موسى إبراهيم أبو رياش* : ديسكولاند… الإنتقام المريع والإبداع الأسود

 

موسى ابراهيم أبو رياش
موسى ابراهيم أبو رياش

asaad aljobori 10* كاتب وقاص من الأردن

السؤال الأهم الذي يتبادر للذهن بعد إتمام قراءة رواية “ديسكولاند” لأسعد الجبوري هو: من المسؤول عن طوروس وعهده الأسود وسلطته المطلقة وجبروته العاتي؟!
هل طوروس نتاج غرب عنصري، أم  نتاج شرق متخلف، أم هو مزيج من هذا وذاك؟
كثيرة هي القضايا الإشكالية والموضوعات التي تثيرها الرواية، وتستحق الوقوف عندها بتأنٍ وتعمق. وستقتصر هذه المقالة على عناوين ثلاثة فقط:
مخاض العنصرية
العنصرية هي موضوع الرواية الرئيس، وقضيتها الأولى. وقد تناولت الرواية هذا الموضوع بصورة بشعة وصارخة تهدف إلى التحذير من آثارها وعواقبها المستقبلية إنْ لم تُعالج من الآن، وتوضع لها حلول فكرية واجتماعية جذرية، تمنع تمددها وتغولها.imagesوقد نجح الكاتب في إثارة الرعب والخوف من المستقبل، ليس على صعيد ديسكولاند فحسب، بل على صعيد عالمي واسع، فما يمكن أنْ يحدث في ديسكولاند –وهي هنا رمز- يمكن أنْ يحدث في أي دولة من العالم، فالعنصرية داء وبيل، إنْ أُصيب به قوم، انتقلت عدواه إلى غيرهم بسرعة عاصفة، وهكذا كل شرء وسوء.
وعندما ينجح الكاتب في أن يجعلنا نعيش أحداث الرواية كأنها واقع لا تخيل، يكون قد وُفِقَّ في توصيل رسالته، وتبليغ أمانته، وأداء مهمته. وهذا النجاح لا يتيسر لكل من كتب، فهناك فرق أن تكتب من أجل الكتابة، وبين أن تكتب عن معاناة ونار أكتويت بجمرها!
وعوداً على بدء: هل طوروس نتاج غرب عنصري، أم  نتاج شرق متخلف، أم هو مزيج من هذا وذاك؟ من المسؤول عن شخصية طوروس التي أبدعت في مجال الإجرام والتسلط إلى حد مرعب؟ وكيف تشكلت عقليته بهذا الشكل المعقد الشاذ؟ وهل هو نسيج وحده؟ وهل هو متفرد في إجرامه أم هي فرصة سنحت له ولم تتوفر لغيره؟
أسئلة كثيرة تتناسل منها أسئلة أكثر وأكثر، ولكن الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها ليست ممكنة بسهولة طرحها، وكل محاولة للإجابة تبقى مجرد اجتهادات لا أكثر.
إنَّ العنصرية ابتداءً هي داءٌ متأصل في النفس البشرية، ولا يمكن استئصالها مطلقاً، ولكن بالإمكان تهذيبها والتخفيف منها، وتوجيهها لتكون عامل بناء ورقي، ودافعاً للتميز والعطاء ، وهذا ما نادت به الأديان قاطبة، والفكر البشري السوي على مرِّ العصور. وعندما تختل المعادلات وتحدث الانتكاسة وترتكس البشرية إلى حمأة الجهل والتخلف والهمجية وإن رافقها علم وتطور مادي وعلمي، يثور بركان العنصرية من جديد بأشكال ولبوس مختلفة، ومسميات برَّاقة، وتبريرات خدَّاعة. وما استعمار الغرب للشرق وإعادة احتلاله والسيطرة عليه مرات ومرات، إلا إحدى هذه الأشكال البشعة التي أحدثت زلزالاً عنيفاً ما زالت افرازاته وتموجاته تتردد حتى اليوم، ولم ينجُ أحد من أضرارها وتأثيراتها المدمرة.
إنَّ الغرب المستعلي المستكبر هو المسؤول الأول عن تشكيل شخصية طوروس وأمثاله ممن لم تسنح لهم الفرصة للظهور وتفريغ شحنات القهر والغضب والانتقام التي تمور داخلهم. فالغرب زرع البذرة القذرة، وترك لأتباعه وعبيده مهمة تعهدها والعناية بها، فأنبتت نبتاً شيطانياً، وثماراً سامة.
وعندما تيقن الغرب أنَّ خطته تسير كما رسمها بدقة، انسل من الشرق، وترك خلفه أزلامه ومسوخه ليزيدوا من التشوه وتعميق الفجوة بين الغرب والشرق عبر التبعية في كل شيء للغرب بل والعبودية المذلة، حتى لا يشعر الشرقي إلا أنه لا شيء بدون الغرب، وأن لا حياة نموذج إلا حياة الغربي.
هذه النظرة ولدت شعوراً بالدونية والنقص، وبالتالي الكراهية المبطنة للغرب، والرغبة في الانتقام منه، وأن يشرب من الكأس التي أترعها للآخرين، وهذا ما أنجزته شخصية طوروس التي كانت مفاجأة الرواية، فلم يكن أحد يتوقع منه أن يكون كما ظهر في الرواية، شخصية مرعبة قادرة على الإبداع الإجرامي دون حدود. وهذا مؤشر أن شخصية طوروس ليست وحيدة في تشكلها، بل يبدو أن كثيراً من البشر قد يكونون نماذج مرشحة لأن تكون مثل طوروس وربما أفظع إن توفرت لهم الظروف “كل واحد منا نسخة خاملة من الملك المتوحش. نسخة لم يحن وقت نهوضها بعد.”(286)
أضف إلى ذلك، أنَّ الشرقي عندما يهاجر إلى الغرب، يأخذ معه كل شرقيته وأمراضه ومشكلاته، أي أنه ينقل نسخة مشوهة من مجتمعه الشرقي معه. وهذا يسبب التخوف من قبل المجتمعات الغربية، وخشيتها من الغزو الاجتماعي والفكري الأجنبي الذي يهدد وجودها، وخاصة بعد طنطنة الإرهاب بعد تفجيرات 2001. ولذا على الشرقي أن يراعي قواعد وأصول مجتمعه الجديد لا أن يفرض رؤيته وعاداته عليه. ولكن الذي يحدث هو العكس تماماً، بل ويزيد الطين بلة، نقله لأمراض الشرق وعلله، مما يحدث ردة فعل عنيفة عند الغربيين، تتمظهر في الرفض والرغبة في التحوصل لحماية مكتسباتهم التي لم ينالوها إلا بشق الأنفس بعد قرون من الصراع وأنهار من الدم.
يتحمل كل من الشرق والغرب المسؤولية الكاملة عن ترعرع العنصرية وتفشيها هنا وهناك، والغرب يتحمل القسط الأكبر، لأنَّه من أساء وأجرم أولاً، ولأنَّه يمتلك القوة بكافة أشكالها. أما الشرق فلديه تراث روحي وديني يفترض أن يكون صمام أمان وجداراً شاهقاً في وجه كل عنصرية، أو تعدٍ على الإنسان وحقوقه!
لقد لامس الجبوري معظم هذه الإشاكلات والقضايا في ثنايا روايته وإن بين السطور أحياناً، فالرواية أولاً وأخيراً ليست تأريخاً أو محاكمة لمرحلة، وإنَّما هي نذير وتحذير من مستقبل قد يأتي ولا يأتي، وإن كانت النذر تشير إليه، وتكاد تضع يدها على قرن الشيطان!

الخيال الجامح
أخطر ما في الرواية هذا الكم الهائل من الإبداع الإجرامي الأسود الذي اجترحه طوروس، وقدرته الفذة على إصدار قوانين وتعليمات وأنظمة قمعية وتسلطية تشكل حياة البشر كما يريد، حتى أوشك أن يحولهم أحجار شطرنج يحركها كيف يشاء، دون أن تقوى على مجرد الاعتراض ناهيك عن المقاومة. لقد حول الديسكولانديين إلى شعب آلي يتحرك وفق مشيئته، وأصبح هو إلهاً يحكم ويرسم ويشرِّع. لقد سخَّر الشعب كله في بناء سور حول ديسكولاند لمزيد من التقوقع ولمنع أي رياح دخيلة، وألزم كل مواطن أن يقتني كلباً، تجسيداً للنظرية العنصرية “الكلاب أفضل من الأجانب”، ومنع التزاوج بين المواطنين الأصليين والأجانب، وغير ذلك من القوانين التي تكرس عنصريتهم ونقاء عرقهم، كما كانوا ينادون قبل عهد طوروس، لكأنه يحقق لهم أمنياتهم، ولكن بطريقته، ليعذبهم بها وينتقم منهم بطريقة جهنمية لا تخطر على شيطان!
ويتوالى إبداع طوروس فيُعيِّن برلماناً معظمه من شذاذ الآفاق والسكارى والمجرمين، لا عمل له إلا اللهو واللعب والتسبيح بحمده. والأعياد التي اخترعها طوروس لا غاية من ورائها إلا مزيداً من الإذلال للمواطنين، وكانت درة إبداعاته المسلة العجيبة التي تكشف عن مشاعر المواطنين تجاه طوروس، وتصنفهم، وذلك كل يوم أحد، وتقضي بالقصل على كل من يحمل مشاعر الكراهية والبغض له.
وقمة السخرية التي أبدع فيها طوروس هي طلبه أن تؤلف عنه رواية تظهر بشاعته وبطشه وجبروته، رواية “رعب عن عصر طوروس الجهنمي العظيم. رواية عندما يفتحها القارئ تهب في وجهه نتانة إرهاب أقذر عصور الإنحطاط والظلم والموت في التاريخ. رواية تؤرخ هول ما جرى ويجري من قتل وذبح واضطهاد وتدمير للمخ ومسخ للذاكرة وإتلاف للكيان الآدمي.”(371). هذه الرواية التي كُلِّف بكتابتها أحد كتاب المعارضة –آدم السومري- بعد ترويضه وتدريبه وشحنه، فخرجت كما يريد ويشتهي طوروس، لكأنه يشمت بالكتاب وما يكتبون، وأن لا أثر لكل ترهاتهم وأكاذيبهم، وأنَّها مجرد أوهام يحشون بها العقول :”وجدت نفسي على ظهر اليخت الملكي، أمام طوروس الذي كان مستلقياً كالديناصور في بانيو محاط بأجساد شبه عارية لمجموعة من المدلكات الفاتنات، وهو يتابع عبر الشاشة عمل المقصلة الأتوماتيكية. فيما كان حراسه مشغولين برمي نسخ روايتي إلى البحر.”(356)
لكأن الجبوري يُعرِّضُ ببعض الكتاب الذين يظنون أنَّ لهم أثراً أو دوراً في صنع الأحداث وتوجيهها، وما هم إلا مجرد ألعوية في يد السلطة، تشتريهم لتسكتهم، أو تتخذهم أدوات لخداع الشعب وتزوير وعيه.
لقد أبدع طوروس أيضاً في قلب السحر على الساحر، وتبليع السم لصانعه، فأذاق الديسكولانديين ما أذاقوه للأجانب، فهاجروا، وتدافعوا، وغرقوا في البحار، وناموا على الأرصفة، وتكدسوا في الشوارع، وعلى أرضية السفن، وتشردت أسرهم وتمزقت، ولجأوا إلى دور الجوار، وكان الانتقام الساخر منهم هجرتهم إلى دول الشرق لتكون لهم ملاذاً ومأمناً، والتي كانت من قبل، ميدان جبروتهم وبطشهم، بل ووجدوا فيها الراحة والسكينة، وحياة أخرى أجمل وأرحب، وبصيص نور وأمل.
كما أبدع الجبوري في اختراع مسميات جديدة أو توظيفها بشكل رائع ومنها: عش الثلج، اللعنة الحمراء، وزارة الحواس، وزارة نقل الكلام، شعبة الصم البكم النطق، نزهة البراءة، مكبس الحرير، همس الملائكة، إلى غير ذلك تؤكد طول باعه وبراعته في الابتكار واستيلاد كل جديد.
ولا يفوتنا هنا أن ننوه بأنَّ إبداع طوروس المخيف، وراءه مؤلف مبدع، له قدرة عجيبة على اختراع فنون القتل والتدمير والتسلط والقهر. والسؤال: من أين جاء الجبوري بكل هذا؟ وأي قدرة عجيبة يمتلك؟ وماذا تراه يصنع لو امتلك سلطة كطوروس؟!!

اللغة الشعرية
لغة الرواية مبهرة وفاتنة وموحية بشتى الصور والتشبيهات والانفعالات، وما تبطنه أكثر مما تظهره، وهي لغة شعرية بامتياز، تُحلِّق بنا بعيداً في آفاقها وفضائها الرحب، لكأنها تنطق، وهذا لا يُستغرب من شاعر متمرس، أتقن أدواته الشعرية، ولمَّا ضاق به الشعر بما رحب، عرَّج إلى الرواية؛ علَّها تشبع نهمه، وتسعفه في نشر أفكاره، والتعبير عما يمور في أعماقه، واصطحب معه لغته الشعرية الثرية، فأكسبت الرواية رونقاً وبهاء، لكأننا نقرأ في بعض ثناياها شعراً لا نثراً!
اقرأ هذا النص مثلاً: “استشرت رائحة الحداد وصوره في كل مدن البلاد ومنازلها. كان الصمت سيد الموقف. ناس بوجوه متبلة بالظلام، فيما الأدمغة المحمولة في الرؤوس الآدمية، مراكب غارقة من ثقل أفكار تطحن أفكاراً، في عالم تسيطر عليه طواحين الإرهاب التي تدور دون توقف.”(227)
وأيضاً: “لقد عشت زمن صعود العنصرية وما زرعته في تراب العقل وعطر الروح وأرض البشر. لم أر خرابها كأي خراب. فما فعله العنصريون بالغرباء بالأجانب بالملونين، لا ترتقي إلى مستوى أفعال موجات الجراد في الحقول المزدهرة. كنا نقوض الأجانب برياحنا الضارية، وكانت أجساد الغرباء أشبه بجدران كارتون ترتجف. جاءوا مهزومي العقول هزيلي القامات، بعدما فعلت بهم سلطات الشرق ما نفعله نحن بالخنازير.”(330)
وقد أبدع الجبوري في صوغ عبارات وجمل وتراكيب دالة وربما جديدة من مثل: طوفان الليل، رائحة الهجرة، جفاف الاغتراب، موجات الموت، ظلام متحجر، حضارة البرد، سرير الماضي، نيران الكراهية، ثكنة المهمشين، بودرة الكراهية، بخار العواطف، البعوض العنصري، بطولة العدم، ثور تأليف، جيولوجية الرعب، تكرش الذهن، تبليط الشعوب، الكراهية التعبيرية، تراب العقل، كهربائيات الآلام،…. وغير ذلك من الأمثلة التي تمتع القارئ وتفتنه، ولولا الرعب الذي تثيره الرواية لجعلت البعض يرقص طرباً ونشوة!

وبعد، فإنَّ رواية “ديسكولاند” لأسعد الجبوري هي صرخة مدوية، وجرس إنذار من خطر يحدق بالعالم، ليس خطر العنصرية فحسب بل وخطر الطائفية وخطر الإقليمية، فكلها أوبئة تصدر عن بؤرة واحدة قذرة، ليس لها وقاية إلا بالوعي بالقيمة المطلقة للإنسان باعتباره إنساناً أولاً وأخيراً، له حق الحياة والعيش والتكريم، ولا اعتبار لأية اختلافات أخرى إلا بقدرها وحدودها التي لا تؤثر على الحقوق الأساسية للإنسان، فقد خلقنا الله مُكرَّمين من نفس واحدة، ولم يختر أحد فينا أصله أو فصله أو دينه أو عرقه أو بلده، فليحاسب الإنسان أخاه الإنسان على اختياراته، وغير ذلك فهو افتئات وظلم وتطاول على الخالق سبحانه.
لقد أبدع الجبوري في “ديسكولاند” وأرعبنا، وجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا خوفاً ورهباً، ولكن كل ذلك يُحسب له، فقد حذرنا من مستقبل مخيف قد يحدث، وهو ليس منا ببعيد، إن لم يتداركه الحكماء والعقلاء، وإن لم يفعلوا، فقد ينتظرنا مستقبل شيطاني مظلم، يكون طوروس بالنسبة له ملاكاً!

mosa2x@yahoo.com

شاهد أيضاً

د. أفنان القاسم: وليد رباح أورويل العرب

أولاً) مثلما هي لدى جورج أورويل في “مزرعة الحيوانات”، تنتمي قصة وليد رباح “فأر في …

شعرية العتبات النصية
قراءة في المجموعة الشعرية (سماوات النص الغائم) للشاعر عمار كشيش
أمجد نجم الزيدي

تمثل المتعاليات النصية والعتبات مداخل اجرائية، يمكن لنا الاستعانة بها في قراءة المدونات الكتابية في …

أحمد الشطري: تقنية الاسترجاع في رواية قصر الثعلب لإبراهيم سبتي

في روايته (قصر الثعلب) الصادرة عن دار الفؤاد للنشر في القاهرة عام 2019، اعتمد القاص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *