محمود سعيد : هزيمة أخرى

mahmood saeed 4

مؤسس الآداب الراحل الكبير سهيل إدريس
مؤسس الآداب الراحل الكبير سهيل إدريس

إشارة :
في مقالة تثير الأسى الشديد يكتب الأستاذ محمود سعيد عن خسارة أو هزيمة جديدة تحيق بالثقافة العربية ، وتتمثل بتوقف “مجلة الآداب” الرائدة بعد أن حملت لواء الثقافة الجادة والمقاومة لأكثر من ستين عاما . سبقتها هزائم اخرى منها توفف مجلة “دراسات عربية” مثلا. متى يتوقف مسلسل هذه الهزائم في الوقت الذي يكدس فيه المليارديرات العرب الأموال في خزائنهم ، ويتبرعون بها لحدائق الحيوان في لندن.

المقالة :
ألنْ صديق أمريكي، روائي، اعتدت التّواصل معه لقاءً وهاتفيّاً وبريداً إليكترونياً يوميّاً، وعندما تمرّ بضعة أيام لا أتصل به يعرف أنّني أمرّ بأزمة، فيبادر هو ليسأل، لكنّه هذه المرّة ظنّ أنّ القضيّة لا تتجاوز الزّكام، لشدّة البرد الذّي لطم شيكاغو قبل أسبوعين واستمرّ إلى الآن. نزلت درجة حرارة الجوّ نحو عشرين تحت الصّفر، تراكمت فيها الثّلوج حتى ارتفعت نحو قدمين في الأرصفة والشّوارع، أوّل كلمة قالها هل نفد ما عندك من عصير ليمون مركزّ؟ دعني أزوّدك بقنينة. الليمون وصفتي له منذ سنوات حين يفاجئه الزّكام وأمراض البرد. kh aladabابتسمت، قلت له إنّها نازلة أشدّ من البرد والزّكام والأمراض كلّها.
ماهي؟
احزر. لو قلبت في المصائب كلّها فلن تصل إليها.
بدأ يعدد، حتى إذ استسلم قلت له توقّفتِ الآداب.
وبعد سؤال وجواب، واستفسار وشرح، أخذ يضحك، قال عشرات المجلات المحترمة توقّفت هنا في أمريكا ولم يحزن أحد.
ليس كلّ المجلات الآداب. إنّها مجلة، وأمل قوميّ، ومسيرة نضال سياسيّ وأدبيّ، واتجاه وعي جذريّ، ومدرسة تعليم، وجامعة شاملة وأعطيته موجزاً لتاريخ طويل عريق معبّق بالإثارة والمجد، لمجلّة كانت طيلة عقود قمراً يضيء الطّريق لنا في ليل بهيم، وشعلة وعيّ علمتنا معنى الأدب الحيّ، الذّي لم تعرفه مدارسنا ولا جامعاتنا على كثرتها، ونقطة تجمّع مفكرين وكتاباً امتدّوا على طول أرض وطن عربيّ عريض بدأ بالخليج العربيّ ولم ينتهِ بالمحيط، بل تعدّاه إلى المهجر. حدثته عن فخر كاتب ناشئ اضطهدته حكومته ومنعته من النّشر، لكنّه حينما تشتد به الأمور وتضيق به الأرض، ينتصب شامخاً ويقول نشرت لي الآداب. تلك الجامعة الكبرى، المتواضعة، المتألقة، الحرّة، كانت هدف الأديب العربي النّاشئ ومدرسته ومعلمته وناصحه، ومنيرة دربه وموضع فخره.
قبل أيام ظهر سمو الأمير طلال غاضباً مكفهّراً مزمجراً مهاجماً مجلة فوريس لأنّها ارتكبت بحقّه جريمة كبرى، زلّة عظمى لا تغتفر. تحيّزت، لم تقوّم المجلّة ثروته حقّ قيمتها، ولم تعتبره أحد أغنى عشرة أشخاص في العالم. نعم، ثارت ثائرة الأمير لهذا الإهانة الكبرى. لم تثر ثائرة الأمير لتوقّف مجلة أدبيّة نشرت الوعي وخير ما جادت به أقلام الأدب العربيّ والعالميّ المعاصر، لو اشترى هذا الأمير ألف عدد، من جميع مجلات العالم العربي الجادّة ووزعها على المثقفين من أبناء جلدته، لم تنقص ثروته شروي نقير، لم تتوقف الآداب ولا غيرها، بل ازدهرت ونمت وأضافت له مجداً لم يحلم به.
نشرة فوريكس نفسها تتمتع بحس نقديّ فيه بعض جذور إنسانية لا تتوافر عند الكثير من أثريائنا. ألمحت أن المليونيرات العرب يجمعون المال لأجل الكنز ولا يهتمون بالتّبرع، والمقصود بالتّبرع هو المساهمة في تقليل عناء الفقراء، ومن المعلوم أن كنز المال حرام في الإسلام.
في أمريكا ملياردير بوفيت يتبرع بمعظم ربحه السّنوي للمنظّمات الخيريّة، رفض طلب ابنته قرضاً لتجديد مطبخها، قال لها حالك حال الأخريات اللواتي يلجأن إلى البنوك.
في أمريكا يوصي اليهود 5 من تركاتهم لتعليم الأطفال اليهود، وهنا أيضاً تركت مليونيرة كلّ تركتها أكثر من مئة مليون دولار لمجلّة شعريّة، فكم من أثريائنا تركوا كل ثرواتهم لمجلّة أو جامعة، لا بل نصف ثرواتهم، لا بل واحداً بالمئة نحن أمة طبعنا على الهزيمة والذّل والجشع والأنانيّة اشترى مليونير فلسطينيّ حطام سيارة ديانا بمليون دولار، ترى كم يملك هذا الحيوان العاقل حسب تعريف أرسطو من ملايين؟ وتبرع له أخٌ في العروبة سوريّ في بريطانيا بـعشرات الملايين لجامعة بريطانيّة، لكن الجامعة رفضت تبرعه لأنه عربيّ، ثم عادت فغيّرت رأيها، لكنّه لم يغير رأيه ويتبرّع بالمبلغ لجامعة سوريّة، أو عربيّة، ولم يشعر بأي عزّة أو أنفة، وعاد فتبرع للجامعة إياها بالمبلغ نفسه.
هنا في شيكاغو مجموعة من الحيوانات العاقلة العراقية مليونيرات أيضاً، لهم ناديهم واجتماعاتهم وسهراتهم.. ولا يعرفون أيّ شيء عن الملايين من ضحايا الغزو، ماتوا في العراق، ولا الأرامل اللواتي تجاوزن المليون، ولا عن أطفال الشّوارع العراقيين نافوا الآن على ثلاثة ملايين ولا عن سجون التّعذيب والاغتصاب، ولا عن التّهجيرات، لا يعرفون أيّ شيء يمتّ إلى العراق قطّ، اللهم إلا إن جاء وزير أو مسطول كبير فيقومون بدعوته، وأخذ الصّور معه.
لو أشترى أيّ من هؤلاء الحيوانات العاقلة بضع مئات من أيّ مجلة أوادم لبقيت المجلة حيّة، لكنهم ليسوا أودم، ليسوا سوى حيوانات عاقلة، إضافة إلى أن مجلة كالآداب تستعصي على النّفاذ إلى خليّات أدمغة هذه الفئة الميتة.
هذه الطّغم الهزيلة لا تعرف معنى الرّحمة ولا الإنسانيّة ولا الضّمير مع الأسف الشّديد، بالرّغم من أن شاعراً بدوياً عاش قبل الإسلام عرفها ومارسها قولاً وفعلاً أوزع جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد .
توقُّف الآداب، معركة أخرى، معركة خسرناها نحن العرب كلنا لا عائلة سهيل إدريس وسماح وعائدة ورنا مع الأسف الشّديد، كان بإمكاننا ألا نخسرها، لكنّا نعيش صوراً من غير روح، لأنّنا ظلّ لرجال رحلوا منذ قرون، ماتوا، هزموا إلى غير رجعة منذ أكثر من سبعمئة سنة حينما خانوا وطنهم وتعاونوا مع المغول فقضى عليهم، وهم الآن يخونون وطنهم ويتعاونون مع أعدائهم، ليبقوا كما هم، وإن ماتوا كان مصيرهم أسفل السّافلين.

Mahmoud Saeed
Writer in Residence
Department of Modern Languages
DePaul University
Chicago, IL
773-325-3213/7320
maltaie@depaul.ed

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حيدر حسين سويري : الرؤى والاحلام من وجهة نظر اجتماعية .

   ينتقد الناس ظاهراً الشخص الذي يتصرف وفق ما يراه في أحلام المنام او اليقظة، …

| مهند النابلسي : **نكزات فيسبوكية طريفة .

*ليست ارضية” وفي الصميم/2019/2020/2021: كتابة ساخرة شيقة بلا أسماء وشخصيات أرضية بل كوكبية كونية! **واحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.