الرئيسية » نقد » ادب » عبد العزيز إبراهيم* : بنية الدائرة المغلقة ؛ قراءة في رواية “الحياة.. لحظة” لسلام إبراهيم

عبد العزيز إبراهيم* : بنية الدائرة المغلقة ؛ قراءة في رواية “الحياة.. لحظة” لسلام إبراهيم

abdulazia ibrahimsalam ibrahim 7* باحث وناقد من العراق
إنَّ ما يُميّز الرواية الرائعة عن سواها هو قدرة كاتبها على تمثيل أحداث قصتها، مصوراً ما يدور في ذاكرة المتلقي وهو يستقبل السَّرد الذي يحاول فيه – هذا الكاتب – أن يجَّر المتلقي إلى صَفِهِ، حكاية يقتنع بها من أنَّ ما يُسَرد على الورق ما هو إلا الواقع من قناعة المتلقي أن ما يحدث هو من نسج خيال الكاتب!.
هذه المعرفة المشتركة بين السارد ( المؤلف ) والمتلقي ( القارئ ) تتضح لعين القارئ نفسه وهو يتابع الكلمات المطبوعة على صفحات رواية ( الحياة.. لحظةٌ )** للقاص والروائي المبدع سلام إبراهيم، وقد تجاوزت الخمس مائة حيث يقدم نفسه للقارئ العراقي في الداخل، والعربي في خارج العراق ليقول له؛ هكذا يكتب روائيو الداخل من ترجمة تلك الغربة، والمعاناة، والآلام. رواية ترتفع إلى مستوى العالمية تجربة وإبداعاً.
والسؤال؛ ما الذي أقنع القارئ الناقد بأنَّ ما كتبه – سلام إبراهيم – كان رائعاً. وقد امتلك kh salam alhayat lahdaحضوراً ولم يظهر هذا في كتاباته السابقة بهذا القدر الذي يستفز هذا الناقد ويدفعه منحازاً لهذه الرواية دون سواها مما كتب سلام إبراهيم؟!.
لقد مثل العنوان رؤية فلسفية لخصت المدار الذي أراد الروائي أن يُقِّدم نفسه من خلاله، وكأنه يريد أن يقول لنا إنَّ الحياة لا نعيشها إلا مرّةً واحدةً، بل لحظة، فإنْ ضاعت، ضاعت حياتنا. وأراه يُوقِفُ بيت أحمد شوقي على قدميه حين يقول الشاعر في مسرحية ( مجنون ليلى )
” قد يهون العمرُ إلا ساعةً
وتهون الأرض إلا موضعا ”
والقلب هنا يَمسّ المكان قبل الزمان، لأن الأول هو الشاخص الذي يتحكم بحياة بطل الرواية ( إبراهيم ) فيضع نفسه في أماكن لا قدرة له على الخروج منها أو التمرد عليها. وهذا الوضع إمتد من العراق/ الديوانية إلى شماله ثم إيران وروسيا/ موسكو وأوكرانيا/ كييف، الدنمارك/ كوبنهاكن، وسورية/ دمشق ثم العراق/ الفلوجة حيث يتحرج رأس إبراهيم بضربة سيف ليعلن عودته إلى الرحم!.
هذه الأماكن لم يكن إبراهيم بها سعيداً إلا في الديوانية/ الجديدة أيام الطفولة والمراهقة وما تجاوزه لمدينته إلا من باب تعدد الأماكن دون أنْ يشعر بالأُلفة لأي مكان منهما. فكانت هذه الأماكن بمجموعها أماكن معادية لأمانيه، لطموحاته، لما يريد أنْ يعيش له في هذه الحياة. فهو حبس نفسه في دائرة الأيديولوجية بعد ان تجاوز المراهقة، ودفعه هذا الاغلاق إلى متاعب في حياته الجامعية أبعدته عن الاقتراب من أماكن اللهو إلى أماكن منزوية حسب ما تطلبه أيديولوجيته من حفاظ عليها أو دفاع عنها، وربما كان الجنس الذي يقتنصه لحظة عزاء في الدخول إلى الدائرة المغلقة التي زجّ نفسه بها دون أن يتمكن من الخروج منها مسببةً له المتاعب لم يجد عزاءَهُ إلا بالخمرة فضلاً عن الجنس لعله ينسى الحلم بالمدينة الفاضلة التي بشَّر بها ماركس وفجر ثورتها فلاديمير لينين وأستهتر بأهلها جوزيف ستالين بأكثر من ثلاثين عاماً ابادة مذكراً الروس بإيفان الكبير. فتراه يردد في نفسه ” – دون أسئلة.. ولا فلسفة تعقد الأمور.. إنها فرصة لاستعادة القديم الجميل.. لا تفوتها يا هذا.. ” ص 13.
النكوص والارتداد هما السبيل للخروج من هذه الدائرة، ولا يجد هذا الشرقي سبيلاً إلا استعادة الماضي الذي وصفه بالجميل، وهذا الحلم الذي أخذ يراوده أدخله في دائرة مغلقة أخرى مكانها موسكو التي شكّلت حلمه في رؤية المدينة الفاضلة، لكن الصدفة يحمِّلها بلسان ( شيركو ) وهو صديقه الكردي من العراق فيقول السارد:
( في عمق الغابة شكا شيركو من الكل، من الفكر ودجل المدينة الفاضلة.. والضياع في مكان لا يعرف لغة بشره البائسين في الأسواق والمترو والشوارع: إبراهيم هي هذي الاشتراكية؟!. ولطم على وجهه مردفاً: الروس يستجدون في الشوارع!.) ص80
وإذا كانت موسكو هي المكان الثالث، فإنَّ معاناته في كردستان لا تختلف كثيراً عندما يُراد منه أن يفرق بين الدفاع عن قضيته التي آمن بها والوسائل التي توصله لتحقيق النصر لهذه القضية عندما سأله الشاب اللبناني عن قصته في الكفاح المسلح سابقاً. يردد في داخله ” ما لايريد الكلام عنه، بسبب موقفه من الأيديولوجيا والقتل من ناحية” فتراه يقول ” لا أريد الحديث عن القتال والبطولات.. ذلك شبعتم منه.. فكل العملية تتلخص بالقتل والقتل المضاد” ص 365.
هذه القناعة التي خَيَّمت على أفكار بطل الرواية خلقت بقعة زيت غطت ما كان يؤمن به من أفكار ثورية وقرَّبته إلى عبثية الكاتب الأنكليزي ( أوسكار وايلد/ 1854- 1900 ) في مسرحية (العادلون) عندما يعرض لقضية القتل، فالثوري يقتل أَعداءه باسم الثورة، والأرهابي يقتل أَعداءه أيضاً. فما الفرق بين الأثنين إذا كان الأثنان يستعملان الوسيلة ذاتها؟!.
وأمام هذا الارتداد يتحول البطل إلى سكير ترفضه زوجته وتبعده عن طفليه! ولا يجد طريقاً إلا صدقات الدولة في الدنمارك باعادته إلى وطنه، وهو حلم يرى فيه العودة إلى الرحم ليستقر فيه ( في العراق ). ويكون هذا الحلم هو الدائرة المغلقة الأخيرة التي لن يتمكن البطل من الخروج منها أو التمرد عليها لأن السيف كان أسرع من ان يفكر في الخروج من هذه الدائرة العمياء التي أُدخل بها.
إنَّ الرواية بنيت على شخصية ( إبراهيم ) الشيوعي الذي هرب من الموت في بدايات الثمانينات جراء تصفيات النظام السابق للشيوعيين ولجأ إلى شمال العراق (كردستان) وأخذ حصته من ضربة بالمواد الكيمياوية ومعاناة الكفاح المسلح حيث لا يؤمن البطل بالقتل وسيلةً للثورة والتحرير، فانت تقتل الآخر دون ان يكون لقتلك سبب خاص وبالمقابل فإنه إنْ عثر بك فلا يتوانى عن قتلك!! ومعادلة بهذا الطريق المسدود دفعته إلى الهرب إلى موسكو وطلب العون الإنساني له ولزوجته وطفليه. لكن الموت كان في كل الدوائر التي أغلق بابها عليه أو أُغلِقت بوجهه، فهو ميت لا محالة بالرغم من تأخر التنفيذ.
النهاية هي الموت، والسؤال كيف صنع المؤلف لبطله هذه النهاية؟. لقد مَهّد لنهايته ” متذكراً نصيحة أبيه الذي قال له مرةً، حينما أطلق سراحه من الاعتقال، أول مرة في مطلع شبابه: كن قويَّاً، فالموت لامَردَّ له.. فلا تذل نفسك! ظل يتذكر ذلك في لحظات المحنة فيتماسك ويتصرف وكأنَّ ما يجري له، يجري لآخر ” ص506. وهو بهذا التمهيد يعيدنا إلى قول أبي الطيب المتنبي: ( ديوانه 4/372)
” وإذا لَم يكنْ من الموتِ بُدَّ
فمِنَ العَجزِ أن تكونَ جَبَانا ”
وعلى رأيَ أهل الحداثة تمثل نصيحة أبيه تناصاً مع قول المتنبي هذا. لم يزل السارد ( المؤلف ) واقفاً في المسافة الأولى التي يروي بها أحداث الرواية وهو يقول في بدايتها منطلقاً من موسكو: ” عندما تركتْه وحيداً في موسكو وطارت مع طفليهما إلى الدنمارك، لم يكن إبراهيم شديد التعلق بها فقط بل شبه مجنون ” ص11 لينتهي بـ ( إبراهيم ) وحيداً أمام الموت بعد أن هجرته. هذه البداية هي ما كان السارد يبشر بنهاية بطله الذي حاول أنْ يهرب من الموت ليتلقفه الموت بأبشع صورة على أيدي الإرهابيين وهم الذين صَبّوا غضبهم على أبناء جلدته أكثر مما تعرضوا للأمريكان. فتراه يبدع في تصوير اللحظة التي سبقت موته، عندما قتلوا سائق السيارة التي تنقلهم من دمشق إلى بغداد ” وتشبثَ بالمقود بقوة، فانحنى شرطيِّ ( إرهابي مرتدياً لباسهم ) وسحبه من كتفه بعنف، ملقياً به على جانب الطريق صارخاً: رافضي مشرك مرتد!.. أكسبُ بدمك ثواب!!!.” ص 491.
دون أن يكترثوا لصراخه ” ليش اخوتي.. ليش أش مسوي.. ليش أني عراقي مثلكم “.
وعلى ضوء ما قدمت فإنَّ رواية “الحياة.. لحظة” تقف في المكان المعادي بالرغم من سعته فهو السجن الذي حُصِرَ فيه بطل الرواية، وإن لم يكن لهذا السجن جدران اربعة، بل كان فضاءً واسعاً تحرك فيه البطل ودار معه أشخاص استعملهم القاص في سرد حكايات ترتبط مباشرة أو غير مباشرة بحياة وأفكار البطل الرئيس (إبراهيم) وقد نجح في تعدد منافذ القص التي طالت خمس عشرة قصة تمكن – سلام إبراهيم – من أن يشدها بحبل سري قوته تكمن في خديعة القارئ بالجنس الذي يصدمه في النهاية بالموت!. وهو بهذا أراه واعياً للعبة السرد القصصي أولاً ومؤكداً ما قال به العِالم النمساوي سيجموند فرويد (ت/ 1938): إِن الجنس والموت هما الغريزتان اللتان تتحكمان بالإنسان، وقد بنى القاص روايته عليهما.
وتبقى هنال ملاحظتان ربما يثيرهما القارئ: الأولى تقول لإنَّ عصر الرواية القائم على البطل قد تجاوزه كتاب العصر الحديث. والرواية في بطولتها جماعية. والثانية إنَّ السيرة الذاتية لكاتب الرواية ليست بمنأى في سرد أحداثها. وقد ظهر في تداعياته وذكرياته، فضلاً عن أن روايته السابقة (الإرسي) فيها الملامح ذاتها من الكاتب ( سلامي) وتشكل جُزءاً في تاريخ هذا الرجل.
نقول إنّ الاجابة عن الملاحظة الأولى تكمن في محاولة القاص والروائي (سلام إبراهيم) عندما جعل من البطولة فردية لكنه بالمقابل ربط الكثير من الشخصيات بهذا البطل من خلال التداعي الحرّ والتقطيع السردي الذي لجأ إليه ولذا نجح أيما نجاح في شدّ القارئ إليه.
واما عن الملاحظة الثانية فإنَّ اختيار موسكو مكاناً لسرد الحدث الروائي أبعد الرواية عن التكرار الذي جاء به السرد في رواية (الإرسي). فشكلت روايته هذه للقارئ غير الديواني حدثاً روائياً يبعده عن السيرة الذاتية.

  العراق – الديوانية 4 أيار 2010
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
** – الحياة.. لحظة – سلام إبراهيم / الدار المصرية اللبنانية/ القاهرة 2010-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *