إبراهيم محمّد : تهنئة إلى الروائي سنان أنطون

الروائي سنان أنطوان
الروائي سنان أنطوان

تسربت معلومات شبه مؤكدة أن الفائز بالبوكر في دورته الحالية هو سنان أنطون. وبهذا لا يسع كل مهتم بالأدب والرواية العربية إلا أن يقدم تهنئته الحارة لأديبنا الفذ
لا شك أن الأدب العربي يمرّ في محنة كبيرة، فهو بين قطبين كلاهما شرّ، الغزو الأمريكي الفكري الأحط تأثيراً، وبرميل النفط العربي الأشد إغراء وإفساداً، فغزو العراق الملبس الذي رفع شعار رائعاً “تخليص البلد من ديكتاتورية حمقاء” أثار آمالاً شرعيّة وإنسانية في البدء بطريق ديمقراطي مسالم، لا في السياسة حسب بل حتى في الأدب. لكن تلك الخطوة الهمجية كشفت القوات الأمريكية، فما إن وصلت أرض العراق حتى كشرت عن أنيابها، وأزالت أقنعتها لتوقع أقسى خسائر لحقت بالشعب العراقي المسكين الذي لم يكن له من ذنب إلا احتواء أرضه على أحد أكبر حقول النفط في العالم.
ومن نافلة القول أن الغزو العسكري يزول بسرعة إن لم يشفع بغزو فكري مماثل، فبعد الغزو مباشرة أقيمت جوائز أدبية محيرة، ومؤسسات نشر مثيرة، في بلدان عربية تنشر وبمكافآتyuosof zaidankh senan antwan 2 مجزية لا الأدب الجيد، بل أدباً ملبساً، يقود إلى انفتاح مخزٍ على فكر هابط ينخر العقل العربي وأدبه وثقافته وتطلعاته ويعرقل طريقه الطبيعي الصحيح، ويصيبه بأمراض قتل المناعة الطبيعية المكتسبة الفاتكة، ليخلف أدباً مسخاً لا علاقة له بالأدب سوى الاسم.
خبراء دور النشر عرب وأمريكان، ومحكموا الجوائز عرب وأمريكان أيضاً، لكن الكلمة العليا لممثلي الاحتكارات النفطية منهم. لم يكن من محكمي البوكر مختصّ بالرواية في دوراتها جميعاً سوى فاضل العزاوي بالرغم من انتاجه المتوسط نوعياً، أما الباقون وعلى رأسهم جورج طرابيشي فلا علاقة لهم وله بالأدب والرواية إلا خيط رفيع ينقطع كل هبة ريح متواضعة، ولعل أشد المؤثرين بالجائزة وأقربهم إلى الأدب هو السيدة جمانة حداد التي أعلت وما زالت شؤون وشجون أدب “الجسد” عارياً وشاذاً ومثيراً للغرائز والنقاش من خلال أدب المثليين وشذاذ الآفاق. فلا أدب ذا هدف نقيّ حاز جائزة، ولا رواية ذات محتوى إنساني صعدت. ولم يكن الأمر غريباً إذ لم يفز سوى الفكر أمريكياً ومنحازاً لأعداء العرب التقليديين، فلقد فتحت أبواب النشر الأنيق المجزي لمن يتغنى بتل أبيب، وسيداته ولمن لا يشير إلى القدس إلا بأورشليم، ولا يثير ضميره مئات آلاف القتلى الأبرياء على أيدي القوات الأمريكية، ولا النساء العربيات المغتصبات، ولا أطفال العراقيين المشردين، بل أبطالاً يهوداً يحس بالخزي منهم يهود الأرض المحتلة قبل غيرهم، من هؤلاء الكتاب من تغزل بسيدات من تل أبيب، وهاموا جنوناً في القيم الأمريكية وضاعوا دجلاً في مصداقية القيم الحديثة، وكأن الوطن العربي خلا من الجميلات، وخال من القيم والفكر، لكن عموم كتابتهم كانت غزلاً وتمسحاً بسلطة الأرض المحتلة، وأفكارهم منسوخة من مفاهيم مفترضة لم ترس على الواقع يوماً، وكذا تطلعاتهم الهابطة في إعلاء شأن المثلية والتغير الأخلاقي، لكن أسوأ ما يهدد الواقع الأدبي هو إشاعة الطائفية في الأدب، فأهم ما أفرزه انهيار العراق في الحرب الأمريكية هو تثبيت الطائفية في العراق أولاً ثم في سوريا، والزحف على باقي الدول العربية كالسعودية والبحرين واليمن الأمر الذي يهدد بقية الدول العربية كمصر والسودان والمغرب وغيرها مستقبلاً، وحينما فرض برايمر النسب الطائفية في العراق ظن المثقفون أنها ستبقى في حقل السياسة والحكم، لكن تطبيق هذه المبادئ ظهر في الأدب على أيدي الكثير فعلى سبيل المثال خلق سنان أنطون، في رواية “وحدها شجرة الرمان” أنموذجاً عالياً لمسيح شيعي “الفرطوسي” ليؤكد نظرية برايمر في فرضه للنسب الطائفية في العراق، فكانت روايته هي بطاقة تزكية وممراً سلساً لدخول البوكر لهذه السنة، ليكرس رمزاً مسيحياً طائفياً آخر، ويبدو أن تركيز أي شخصية من طوائف الأقليات وأدبها مهما تفهت هي بطاقات مماثلة لا للبوكر بل لنوبل أيضاً، ف”بشجاعة متناهية!” رسمت دروز بلغراد مسيحاً آخر من المسيحيين أنفسهم. “من بين أربعين شخصاً منفياً إلى بلغراد لا يرجع سوى حنا الدمشقي.” ليكرس معجزة أخرى أشبه بمعجزة السيد المسيح، أو المسيح الشيعي، أما رواية عزازيل الهابطة فيكفي أنها تضع حديثاً تافهاً مختلقاً منسوباً للبخاري عن لسان محمد: ” لكل امرئ شيطانه، حتى أنا، غير أن الله أعانني عليه فأسلم”.وضع زيدان الحديث في مقدمة الرواية، لكن زيدان ارتكب خطأ العمر، لأنه سيدفع الباحثين إلى التقصي عن الحديث، وعندما سيكتشفون أنه مختلق سيهبط زيدان إلى درك لا يشفع له به أحد.

وأخيراً هل من منقذ لنا من هذه المؤسسات الملغومة؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حمود ولد سليمان “غيم الصحراء” : جبران خليل جبران /الأسطورة الخالدة

1/ في مقالته التي دأب علي كتابتها في صحيفة “القدس العربي” اللندنية والتي تعودت أن  …

| الكبير الداديسي : كيف يسوِّق كتاب آسفي علاقة مدينتهم بالبحر روائيا (ج2) .

  بعد الجزء الأول التي رصدنا فيه النظر السوداوية لمدينة آسفي في كتابات روائييها، ونوعا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *