ليث الصندوق : ملامح المروي له في رواية ( المُعْظَم )

laith alsandook 4taha alshabeeb 2( ألمُعْظَم ) هي رواية الروائي العراقي طه حامد الشبيب ، وتعني ( المُعْظَم ) اكثرية العراقيين الذين لم تكن لهم ثمة حصانة من أي نوع تقيهم من أخطبوط الخوف الذي سربه إلى قلوبهم النظام السياسي البائد ليزرع فيها رقيباً يضبط إيقاعات حيواتهم بما لا يتعارض مع توجّهات القائد وقيادته البائدين ، والراوي الذي ما أكثر ما يدين سلوك أؤلئك ( المعظم ) لا يتردد أن يعترف بأنه هو نفسه أيضاً أحدهم ( فأنا من المعظم كما تعلمون . ص / 117 ) . بل ليس هو وحده ضمن تلك المنظومة البشرية المهزومة روحياً ، إنما كامل نسله البشري ( أنا الكائن المنسحق تحت شعوري ، ألمطارد من قبل شُعوري في كوني ( معظم ) إبن معظم . ص / 117 ) ، بل حتى ( المروي له ) ينتمي إلى تلك المنظومة المجتمعية ، وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً .
ومن الملاحظ أن المروي له ليس كياناً مفترضاً ، أو مضمراً يتحمل القاريء النابش مسؤولية البحث عن الموقع الذي يتوارى فيه ، بل هو شخصية واضحة المعالم تحددها صياغات الخطاب اللغوي للراوي الذي يتوجه إليه بشكل مباشر ، موضحاً منذ الصفحات الأولى بأن مهمته لا تقف عند سرد الأحداث التي شارك

تخطيط للشاعر والناقد والرسام ليث الصندوق
تخطيط للشاعر والناقد والرسام ليث الصندوق

في صنعها فحسب ، بل تداول تفاصيلها والمشاركة في بنائها مع المروي له . فمنذ السطر الأول من الرواية يضع الراوي ضمن أهدافه أنه ليس الوحيد الذي يُشغل مسرح السرد ، وأن مجموعة سامعين مفترضين يصغون لحكايته ، إنهم ( المروي له ) الذي يتواجد داخل النص بوصفه مجموعة وليس فرداً ، لذلك يتوجه إليهم بسرده ليس لكونهم يمنحون السرد مسوّغاً نقدياً  باعتبارهم الناقل الذي يتوسط ما بين الراوي والقاريء ، بل لأنهم جزء من منظومة ( المعظم ) التي يشترك معها في كونهم جميعاً مستنسخين عن بعضهم ومتشابهين بحكم رجل الأمن المزروع بدواخلهم ، لذلك ليس للراوي إلا أن يُشرك ( المروي له ) في الاطلاع على خزين معلوماته ، أو يتحقق من صحتها بمقارنتها مع معلوماته ( في اليوم ذاته ، وقد كان يوماً طويلاً كما لاحظتم تعرفت عليها . ص/5 ) فعبارة ( كما لاحظتم ) عندما تأتي في السطر الأول من الرواية ، فذلك يعني إن المشمولين بفعل الملاحظة كانوا أصلاً على دراية مسبقة بالتفاصيل السردية التي يُفترض إنها من أسرار الراوي وحده ، والتي جعلت من ذلك اليوم طويلاً .
وتتكرر تلك الرغبة من الراوي في إشراك ( المروي له ) في الإحداث من خلال استخدام أساليب بلاغية ولغوية عدة مثل الاستفهام غير المقصود لذاته ، والذي يفترض بمن يتلقيه أن يبحث له عن kh taha almoaddamإجابة ، وفي كثير من الأحيان تكون الاجابة حاضرة في طبيعة السؤال ( لنفترض أن أحد الأطباء تجرّأ وفتح عيادته ، هل سيستقبل فتىً مصاباً بطلق ناري في يوم كهذا ؟ ص / 6) ودون أن ينتظر الرد – والردود لا تُنتظر ، بل لا تأتي أبداً – يجيب الراوي مكملاً جملته بتأكيد السؤال ( أجل في يوم كهذا . ص/ 6) ثم يتوجه مباشرة بالكلام إلى ( المروي له ) مبرراً استحالة معالجة مصاب في يوم كهذا ( إذ إنه يوم طويل كما تعرفون ، وزنه زنة دهر بأكمله . ص / 6 ) والراوي يتكلم عن استنجاد إحدى بنات محلته به لإنقاذ أخيها الذي أصيب في فخذه بطلق ناري في أحداث انتفاضة 1991 التي أعقبت هزيمة النظام السابق في حرب الكويت ، وتلك هي الثيمة الأساسية للرواية والتي سيتحمل المسعف جراءها العنت ويُطرد من بيوت أقاربه وأصدقائه الخلّص الذين لجأ إليهم ، ثمّ يُطارد من قبل ( المُعظم ) غريباً عن أهله وبيته إلى أن يسقط النظام السابق ، لكن المحنة لم تسقط مع سقوط النظام ، بل تستعيد إيقاعها القديم ذاته مع النظام السياسي الجديد ، ومع ذات الأشخاص ( المعظم ) الذين نزعوا عنهم جلدة النظام البائد ليلبسوا جلدة النظام الجديد دون أن يتخلوا عن انهزاميتهم وانخذالهم تجاه الحاكم المستبد وسلطاته القمعية .
لكن رغبة الراوي في إشراك ( المروي له ) في المعلومة تتوثق ، وتزداد إلحاحاً كلما تقدم الراوي المشارك في الأحداث خطوة باتجاه بؤرة السرد ، مصرّاً على معرفة ( المروي له ) بمسرح الحدث المركزي ، وبذلك يضمن عدم مباغتته بما يستجد عن الأحداث من تفاصيل ، ف ( المروي له ) على تماس بطرفين فاعلين ومؤثرين ( الراوي ) و (المكان ) والمسافة بينهما هي ذات المسافة الفاصلة ما بين ( المروي له / المروي لهم ) و ( ألمكان ) وبذلك ضمن الراوي لنفسه التحرر من مشقة تأثيث ووصف المكان ( أما أنتم فتعرفون المدينة ملأى منذ أذان ظهر ذلك اليوم بالجيش : قناصة وأليات ) ويؤكد الراوي تحرره من مسؤولية كشف خفايا المكان أمام ( المروي له) ما دام ذلك الأخير على معرفة لا تقل عن معرفة الراوي به ( ولن أضيف شيئاً إلى معرفتكم إن تحدثتُ في هذا الأمر ) ولكن حين يخرج الراوي من بيت صديقه الجريح يجد المدينة غارقة في ظلام وصمت رهيبين ، بعد أن ترك موظفو دائرة الكهرباء عملهم ، وتبعهم مؤذنو الجوامع ، فكأنهم كانوا يقولون في أنفسهم ( ألله يرى من عليائه دبابات الحكومة ومدرعاتها تملأ شوارع المدينة وأزقتها ، ويرى سبحانه القناصة على أسطح البنايات ، فلن يرضى جلّ في علاه والحال هذه أن نقضي لا لشيء إلا لندعو الناس إلى الصلاة ، بإمكانهم أن ينظروا إلى ساعاتهم في معاصمهم فيعرفوا إن الصلاة قد حان موعدها . ص / 9 ) وأخيراً اتخذ المؤدنون قرارهم من دون اتفاق ( لا لن نخرج إلى الجوامع ، ولتبق المآذن خرساء حتى يأذن لها مبدل الأحوال فتنطق . ص/9) . ولكن أين موقع ( المروي له ) من مونولوج الظن هذا الذي دار برأس الراوي دون أن يشخص قائليه بدقة ، مكتفياً بإفتراض دور لهم في صناعة الصمت ، وإفترض حوار لهم في تسويغ ذلك الصمت ، وإن كلا الفرضين مبنيان على واقع يحف بالمدينة قوامه سلطة القمع التي جلبت معها الرعب – وهو المادة الأولية الخام لصناعة الصمت – من العاصمة .
ولكن أين موقع ( المروي له ) من الفرضين ، والراوي يصرّ على أن يُطلعه على ما ينجم عنهما من تبعات ( … وأنا أقول لكم بكامل الوضوح ، حُقّ لهم أن يقولوا ذلك في أنفسهم ، فمن رأى ما كنتُ أراه وأنا أتنقل من مكان إلى آخر في محلتنا ، حذاء جدران المنازل ، بل ملتصقاً بها تحت ستار الظلمة الهابط علينا سيعرف ماذا يعني أن يؤثر المرء البقاء في صندوق مقفل على أن يخرج إلى الشارع في تلكم الليلة ) . هذا الإصرار من الراوي على إطلاع ( المروي له ) على أحداث معروفة للطرفين سرعان ما يخفت لأنه لا يريد أن يكرر معلوماته ( ولا أظنكم تنتظرون مني وصفاً لما رأيت إذ إن جلكم ، إن لم تكونوا كلكم تعلمون الأن ماذا حصل بالضبط إبان غارات تينكم الأيام ولياليها . ص/10 ) وفي هذا النص فتت الراوي الكتلة المتجانسة معرفياً ل ( المروي له ) فجعل منها كتلتين ، فبعضهم يعلم ، بينما الأخر لا يعلم ، وهاتان الكتلتان متساويتان عددياً بدلالة وحدة القياس الهلامية ( بعض ) التي لم يستعن معها الراوي بأداة سواها لتمييز أحدى الكتلتين عددياً عن الأخرى . وعدا ذلك التشطير أو التفتيت المعرفي ، فهناك تشطير من نوع آخر إن جاز لنا أن نسميه تشطيراً تصنيفياً ، إعتمده الراوي لتفتيت كتلة ( المروي له) وتجزئته إلى كتلتين غير متجانستين عددياً ، فهو يتوجه ( إليه / إليهم ) بخطابه ( الحساسية الوطنية لدى زملائي من – المعظم – في أوجها كما بتم تدركون ، بل أنتم تدركون ذلك منذ البداية لأنكم ببساطة من – المعظم – إن لم تكونوا كلكم فجلّكم . ص/ 224) ومن الواضح من النص إن إحدى الكتلتين التي إنشطر إليها ( المروي له ) يمثلون ( جلّ المُعْظم ) أما الفرق العددي ما بين ( الكلّ / الجلّ ) وهو فارق نزير فيمثل عديد الكتلة الثانية المُعفاة من تهمة الانتماء إلى فئة المُعظم .
ولكن ليس الحدث الكبير الذي تتحرك في إطاره المدينة المضطربة هو الحدث المشترك الذي يحيل إليه الراوي في خطابه إلى ( المروي له ) سواء كان ذلك من الذين صنفهم بأنهم يعلمون أو من الذين لا يعلمون . فبعد أن توجه الراوي لإسعاف الشاب المصاب بفخذه وجد نفسه في مواجهة حالتين ، الأولى : حالة شاب مصاب موشك على النزف ، وعليه أن يسعفه دون إبطاء أو تردد . والحالة الثانية : مواجهته لأخت المصاب فائقة الجمال التي سيتعلق بها قلبه تعلقاً غاية في العفة والنبل . ووسط الحالين يجد الراوي نفسه في مأزق ، فيستعين ب ( المروي له ) ليروي له تخفيفاً للعبء الذي بدأ ينوء تحته قبل أن يباشر بعملية الإسعاف ( مأزقي معقد كثيراً كما ترون فأنا أصلاً لست طبيباً ، ولا حتى مضمداً يحمل شهادة معهد طبي ، أي أني أصلاً بحاجة لمعجزات الخالق القدير حتى أستخلص الرصاصة أو الشظية من فخذ المسكين ، والأن وجه أخته يضع عصابة على عيني ، أللعنة مأزقي تعقد كثيراً . ص/11) . ولعل الإتصال المستمر ما بين الراوي و( المروي له ) أوهم الأول بأنهما كائنان نصّيان يشكلان معاً كتلة نصّية متجانسة ، فهو يصف الطيور التي كانت تجيء في مواسم الهجرة لتملأ سماء المدينة ، هربت بعد أن تحولت المدينة إلى ثكنة عسكرية ( … ولم يتسنّ لها أن تبعث برسالة محذرة للأسراب التالية الملتحقة بأثرها ، وإلا لما كنا رأينا اليوم طيراً مهاجراً واحداً في سماء مدينتنا . ص/14 ) فالضمير المتصل لجماعة المتكلمين الذي يطلقه الراوي في نصّه لا يعود إليه وحده ، بل يجمع معه صديقه ( المروي له ) فهما في المستوى السردي المتخيل ذاته ، وبذلك صار الراوي لا يتكلم عن نفسه فحسب ، بل نيابة أيضاً عن ( المروي له ) وتلك ظاهرة سردية ملفتة وفريدة .
وللتذكير عودات إلى الوراء ‘ فبعد أن أقنعنا الراوي برأيه في ان ( المروي له ) على علم بأجواء حكايته ، وتفاصيلها ، عاد يتراجع عن ذلك الرأي في أعقاب نجاحه بإسعاف جاره المصاب ، ليذكر ( المروي له ) إنه لم يُخبره بعدُ عن شعر سلوى الأسود الفاحم ، وسلوى هي أخت المصاب التي بدأت مشاعره تنزع إليها ، ومع ذلك ( لم تفت الفرصة ، سأخبركم الأن . ص/15) ولكن هذه الاستدراكات التي يملأ بها الراوي  فراغات النص ويُكمل بها المعلومات الناقصة أو المخطوءة ألتي سبق أن أطلع عليها أل ( المروي له ) والتي تجيء عادة متأخرة عن موعدها ، تتكرّر في أكثر من موضع ، فها هو الراوي يستدرك مصححاً معلومات (المروي له ) بعد أن نجح في إسعاف صاحبه مبيناً بأن الأدوات الجراحية التي إستعان بها في إخراج الطلق الناري من فخذه أتى بها ( من بيت طبيب أعرفه ، وليس من بيتنا كما قد يتبادر إلى أذهانكم ) ، ثم بعد أن تحدّث الراوي عن نذر عاصفة ترابية تلوح في أفق المدينة ، وتجاوز ذلك الخبر – دون أن يُفصّل فيه – إلى أخبار أخرى تدعم خطّ سرده ، عاد يسحب ( المروي له ) إلى الوراء ليضعه في صلب ما انقطع من أخبار العاصفة الترابية مستكملاً معلومات الخبر المبتور ( لا بدّ أنكم تتساءلون الأن عن العاصفة الترابية التي وردت رسُلها المدينة صباح ذينكم اليوم ، حسناً ، لقد تفاقمت ، إنما لن تبلغ حتى تقترب الساعة الثالثة عصراً . ص/18)
ما بين المفارق والمشارك
وبعد أن عوّل الراوي على معرفة أوجهل ( المروي له ) في سرد أحداث مرّ عليها أكثر من عقد من الزمان مستخدماً أفعال الشك واليقين في مخاطبته إياه ( كما تعرفون / كما تعلمون / يُخيّل إليكم / لا أظنكم تعرفون / كما ترَون … إلخ ) ، عاد يُحاور نفسه وهو يرصد من سطح بيت صديقه الذي أسعفه – ترافقه سلوى اخت صديقه – الشارع يغرق في ظلمة المجهول الذي يترصّد بالمدينة بعد أن خبت فيها نار الثورة جراء شراسة اساليب القمع التي واجهت بها القوات العسكرية والامنية والحزبية المدججة بالاسلحة المنتفضين ( حِرتُ إلى من أوجه ذهني ، ألمفترض إنه ينصرف تلقائياً إلى التفكير في ما يحدث تينكم اللحظات : مصدر إطلاق النار ، وأين تُطلق النار ، ولماذا تُطلق النار . ص/26) هذا الحوار من الراوي مع نفسه هو الصدى لحديث مفترض له مع ( المروي له ) ، لكنه نحّى صيغة الحوار الخارجي جانباً ليقينه بأن حالة من الاندغام قد تمت ما بين الشخصيتين المرتسمتين في النص ، شخصيته هو (الراوي ) و شخصية ( المروي له) جراء التعود الذي نجم عن تكرار التوجه إليه وحده ، وأية ذلك إنه سرعان ما يعود ( في الصفحة ذاتها ) إلى ( المروي له ) ليشطر حالة الاندغام التي سادت ما بينهما ( وكما ترون ، وتسجلون عندكم ، إنها أول مرة أمسّها وتمسّني . ص/26) أو ربما تستمرّ حالة الاندغام بينهما ، ولكن في سياقين منفصلين عن بعضهما ضمن نصّ حواري واحد ، السياق الأول يتوجه به الراوي إلى نفسه ، والسياق الثاني يتوجّه الراوي به إلى ( المروي له ) من دون أن يكون هناك فصل حاد وقاطع ما بين السياقين ما دام لكل من الراوي و( المروي له ) مسؤولياته ومهماته السردية الخاصة به والتي تميزه عن قرينه ( تحرك الركب ظافراً بما غنم من ذكور المدينة ، في رحلة لا حاجة بي لأن أسميها لكم ، فجميعكم سمع عن المقابر الجماعية .ص/32) ففي هذا النص يُرسم الراوي حدود دوره من جهة ، وحدود ودور ( المروي له) من جهة أخرى ، فاصلاً ما بين الحدّين ، فبدءاً من عبارة ( فجميعكم ) حتى نهاية الجملة هي من حصّة ( المروي له ) ، وعداها فكلّ المتبقي من حصة الراوي ، ويبدو من الحصتين أن ( المروي له ) قد احتفظ من السرد بدور وحصّة السامع ( المفارق ) ، أما الراوي فاحتفظ بدوره كمشارك في الاحداث . لكن الراوي ما أكثر ما يُضلل قارءَه بالايحاء له أن ( المروي له ) مشارك في الحدث بدليل إنه مُطّلع على مجرياته ( … فكما تتذكرون ، قبل يومين او أقل بقليل صالت الوحدة العسكرية على المدينة بعد أن فرغ المؤذن من رفع أذان ظهيرة ذينكم اليوم الذي تعرفونه خير المعرفة . ص/36) لكن الراوي في مكان آخر يوحي لقارئه بأن ( المروي له ) مفارق للحدث ، وإن مهمته كراوٍ هو أن يُطلعه عليه ( إذن لن أدعكم تتجشمون عناء الحدس ، أنا سأخبركم ، لن تتسنّ لي العودة بالمفيد على الرغم من أني طفت في شوارع المدينة جميعها في صبيحة وضحى ذينكم اليوم .ص/37) أو ( قبل أن أعود إلى زقاقنا ينبغي لي أن أكون أميناً فأنقل لكم ما تبقى من المشهد في الشارع الرئيس . ص/40) أو إن الراوي يُعيد استكمال المعلومة التي وردت فيما سبق مبتورة ، ونتذكر هنا لواذه ببيت صديقه ( ميسّر الأدهم ) بعد ان هرب من مدينته إثر تهديدات صديقه المثقف ( صالح السلوان )  بالابلاغ عنه ( نسيت أن أذكر لكم إن غرفة الضيوف في منزل ميسّر الأدهم تحتوي أريكتين خشبيتين وبُسُطاً ممدودة على الأرض بحذاء الحائط . صم 92 ) . أو إن الراوي يضع ( المروي له ) أمام مسؤولياته السردية واعياً تمام الوعي بأن مهمة ذاك الأخير هي التوسط ما بينه وبين القاريء ( هذا أول تحدّ أضعكم أمامه فاقبلوه ،  ستجدونني أضعكم أمام تحديات أخرى وأنا أمضي في القص ، فلا تترددوا في قبولها لأنكم جزء لا يتجزا مما حدث ، ليس مقبولاً أن تتمتعوا بالجلوس على مدرجات الملعب . ص/ 43) ، وعلى العكس من هذا الموقف يعترف الراوي ل ( المروي له ) بأن المعلومات التي كشفها له عن الانتماء اليساري المفترض لعائلة صديقه المصاب ( سلام ) غير مؤكدة ( … ومثلما تلاحظون أنا غير متاكد تماماً مما أقول .ص/47) . وفي مرات أخرى يعيد الراوي تذكير ( المروي له ) بمعلومة كان الراوي نفسه في موقع أسبق قد كشفها له ، فقد سبق لهذا الأخير أن كشف بان القوات العسكرية الحكومية قد استدعت سكان المدينة ممن تتراوح أعمارهم ما بين الخامسة عشرة والخامسة والستين إلى مقتل لم يتوقعونه ، وبعد أن اجتاز هذه المعلومة بمسافة بعيدة ، عاد يُنبّه (المروي له ) إلى ( إنه / إنهم ) على علم بأعمار المغدورين ( أنتم تعرفون الأن أعمارهم . ص/35) أو حين يلوذ هارباً ببيت صديقه الشاعر ميسّر الأدهم ( تذكرون إني حسب خطتي كنت سأخفي سلاماً عن أعين المفتشين . ص/82 ) . على أن الراوي لا يجد نفسه مضطراً دائماً للإيفاء بمسؤولياته السردية تجاه ( المروي له ) تلك المسؤوليات التي تُملي عليه إعلام ذلك الأخير بأية معلومة ذات صلة بموضوعه ، مسوغاً نكوصه ذاك بعدم وجود ضرورة لتلك التفاصيل ، فحين لاذ الراوي ببيت عمته هارباً من تهديدات صديقه صالح السلوان بالإبلاغ عنه لأنه اسعف خائناً ، وجد نفسه وسط بنات عماته اللواتي سمع بهنّ قبلاً لكنه لم يلتق بهنّ ، وقد استرعت إنتباهه إحداهن لم يتذكر إسمها ( على أني حتى لو كنت أتذكّر إسمها ، لا أجد ضرورة في ذكره الأن . ص/ 72) لكن السبب الحقيقي لعدم إإيفاء الراوي بمسؤوليات السردية متمثلاً بحجب المعلومات عن ( المروي له ) هو ليس كما سوّغه الراوي بعدم ضرورتها سردياً بقدر ما هو إشفاق الراوي على ( المروي له ) من هدر ( وقته / وقتهم ) في الإصغاء إلى كل ما يُقال له ، لذلك عزم على ألا يُبدّد وقته إلا بإسماعه المفيد فقط ( لن آخذ من وقتكم أكثر مما ينبغي ، سأبلغ بكم إلى المفيد . ص/73) كما إن الراوي في بعض الأحايين يرى إن ل( المروي له ) سلطة أخلاقية  متمثلة بطلبات مفترضة عليه تلبيتها ، فبعد ان طرده صديقه الشاعر ميسّر الأدهم من بيته بعد معرفته بقصة إسعافه لإحد جرحى الانتفاضة ، غادر البيت محتاراً ومضطرباً وهو لا يعرف أي قرار سياخذ به وهو يتوجه نحو المجهول ، فتوجه اولاً نحو ( المروي له ) مسوغاً له استهانته بسلطاته وعدم الأخذ بطلباته ( … وأما ما تطالبونني به من هدوء في التفكير بعد ان برحت ميسّر ودارهم ، فقد كان ضرباً من المستحيل . ص/ 111 )
تدارك فوات زمن القص
بعض النصوص تبدو وكأنها كُتبت بعد زمن القص بزمن بعيد مما أنسى الراوي بعض التفاصيل والأحداث والأسماء ، فعندما خرج الراوي من بيت صديقه ميسّر الأدهم مطروداً ، لم يجد مكاناً يأوي إليه سوى الجامع ، لكن خادمه لم يأذن له بمكوث ليلته فيه ، واكتفى بان أعطاه الطعام ثمناً لدعاء يشفع له يوم الحساب ، فطلب منه الراوي ساخراً أن يُعلمه بإسمه وإسم أمّه ليدعو الله له بالخير ، ولم يفهم خادم الجامع السخرية ، وسارع يبلغه بإسمه وإسم امه ( لقد حمل تعقيبي على محمل الجد ، فكأني لم أتهكم عليه ، صدقوني لقد سارع يُخبرني بإسمه وإسم أمّه ، إنما للأسف لم يَعلَق أيّ منهما في ذاكرتي ، وإلا لكنت ترنمت بهما امامكم الأن ) هذا النص يضع (المروي له ) في ( الأن ) بينما الحدث كان في ( ألماضي ) ، وما بين ( الأن ) و( ألماضي ) مسافة زمنية بعيدة بحيث أنست الراوي إسم خادم الجامع وإسم أمّه فحُرمنا بذلك نحن القراء ، ومعنا ( المروي له ) فرصة الاستمتاع بترنيمات الراوي .
عِلمُ ( المروي له / المروي لهم )
في بعض الأحايين يفترض الراوي ان وجود ( المروي له ) ليس في الخارج فحسب ، بل في داخله ايضاً ، يعيش معه قصة حبه الباطنية العفيفة ذات الطرف الواحد مع سلوى ، ويفهم لغة نبضها ، وأن حالة من التوحدً تجمع ما بين روحي وجسدي وعقلي تختلف عن ما أسميناه فيما سلف بحالة الاندغام بينهما ، ففي حالة الاندغام كان حوار الراوي مع نفسه ظاهرياً يضمر حواراً مبطناً موجهاً إلى ( المروي له ) فقد أزاح الأول الفاصل الحواري ما بين شخصيتيهما ، أما في حالة التوحّد ما بين روحي وجسدي وعقلي الاثنين ، فقد أسبغ الراوي على زميله ( المروي له ) ذات الصفات التي يتمتع بها ما يُسمى بالراوي العليم ، وجعل صورته هو تنعكس على ذاك الأخير ليصبح ( المروي له ) بدوره ايضاً عليماً ، وتلك مفارقة سردية نادرة على الرغم من ان الراوي ذاته في رواية ( المعظم ) لا ينتمي إلى صنف الرواة العليمين ( تتذكرون اني قطعت تلكم الليلة أجسّ نبض عِرق معصمي ، ارقب سلوى مجسّدة تتواثب مع نبضاته . ص/ 129 ) . والراوي ما زال مُصرّاً على اقتياد ( المروي له ) في رحلة مخيلته هو ( إسمحوا لي ان اعود بكم إلى مخيلتي ، وهي ترى سلوى في طريقها إلى السوق . ص/151 ) أو ( بوسعكم ان تلاحظوا إن وعيي صار يُحاصرني فيلحّ عليّ بنزع هذه – التذكرة – من تلافيف دماغي ، ولفظها بعيداً عن رأسي . ص/ 212 ) وفي كل هذه النصوص سمح الراوي ل ( المروي له ) بالتسلل إلى نبض عِرق معصمه ، ثم مخيلته ، ثمّ وعيه ولا وعيه ، ثمّ تلافيف دماغه في رحلة تخييلية من رحلات الراوي العليم . ومن المعروف أن الراوي العليم في النصوص السردية التقليدية يتسلل عادة إلى المناطق المظلمة عصية البلوغ في أجساد وخفايا وأسرار الشخصيات كل الشخصيات ، بينما تخصص ( المروي له ) في رواية ( المعظم ) بالتسلل إلى اللامرئي من جسد وخفايا وأسرار الراوي ( البطل ) حصراً بتمكين من الراوي ذاته ،  في محاولة لقلب الأدوار ما بين الشخصيتين السرديتين الورقيتين ، وإعادة توزيعها ما بينهما .
هوية ( المروي له / المروي لهم )
لكن الراوي الذي سبق أن اعترف بأنه من ( المعظم ) وأنه إبن ( معظم ) سرعان ما يعمم معظمه ليشمل كل مثقفي البلد ( فأنتم تعلمون الأن بأني محسوب على مثقفي البلد ، وهذا يعني أني من المعظم . ص/ 131 ) بل إنه يلتفت إلى ( المروي له ) ليشملهم بذات التهمة دون ان يدع لهم مجالاً للدفاع عن أنفسهم ، ودون أن يطابهم بالتبرؤ منها ، بل بالتعايش معها ( … لا بل أنتم من – المعظم – وإياكم أن تنكروا ذلك ، لا تُطأطئوا رؤوسكم ، إنها حقيقة وعليكم ان تتعايشوا معها . ص/ 131 ) .
ومع اقتراب الرواية من نهايتها يضع الراوي الملمح الأخير لهوية ( المروي له )  ، فهذا الأخير او هؤلاء الأخيرون ، ليسوا سوى أولئك الذين كانوا يهتفون للقائد السابق ( بالروح بالدم نفديك يا … ) ، ثم عادوا يهتفون بعد إزاحته للقائد اللاحق بذات الهتاف . بل إن ( المروي له ) او ( السُمّاع ) كما اسماهم الراوي ، يُشكّلون ضمن اولئك ( المُعْظم ) الفئة الأخطر ( وأخطر فئة في هؤلاء – المُعْظم – عليّ طُرّاً هم – سُمّاعي – ، لقد قصصتُ على – سماعي – كلّ شيء . ص/ 296 ) .
مأتم الوعي الميّت
في فصل غاية في الفرادة والادهاش ( ص/ 263) تمتزج فيه عناصر الفنتازيا بعناصر من الواقع في لغة حسية غاية في الأناقة والسمو يبدا الراوي بسرد حكاية ليست لها من  علاقة مباشرة بروايته ( المعظم ) بيد أن ثمة إيحاءات خفية تتصل بها إتصالاً مجازياً ، حكاية صديق أقام مأتماً لوعيه لمدة ثلاثة أيام بطقوس غرائبية شارك فيها الناس رجالاً ونساءً وصبية ، ويبدو إن الراوي لم يحضر مأتم الوعي ذاك بالرغم من التفاصيل الدقيقة التي يرويها عنه ، بل سمعها مباشرة من صديقه المفجوع بوعيه ، لأن صديقه ظل يقصّها على الناس ( جميع الناس إلا قليلاً ، إذن فالرجل ما توقف عن القص ، بيد اني سأتوقف عن نقل ما رواه لي ، لا أريد أن أبدّد وقتكم ، فلقد وصلتكم النقطة فيما أحسب . ص/ 267 ) ويواصل الراوي ( ما رأيكم ، أجل ما رأيكم أن نقيم نحن – المعظم – لأنفسنا ، أعني لذواتنا ، أعني لوجداناتنا ، أعني لضمائرنا ، أعني لكينوناتنا التي أراد لها خالقها ان تكون نورية ، ما رأيكم أن نقيم لها مأتماً . ص/ 267 ) في هذين النصين المجتزأين ثمة لعبة نصية يتعدد فيها الرواة و المروي لهم ، ثم يتبادلون فيما بينهم المواقع :
–    ألرجل المفجوع بوعيه ( الراوي الطاريء ) يقصّ ل ( الراوي الأصيل ) حكايته ،  فيصبح هذا الأخير في موقعه الجديد ( مروياً له ) .
–    ألرجل المفجوع بوعيه ( الراوي الطاريء ) يقصّ حكايته على جميع الناس إلا قليلاً ، وبذلك يصبح هؤلاء ( الجميع إلا قليلاً ) مروياً له .
–    ينقل ( ألراوي الأصيل ) خطاب الرجل المفجوع بوعيه ( ألراوي الطاريء ) ، وبذلك يستحدث الكاتب موقعاً سردياً جديداً ومبتكراً يضع فيه ( الراوي الطاريء ) ، سنسميه إن جاز ذلك (المروي عنه) آخذين هذا المصطلح من المرويات الدينية .
–    ثم عودة إلى سياق السرد المعتاد الذي ابتدأت به الرواية والذي يتحدث فيه ( الراوي الأصيل ) إلى ( المروي له ) حيث يحتفض كل منهما بموقعه الذي بدأت به الرواية وانتهت .
وبدءاً من ( ص/263) حتى اقتراب الرواية من نهايتها ( مع ملاحظة إن الرواية في 296 صفحة ) تشهد الاحداث نزوعاً إلى الغرائبية ، وانزياحاً عن خطها الواقعي الذي إبتدأت به ، لتدخل في عوالم حلمية أو كابوسية تسقط معها معايير الزمان والمكان ، ولم يعد يتحكّم  بها المنطق العقلي ولا القوانين الطبيعية ، وستتكثف الاستخدامات المجازية للغة ، بينما سيحتفظ كل من ( الراوي ) و ( المروي له ) بموقعيهما السرديين اللذين بدءآ منهما الرواية : الأول يقصّ ، والثاني يسمع ، دون أن يغيرانهما ليدخلا طرفين في عالم الفنتازيا الذي إنتهت إليه الأحداث ، أو جزء منها .

شاهد أيضاً

حِدَة التَرقب والتَهكم المُنفعل
تأمل في مجموعة “أنتظرُ شُحوبَ الوقتِ” لـ جميل الجميل
عدنان أبو أندلس

عبر مجموعتهِ المنوه عنها ، والصَادرة عن دار نون للنشر والطباعة والتوزيع – نينوى 2016 …

وليد الأسطل: سينما باراديزو

من أفضل الأفلام الّتي شاهدتها في حياتي، فيلم cinéma paradiso، يناقش الفيلم أشياءَ كثيرة، لعلِّي …

صرخة الروح وحبيب الروح الشاعر عصمت دوسكي بين الصرخة والحبيب
بقلم الأديب أنيس ميرو

* هل نحن في زمن الصم والبكم والعم ؟ * ومنهم لا يملك لقمة عيش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *