رياض رمزي : يجب تجنب قراءة القصة كتفسير أو تأريخ لفترة سياسية

reyad ramziإشارة : المقابلة التالية بين الدكتور حسين مزعل وهو دكتور في الصحة النفسية من العاملين في القطاع الصحي في لندن و مؤلف رواية التيس الذي انتظر طويلا رياض رمزي الصادرة عن دار الحصاد هذا العام. زامل الدكتور حسين مؤلف الرواية منذ زمن يعود إلى أكثر من ثلاثين عاما كما واكب كتابة الرواية. هذا الحوار هو جزء من حوار طويل بينهما.

حسين: هذه رواية البطل فيها لا يحمل اسما. لماذا؟.
رياض: الأسماء ارتباطات. هناك رباط بين الاسم و القارئ. عندما يرد اسم: فيصل، محمود أو على شكل صفة كجبار مثلا تتولد سلطة للاسم على القارئ مما يوحيه الاسم له. عندما تحدث واقعة قام بأدائها شخص غير معروف يقوم السامع بوضع اسم سري له في عقله. هذا السم السري يتحول إلى شخصية صنعها السامع و غدت من مقتنياته. لأنك عندما تطلق اسما على شخص مجهول السم فأنك تبحث عن رابطة ترتبط بها. عندما أطلق هرمان ملفل اسم إسماعيل على أحد أبطاله فقد كان يبحث عن دلالة انجيلية. أن اسم سانتياغو نصار في حادثة موت معلن لماركيز له علاقة بالعربي الذي عادة ما تلازمه سمعة الفحولة…. هناك أسماء عادية يتخيرها المؤلف لأبطاله و لا تحمل تفاصيل. الإشارة الوحيدة لوجودها في الرواية هو الاسم الذي يحاول الكاتب خلق أحداث لتحسين موقع الاسم عن طريق خلق تاريخ له. الأمر يشبه أحد نزيلي الفنادق الذي لا يعرف موظف الاستقبال اسمه و كنيته. لكن هناك نزيل يأتي و قد تعرض لحادثة جعلته ملحقا بها. يكفي ذكر ما حدث له كي تعرف من هو. ينظر إليه موظف الاستقبال من خلال ما بلغه عنه غير آبه بالاسم. لأن ما جرى له من حدث لا يصدق مرسوم على الوجه و باستطاعة من يرغب في معرفته بالنظر إليه. لم يطالب لا بائع العرق سوس و لا الحلاق أو قاتل القطة بمعرفة الاسم. لأنkh reyad ramzi ما حدث له من حدث جلل لن يخيب أملهم إن سعوا للتعرف عليه أو التعريف به. هكذا هو الحال هنا: لا يصلح إطلاق اسم على شخص غير عادي بحسب ما جرى له من حدث( فقدان القريحة). الاسم لا يمكن أن يشير إليه أو يحتويه، بل هو من يوثِّق الاسم: فهو أبن الشرطي، أبن الشاعرة، من ساقته دنياه وهو الشاعر إلى فقدان قريحته، من بقي لأربعة عقود يتحرق لهفة و يمنّي نفسه بعودتها. القارئ لن يحتاج لاسم و إن كان بحاجة فسيجد صفة أو مغزى دلاليا لما حدث له. لا يرد اسم البطل بل يرد وصف لقوامه المستقيم و الصلب صلابة عصي العميان، و الذي لم يصل التقبُّب إلى ظهره، يسير سير العسكريين و على وقع موسيقى” و الله زمان يا سلاحي”، برغم كل ما حدث له من أهوال. هكذا عند حضوره لا يمكن الشك بأنه هو من يتم الكلام عنه. ما حاجة لمن أصيب بجرح بليغ في الوجه، عندما خاض معركة ما كان بوسع أحد نسيانها، أن يتسرع بذكر اسمه للتعريف بنفسه.

حسين: لكنني لاحظت أن البطل نفسه لم يشأ أن يُسمع اسمه للأنه لم يسع إلى بطولة، بل هي من سعت إليه. أي هل أجبر نفسه أن يكون بطلا كي يعوض عن ذكر اسمه؟.
جواب: هذا صحيح تماما هناك جنود يقاتلون حتى الرمق الأخير ليس رغبة في الانتصار بل كرها للاستسلام. انهم لا يريدون أيصال بطولتهم إلى أحد. فهو، خلال أربعة عقود، لم يعط درسا في كيفية تحقيق النجاح. هو لم يسع سوى لإعادة الاعتبار لأمه و الكبرياء لنفسه، الكبرياء الذي تم تهشيمها بقوة من جراء إهانات بالغة لحقت به و بها. و بما أنه كان وحيدا و لم يحصل على عزاء من أحد، لم يكن أمامه غير الاتكال على نفسه، مثل ذلك الجندي، فأن بطولته لم تكن من ذلك الضرب الذي ينوي به تخليد اسمه، بل كان يسعى لرد الإهانة و إثبات جدارته مرة لأمه و أخرى لشخصه. أنها بطولة ليس مردها الأيمان بعقيدة كي يكون اسمه مثلا. فهو كان قد هيأ منزله مكانا لممارسة هواية الشعر و كتابة رسائل على لسان العشاق، ثم جاء شخص و أطاش بألعابه فلم يعد قادرا على العيش بهناء في بيته. امتلأ قلبه هلعا عندما وقع عليه عبئ تحمل غياب القريحة و ما سببته له من وحدة بعيدا عن أمه التي لم يكن بوسعه تلمس مشورة منها فآثر تحمل ذلك العبء بمفرده.

حسين: و المكان بدون اسم أيضا؟.
رياض: المكان ملامحه واضحة. أنها مدينة لا يستطيع الفرد التنفس فيها بطريقة طبيعية من الساعة الحادية عشرة صباحا حتى السابعة مساء. وهي الفترة التي تتلظى الشوارع فيها من شدة الحرارة. و كأنما عن قصد أو اتفاق لا يحل الليل إلا متأخرا جالبا نوعا من البرودة. فكان عليه أن يبقى طويلا خارج البيت و لا يعود إلى البيت إلا متأخرا كي يأوي إلى فراشه وهو في نصف غيبوبة، و لكن شعور الهزيمة الذي كان يناوشه عند العودة جعله يعاني من أرق موصول. أنها بغداد بشوارعها، بنهرها، بأشجارها، بجوها المتقلب؛ رياح، أمطار، سموم، نسيم، أمطار طوفانية. أماكنها واضحة: رأس القرية، شارع الكفاح، ساحة النسور، شارع النهر… أشخاص فعليون يجولون حاناتها: عبدا الأمير الحصيري، قدوري العظيم، معالمها: تمثال الرصافي، المتحف..

حسين: حسنا لكن هناك أسماء غريبة لبعض ساحات و شوارع هذه المدينة كشارع الأمجاد، شارع شموخ الوطن، شهداء الأمة…و غيرها كثير. لماذا؟
رياض: أسماء الشوارع تدل على انفصال بين ما يقال و ما يحدث. تشكل أسماء الشوارع و الساحات لوحة خلفية لما يجري. فالسلطات قامت باختيار تسميات مهيبة للشوارع و الساحات العامة برغم أنها كانت قليلة الاهتمام بمستقبل الوطن، لكنها عوضت ذلك بفخفخة الأسماء. هكذا ففي شارع شموخ الوطن تموت شاعرة وهبت حياتها للشعر و لمديح علية القوم من موظفين سامين و شيوخ عشائر و عسكريين متقاعدين و في شارع مسيرة الأمة تتم فيه ملاحقة قطة مسكينة يسعى شخص من وراء قتلها تحقيق مجد شخصي…. حتى الاحتفال برفع العلم في كل صباح ظاهره حب الوطن و جوهره نوال رضا السلطات و الخوف منها،….
حسين: هل هناك دلالات أو رموز سياسية وراء أحداث الرواية.
رياض: تموت الرواية عندما تقرأها كتاريخ لحقبة معينة. إذ وفقا لهذه الطريقة سيصبح القارئ أسيرا لأحداث تلك الفترة طوال وقت قراءة الرواية. الرواية لا تتكلم عن تاريخ سياسي أو مواقف سياسية لأشخاص، بل تروي حياة خاصة لأفراد وقع عليهم عبئ أحداث مرت بها بلادهم، كشفت نموذج الحياة في ذلك المكان الذي أنعم على البعض بالرخاء و كلّف آخرين أرواحهم. الرواية تحكي قصة عن حدث جرى في زمن معين عاشت فيه مجموعة من شخصيات بأسمائهم الصريحة، حدث أن قسما منهم كانوا معروفين أو مشهورين بسبب مميزات شخصية و مواقف فكرية( حسين مردان، عبد الأمير الحصيري…). و هناك أشخاص فعليون بأسماء غير صريحة( صاحب معمل الثلج، مدير مؤسسة مد اليد للمعدمين…) تم خلق حياة موازية و متخيلة لهم. تحرّك الشخصيات داخل الرواية لا ينبئ بموقف سياسي، بل عاشوا حياتهم الخاصة التي أثرت فيها أحداث جرت في المكان الذي عاشوا فيه، بسبب طبيعة المكان و بسبب ما حملوه من مواقف سياسية.  يجب تجنب قراءة القصة كتفسير أو تأريخ لفترة سياسية.

حسين: هذا واضح من افتتاحية الرواية التي تُفتتح بجملة تبين أنه صباح غير عادي لأن هناك من وضع آمالا شخصية كبيرة عليه.
رياض: بالضبط. لم تكن آمالا سياسية بل شخصية بحتة. تحول خروجه في ذلك الصباح و بعد أربعين دقيقة إلى كابوس ظل يعاني منه لفترة أربعين عاما. أنه ضحية حدث( فقدان القريحة) لا يحمل معنى لآخرين. لكن البطل كان يبحث عن فرصة مجد شخصي( تقريظ بحق موهبته من مدرس التاريخ). لكنه، بدون أن يدرك، تبين له، كما حدث لأمه، أنها فرصة خلاص فردية زائفة في مجتمع يعيش فيه الفرد و كأنه قرب دولاب حديدي مسنن يدور بسرعة يتعرض الفرد، إن اقترب منها، إلى الاختفاء أو الموت إن اقترب منه. يكفي الفرد أن يستوي حطاما إن بلغت به الجرأة و حاول أن يكون مثقفا، أن يدافع عن الحب بكتابة رسائل للعشاق، لأنه أراد ألا يموت من اليأس بعد أن عايش تجربة أمه التي أرادت أن تجعل نبض حياتها يتوافق مع نبض نظم الشعر. و لكنها سقطت تحت حالة من انعدام الرحمة منذ لحظة ولادتها في قرية جنوبية بعيدة حتى موتها وحيدة بعد أن أدمنت على قول الشعر الذي حاولت بواسطته أن تبرهن أنه الأكثر شفاء لآلامها منذ الولادة. لكنها اكتشفت، كامرأة و كشاعرة، أنها كانت جالسة على برميل عفن أوهمت نفسها أنها روائح زكية عندما كانت ترفع وجهها نحو الأعلى تجنبا لاستشمام روائح كانت تتوافد على أنفها. لكنها في نهاية حياتها فقط أدركت الحقيقة جلية: أنها كانت تعاني من إدمان و أنها عندما سخّرت شعرها لمدح علية القوم أنما كانت تجلس على كومة من روث في حظيرة كبيرة.

حسين: أتذكر أن تشيخوف كان يقول أن القارئ لا يحتاج إلى شروح و مقارنات إضافية أن كان هذا الأخير قام بكتابة روايته جيدا. هل تعتقد أن الرواية الجيدة تقوم بتوليد رموزها الخاصة بدون شرح من المؤلف؟.
رياض: هذا كلام صائب. عندما يفهم الكاتب بطله جيدا سوف لن يتعرّض قارئ الرواية إلى سوء فهم لدوافع سلوكه كي يضطر إلى البحث عن أسباب ما يجري خارج العمل الروائي؛ من التاريخ، الأيديولوجيات. تكشف الرواية خصال البطل: شخص لا يعيش تحت نير توترات فكرية. فهو ينظم الشعر و يكتب رسائل على لسان العشاق و يعمل في أيام العطل كبائع جوال. تعرض عقله، الذي وظّفه لسنين لقول الشعر و كتابة الرسائل، إلى بطالة. بحث عن مهنة أخرى تعوضه عن البطالة. استغرق بحثه عن مهنة بديلة فترة أمدها أربعون عاما.

حسين: ما اكتشفته من قراءة الرواية هو أنك تريد أن تقول أن مصير و محنة الشخصيات الرئيسية لا تعود إلى إخفاقات شخصية بحتة فحسب، بل ساهمت في صنعها عوامل متعددة: منها طريقة تشكل الدولة( الجيش الذي تشكل من عشائر تعاملت مع تكون الدولة بنفس طريقة تهريب السلاح المهنة التي كانوا يمتهنونها….) و كذلك طريقة تشكل الأحزاب و النخب السياسية التي انطلقت من نادي الموظفين…هل هذه قراءة صحيحة؟.
رياض: نعم هذه قراءة دقيقة تكشف العري و تفضح المستور. بصراحة أنت تقول شيئا تجعلني ألبث مذهولا أمام تحليل الرموز الذي يكشف المستور لمن أشكل عليه معرفة ماذا يحدث. لم أكن أقصد ذلك و لم يكن لدي شغف في قول كل هذه الرموز. بما أن أحداث الرواية هي التي لوّحت بيدها لك و تعلقت بذهنك و لم تتركك تفوتها، إذن فيها نوع من الصحة. نعم، الحياة الاجتماعية و التطور الترايخي للبلد أنتجا طبعتهما الخاصة من الشخصيات. و على أية حال القراء وحدهم من لهم الحق في استخلاص الرموز لأن النص موجود بين أيديهم.

حسين: حسنا أنها حياة شخص كان يسعى للتغلب على و حدته عن طريق كتابة رسائل و نظم أشعار، غير أن حدثا واحدا أطاش بذلك الاستقرار عندما أخرجه مدرس التاريخ عنوة من بيته ملاذه الوحيد في الدنيا إلى الشارع حيث لا سقف يؤويه. الرواية، إذن، تتحدث عن مسعاه للعودة إلى وضعه الهانئ الأولي. هل تريد أن تقول أن محاولة العودة هي التي صنعت إنجازه البطولي؟. هل كان يسعى لاستعادة أمنه المفقود، و أن هذا المسعى هو الذي قاده للبطولة؟. من هنا فأن صرخته في آخر الرواية” ماذا لو تزوجت أمي من حسين مردان” لم تكن غير صرخة أسف لهناء مسلوب منه بسبب عدم تحقق ذلك الاقتران الذي كان يمكن أن يصنع له مصيرا آخر؟. هل معنى هذا أنه شخص لم يسعه إزاء ما حدث له إلا أن يسير وفقا لهذا الطريق الذي أجبره ما حدث له على ولوجه؟.  
رياض: هذه هي الفكرة المركزية في الرواية: شاب حاول درء الإهانة عن نفسه، لكنه بدون وعي منه تلبّس الهزيمة. و في مسيرة رد الإهانة وجد نفسه ترعى ثأرين: واحدا له و آخر لأمه. و لكنه، بدون أن يعي، و من شدة حساسيته صنع لنفسه فضائل تستحق التقدير…

حسين: أي أنه في مسيرة استرداد فقدان ماء الوجه إنساق دون وعي إلى تلبس هزيمته كي ينتصر عليها..
رياض: هذا تشخيص صائب. تحولت هزيمته على يد مدرس التاريخ إلى قدر راح يتعقبه. ذلك ما بدا جليا لأمه عندما جاء لزيارتها بعد سنين، و عندما تيقنت من ذلك لم تجعل الفرصة تفوتها. جعلته مؤمنا بما حدث له أكثر، لا بل أنها أوحت إليه أنها إشارة جاد بها عليه القدر، لكنه فهمها بطريقة خاطئة. فهي من أبدلت ، بمساعدة العرافة، الذكريات الملحاحة، لحادثة صباح يوم الاثنين و التي حاول نسيانها بقوة، إلى قدر بات عليه أن يرفع يده للخالق ضراعة لشكره على ترشيحه إياه، لتنزّلها عليه دون غيره. فحادثة صباح الاثنين لم تكن غير قدر كان يتابعه و لم يرفع بصره عنه. حتى أنه بدأ يفكر أن كيف وَسَعه ألا ينتبه إلى مغزاها برغم أنها امتياز متاح له دون سواه. ربما هنا تذكر تلك المقالة التي سلمها له مدرس التاريخ التي كتب فيها أن التاريخ يصنعه أفراد مثابرون كملوك الغاب ألخ.. آمن بالفكرة كتشخيص صائب من العرافة، استحكم فيه لأنه جلب له هناء كان صفوة ما ينشده رجل مهزوم و حزين. دخل عليه القدر وهو جالس في بيته الواقع في شارع خلف شارع الأمجاد، سحبه من يده و ألقاه في حومة الصراع الذي أدرك أنه يشبه قتال الكبشين الأبيض و الأسود. من هنا كان عليه أن يؤاخي بين مصيبته و هزيمة الكبش الأبيض بأكل لحمه نيئا.

حسين: بالعودة إلى مثال الجندي المهتم ليس بالنصر و لكن بتجنب عار الهزيمة فهو، بعد أن شاهد موت الكبش الأبيض، قرر أن يواجه تلك المحنة ليس بأن يكون منتصرا و لكن أن يتجنب مرارة أن يعيش مهزوما. و هذه هي مفارقة لا مفر من مواجهتها: كان متيبسا من الخوف وهو يشاهد هزيمة الكبش الأبيض: هو لم يسع لأن يكون كبشا أسودا بل تركز جهده ألا يكون كبشا أبيضا مهزوما. من هنا  بات لزاما عليه أن لا يكون مهزوما. عندما قرر ذلك تحول إلى كبش أسود منتصر.
رياض: معم ذلك صفوة ما كنت أنشده و أراه عندما شاهدته يدخل ساحة النزال. نعم تحول خوفه من الهزيمة إلى كابوس تلبّسه فأجبره أن يكون منتصرا. ساعدته في ذلك وحدته و حياته الإسبارطية المتقشفة التي التقط ملامحها كل من بائع العرق سوس، الطبيب، رجل الدين قاتل القطة، بائع الفول و زبائن مقهى حراس الوطن و كل من شاهد مروره اليومي بتوقيت لم يتعرض لخرق لسنوات عديدة.

حسين: عندما تشرب عقله بتلك الفكرة لم يجد أمامه غير الاستسلام لذلك التفسير الذي زاد من عنده عليه شيئا كثيرا.
رياض: نعم، هذا صحيح. اقتنع بتلك الفكرة مثل شخص يبتهج لرؤية نور الهداية. وجد- دون وعي- أن هناك قوى غامضة نهضت- كما يقال- رافعة جماع قبضتها كي تثبت أنه ليس من يعوزه المراس كي لا يتصدى لما اصطفاه له القدر من مهام. انتزعته تلك القوى الغامضة التي استفاقت فيه للقيام بنزهات نهارية قام بتعديل أسمها عدة مرات تبعا لما أوكله لنفسه من مهام. نفخت فيه تلك الجولات حالة تمثلت في انصياع كامل لتلك الفكرة التي تشرب عقله بها، فسنّت مضاء حواسه، فضاعف من ملاحظاته لما يجري خارج البيت، فكان يسير سير الكاتمين لما أوكلوا إليه من مهام استثنائية. كانت تلك النزهات أشبه بريح رخية أشاعت في روحه إشراقة كان لها وقع عليه فقرر التخلي عن تلك الشخصية المرتبطة بالماضي. عندما تخلي عن تلك الشخصية بدأت تزدحم عليه معارف عديدة آثر اختيار واحدة منها ألا وهي التخصص بعلوم الجو التي كلفته جهدا كبيرا عاد عليه بنعمة جلو الصدأ عن تلك السنين التي سببت له الشقاء. ابتدأت تلك المرحلة بممارسة تمارين دحر المزاج.

حسين: إذا كان الأمر كذلك فهو لم يكن يسع لتحقيق هدف؟. هذه الفكرة على قدر من الخطورة تجعلني أتسائل إن كان بطلا عبثيا؟.
رياض: لم يكن كأبطال العبث منغمسا في اليأس. نعم هو كأبطال العبث ترك ليصوغ قدره الخاص بنفسه، لأنه بدون عون من مجتمع جعله معزولا، لكن ذلك لم يجعله متمردا ميتافيزيقيا يشعر بعبث الوجود و بالتالي إنكار قيم المجتمع. البطل هنا فقد سلطته في البقاء و التأثير في المجتمع المحيط من خلال فقدان قريحته التي دفعت به إلى الانعزال. لكنه على عكس أبطال العبث لم تجعله يشعر بأنه وسط عالم غريب كي يتطرف في اختيار شكل من الغربة يفض بها ارتباطه بالمجتمع عن طريق رفض قيمه و القول أن الحياة خلو من المعنى، أو كما أكد كاليجولا أن الحياة ليست فقط خلوا من المعنى بل هوائية النزعة. البطل عندما غدا وحيدا و انعزل عن المجتمع لم يصبح لا مباليا تجاه الوسط الذي يعيش فيه، بل كان يسعى إلى استرداد هيبة مفقودة كي يكون سعيدا كما كان فيما مضى عندما كان ينشد أشعاره صباح كل خميس و يتزاحم عليه العشاق فكان غارقا في تفاصيل عشقهم، تفاصيل جعلته في نشاط متواصل لا يخمد، يعيش في عالم خياله الذي وضعه في حالة نشاط عقلي دائم. في فترة عزلته ازداد شعوره بذاته فقام بمحاولات لاسترداد موقعه المفقود. كان محاصرا بالصمت و لم يكن لديه أحد ليشتكي إليه، فلم يكن أمامه سوى الشعور أكثر بهزيمته. المفارقة أنه كان راغبا في الإقرار بالهزيمة، لكن دورانه حول حافة بئر الهزيمة جعلته يتذكر قوة سلطانها عليه كل يوم، فأراد استخدام إرادته في نسيان ما حدث له، لكنه  انتهى بأن غدا يتذكر أكثر مما ينبغي. أدرك أنه ابن شاعرة كانت عشيقة شاعر معروف فكان من المستحيل على كثيرين عدم معرفة تلك العلاقة، و أنه ابن شرطي، و أنه رجل فقد على حين غرة موهبته. حينما أدرك أنه مقصود بسبب كل ذلك قرر أن يملى قراره على الجميع بالقول أنه  موجود.

حسين: ربما هنا أدرك أن الإرادة بمفردها لا تكفي، عليه أن يتعلم مهنة أو معرفة؟.
رياض: نعم. الإرادة لا يُكبح جماح قوتها إن كانت مدعومة بمهنة أو معرفة.  إذن البطولة و التخصص في مهنة تسيران مترافقتين. فالقاتل أو اللص عندما يتقن مهنته و يتحول إلى محترف يغدو بطلا فقط  لأنه وظف إرادته في مهنة. من هنا فهو أدار شئون إرادته بنجاح عندما ترافقت مع مهنة: التخصص بعلوم الجو. عن طريق هذا العلم أرخصت له الطبيعة أسرارها.

حسين: إذن اكتشافه لتمارين دحر المزاج ثم تخصصه بعلوم الجو هي مهن راح يختبر عن طريقها إرادته ليتبوأ بواسطتها مقاما أعلى؟.
رياض: عندما درس الطقس قام بإخضاع تقلباته عن طريق معرفة أوان حدوثها و سخرها لمصلحته مثل النبي سليمان الذي كان قبل مرحلة النبوة يجلس في البيت خشية الرياح، عازفا عن الخروج مما أثار غضب كبير الملائكة عليه. ما أراد كبير الملائكة إيصاله إلى سليمان هو أن من يخرج إلى الشارع في ليلة مقمرة و رياح رخية لا فضل له على أحد. لكن من يحمل نفسه على الخروح برغم الجو هو من يعتد بوجوده. فهو، عن طريق خروجه، يسجل انتصارا على الطقس. تحول سليمان إلى واحد من أصحاب المقامات الرفيعة لدى الملائكة عندما لم يعد يأبه لسماع تناوح الرياح. لقد سيطر سليمان عليها عندما لم يعد يقول عبارة جاءت الرياح في غير أوانها، عندما تعود على تلك الجرأة أدرك أنها ولدت معه لحظة ولادته و سكنت في قرارة روحه. هكذا حكم باستبعاد تأثيرها عليه فسارت تأثيراتها عليه إلى زوال.
بعد اكتشاف هذه الحقيقة – رسالة القدر بدأ يعيد تفسير ما حدث له. فالنسيان كان محاولة منه للهروب من قدره بنسيان ما جرى. لم يفلح في ذلك و كأنما كانت هناك قوة فرضت عليه أن يتذكر أشد مما ينبغي. اكتشف بعد لقائه بالعرافة أن عدم نسيان ما جرى له صباح ذلك الاثنين كانت إشارة مليئة بالمعنى. هذا هو مفهوم القدر. البطل لا يدرك أن ما حدث له هو قدر. يكتشف ذلك عندما تدله سلسلة من أحداث على ذلك فيؤمن به بقوة. الرواية تحفل بمجموعة من الأقدار:  هجرة عائلة الأم، تعثر الطفلة و سحبها للفاع الرجل الجالس بجنبها في السيارة، الخطأ الذي وقع فيه الشيخ عندما زوجها من شخص عدّه واحدا من أحفاده، اعتقاد مدرس التاريخ أن هناك تواطؤ بين الطالب و المدير على التعريض به…..و هي مجموعة أقدار تنتهي بما يشبه اللغز: ما كان لكل ذلك أن يحدث لو تزوجت أمه من حسين مردان؟.

حسين: تخصصه بعلوم الطقس لم يأت بسرعة، بل يبدو لي كمخاض طويل توصل إليه بعد سلسلة بحث عن حلول فاشلة. هل هذه هي مسيرة القدر؟.
رياض: نعم. بعد حدوث حادثة الاثنين جرّب نسيان ما حدث له طالبا من رجل الدين البحث عن عون. و لأنه ولد بدون يقين و أيمان ديني لم يأبه لحلول رجل الدين التي عدّها حلولا ميتافيزيقية. لذلك فهو قام بمحاولتين فاشلتين لنسيان الهزيمة: واحدة على يد رجل الدين( الحل الميتافيزيقي) و آخر على يد الطبيب( حل علاجي) انتهيا كلاهما إلى إخفاق. فرجل الدين أورد له حكما أخلاقية عامة. لكنه وضعه كان يشبه ما قاله سكوبي  في رواية جوهر المسألة لغراهام غرين” الكنيسة فوق كل القوانين و لكنها تجهل ما يختلج في قلب الفرد”. كذلك فأن العلاج الذي اقترحه الطبيب انتهى به إلى هزيمة آخرى عندما اكتشف أن واحدة من رسائله التي كتبها على لسان رجل أحبته حولتها إلى عاهرة، هذه الواقعة عمّقت هزيمته و أوصلت قواه إلى حافة الانهيار فكان عليه مثل سباح فشل في مسابقة الغطس أن يدوس على المرقاة بقوة أشد كي يرتفع إلى علو أكثر يرد فيه الاعتبار لذاته.
حسين: حسنا لماذا الذهاب إلى الحانة، سباقات الخيل…؟.
رياض: أن شكل معاناة البطل العبثي تتجلى في رفض شروط حياة عبثية يتجاوزها بالانسحاب ثم الانتحار. البطل هنا يتمتع في بيته بنوع من الاستقرار جاء من هواية حققت له مجدا شخصيا. عندما لم يعد قادرا على ممارسة تلك الهواية فقد الاستقرار في البيت، فخرج يبحث عن تعويض جاعلا ليس البيت، بل الشارع  بأمكنته المتنوعة مأوى له: سباقات الخيل، الحانات، صالة السينما.. وهي أماكن تموج بالحركة، فيها من التنوع ما ينسيه محنته. لكنه في الشارع كان كما في البيت يشبه مقرورا مهما وضع من ملاحف و أغطية عليه يشعر بالرد، فكان بحاجة أكثر إلى شمس متوهجة تبعث الدفء في عظامه. هذا ما جعله يؤمن أن غياب القريحة أمر لا يمكن القبول به. شيئا فشيئا أدخلت فيه الجولات اليومية- دون وعي منه- توقا لأن يكون مختلفا عن الآخرين، خاصة عندما شعر بأهميته عندما أدرك مقدار تأثير غيابه، بعد حادثة منطقة الميدان، على من يعرفونه من السكان حينما قال لهم عبارة أنه سيجعل وجوده حاضرا في أذهانهم دوما، وهي عبارة كانت أشبه باستشراف إلى موقع مميز يروم الوصول إليه.
حسين: هل أن حرقه لدفتره الجوال كان طقسا يشير به إلى حدوث تغير نوعي فيه و كأنها شعيرة يقصد بها التخلص من الشخصية السابقة؟.
رياض: بالضبط. سبق ذلك تراكم كمي اتخذ شكل تغييره لتسميات جوبه الشوارع من نزهات نهارية إلى جولات ثم مهمات و أخير جولات رصد و تفقد. إذ لم يدفعه الخروج إلى الشارع للعزوف عن التفكير بنفسه، بل على النقيض دفعه إلى التفكير بعقم نزهات لا تحمل هدفا. كما لم تنجح سباقات الخيل و لا الخمر أو مشاهدة العروض السينمائية من تسكين آلامه. حصل من الشارع على صداقة كل من بائع الفول و قاتل القطة الذين استشرفوا فيه، كبائع العرق سوس، رجلا على قدر من المهابة و الخطورة فآمنوا به و قبلوا التطوع لخدمته. وصل جوبه للشوارع إلى أعلى ذروة من خلال متابعة أحوال الطقس الذي أضفى على جولاته في الشوارع بعدا علميا. فكانت كشوفا جديدة حلّت محل إستشهادات عتيقة غير ذات نفع فقام بحرق دفتره كما فعل الإمام الغزالي.
حسين: ليس ذلك فحسب. أعتقد حتى ذهابه إلى الحانة و سماعه لخطب عبد الأمير الحصيري و النكبة التي حدثت للفتاة…. جعلته يشعر بفقدان جدوى الاحتفاظ بدفتره الجوال التي بدت له فيها الاستشهادات منه وصفات تفتقد للجدوى؟. حسنا لننتقل الآن إلى اللغة. دعني أقول رأيي بخصوص اللغة: يبدو لي أنك تؤمن بما قاله بوشكين” آلهات الفنون لا تحتمل اللغط و لا الجلبة. ما هو جميل يجب أن يكون مهيبا”.
رياض: نعم يا أبا علي، الفن الجاد لا يحتمل التهريج. أن نصا توجد فيه امرأة بلون برونزي و شعر أسود و أنف ينتصب على شفتين متألقتين هي أفضل طريقة لتكسب بها القارئ. لا بد من معاملته كزائر لحديقة أو لبستان ندعوه إلى الدخول و نكافئه عند الخروج بأن ندفع له أجرا: فاكهة و باقة من ورود.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هايل علي المذابي : حوار مع الفنان والناقد المسرحي العراقي د. محمد سيف .

“أي أمل هذا الذي لا زلنا محكومين به أيها السيد المبجل” الفنان والناقد المسرحي العراقي …

| حوار تربوي يجيب عليه المشرف التربوي فراس حج محمد .

فريق منهجيات: وصلني عبر البريد الإلكتروني، هذه الأسئلة من موقع مجلة منهجيات التربوية (بدر عثمان، …

تعليق واحد

  1. ضياء عبد الكريم

    اني اعرف د. حسين مزعل من سكنة البياع الذي درس في موسكو. لانة انقطع الاتصال بيننا منذ عام ١٩٨٠.
    اني الان في امريكا شكرا وتحياتي
    ضياء عبد الكريم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.