كلشان البياتي: من أدب المقاومة، ثلاثة قصص قصيرة

1- الحرية

أراد أن يستمتع بحريته التي حرم منها ثلاثة سنوات وأربعة أشهر وخمسة أيام وعشر ساعات وخمس دقائق. فقرر أن يمارس حياته الطبيعية التي اعتاد عليها قبل اعتقاله ، توقف قرب محل مرطبات (باندا) وطلب قدح(ازبري) شربها بتذوق مستذكراً حفيده حازم الذي كان يقوده إلى هذا المحل ويرغمه على تذوق قدح الازبري المشرئب بمرطبّ (الموطة) الملونة .
قال وهو يسحب مشروب الازبري بالقصب متذوقاً طعمه : إن حازم كبر الآن ، سيكون قد بلغ ثمانية أعوام وثلاثة أشهر وسبعة أيام وأربع ساعات ، سيجدهُ حتماً يمتطي الدراجة التي اشتراها له قبل اعتقاله بأيام ، وتخيلهُ حارس مرمى في فريق كرة القدم التي شكلها مع بقية إقرانه من أطفال المحلة رائد وعلي ولدا فراس وحكم جاراهُ المهجرّين من بغداد.
انصرف وهو يوعد صاحب محل المرطبات انه سيجلب معه حفيده ويتلذذ بطعم الازبري بلوني البرتقال وُالرمان ثم عرج في طريقه إلى محل أبو ربيع للألعاب واشترى لعبة لحازم وابتاع من محل آخر بجانبه كيساً مملؤة بقطع النساتل والعصائر وحبات الفستق والبيض المحشو بالكاكاو.
قبل أن يقطع الشارع ويستدير باتجاه الطريق المؤدي إلى بيته يميناً ، غيرّ رأيه وقرر أن يدلف إلى مقبرة العائلة ويقرأ سورة الفاتحة على روح والده ووالدته وشقيقه محمد الذي استشهد قبل بضعة سنوات في الحرب العراقية – الإيرانية .
انتهى من قراءة الفاتحة أمام القبور الثلاثة وقبل أن يستدير حاملاً جسده إلى بيته مطلقاً العنان لروحه لمزاولة الحرية التي حرم منها ثلاث سنوات وأربعة أشهر وخمسة أيام وعشر ساعات وخمس دقائق ، كان حروف اسم حفيده حازم يبرقُ في ذهنه ويزيينُ شاهداً رابعا كان لازال رطباّ ، ندياّ بماء الورد ورائحة البخور.

2- ابتسامة خاطفة

وهي تفتح الباب لتوديع مخلفات الليل من قشور الرقي وعلب الببسي كولا والسفن آب وأقداح المرطبات الفارغة وأغلفة الشكولاتة التي يلتهمها سامر وشقيقته نبراس، داهمتُه وهو يضع قطعة معدنية تنتهي بسلك معدني ازرق اللون ،اكتشفت لاحقاً إنها العبوة الناسفة التي تسمع عنها في نشرات الأخبار التي تنثرها أفواه المذيعين في الفضائيات والراديوات، صباحاً مساءً.
تلك الابتسامة الخاطفة التي فجرها في وجهها قبيل طلوع الشمس ، لم تقودها إلى اقتناء العشرات من الفساتين المطرزة بالدانتيل ، وحشر الخزانة بكامل ادارجه..فخلال يومين أو ثلاث ، امتلأت خزانة كفوة ، وأصبح بحوزتها أكثر من عشرة قمصان ، أربعة بناطيل بألوان مختلفة ، خمس تنانير متعددة الأطوال ، ستة أو سبعة أحذية بألوان ُوطرز ، سبعة قباقيب ، حفنة لابأس بها من أقراص الشعر وأساور اليد وحلق الأذن وأصناف من العطور والروائح . وخلال يومين أو ثلاث ، انقلبت كفوة مائة درجة على نفسها ، فقد غدت كفوة أخرى تختلف عن السابق بمائة وخمسين ميلاً..
بل…. تلك الابتسامة الخاطفة جعلتها تتوهم في أن القطعة المعدنية التي كانت تنتهي بسلك طويل التي انفجرت لاحقاً عند مرور رتل أمريكي من أمام الباب مسببة في تدمير إحدى الهمرات الثلاث ، قاد بها أيضاً إلى تغاضي عن حقيقة الانفجار الذي وقع بعد ربع ساعة فقط عن انفجار تلك الابتسامة الخاطفة التي كانت قد سببت في مقتله وان الشخص الذي نعاهُ المؤذن في الجامع الواقع في آخر الشارع كان لصاحب الابتسامة وان الجثمان الذي حضر تشييعه والداه واثنان من إخوتها كانت جثمانه.

3- حب مفخخ

خطوات كانت تفصله عن المطعم الذي قرر أن يلتقي فيه بفتاة أحلامه ويتبادل معها نظرات الحب والإعجاب ، لكن العبوة التي انفجرت على بعد أمتار من السيارة التي كان يقله قد نسفت أحلامه مثلما نسفت أشياء أخرى كانت قريبة من المكان: سيارات كانت تسير في طريقها نحو مواعيد الغرام ، مواعيد العمل ، زجاج المحلات القريبة من الشارع ، سابلة كانوا يخطون الخطى باتجاه الأحلام والرغبات، وطارت شظية واخترقت عينه اليمنى وأصبح على أثره نصف أعمى، نصف مفتوح ، فأسقط من حساباته فرضية أن الفتيات يعشقن الشباب ذي العيون الزرق.
وقبل أن يتمكن من الوصول إلى متنزه الزوراء الذي قررا أن يلتقيا فيه ، حدث اشتباك مسلح في الطريق المؤدي إلى المتنزه ، فطارت رصاصة وأصابت إحدى ساقيه ، أصبح بعد تلك الحادث ، رجلاً يستند في مشيته إلى ُالعكاز ، فاسقط من حساباته فرضية أن تكون الفتاة التي التقى بها في حفلة زواج صديقه ، مغرمة بساقيه الطويلتين اللتين تشبهان ساقي الغزال .
لكن في المرة التي قررا أن يلتقيا فيها داخل صالة فندق فلسطين مرديان ، داهمت قوة أمريكية الصالة واعتقلته مع خمسة آخرين بتهمة دعم الإرهاب .
وفي اللحظة التي ظفر باللقاء بها ، ُصدفة ، وكانت تترنح في المشية على كورنيش الاعظمية، اختلس النظرات إليها ثم تبادل معها نظرات الحب والهيام قبل أن تسقط قذيفة هاوون ، وتلقي بهما في منتصف النهر.

كلشان البياتي-قاصة من العراق
Golshanalbayaty2005@yahoo.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.