الرئيسية » نقد » ادب » عيّال الظالمي : روائح الإحتراق لمن تأبط منفاه جرحاً؛ قراءة في مجموعة “و” لعدنان الصائغ

عيّال الظالمي : روائح الإحتراق لمن تأبط منفاه جرحاً؛ قراءة في مجموعة “و” لعدنان الصائغ

aial aldalimiAdnan aswadعلى جسر مالمو
رأيتُ الفراتَ يمدُّ يديه
ويأخذني
قلت أين ؟ ولم أكمل الحلم
حتى رأيتث جيوشَ أُمية
من كلِّ صوبٍ تطوقني
أية بلادٍ هذه
ومع ذلك
ما أنْ نرحلُ عنها بضعَ
حتى ننكسر من الحنينِ
على أول رصيف منفى يصادفنا

مجموعة (و)مجموعة شعرية عالية الرمزية ،بدأ من مستهل الاصطدام الأول
اعتمد بجزء منها تكنيك كتابي كنوع تغريبي ، ربما يتبع لأول مرّة بهذه الكثافة ، حيث رسم الصدى كرنات متعاقبة أو على شكل امواج صوتية ، أراد من خلالها أن يوصل الصائغ عبر تكرار الحرف وتقطيع الكلمة لكي يتفاعل القاريء مع تنهدات الحرف عند عبور في مساحات اللغة الصوتية في اماكن الرؤية امام العين حتى يتلاشى كصورة ، او امام الأذن كرنين حتى يختفي كنغمة تبتعد الى أنْ تتصاغر في مجاهل الغربة والخوف مهما كان مصدر قدومه والى أي جدار إرتضى الإرتطام ، أو أي فضاء  ضاع فيه وهل كان مضاءاً أو معتماً وهل تلبسته  ارتعادات الخوف عند ترحله ؟ فأحسُّ أن الشاعر يكتب وهو مستلقي ، أو وحيداً غريباً شارداً لا يسمع المحيطون رنين أجراسه وأصوات حروفه التي يصطدم بعضها ببعض ،لترسم لنا صور الحلم و الألم والغربة والتغرب، وها هي صورة مستنسخة من إحدى قصائده الرنينية الكثيرة:-
……
….. إلى أين تنأى ى ى
أفي كلِّ يومٍ مٍ مٍ مٍ ستختارُ منفىً جديدا دا دا  دا لتنأى بعيدا  دا دا  دا:
إلى أولِ القطبِ بِ بِ بِ- أعني: إلى آخر الصَحبِ – بِ بِ بِ  أو آخر الكتبِ  بِ بِ بِ
– أعني: إلى آخر السُحْبِ -بِ بِ بِ
إنه اختصار لعمر جال به حاملاً تأريخ الأزهار والازدهار ، وعلى كفيه رأس وأمس إنتكاس ،وراية بشتى حروب الزمن . ثم صراعات رجال الطقس ألمعصوبي الأعين و الرؤوس ، حمل (واوه)صليباً فسمّر روحه به كي لا تنزلق ذات انعقاف ، وصارت مساميره قوافي ومفردات جمال ، منها مخضبة بنزيف همٍّ وتأبط المنفى بكل نصوص غربته وأكثر غصّات روحه (العراق):
[عندما الأرضُ ، كوّرها الرّبُّ بين يديه ووزع منها: اللغات ، الطغاة ، الغزاة ، الحروب ، الطيوب ، الخطوط ، الحظوظ ، وقسم فيها :السواد ، العباد ، البلاد ، البلايا ، الوصايا ، الحواس ، الجناس ، الطباق ] يتملّك جميع حملة الأرواح القلقة المغتربين نوع من الخوف أو حالة تحتويهم تعرف بـ(علم نفس الخوف)* لأنها لا تمزج أرواحهم بالمتعة والسرور ، وانتشاء هذه الحالة من  الخوف ناتج من أبسط أنواع الخوف وهو (الحيرة ) وهذا ما يهيمن على نتاجهم الأدبي والفني تحت أنوار المنافي ، وذلك لأن هذه  الحالة مقيمة معهم وتنام معهم ، وتصحو معهم وترتحل بارتحالهم ، وإنها ليست مجرد حالة مزاجية وجدانية انفعالية ، فمن خلال ما نطل عليه من منتج (الصائغ) الجديد أجده هائماً عابرا للحدود يتلبسه فقدان اليقين فتتفاعل ذاته لا إرادياً ، وتطفو جواهره على يمِّ أدبه ، دون أدوات الصّاغة  لذا تتسربل مفرداته في خيط عُقد لآليء قلقلة ، تتراقص كدموع محتارة الاتجاه :-
1-{أنا شاعرٌ؛ دارَ بي زمني،.. واستدارَ
أقولُ لثوبِكِ يخفقُ في الريحِ هل تبصرينَ
– وراءَ الزجاجِ
– الغيومَ التي تترقرقُ بين قميصي وقلبيَ؟
مدّي يديكِ إلى غصنهِ، تلمسي نبضَهُ راعشاً}
2-البرابرةُ؛ الآن جاؤوا/سلبوا البيتَ أشياءَه /الروحَ أحلامَها
اعتمد الصائغ تقنيات تعبيرية خاصة في تكريسها عن طريق السرد باتجاه عملية انهماك مقتضبة وفق آلياته النوعية ،الى مراحل من التكثيف والتركيز في قصيدة الومضة ،أو ما يعرف بـ(الهايكو ) أو (التانكا ) وهما من أنماط الشعر الياباني الثلاثي والخماسي الأصوات .وفق نصوص أحاكها بنسيج كياني متميز وتشكيلي غير معتمد النقل الأصلي لبناء النمطين بنصوص أطلق عليها (التشاكيل) وقام بترقيمها حسب أهميتها بالنسبة له ،من تشكيل 1/الى تشكيل 9/ وقصائد مُرّة :-
5-بدلاً أن يشطفَ تلك الأنـــــ / ر / جاسْ
ظلَّ يدورُ.. يلفُّ.. ويرمي – ما فيه – على الناسْ  —- (19/11/1999مالمو)
ثم ست قصائد (مرآة/1-6) وفي استرجاع ذاتي مرّت على جفونه كل المشاهد المفرحة والمحزنة ولم ينسى صعاليكه ، وإخوته وأماكنه ومشاهداته وعلاقاته بمختلف الأماكن و الأزمنة ،بمعنونات صريحة ورمزية تفاوتت أبياتها حسب لحظة البوح من النشوة والدمعة والضحكة ومراثي ربما تكون لأموات على قيد الحياة ففي كولاج :- كولاج شعري (3):
فيل سلفادور دالي( ) انتظرتِ المدينةُ – عشرةَ أيامٍ – بنوافيرها وشوارعها وحاناتها ولافتاتها وقطاراتها وعاهراتها وأجراس كنائسها انتظرتْ،
وانتظرتْ وصولَ الفنانِ النفَّاج( ) لرؤيةِ فيل سلفادور دالي.
قد يحتوي الصائغ رعب  الفقدان  بأوجه عدّة /الضوء ، الحياة ، اللغة ، الآخرين والموضوعات ويلتمس رعب /الظلام ،والوحدة ، والموت ، والصمت ،  لكنه يتحرك بخبرته الإنسانية في تعرجات المكان والزمان كهويات ثابتة مفروضة على وعيه بمعالمها المحددة ضيقاً واتساعاً ، علواً وارتفاعاً ، ووفق مفاهيمه العقلية ، قد يدور الإنسان في متاهة المكان الواقعي وتدريجياً يصبح غير واقعي بالدخول إلى عالم الحلم . ومن  خلال روحه الهائمة بـ(مكان الصائغ)  فلا يختل لديه السرد الواقعي المنظم ليقول في دوي داخلي :-
— تزحف الموانئ أعمدة الكهرباء ورائي
المدينة تزحف أيضا /مديرية الأمن /والنصوص ، والشتائم ،وأغاني وحيدة خليل-     يمثل ويرسم ما لا يُرسم أو ما لا  يُمثل ، تحن روحه الى الأمس ، يتصاعد سؤال عينيه عن رؤية مشوشة تشبه أشباح المكان ، لما تتملكه العودة للأطياف ، والأرواح ، الخيالات والصور الماتعة ،يهزه الثوب الظاهري الغير مستقر ، ثوب المدينة القديم ، ثوب العراق الذي رأى السوءة من خلاله [ فكل ما بلغه كمسرحية فولفانغ التي عنوانها ((قطعة لا يريد مسرح أن يمثلها ولا جمهور يشهدها)) عاد الى البيت فلم يجد البيت… لا بيت ، كان شبحاً خارج الباب ، ربما أو ثمة وطن في حلكة ، وقد بلل ثيابه أو أغرقها المطر على قارعة  الطريق ]* شِعْر الصائغ كثيف الحضور ، وقار نبي ، وانفلات عطر . فيه من الحنين[كم منزل في الأرض يألفه الفتى ..]  :-
هاأنت تطوف العالم
ها أنت تطوف لوحدك
ها أنت تنوح على ما مَرَّ/ تناسَ ما مرَّ /تناساك الآخرون /فماذا تنظر أو تنتظر؟
تسكن الصائغ الوحشةُ  كقفر يرتحل خالياً في جموع مشكّل بين الناس والمروج ، بين الألم ووحشة البحار ، أحال خوفه  طمأنينة ووحشته إئتناس ، وتوهمه إبداع ،وهى خلجات تشبه الاحتضار ، أندلف  في مخابئ الكلام  ناهراً دهاليز المنفى ، وتسائل:-
أعليَّ أن أدور إلى ألأبد !؟
لأنهم رسموني هكذا!
ماذا افعل ،كي أخرج مني؟
بهدوء شربتُ قهوتهم وانسللنا من البابِ
يشيّعنا المعزّون بنظراتهم المفتوحةِ على الغيابِ
ليشرب قهوتنا آخرون كأنَّ أعمارنا رشفةٌ بين جنازتين
لقد أسرفت الأيام به فأصبح الصائغ فردا في عائلة ليس منها لكنه داخلها ، وتتدخل الذاكرة بآليات أفعالها الإجرائية للتمثيل ، وألوانه التي يختزنها من ترحاله المستمر اللا مستقر، فتنبثُّ حركية التعبير في عنفوان عطاءها ، تشعُّ رمزياً وسيميائياً لدوال تحمل تصويراً غير مباشر تارة وتأويليا تارة أخرى. بين التعامل البصري لزمكانيته ورؤيا مصاحبة أنتجتها المكابدات . فعينه (بصرية/ذهنية) ترسم الإشارات المباشرة أو الغير بمقدراته التعبيرية ، وهيمنته بجمع الأماكن مع رؤاه بأزمانه المنتشرة ليضعنا في فضاء شعري عبر منظومات دوال ، صوت الخوف الداخلي أو صوت ضمير حائر،لأقول أكثر قلقا من الوحدة ، وغربة راجفة من دوامة الإنسلاخ ، كي لا تكبر الصورة قرب المصباح الصغير حتى تغدو مشوّهة  مخيفة:-
1-في الليلِ أرى شخصاً آخرَ ..لا أعرفُـ  ـهُ
يتعقّبني فأغذُّ خطاي، وأسرعُ
أسمعهُ يتوسّلُ خلفي: اصحبني ظلاً لاً لاً
فأنا أخشى أنْ أمشي منفرداً في الطرقات…
أو تسائل تعجبي من انتقاص في الحضوض أو من توزيع غير عادل أو رؤية تحتل الروح بها المكان الأسمى ، وربما يكون تسائل تهجمي ، غلفته حيرة الإجابة فخرج عالي الصوت :-
– أكلُّ اتساعِ السهوبِ، ولا حجرٌ أشتهى ارضي
أكلُّ عثوقِ النخيلِ ،ولا تمرةٌ في صحونِ الجياع؟
لكل من يطلُّ على مراياه يجدها غريبة ، حيث لا أحد فيها يصلح ما يئجُّ بنفسه من ضياء أو نور ، سوى مرآته التي يرى بها صوراً ، فيعدل روحه قبل أن يعْدِلوه ببدر!!! فهو كالإسلام رحل غريبا وكأنما بدأ غريبا وعاد فوجد نفسه غريبا ، وسيعود غريبا :-
صافناً أمام تهجداتِهِ أقلّبُ صفحاتِ حياتي
موجةً،  موجةً / وأقولُ إلى أين ينتهي كتاب اليَمّ
سأطلقُ أجنحتي وأحلّقُ عالياً في الفضاء الأخير
كنسرٍ هرمٍ أما أنْ أصلَ أو أتحطّمَ على الصخورِ
وتتلاشى دموعي وأغنياتي إلى الأبد
تشاكيل الصائغ نفثات تنين أدمن الوجوه الغريبة ، فلم يبق شيئا إلا وأجاد به الكلام ، وأغرب به ، وهكذا جمع بها الحِدَّة والتمادي ، الماء والدمع ، الضحك والمرض ،اللون الأبيض والرمادي ، غروب الشمس والنزوح عن الأهل :-
-السماء رمادية ،هنا…
روحي خضراء أشعلها الوهم ، والمبتغى
وتلك البلاد البعيدة سخّمها المدفعيون
وما ظلَّ من إرثنا في البلاد
سوى إرثنا في الحداد
الكلمة صيحة الغائب الغريب يمنحها عيوننا فنكتبها على شغاف محبتنا . تسامى بعقل متسائلا لا مُشكلا ، وهو ابن الكوفة عبر تساؤلاته الجريئة دخل من النافذة الضيقة آملا أن يألفوا التسامي ، إستشاطوا كفرا ورموه بالجمرات ، فأخطؤوه وأصابوا رؤوسهم موجز تلك المختصرات تقول أن الإنسان مُسيّر وليس مُخيّر :-
هل البياض حتف المعنى أم مرآته ؟
أأنا حرفه المبهم ! ماذا يفعل البحر بلا أمواجه
ماذا يفعل الرّبُ بلا ذنوبنا؟
موجز الصائغ استثمار الحس الروحاني لمضاعفة الطاقة الشعرية ، فهو السارد الذاتي الشعري المستند إلى رؤية جمعية بدلالاته المكانية والتاريخية الميراثية وما يتماها باستقلاليته الأنوية ،صراع إنساني إنساني ،لا ننشد منه الإنتصارأو الحفاظ على نظارة الشمس ، أو خلق رموز مبهمة ، بل طرح المعنى ومعناه على مائدة الوجد . لمَنْ اعتمرها من البدو مراسيم قيم أوقوانين ترسيم حدود لخارطة التفاهة . فأطاحت به السنون والحنين وكثر الإمعان ،وما خلّف الدرب على رفوف ذاكرته:-
–  مكتبتي كبرتْ وحنيني وعرّش حزني على الطاولةْ
والبلاد الحلمتُ تناهبها البدو والغزو، ثانيةً
وما عاد فيها – ولا العمرُ – من فسحةٍ للأغاني المؤجّلة .
(واو) لعدنان الصائغ ،اسم مجموعة شعرية مصورة بحرف تختلف الدلالة حين الإشارة اليه من الترجمة هو واو المعية ، ولكنني أراه أُفرد من جمل قد تكون {أنا ومنفاي …وجراحي …وعيني عبر المدى}
أو ربما صوت حزن وتأوّه تتقطر منه هالة دخان الغربة ، …وألم الجحود . وقد يكون في ثنايا الروح واو قسم ،أو هكذا أجده في كثير من النصوص ، حين إستراحة من القتال . فكان .. ونور وجهك يا عراق ، وليل وجدك ، وحق تربتك العقيق، وتبر ثوب الرافدين، ووضوء شمسك في صباحات الشموخ ، ودفء ليلك حين ترتشفنا الأرصفة ، فالصائغ كعادته يزرع نقي هوائه في كل مكان مزدحم، ووجعه أبيض وواضح ومشهور كفضيحة، تاركاً المظاهرات الى الأرصفة، والدموع والصهيل للأفواه، والتنهدات والشتائم للكتب.

# مجموعة(،، و ،،) صادرة من دار رياض الريس بيروت /2011.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *