كل مجرب تُظَنُّ حكمته، مقررا في غير ما تردد أنه قد وَقَفَ شعره ولغته، وسعادة روحه على هؤلاء الأحبة، وكأن الفنَّ لا يكون إلا لهم، وكأن النعيم لا يكون إلا في محبتهم، وإن كانت المحبة ظامئة، ما تتجرّع إلا كؤوس الهجير، وأمانيَّ السراب العِذاب، وإن كانت كِذابًا !.
وإن شاعرنا لمقيمٌ على أمل الوصل الحقيقي، لا تلهيه عنه بعض مظاهره المخاتلة المنقوصة، حتى يستمتع من الحبيب بريِّ الروح وسقيا الفؤاد، وهل ترضى الطير عن أوطانها الحقيقية بديلا؟ وإن كانت بعض آيات الفن من بارعات النقش ورائقات التصاوير، وكذلك العاشق الوامق ما ينقع غُلّته من ليلاه أن يطوف بديارها، أو أن يتعلق ببعض رسومها، وإن كانت في النفس غاليةً عزيزة، ومتى أغنى الأثر عن العين؟!.
وفي البيت ” أَتُغْنِي الطيرَ.. ” استفهام تقريري رائع، ومقابلة بديعية بين حالي الطائر والشاعر لا تلهيهما المظاهر البراقة عن سواء العشق شيئا قليلا.
ثم يضرب شاعرنا السماوي على أوتار إحساسه بالفجيعة، وقد أيقظ العشق مأساته الوجودية، وهيّج كوامن أحزانه، وغافي لواعجه، فيسترسل في نشيده النشيج، أو نشيجه النشيد، فيقول:
فَجَائِــــعُــــــنـَا وَلُــــودَاتٌ.. وأَمَّــا مَسَرَّتُــــــنـَا فَغَانِيـــــــةٌ عَقِيـــمُ !
إذَا اصْطَبَحَ الفؤادُ بكأْسِ سَعْــدٍ فقَــدْ زَخَّـتْ بِمُغْتَـبِقٍ هُـمُـومُ
أَخَافُ علَـيَّ مِــنِّي.. إنَّ قَلْــــــبِي غَرِيــمِي في السَّكِينةِ والخَصِيمُ
تَهَيَّمَـــنكُمْ.. ويَعْــــلَمُ أنَّ عِشْقًـا عَصِـيَّ الوَصْـــلِ “مَرْتَعُـهُ وَخِيـــــمُ ”

وإن القارئ المتأمل للأبيات ليضع يديه على ميسم من أبرز المياسم الأسلوبية التي تميز شعر السماوي بصفة عامة، وتعدّ محورا تشكيليا مهمًّا ترتكز عليه آلياته وطرائقه التعبيرية في هذا الديوان بنوع خاص، ألا وهو مِيسَمُ ” المقابلة ” بوصفها مسلكًا تعبيريا وعنصرا تشكيليا أثيرا يوظّفه الشاعر – في براعة واقتدار فنيين – لينقل إلينا مدى ما يعتمل بوجدانه من إحساسٍ حادٍّ وعميق بالمفارقات في شتى صورها، ومتنوِّع مجاليها.
ترى ذلك في مقابلته البديعة بين ” فجَائعُنا وَلُودَاتٌ ” و ” مَسَرَّتُنا.. عَقِيمُ ” وما تشي به في الجملة الأولى من كثرة الفجائع وتنوّعِها، كما تنبئنا بذلك صيغة منتهى الجموع، تلك التي تعضّدها صيغة المبالغة بعدها ” وَلُودَاتٌ ” في حال تنكيرها وتنوينها وجمعها كتلك، وفي ذلك إشارةٌ إلى عظيم خطرها، وبعيد أثرها، وتناسلها وتكاثرها ذاتيًّا، وفيه كذلك تأكيدٌ لغائر جراحاته، وعميق آلامه، وهادر نزيفها.
ولْيُتَأمَّلْ في المقابل إفرادُهُ للمسرَّةِ، ووصفه إياها على التهكّم بأنها ” غَانيةٌ عَقِيمُ ” وما يفيده هذا الوصف للمسرّة بأن عليها مسحة من ملاحة ظاهرة، ولكنها ملاحة تفتقر إلى الخصب والقدرة الذاتية على التحقق والإثمار.
ثم يتبع شاعرنا عازفا على ذات النسق التقابلي بقصد تجلية المفارقات، وإبراز حديد حِدَّتِها، وأليم وخزها، وذلك عندما يقابل بين فعل ” الاصطباح ” ( شرب الغداة ) وما يلزم عنه دلاليا ببعديه الزمني والماديِّ من معنى الاستبشار والتفاؤل، وفعل ” الاغتباق ” ( شرب العشِيِّ ) وما يلزم عنه كذلك من إشارة إلى زمن الشرب ولوازمه الإشارية الدالة على الحلكة والكآبة الكابية، ولْيُلْحَظْ في نفس الوقت ما لابسَ هاتين الحالتين من ظواهر إسنادية، وسماتٍ تركيبية اكتنفتْ طرفي المقابلة على نحو يكشف عن خصوصية حالتي ” الاصطباح ” و ” الاغتباق “، فالاصطباح قرينٌ ” بكأسٍ سَعْدٍ ” حال كونها مفردة، وحال كون السَّعْدِ منكّرا، وفيه إشارة إلى كونه غريبًا منقوصًا، أما الاغتباق فترفده زَخًّا زَخًّا سحائبُ “الهموم” مجموعة متكاثفةً معرّفة لكونها معهودة مألوفة، وكأنها هي الأصل الأصيل في حياتنا !.
وإذن فهو يستشعر – كما نرى – ندرة سويعات الفرح الروحي الحقيقي، وقلة لُحَيْظَات السكينة وهدأة الوجدان، في مقابل تلك الكثرة الكاثرة المتكاثفة من هَوَامِّ الهموم، وغمائمِ الغموم، وهذا ما جعله – بإزاء هذه التجربة الوجدانية – يخاف على نفسه من نفسه، أو على نفسه من قلبه وصباباته، فقلبه ذاك هو الذي يحمِّلُ نفسَه ما يطيق وما لا يطيق من ألوان الصبابة، فيرهقه من أمره عُسْرًا، مضاعفًا آلامَه، ناكئًا جراحاته، مع استيقانه الآكد من استعصاء الوصل، وأليم العقبى.
وإنه على الرغم من كل ذلك ليستعذب في سبيل الهوى كل صنوف العذاب، مستلذًّا فيه آلامَه، مستزيدًا من لذع جمرها، وحرِّ نارها، وهذا هو قدر الشاعر العاشق أن يظلَّ مقيما على دين المحبة، وشرع الصبابة، مهما كابد في سبيلها من العنت واللأواء، واحتمل من مضاعف الكمد ومتكاثف الكبد، شأنه في ذلك شأن أئمّة العذريّين من الأوّلين، أو كبار المتصوفة الذين يستهلكون مهجهم وأرواحهم في سبيل عشقهم الأجلّ، ومواجيدهم الأجلى، وشعارهم في ذلك قول ابن الفارض:
وَتَعْذِيبُكُمْ عَذْبٌ لَدَيَّ وَجَوْرُكُمْ عليَّ بما يقضي الهوى لَكُمَ عَدْلُ
وإن ذلك لهو الموقف النفسي والشعوري الذي يختم به شاعرنا السماويّ هذه القصيدة في ضراعة المحب الوامق، إلى ذلك المحبوب الذي لما يزل عَصِيًّا قَصِيًّا، يقول:
وَأَقْنَعَنِي ” ابْنُ عُذْرَة ” أنَّ حُبًّا بِلاَ جَمْــرِ الصَّبابـــة لا يَــدُومُ
فَصِحْتُ بِهِ: ألا يا جَمْرُ زِدْ بِي حَرِيقَكَ.. واسْتَبِدِّي يَا هُمُــومُ
أَذُودُ عن الهَوَى بِنَزِيفِ رُوحٍ يُنَاصِبُ وَرْدَهَا شَـــوْكٌ أَثِيـمُ
وقَلَّدَنِي عَصَا التَّرْحَـــالِ رَمْـــلٌ لَهُ عِشْقَان طُهْرُ هَوًى وَ”رِيمُ”
فَيَا أحْبَــــابَ بَاقِي العُمْرِ هَــلاَّ تَضَاحِــكُ لَيْلَنَا مِنْكُــــمْ نُجُـــومُ
أَقِيـلُوا عَثْرَةَ الأَمْـــوَاج أَلْقَــــتْ بِنَا عَنْكُــمْ فَمِجْدَافِي هَشِيـــمُ

وما هذه الأبيات الختامية من القصيدة إلا ترجيعٌ نغميٌّ لموقف الشاعر النفسيِّ الذي يؤمن به، ويقيمُ عليه، يتساوق مع عامة موقفه الذي رأيناه منبثًّا في سائر تضاعيف القصيدة منذ أول عبارة تبدهنا منها، وهي عنوانها: ” طرقْنَا بابَكُمْ فأجاب صمتُ “، هذه العبارة التي تشي بأن ثمة فهلا – طرقًا – يحدوه أملٌ، ويسوقه رجاءٌ، فيأتيه الجوابُ، ولكنه جوابٌ معجم مبهم، لا يحمل في طياته صدًّا أو وُدًّا، ولا ينطوي على إطماعٍ أو إيئاسٍ، فليس هنالك من جوابٍ سوى الصمت المطبق الذي ينفتح بدوره على فضاءاتٍ من كل الاحتمالات الحبلى بالمزيد من السؤالات الظامئة إلى بَرد الريِّ، وقرة القرار.
وإذن فشاعرنا في هذه الأبيات يعيد علينا ما بدأه في صدر قصيدته، وما اشتملت عليه في متونها وحواشيها من ثباتٍ على ذات الموقف الوجداني، مستحضرًا في ذلك الموقف مقولات الشعراء العذريين من الأولين، لا على سبيل التعزّي والتسلِّي، وإنما على سبيل الاستعذاب والاستلذاذ والتأسِّي، فما ثَمَّ حب صادق كامل بغير ما ينشأ عنه من توابعه وآثاره، أو ما يكتنفه من لوازمه الواجبة من صبابةٍ وهيام، ولذع جمر الهوى، ما يهدأ ولا تنطفئ جذوته المستعرة في قلب المحب، وهل ثمَّ حبٌّ لرائعات الورود بغير صبرٍ على أثيم أشواكها، وشهيِّ كلومِها؟!، وهل ثَمَّ طريق للاستمتاع بلذيذ جَنَى النحل بدون تحمُّلٍ لأليم جناياته؟!.
وليس يفوت شاعرنا في خضمِّ هذا الانثيال العاطفيّ والوجداني الحميم أن يحترس نافيًا ما قد يثور ببعض الأذهان من رجيمات الظنون حول عِفّة هواه، وطهر محبته، فإذا هو يقرر أن الذي دفعه إلى الترحال في فيافي الحياة وقفارها، وقلّده عصاه ” رَمْلٌ له عشقان: طُهْرُ هَوَى و”رِيمُ “، ومن الواضح من وضع الشاعر كلمة “ريم” هكذا في هذا السياق بين علامتي تنصيص أنه يومئ من طرف خفيٍّ إلى البُعْدِ الإنسيّ للريم ها هنا، كأنما يلمّح بذلك إلى كون الكلمة علما على إنسانة بعينها، مستبعدًا كونها تلك الريم بنت الظبية التي مغناها هذا الرمل أو ذاك من البِيدِ والقفار، وهذا من جيِّد توظيف الشاعر لعلامات الترقيم وما تتيحه عند التعبير الخطيِّ من أبعاد دلالية تؤدّى عند الإنشاد بالنبر والتنغيم لإدراك المعنى المقصود.
ثم يلتفت الشاعر من جديد إلى أحبته – وهل كان قد التفت عنهم ؟ – مناديًا مستعطفًا:

فَيَا أحْبَــــابَ بَاقِي العُمْرِ هَــلاَّ تَضَاحِــكُ لَيْلَنَا مِنْكُــــمْ نُجُـــومُ

موظّفَا أداته التشكيلية الأثيرة في المقابلة بين ما يرجوه من بزوغ ” نجوم ” وصل الأحبة في “لَيْلِ” عمره وحياته البهيم، مستعطفًا أحبته بـ” هَلاَّ ” الحاثة التحريضية في رفق ولين وترقيق جانبٍ، معيدا بلورة موقفه النفسيّ، ورسم بعض وجوه مأساته الوجودية بهذا البيت الختاميّ الذي يلخّص لنا أطراف هذه المأساة، ويقبض لنا على عامة أزمتها، فيقول:

أَقِيـلُوا عَثْرَةَ الأَمْـــوَاج أَلْقَــــتْ بِنَا عَنْكُــمْ فَمِجْدَافِي هَشِيـــمُ
فشاعرنا العاشق مُبْحِرٌ طوّحت به عن أحبته ثوائر الأمواج، وعاثرات الحظوظ، و”مِجْدَافُهُ” الأداة والسبب والوسيلة التي تُبْتَغَى للوصول إلى عوالم المحبوب ” هَشِيمٌ ” ولا يخفى على متأمِّل ما في هذه الصورة الكنائية البديعة من دلالة على تعذّر الوصل أو استحالته، واحتمال الهلاك أو تحققه في سبيله !.
* * *
وتتردد أصداء هذه التجربة الوجدانية الظامئة المنكسرة التي تتماهى مع مأساة شاعرنا الوجودية عامة في غير ما موضع من قصائد هذا الديوان، وإنها لتنسرب في حناياه نغمًا شجيًّا رقراقا، يغلّف رؤيته العامة، ويخضّب آفاقها التعبيرية، وإن لم تتمحّض له، أو تستقلّ به قصيدة تامة كاملة على نحو ما رأينا في قصيدته: ” طرقنا بابكم فأجاب صمتُ “، من ذلك مثلاً قوله من قصيدة “تَضَارِيس قلب”:

لِي أن أُحِبَّكِ..
كَيْ أصَدِّقَ أَنَّنِي مَا زِلْتُ حَيَّا.
لِي أَنْ أُقِيمَ بآخِر الدُّنْيَا..
لِيَصْهَلَ فِي دَمِي فَرَسُ اشتيَاقِي..
أَنْ يَجِفَّ النَّهْرُ بَيْنَ يَدِي..
فَأَطْرُقُ بَابَ نَبْعِكِ غَائِمَ العيْنِيْنِ..
أَسْتَجْدِيكِ رِيَّا .

فهو يعشق ليشعر بأنه ما زال على قيد الحياة، وكأن العشق قد صار عنده مرادفا للحياة، بل سببًا من أقوى أسبابها، وهو إنما يبتعد عنها ليزداد شوقُه استعارًا إليها، وهو إنما يراها ” نهر الحياة ” و ” إكسيرَ الوجود ” و ” عينَ الحب ” إذا جفّت نُهيراتُ الحياة، وغِيضَ ماؤها، وصار غورا، فإذا هو يطرق ” بَابَ نبعها ” مسترحما مستعطفًا.
ولك أن تتخيَّل دلالة الحال في قوله: ” غَائمَ العيْنينِ.. أستجديكِ رِيَّا ” لتدرك – مع مقدار ظمئه بالبرهان والدليل الحسيّ – الحالةَ الوجدانيةَ والحسيةَ التي يكون عليها الظامئ الذي استبدّ به الظمأ، وكاد يفقده وعيه، فهو غائم العينين، غائر المحجرين، يوشك أن يخرّ مغشيًا عليه، بل يوشك أن يسلم الروح، كما يُلحظ كذلك دقة التعبير في قوله: ” أستجديكِ رِيَّا ” فالريّ : الارتواء، هو الأثر النفسي الحاصل في النفس بعد الشرب، فهو ليس طالبَ مجرد شربٍ فحسب، وإنما هو طالبُ رِيٍّ، وشتان بين المطلوبين !.
وكذلك نتسمّع أصداء هذه التجربة الظمأى في موضع آخر من الديوان عبر تجلٍّ آخر من تجلياتها، كما في قصيدته: ” ما عُدْتِ سِرًّا “:

” وَأَنَا؟..
أرَانِي فيكِ زَنْبَقَةً مُقَيَّدَةَ الرَّحِيقِ.
وقَصِيدَةً مذْبُوحَةً..
نَزَفَتْ بَخُورَ العِشْقِ..
فِي أَجْوَاءِ مَكْتَبِكِ الأنيقِ.
وَربَابَةً خَرْسَاءَ للذِّكْرَى مُحَنَّطَةَ الرَّنِينِ.
وَقِصَّةً شَرْقِيَّةً..
عَنْ آخِرِ العُشَّاقِ في عَصْرِ الرَّقِيقِ ”

وتتجلّى لنا هذه الروح الظمأى من خلال هذه الطائفة من التشبيهات المتتابعة، أو المفارقات المتلاحقة، فهو يرى نفسه – بوصفها طرفا في هذه التجربة الوجدانية العطشى – زنبقةً، ولكنها لا تقدر أن تفوح بائحةً ببعض ما تكتمته من رحيق العشق، وجوى الغرام، وإنه لكالقصيدة التي ذبحت فحيل بينها وبين اكتمال البوح والإفضاء، فاستحالت نزيفًا وبوحًا مكتّمًا، وبَخُورًا يضوع برهانًا على لذع وجدانٍ، وتحرّق ضمير، وإنه لربابةٌ خرساء.. محنّطة الرنين، قُدّتْ أوتارها، وجفّت لحونُها، فحبست شجوها على نفسها، وأجَنَّتْ وجدها في ضميرها، فحلمها موءود، وإنه لقصة شرقية تموج بالعجائب والغرائب، وتزخر بالمثالية العذرية في زمن النخاسة والرّقِّ، واندحار المُثُل، وأفول قيم العذرية والبكارة الأولى.
وهذه التشبيهات المفارقات جميعها – كما نرى – تحلّق دلاليا في أفلاك ” القيد ” و ” والذبح ” وما يستتبعه من النزف، و ” الخرس ” الذي يستتبع جفاف الرنين ووأد النغم في حلق الرباب، وتتظاهر معربةً عن تجربة وجدانية ظمأى تكابد شوقًا لافحًا مستعرًا، وتقاسي ظمأً محرقًا مهلكا فتّاكًا.
وإن شئتَ برهانًا جديدًا على ذلك فخذ هذا الاعتراف المباشر من شاعرنا في معرض استعطافه الحبيبة، واستعتابه إياها، وقد لجّتْ في خذلانها إياه، وذلك في قوله لمن نعتها بــ ” سيدة النساء مسرفة الدلال ” من قصيدة ” يَحْدُثُ في خَيَالي ” :

لاَ تَاْخُذِي بِمَا يَقُولُ عَاشِقٌ..
أَغْضَبَهُ أَنَّ التي هَامَ بِهَا..
عَصِيَّةُ الوِصَالِ ”

إلى أن يقول:

يَحْدُثُ أَنْ أُفِيقَ مِنْ خَيَالِي..
عَلَى صِيَاحِ دِيكِ جُوعِي..
وَصَدَى سُعَالِي..
أَوْ..
عَطَشي لِمَائِكِ الزُّلاَلِ ”

وقد يقول قائل: إن المقصودة في هذا السياق من هذا الشاهد الأخير إنما هي الحبيبة الوطن، أو الحبيبات الأمانيّ، وليستْ واحدةً من بنات الأناسيّ، فنقول: سواءٌ لدينا إن كانت هذه أو تلك، أو كانت معًا، فهما في مختلف السياقات لدى شاعرنا يتماهيان، ويتداخلان، ولا يتباينان، أو يتناقضان، فإن إحداهما لتلقي بظلالها على الأخرى، فتلونها بأصباغها، وتخلع عليها من سيمائها، وإنما المهمّ لدينا في هذا السياق أن ثمة تجربةً نفسيةً ظامئةً، لم يطلَّ عليها طلُّ الوصل، ولا انسحبتْ على آفاقها سحائبُ التحنان، قد تجسدتْ في هذا الديوان – كما تجسّدتْ في غيره من دواوين شاعرنا – عبر هذه المجالي المتنوعة، شعرًا عذبا رقراقا، ونغما شجيًّا، وأدبًا رائقًا رائعًا، جعل من أصداء الظمأ وتداعياته لقلوبنا ريًّا، ولأرواحنا نجيًّا وصفيًّا !
* * *

3- تجربة النَّفِيِ والاغتراب.

——————
هوامش الحلقة الاولى والثانية:

1- المجلة العربية السعودية العدد352 جمادى الأولى1427هـ يونيو 2006م
2- السابق
3- السابق
4- يُراجع في ترجمة الشاعر صفحته على موقع ” موسوعة الشعر العربي ” على شبكة الاتصال الإنترنت على الرابط التالي: http://arabicpoems.com/index.php?doc=showpoet&poetid=725&ptid=14&view=showcv
5- يراجع في ذلك نص رسالة بعث بها الشاعر إليكترونيا إلى الباحث ردًّا على استفساره عن سرّ صمت الشاعر عن النشر طوال الفترة المشار إليها.
6- يحيى السماوي: قليلك لا كثيرهنَّ ، إستراليا، 2006م ّ ط1 بدون ذكر لطابع أو ناشر، ص 23
7- التماهي: تفاعل من الماهية، وهي كل ما يصلح أن يكون جوابا عن سؤالنا عن الشيء: ما هو؟ فهي بذلك جملة السمات الفارقة التي تكسب الشيء حقيقته وكنهه، سواءٌ في حقيقته العينية الذاتية، أم في حقيقته الذهنية المتصوّرة، وهو اصطلاح مناطقيّ، فكأن التماهي المقصود في تسمية الشاعر لقصيدته هو أن يخلع الشيئان صفاتهما الخاصة على بعضيهما فيتحدا حقيقةً وجوهرا، ويصيرا شيئا واحدا، أو كالشيء الواحد.
8- يحيى السماوي: قليلكِ لا كثيرهنّ ص 15 – 19
9- النُّسْغُ: ( بضم النون وتسكين السين ) ماءٌ يخرج من الشجرة إذا قطعت، والنسيغ: العَرَق، وأنسغت الشجرة: إذا نبتت بعدما قطعت، وكذلك الكَرْمُ. القاموس المحيط: ( نسغ ) .
10- يُراجع: قضايا الشعر المعاصر: نازك الملائكة، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان ط 12– 2004م ص 259 وما بعدها
11- يحيى السماوي: قليلُكِ لا كثيرُهنَّ ص 22 – 24
12- قليلك لا كثيرهن ص 43 – 47
13- قليلك لا كثيرهنّ ص 65، 66، وبندة المشار إليها في الأبيات سوق مشهورة بمدينة الرياض السعودية.
14- قليلك لا كثيرهنّ ص 67
15- طه : 120، 121
16- قليلك لا كثيرهن ص 67، 68
17- السابق ص 69، وهذا هو نفس المعنى الجدلي الذي يؤكّده في غير موضع من هذا الديوان على نحو أكثر جلاءً، من ذلك قوله في المطلع الوجداني الرائع الذي استهلّ به قصيدته البائية المهداة إلى الشيخ عبد العزيز التويجري ( رحمه الله ): ص 28، 29
غَريبٌ.. والهوى مثلي غريبٌ ورُبَّ هوًى بمغتربٍ عقـابُ
كِلانا جائـــــعٌ .. والزّادُ جَمْــرٌ كلانَا ظَامِئٌ.. والمَــاءُ صَابُ
كلانا فيه من حُزْنٍ سُهُــولٌ وأودِيَــةٌ.. ومنْ ضَجَرٍ هِضَابً

18- قليلك لا كثيرهنّ ص 68، 69
19- ديوان ابن الفارض تحقيقي الدكتور عبد الخالق محمود ط 1 دار المعارف بمصر ص
20- قليلك لا كثيرهن ص 69، 70
21- قليلك لا كثيرهنّ ص 10، 11
22- قليلكِ لا كثيرهنّ ص 50
23- السابق ص 53، 54
24- قليلك لا كثيرهنّ ص 60

شاهد أيضاً

عدنان ابو اندلس: طلال الغوّار.. المسكون بالحب التكاملي

دراستي المنشورة في مجلة ” الموقف الادبي ” العدد 592- آب -2020 ، والتي يصدرها …

فاروق مصطفى: الدكتور فائق مصطفى وجهوده في دراسة الادب المسرحي العراقي

صدر كتاب جديد للدكتور فائق مصطفى الناقد و التدريسي الاكاديمي في كلية اللغات جامعة السليمانية …

خليل مزهر الغالبي: الخطاب العابر للأدلجة لرواية السماء المقَسَمة للروائية الالمانية كريستا فولف ترجمة الدكتور رياض احمد طه

الكاتبة الألمانية ” كريستا فولف (1929-2011)كاتبة حرة من جمهورية “المانيا الديمقراطية” انذاك، حصلت على عدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *