حسين سرمك حسن: قصيدة جديدة للسيّاب.. الشعور بالموت والموقف المتضاد

((سهرت لأنني أدري
بأني لن أقبل ذات يوم وجنة الفجر
سيقبل مطلقا في كل عش ّنغمة وجناح
وسوف أكون في قبري ))
نشرت صحيفة ( الصباح )بعددها الصادر يوم(9/6/2008) مقالة للأستاذ الناقد ( محمد صالح عبد الرضا ) تضمنت قصيدة جديدة غير منشورة سابقا ..وقد لاحظ الناقد بحق أن القصيدة كتبت في أيام السيّاب الأخيرة بعد أن تأكد لديه أن ساعة الرحيل النهائي قد أزفت ، وأن لات ساعة خلاص . لكنني كنت قد أشرت في كتابي ( التحليل النفسي لأدب المراسلات – بدر شاكر السياب وغسان كنفاني أنموذجا )- دار الشئون الثقافية –بغداد – 2006، إلى حقيقة لم يمسك بها الكثيرون وهو أن السياب كان رازحا تحت مشاعر الموت والرحيل وتدمير الذات منذ مراهقته المبكرة.ففي رسالة أرسلها السياب إلى صديقه ( خالد الشواف ) في (2/2/1943) يقول له: ( أشعر بالملل من المدرسة في هذه الأيام ففي أحد الدروس تمنيت أن أستحيل طيرا أو فراشة لأخرج إلى آفاق الشعر والخيال الواسع . وقد اعتراني شعور بأني أصبحت كما تمنيت ولكنني للأسف تلفت فإذا الأبواب والنوافذ مغلقة وليس منه سبيل للخروج فأطلقت دموعي )). ثم يقول للشواف في (26/7/1944):
(( أكتب إليك بعد عودتي من سفرة ،مضنية لكنها جميلة ..ألقاني زورق على أرض نبت عليها القصب والعشب المائي .. ماء الجزر لا يوصل الزورق إلى الشاطيء ، خلعت نعلي وسرت في أرض لا أعرف منها غير اسماء بعض ساكنيها ..وقفت وقدماي داميتان ويداي مزينتان بالجراح على الشاطيء المقفر,أتلفت فلا أرى سواي ،وأنصت فلا أسمع غير أنين الريح ..لقد نسج الخيال رواية عنوانها ( موت الشاعر ).. ولو تحدثت لطال الحديث ))فهل هذا شكل من أشكال النبوءات الإبداعية التي يستشرف فيها المبدع الآتي البعيد الذي يعمل ويعتمل ويتململ في لا شعوره ؟لقد ألقى زورق القدر بالشاعر وبقساوة بعيدا عن شاطيء الأستقرار والطمأنينة فسار في طريق الأشواك الدامي بدون معين ..وحيدا ..متعبا وغريبا .ويعبّر وصفه الجميل ((يداي مزينتان بالجراح )) عن تركيبة الارتياح المازوكي التي ستحكم حياته كلها : سلوكا وإبداعا ، محكوما بعقدة ((التضاد العاطفي )) التي تتجلى بأروع صورها في موقفه من الموت والحياة وهو موقف مركّب يمتزج فيه الطرفان المتناقضان في وحدة صراعية آسرة ينجم عن تفاعل  أطروحة الحياة مع طباق الموت تركيب باهر( إذا استعرنا قواعد الجدل الهيغلي ) كان هو مهماز إبداع السياب الباذخ والعظيم مثلما كان طريقه المباشرة إلى كارثة انتحاره المدوّي وخراب حياته . ومن قواعد التحليل النفسي أن الأحلام هي الطريق الذهبي نحو مملكة اللاشعور.. وهذا ما يتحقق بقوّة من خلال حلم للسياب أرسله برسالة الى الشوّاف صيف سنة 1946حيث يقول ((هذا الحلم يعطيك بيّنة عن خواطري المحمومة وأفكاري المشؤومة – ويتضمن هذا الحلم مفاتيح فهم إبداع السياب وأغلب مفردات شعره  وصوره التي ستتكرر كثيرا في قصائده بعد نضجه كما يتضمن العقد الأساسية التي حكمت مسيرته الحياتية-ضباب شفيف ترقص فيه مقبرة القريةكأنها فوق جناح جريح ينفضه الشوق إلى موضع خلف التلال ..ثم يركن الرقص إلى سكون كئيب يحتضنه الغبش الحزين .وهناك عند السدرة النائمة قبر مستوحد غريب ، رأيت أني راقد فيه تحت الحصى والتراب في ظلمة بلهاء ، ما أسعفها لون من الألوان .. يكاد ثقل الثرى يخنقني خنقا، لكني من برجي أستشرف الدنيا .. يدغدغها الربيع الباكر فأبصر الأوراق تنمو بطيئا ..بطيئا .. والبراعم تتثاءب كسلى .. عن الزهر الأبيض وعن الوان لا تحصى فأهتف من أعماق اللحد البارد : ربّاه ..أفي الربيع النضير يطويني القبر !! )).

من وجهة نظري التحليلية فإن تحليل هذا الحلم يفتح كلّ مغاليق حياة السياب الإبداعية والسلوكية ( بل وحتى تقلّباته السياسية ).إن المفردات التي وردت في الحلم وهي : الضباب ،الشفيف ،المقبرة ،القرية ،الجناح ،الجريح ،الشوق ،خلف التلال ،السكون ،الكئيب ،الحزين ،السدرة ( الشجر عموما ) ،القبر ،المستوحد ،الغريب ،الرقود ،الحصى ،التراب ،الظلام ،الألوان ،الثقيل ،الثرى ،الاختناق ،البرج ،الدامس ،الدنيا ،الدغدغة ،الربيع ،الباكر ،الأوراق ،النمو ،البراعم ،التثاؤب ،الكسلى ،الزهور ،الأبيض ،الهتاف ،الأعماق ،اللحد ،البارد ،الرب ( الله ) ،النضير ( النضار )، يطويني القبر ….
هذه المفردات ومرادفاتها ومشتقاتها والأفعال المرتبطة بها هي التي تتركب منها قصائد السياب باستمرار لأنها القادرة على خدمة موقفه النفسي المتضاد . هذا هو قاموس السياب : قاموس مركب تعالق وتصارع الحياة والموت . ولو أخذنا أية قصيدة للشاعر عشوائيا لوجدنا أنها تدور ، في جانبها الأعظم حول هذه المفردات التي يكررها كثيرا لأنها تعكس صراع دوافع الموت ودوافع الحياة في داخله المعبر عن تضاده العاطفي أيضا . إنها مفردات الموت واليأس والكآبة والاندحار من جهة تقابلها وتلتحم بها مفردات الحياة والنماء والأمل والتفتح من جهة أخرى ..تلتحم في وحدة عضوية تغني الصورة الشعرية السيابية الفريدة وتعزز ثراء معانيها .ولنأخذ هذه القصيدة الجديدة للسياب ،سنجد مفردات قاموس السياب نفسها وما يشتق منها بطبيعة الحال ..سنجد مفردات مثل : الجسم المكدود ،الباب الموصود ،القلق ،اليأس ،الصمت العميق ،النجم النائي ، النور الخابي ،المصباح المطفأ ، الظلام ، الكفن ، الحلم ..الخ.لكن هذه المفردات توظف كعادة السياب في رسم لوحة مركبة من عنصري الموت والحياة ليكون الناتج مركبا تختفي فيه سمات العنصرين المتفاعلين على الطريقة الكيمياوية .يستهل السياب قصيدته بالقول :
((ألقيت على حجر السلم
جسمي المكدود
ومددت إلى الباب الموصود
وعيوني مغمضة تحلم
يمناي
فأرجعها قلقي ))
ومن لحظة الاستهلال هذه وحتى نهاية القصيدة سيصمّم السياب بقدرته الحداثية الفذّة الثيمة المهيمنة على مناخ القصيدة .. في كل قصيدة للسياب هناك ( ثيمة ) نفسية تتفرّع منها الرؤى الجمالية والفنية والاجتماعية بل حتى السياسية .. وهذا ما لم يمسك به النقاد حتى الآن .. وهو أمر يتطلب أطروحات أكاديمية متخصّصة سأحاول أن أقدّم مفتاحها السحري هنا بصورة موجزة ..في هذه القصيدة يتسيّد ( الصمت ) على أجواء القصيدة منذ استهلالها وحتى نهايتها.فمنذ البيت الأول يكتم حجر السلّم صدمة الجسم المكدود .. والباب موصود .. والعيون صامتة لأنها مغمضة .. وحتى وهي تحلم فالحلم جنون صمت ..واليد الممتدة نحو الباب يشلّها القلق .. والقلق صمت معذّب مراوح .. وحتى التساؤلات المحيّرة المشكّكة هي شكل من أشكال الصمت المعرفي :
( هل أطرق ؟
همس مذعور
هل أرجع ؟
يأس موتور
مصباح يعوزه النور )
أن الصورة السيابية لا تكتمل – كما قلنا في التمهيد التحليلي – إلّا من خلال التحام طرفيها المتضادين المجهض .. هذه هي نواة سايكولوجية السياب السلوكية والإبداعية ..ولا أعلم كيف يجوز للمدارس النقدية الحداثوية أن تقطّع بسكينها النقدية الباشطة جسد المبدع إلى أوصال نفسية وأخرى ابداعية وكأن المبدع يكتب الإبداع باليمين .. ويتصرّف في الحياة بالشمال ؟ .. والتضاد الذي حكم سلوك وحياة السياب فردا اجتماعيا بل سياسيا هو نفسه التضاد الذي حكم منجزه الشعري خلاقيا . فهنا يجهض احتدام الذعر مهادنة الهمس وخذلانه بل يصعّده ..وترتفع إيحاءات سمة ( الموتورية ) الفجّة النزقة باليأس إلى مستوى الاحتجاج العشوائي المربك .. وفي كلتا الحالتين ( الهمس المذعور) و ( اليأس الموتور ) تشتبك الظلال الدلالية للأفعال التساؤلية التي تسبقها بمعناها وتشوّش الإستقبال الإدراكي . ف(هل أطرق ؟) تتسق مع اتجاه طاقة احتدام الهمس المذعور بإذكائه لحماسة الإقبال..في حين تتضاعف انخذالية اليأس الموتور الحركيّة بتساؤل ( هل أرجع ؟).وفي كل ذلك لن تحصل من السيّاب لا على حق الإقدام ولا على باطل الإحجام إذا جاز التعبير .كل شيء بات ( معلّقا ) بين قطبين مثل حياة السيّاب .لكن الحركة البندولية الممضة الآن ليست بين قطبين في الخارج .. إنها حركة في الداخل الصاخب المحتدم المتوحّد بالتمزق الموجع ، هذا التمزّق الموحّد يسقط على متغيرات المحيط الخارجي :
((الساعة تضرب في حنق
والصمت عميق .. الصمت عميق .. الصمت عميق ..
والنجم في الأفق النائي
يخبو ويغور
والشوق يزلزل أعضائي
والرغبة في شفتيّ تثور ))
وكل هذا الاحتدام العاصف الذي تنفعل له الطبيعة والموجودات الجامدة والسياب لم يخطو خطوة تتجاوز الموقف الإبتدائي الذي استهل به قصيدته حين ألقى بجسده المتعب المكدود على السلم الحجري ليقابل الباب الموصود ..لا نعلم حتى الآن ما هي مشكلة زائر الظلام هذا وما سرّ حيرته الملتهبة هذه وهو يراوح بين رغبتين متضادتين تجهض إحداهما الأخرى فتضعانه في وضع صراعي :
(( أأبوح وأصرخ بالباب
والسلّم والنور الخابي ؟
حطّمت جدار الأحقاب ))
ومن سمات الظاهرة السيابية هو أن الفعل فيها يسبق الرغبة – ولعل هذه من مكونات روح الخلق الشعري الأساسية – فكل المقاطع السابقة كان السياب فيها يقوم ب( مشروع فعل ) أو حتى يهدّد به تعبيرا عن رغبة ستأتي أو بالأحرى سيعلن عنها لاحقا ..لقد فعل ثم هاهو يتمنى ويرغب :
((إني سأعود
إني سأعود
مع الفجر
وأضم الليل إلى قلبي
فأضيء مصباحي المطفأ ))
إنه يستخدم الصيغة الفعلية المستقبلية الآن ( سأعود ) حيث الرغبة حاضرة والفعل مؤجّل ..في الوقت الذي بدأ به بالفعل المتحقّق رغم مراوحته وبصيغته المنجزة ( الماضية ): ألقيت .. ومددت .. الخ ..حيث الفعل حاضر صارخ والرغبة مستترة .. أو أنها لن تكون حاسمة حين يتعطل حضورها عن موضعها النفسي السياقي الصحيح..ولا تنطلق الرغبة المأمولة بالعودة مع الفجر كتعبير أصيل عن نزوع حياتي مفعم بالأمل سالمة معافاة .. ولكن تلحقها فورا رغبة (مازوخية )عجيبة :(وأضم الليل إلى قلبي)..وانظر إلى ( الربكة )اللاشعورية وهي من سمات الظاهرة السيابية أيضا ..فحين ندقّق في صياغة المقطع السابق سنتساءل عن حاجة الشاعر إلى إضاءة مصباحه المطفأ وهو قد عاد مع الفجر حيث النور ورحيل الظلام .. لكن المعادلة السيابية الحاكمة هي كذلك .. معادلة حياة لا تحيى إلّا في ظل الموت ..إن تعبير (سأعود وأضم الليل إلى قلبي ) فيه لهفة وحماسة لمعانقة الليل المظلم رغم عودته فجرا ..والنتيجة أكثر غرابة : فبمعانقة الشاعر لليل المظلم يضيء مصباحه المطفأ الذي كان يعوزه النور .. إنها ثمرة عجيبة لألتحام السواد بالبياض واليأس والأمل والموت والحياة .. إن شجرة الآمال السيابية الطالعة – وهي متخيّلة على أية حال – رأسها أخضر وجذورها سوداء ..إنها نبتة لا تترعرع إلّا في تربة الموت الخانقة والسياب وحده الذي يعرف كيف يرعاها ويوفّر لها مستلزمات النماء والديمومة..وقد أثبت جدارته الشعرية في ذلك في الوقت نفسه الذي ثبتت فيه خيبته الحياتية بفعل العامل ذاته .ومن المهم الإشارة إلى أن من النادر أن يمسك أحد ب ( الربكة ) التي يقع فيها السياب .. هو نفسه لا يعلم بها . أمّا القاريء فإن بصيرته- بل حتى بصره- تغيّب بفعل مهارة السيّاب الفائقة التي تجتذب القاريء وتضعف عينه الرقابية الناقدة..وسنفاجيء القاريء بمراوغة  (ربكة ) سيابية كبرى مضافة في المقطع الأخير المقبل لن يلتقطها المتلقي إلّا إذا عاد لمراجعة القصيدة ووضعها ضمن إطار نظرة كلّية :
(( فثقي
إني سأعود
سأراك على درج السلّم
وذراعك ترفع مصباحا
في الليل المظلم .. أو أحلم ))
نلتقط أولا التشوّش اللغوي في تلاحق مفردتي الدرج و السلم ..وهو تشوّش ناجم عن الإحتدام النفسي ..ثم نمسك ثانيا بمتغيّر جديد يدخل ساحة القصيدة فينعشها وهو المرأة ..إمرأة غير محدّدة الملامح والصلة بالشاعر .. لكن اتجاه حركة الشاعر وطبيعتها نحو هذه المرأة والمضمون الإلتحامي الحيي يشي بأنها أنموذج أم .. الأنثى التي عاش السياب حياته الشعرية كاملة وهو يحلم بالعودة المباركة إلى رحمها الحاني ..هذه العودة التي ( يتوعّدنا ) بها على امتداد القصيدة والتي تصل أعلى مستوياتها في الوعد الحازم : ( فثقي إني سأعود ):
(( إني سأعود
وسنرقى السلّم أرواحا
ضاقت بالأرض وبالزمن
تقويما خطّ على كفن
وتلاقت والصمت عميق  ))
وكلّ ما خطّه الشاعر من وعود وأماني هو مشروع حلم يقظة ..حلم العودة إلى الأم ..لكن كل المسرّات الحلميّة لم تتحقق ..لم تتحقق رغبة الصعود الروحي السامي مع الأنثى المباركة ..لم تتحقق العودة  مع الفجر .. لم يضيء المصباح المطفأ ..الشيء الوحيد الذي تحقق هو انهيار الجسم المكدود على حجر السلّم عند عتبة الباب .. باب الرجاء الذي لم يفتح ولن يفتح حتى الموت إلّا بالموت ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

2 تعليقان

  1. علي داود

    وحدث فإن القوم يدرون ظاهرا وتخفى عليهم خافيات الدوافع
    يظنون ان الشعر قبسة قابس متى ما أرادوه وسلعة بائع

    بوركت استاذي على هذا السبق التحليلي الفريد

  2. شكرا أخي العزيز علي داود على لطفك وتقييمك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.