سوسن أبيض لمحيي الأشيقر :

( وعلى ذكر الغد ، هنا في هذه البلاد من الصعب أن تتعرف على أمر أو مسألة أو شيء اسمه ” الغد ” بمعيار ما تعارفوا عليه هناك ، هناك حيث : الشروق ، فالبكور ، فالعصر ، فالقصر ، فالأصيل ، فالغروب ، ثم الشفق ….. فالغسق …. فالفجر ، فالصبح ثم الصباح . أما هنا ولكي يجيء الغد ثمة صمت مهلك وممانعة ضارية ، في كل مرة يفضيان عبر غيبوبة مديدة إلى تفشي قطرة الحبر التي تكون قد سقطت غفلة على شرشف الضوء من قلم كحلها ، هكذا لا يحدث الغد هنا …. ) . بهذه الرشاقة اللغوية العالية واللمسات الشعرية الآسرة ، والسرد المحكم يطرق الأشيقر في محموعته القصصية الجديدة ” سوسن أبيض ” التي صدرت عن دار “شرقيات” بالقاهرة والتي ضمت خمس قصص ، يطرق باقتدار فذ على موضوعة ” الخراب ” خراب حيوات شخوصه الشامل ، من الأوطان / أماكن البدايات المدمرة التي جاءوا منها ، إلى مايسميه بـ ” الملجأ ” لا المهجر حيث تكتمل دائرة العذاب . ولا نعلم لماذا لم يطور هذا المبدع قصته ” نار لائذة بالخزف ” إلى رواية رغم أنها تحظى بكل شروط الرواية . وقد توفر القاص على عين سينمائية هي من شروط القص الحديث خصوصا في قصة ” الدور الأخير ” . أما في ” كآبة بيضاء ” حيث تُستعاد الطفولة المعذبة في المنفى كخنجر صغير يخز المهاجر من جهة القلب فإن العلاج يأتي ليطعن بياض الرجاء بسواد التبلّد وخداع الذات : “نحن الآن بلا أوطان ؛ هذا يعني أننا أقل إحساسا بالموت ، أو أحياء رغما عنا ، وبالتالي ما من ضرورة للتعرض إلى الأمور التي زالت وانمحت ” كما تقول البائعة المهاجرة للراوي . الناس في الداخل يحسدون من غادروا إلى المنافي معتقدين أنهم ” فلتوا ” وإذا بمحيي الأشيقر يكشف لنا الحقيقة عارية ؛ حقيقة أنهم خرجوا من جحيم قد تكون له بوابة وخط نهاية يوما ما حتى لو كان بعيدا جدا أو حلما ، ليدخلوا جحيما أكثر ضراوة وبلا نهاية . أما قصة ” فاكهة الغرباء ” فهي تتطلب وقفة تحليلية خاصة من قبل النقاد . وقد سبق للأشيقر ابن كربلاء والمقيم حاليا في السويد أن أصدر في كوبنهاجن مجموعة قصصية عنوانها ” أصوات محذوفة ” عام 1994 ، ورواية ” كان هناك ” عام 1997 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| وفاة الشاعر الكبير والمفكر عز الدين المناصرة

توفي يوم أمس الشاعر والناقد والمفكر والأكاديمي الفلسطيني الكبير عز الدين المناصرة، عن عمر يناهز …

| رواء الجصاني : شعــر الجواهــــري، في اربعٍ وثلاثين اطروحة دكتوراه، ورسالة ماجستيـــر .

تفوق اهمية التوثيق والارشفة، كما الفهرسة، حدود المتلقين والمتابعين لتبرز حالاً ضرورية امام الباحثين والاكاديميين، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *